إسلام ويب

الأحاديث المعلة في باب الصيام [3]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المعلة المتعلقة بالصيام النهي عن الكحل للصائم، وقد ضعف بعبد الرحمن بن النعمان فهو ضعيف وأبوه مجهول، ثم إنه وردت أحاديث في المضمضة والحجامة والجماع صريحة صحيحة فكان الأولى بسند هذا الحديث أن يكون مثلها في القوة؛ لأن هذه المسألة مما يحتاج إليها الناس ومدعاة للنقل والاهتمام. ومن تلك الأحاديث: من أفطر يوماً من رمضان لم يجزه أن يصوم الدهر... فإن متنه مخالف لأصول الشريعة الحاثة على التوبة وأنها تعم جميع الذنوب.

    1.   

    حديث أنس: (كان رسول الله يفطر على رطبات فإن لم يجد فعلى تمرات...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فتكلمنا بالأمس على مجموعة من الأحاديث المعلولات في الصيام، وتكلمنا في المجلس السابق عن حديث أنس بن مالك عليه رضوان الله: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفطر على رطبات، فإن لم يجد فعلى تمرات وإلا حسا حسوات من ماء ).

    هذا الحديث اجتزأنا فيه الكلام في المجلس السابق، وهذا الحديث جاء من حديث عبد الرزاق عن جعفر بن محمد عن ثابت عن أنس بن مالك .

    هذا الحديث معلول بعدة علل: أول هذه العلل: هي تفرد عبد الرزاق في روايته له عن جعفر بن محمد , ولا يعرف هذا الحديث إلا من طريقه، ولهذا استنكره عليه أبو حاتم ، واستنكره عليه أبو زرعة أيضاً، فإنهما قالا: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عبد الرزاق عن جعفر ، ولا ندري من أين جاء به، يعني: أنه لم يكن معروفاً عن جعفر في روايته عن ثابت .

    العلة الثانية: أن هذا الحديث من مفاريد جعفر عن ثابت أيضاً، فإن جعفراً له مفاريد عن ثابت كما ذكر ذلك علي بن المديني فقال: إن له أحاديث منكرة يحدث بها عن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مكثر بالرواية عن ثابت ، مع سوء حفظٍ فيه.

    العلة الثالثة: أن الأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفطر لم يثبت فيها ذكر الرطب كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وقد أعل هذا الحديث البزار رحمه الله في المسند لما أخرجه، فإنه قال: لا يعرف هذا الحديث من حديث ثابت إلا من رواية جعفر ، ولا عن جعفر إلا من رواية عبد الرزاق ، قال: ورواه رجل من أهل البصرة هو سعيد بن سليمان ، يرويه عن جعفر بن ثابت عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال وأنكره عليه، وضعفه، يعني: أن هذا الحديث لا يعرف إلا من حديث عبد الرزاق في روايته عن جعفر عن ثابت عن أنس بن مالك ، وأعله ابن عدي رحمه الله في كتابه الكامل، فإنه أورده مع جملة مفاريد جعفر عن ثابت عن أنس بن مالك ، أما الدارقطني رحمه الله فقد أخرج هذا الحديث في كتابه السنن، وجاء بعده في السنن إسناده صحيح، والمتتبع لطريقة الدارقطني رحمه الله في أبواب علل الأحاديث بالتفرد يجد أنه يشدد في هذا، وهذا لا يجري على طريقته، ولهذا أقول: إنه ينبغي أن يحترز من إطلاق كلمة: إسناده صحيح عند الدارقطني في كتابه السنن، وينبغي أن ينظر إلى ما يتكلم عليه في كتابه العلل، وينظر إلى المناهج الأخرى فربما تكون هذه الألفاظ أو بعضها من النساخ وليس من الدارقطني ، والأصل في السنن أن الدارقطني صنفها لجمع المنكرات والمفاريد والغرائب في الأحكام، وإذا قصد هذا فإن ما يحكم عليه بالصحة وكذلك الحسن فإنه ينظر إلى هذا الاصطلاح عنده، وينظر أيضاً إلى مجموع كلامه في كتبه الأخرى، كالعلل وغيرها.

    1.   

    حديث: (أن رسول الله جاءه رجل يشتكي عينيه فقال له: أفأكتحل؟ قال: نعم )

    الحديث الثاني: حديث أنس بن مالك (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل يشتكي عينيه، فقال له: أفأكتحل؟ قال: نعم).

    هذا الحديث رواه الترمذي في كتابه السنن من حديث أبي العاتكة عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرد به أبو العاتكة في روايته عن أنس ، و أبو العاتكة منكر الحديث لا يحتج به، وقد تفرد بهذا الحديث ولا يثبت فيه شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أعل هذا الحديث الترمذي في كتابه السنن، وقال: لا يصح فيه شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني في باب الكحل للصائم من جهة الترخيص ومن جهة المنع.

    1.   

    حديث: (أن رسول الله أمر بالإثمد المروح عند النوم وقال: ليتقه الصائم)

    الحديث الثالث: ما رواه الإمام أحمد و أبو داود من حديث عبد الرحمن بن النعمان بن هوذة عن أبيه عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم، وقال: ليتقه الصائم ).

    هذا الحديث معلول بعدة علل:

    العلة الأولى: عبد الرحمن بن النعمان فقد ضعفه بعض الحفاظ، كـيحيى بن معين ، وغيره.

    العلة الثانية: أن والده مجهول.

    العلة الثالثة: أن هذا الحديث يتضمن معنى لا يستقيم على مجموع النصوص، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام في ظاهر هذا الخبر قال: ( أمر بالإثمد عند النوم )، وإذا أمر به عند النوم فمثل هذا الحكم يحتاج إليه، فلما لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقل الأمر به عند النوم دل على النكارة، وإذا كان يحث على هذا ولم يثبت إلا من هذا الوجه دل على عدم وروده أصلاً؛ لأن الأمر بمثل ذلك مما يحدث على الدوام، والإنسان ينام في كل يومٍ مرة أو مرات، ويحدث هذا لكل أحد، فمثل هذا النص ينبغي أن يرد كثيراً.

    العلة الرابعة: هي قوله: ( فليتقه الصائم ).

    فاتقاء الصائم جاء عند الأمر بالإثمد عند النوم، سواءً كان ليلاً أو نهاراً، والأمر بالاتقاء هو مقيد بالصائم، ومثل هذا الحكم: نهي الصائم عن فعل ينبغي أن يرد بأقوى من هذا كما ورد النهي عن الجماع للصائم، وعن الحجامة في قوله: ( أفطر الحاجم والمحجوم ).

    والنهي عن المبالغة في المضمضة والاستنشاق، فإذا قلنا: إن الإنسان يكتحل، خاصة النساء يكتحلن وهن مكلفات بالصيام، فيكتحل عامة النساء وبعض الرجال، ويكثر الكحل في الصدر الأول أيضاً حتى عند الرجال، ومع ذلك لم يرد النهي عن النبي عليه الصلاة والسلام إلا بمثل هذا الطريق، فهذا أمارة على النكارة، وإذا أردنا أن يصح مثل هذا المعنى فينبغي أن يرد بما هو أقوى من نظرائه مما يحدث أقل منه أو أن يكون مساوياً أو مقارباً لما هو مثله وقوعاً، ولهذا نقول: إن هذا الحديث حديث منكر.

    1.   

    حديث: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يستاك وهو صائم)

    الحديث الرابع: هو حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة من حديث ابن ربيعة عن أبيه أنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يستاك وهو صائم ).

    هذا الحديث علقه البخاري بصيغة التمريض، فقال: ويذكر عن عبد الله بن عامر بن ربيعة .

    هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد و أبو داود من حديث عاصم بن عبيد الله عن ابن ربيعة عن أبيه، تفرد بهذا الحديث عاصم بن عبيد الله وهو مضعف، بل قال بعض الحفاظ: إنه منكر الحديث، كـالبخاري فإنه قال في عاصم : منكر الحديث، وهذا الحديث لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والسواك للصائم جائز ليلاً ونهاراً، قبل الزوال وبعده، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي للصائم أن يستاك.

    1.   

    حديث: (من أفطر يوماً من رمضان لم يجزه أن يصوم الدهر ولو صامه)

    الحديث الخامس: حديث أبي هريرة عليه رضوان الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من أفطر يوماً من رمضان لم يجزه أن يصوم الدهر ولو صامه ).

    هذا الحديث رواه الإمام أحمد و أبو داود ، و الترمذي من حديث حبيب عن عمارة بن عمير ، عن أبي المطوس عن أبيه، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث حديث منكر، أنكره ابن خزيمة و البيهقي وغيرهم، وظاهر صنيع البخاري أنه يعل الحديث، وذلك أنه أخرجه في كتابه التاريخ وقال: لا يعرف لـأبي المطوس سماع من أبيه.

    وهذا الحديث معلول بعدة علل.

    أول هذه العلل: أن أبا المطوس لا يعرف له سماع من أبي هريرة كما ذكر ذلك البخاري وهذه علة.

    الثانية: أن هذا الحديث تفرد به أبو المطوس عن أبيه، وهذا منكر، وهذا الإسناد أبو المطوس عن أبيه لا يتفرد بشيء ويكون صحيحاً، وقد أنكر هذا الحديث غير واحد من الحفاظ كـابن خزيمة و البيهقي ، وغيرهم.

    العلة الثالثة: هو أن حبيباً الذي يرويه تارة عن أبي المطوس وتارة عن عمارة بن عمير ، وهو لم يسمعه من أبي المطوس ، وإنما سمعه من عمارة به، كما ذكر ذلك شعبة بن الحجاج فيما نقله الدارقطني .

    العلة الرابعة: أن المتن منكر، وذلك أن الشريعة في مثل هذا جاءت بالتيسير في أبواب القضاء والكفارات، والمتعمد لمن أفطر يوماً من رمضان الأصول تقتضي بيان العقوبة، وعدم إغلاق باب التوبة، وهذا الحديث يتضمن أنه لا يوجد لمن أفطر يوماً في رمضان ما يسد به تلك الخلة من قضاء الأيام، وسكت عن التوبة، وهذا لا يتناسب مع التشريع، وإن ذكرنا مراراً أن الذي يفطر يوماً متعمداً من رمضان أنه لا يجب عليه القضاء، وإنما يجب عليه التوبة والاستغفار، والمتعمد الفطر في نهار رمضان كتارك الصلاة متعمداً، وذلك أن العبادة هي أداء، وقضاء، وتكرار، وإعادة، وكل واحد منها لا بد فيه من دليل، فإذا أوجبنا القضاء فلا بد أن يكون على ذلك دليل، فالله عز وجل رخص وبين القضاء للمعذور، ثم قال: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة:184] لمن كان مترخص ممن به مرض أو على سفر، ومن في حكمهم، أما المتعمد فليس في الشريعة إثبات القضاء عليه، ويكون ذلك توبة له، الكفارة تكون للناسي، وذلك أن الله عز وجل يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك )، إذاً: هذا الموضع هو موضع تكفير، الإتيان بهذا العمل بعد فواته هو تكفير، ولا نقول: إن إتيان الإنسان بالصيام بعد أن تركه عمداً غير تكفير، فهذا العمل إما أن يكون تكفيراً وتوبة بذاته، وإما ألا يكون، فنقول: إما أن يكون توبة فذاك جرمه لا يكفر بالإتيان به، وذلك كحال الرجل الذي يقول: أنا لا أريد أن أصوم رمضان في الشهر التاسع، أريد أن أصوم في ذي القعدة، أو في ذي الحجة، أو شخص من الجهال، أو زنادقة يقول: رمضان حر، أريد أن أجعل ذلك مبكراً في صفر، وذلك في الشتاء نصوم الشهر، فإذا سوغنا أن قضاء الإنسان المفطر في رمضان عمداً كفارة نسوغ أن العبادة يفعلها متى شاء ويكون بذلك كفارة، لهذا نقول: إن تارك الصيام والصلاة متعمداً لا يجوز ولا يصح منه القضاء أصلاً، إنما يصح منه التوبة والاستغفار والإنابة؛ لأن جرمه أعظم من أن يقضى، لهذا يدعى إلى التوبة والاستغفار يبين أمره وخطورته، ومن الإشارة هنا أن بعض الناس حينما يفطر متعمداً من رمضان أو يدع الصلاة متعمداً، أو بعض الفساق حينما ينام على الصلاة متعمداً، يضع رأسه وهو يعلم، يرى المؤذن يؤذن ثم يقول: أصليها مع الصلاة الأخرى، إذا أداها أوجد الشيطان في نفسه راحة وطمأنينة أنه أسقط هذه العبادة عن نفسه، وهذا تسويل الشيطان، والإنسان قد يجد الراحة، ولهذا الجاهليون يجدون الراحة وانشراح الصدر حينما يأتون للأضرحة ومزارات القبور، ويأتون إليها، وهذا أمر معلوم، الانشراح الذي يجده الإنسان في بعض الأعمال المحرمة من الشيطان، لهذا نقول: هذا من الوهم، الواجب على الإنسان أن يتوب ويستغفر، والإنسان إذا وجد حسرة على العبادة التي فاتته وأنها لا تقضى بقيت في قلبه ويستدرك ما يستقبل من صلوات، بخلاف الذي يرى أنه كلما ترك قضى، فالأمر لديه هين، فيتساهل الناس في أمر العمد، وهذا في باب الصلاة وكذلك في باب الصيام.

    أما الأعرابي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره أنه جامع أهله، وكونه أفطر متعمداً.

    فيقال: مسألة المجامع في رمضان الجماع من محظورات الصيام، وهل يفسد الصوم أم لا؟ جمهور العلماء يرون أنه يفسد الصيام، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالقضاء، وإنما أمره بالكفارة، فهذا كفارة الجماع، وأما كفارة إفطار يوم من رمضان متعمداً فكفارته التوبة والاستغفار، الإتيان بالعمل الصالح، (فإن الحسنات تذهب السيئات).

    1.   

    حديث: (من استقاء فليفطر)

    الحديث السادس: حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من ذرعه القيء فلا يفطر، ومن استقاء فليفطر )، وجاء في لفظ: ( من أصابه قيء أو قلس فليس عليه القضاء، ومن استقاء فليفطر ).

    هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد و أبو داود ، و الترمذي ، و النسائي ، و ابن ماجه ، و الدارقطني ، وغيرهم من حديث عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث ظاهر إسناده السلامة، فإنه يرويه عيسى بن يونس وهو ثقة، عن هشام بن حسان وهو ثقة، عن محمد بن سيرين وهو ثقة إمام، عن أبي هريرة عليه رضوان الله.

    علة حديث: (من استقاء فليفطر)

    ولكن عامة الأئمة على إنكاره، وذلك من وجوه: أولها: أن هذا الحديث تفرد به عيسى بن هلال و عيسى بن هلال مع ثقته إلا أن تفرده بمثل هذا الحديث بطبقة متأخرة مما أخذ عليه، وقد نبه على هذا غير واحد من العلماء أنه من مفاريد عيسى كما أشار إلى هذا الإمام أحمد رحمه الله، فإنه قال: هذا ليس في كتاب عيسى بن يونس ، وقد أخطأ فيه، وبين هذا البخاري رحمه الله فقال: هذا لا يصح، وقال الترمذي : لا أراه محفوظاً، وعامة الأئمة على إنكاره.

    العلة الثانية: أن عيسى بن يونس لديه كتاب، وكتابه هو الذي يضبطه ويحدث به، وإذا حدث بحديث فإنه ينبغي أن ينظر ما لم يكن من كتابه فإنه ينكر عليه، والأصل فيه أنه لا يحدث من كتاب، والأصل في روايته القبول، وقد نص الأئمة رحمه الله على أن هذا الحديث ليس من كتابه، وإنما أخذه من هشام من غير كتاب كما نبه على هذا الإمام أحمد رحمه الله فقال: هذا ليس في كتاب عيسى بن يونس .

    العلة الثالثة: أن هذا الحديث تفرد به هشام بن حسان عن محمد بن سيرين ، كما نبه على ذلك الدارمي رحمه الله، فإنه نقل عن أهل البصرة أنهم يقولون: أن هشام بن حسان تفرد بهذا الحديث عن محمد ، وموضع التفرد هاهنا، يعني في هذا الموضع في رواية هشام بن حسان عن محمد بن سيرين ، ولعل هذا له وجه، فإن البيهقي رحمه الله ذكر في كتابه معرفة السنن والآثار أن هذا الحديث من مفاريد هشام بن حسان عن محمد بن سيرين ، ويؤيد ذلك ويعضده أن ابن ماجه رحمه الله قد أخرج هذا الحديث من حديث حفص بن غياث عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم به، مما يدل على أن عيسى قد توبع عليه، وأن التفرد يحتمل أن يكون من هشام ، ولكن يقال: إن هشاماً قد تفرد به وكذلك أيضاً عيسى بن يونس ، وأما رواية حفص بن غياث فتحتاج إلى تأمل، فإنه ذكرها الحافظ ابن حجر رحمه الله ونسبها لـابن ماجه .

    العلة الرابعة في هذا: أن هذا الحديث عن أبي هريرة خالفه موقوف عنه صحيح، وهذا الحديث يتضمن التفصيل في مسألة القيء، أن ( من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فليفطر )، وهذا التفصيل فيه خالفه ما جاء عن أبي هريرة عليه رضوان الله كما جاء في حديث عمر بن الحكم بن ثوبان عن أبي هريرة أنه قال: ( من قاء لم يفطر إنما يخرج ولا يدخل )، يعني: أنه لا يدخل إلى جوفه شيئاً، وهذا أخرجه البخاري في كتابه التاريخ وهو صحيح، وهو الذي احتج به البخاري إذ علقه، وجاء عن عطاء بن أبي رباح أيضاً.

    مخالفة الصحابي لما رواه

    وهنا مسألة وهي: أن الصحابي إذا روى حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خالفه بفتيا له فإن هذا من أمارات الإعلال، ومثل هذا الحكم التعبد الذي يتعلق بركن، وثبت فيه عند الصحابي عن النبي عليه الصلاة والسلام نص ينبغي ألا يخالفه؛ لأنهم أهل اللغة وأولى بأن يعملوا بما يروونه عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا من قرائن الإعلال وليس من الدلائل القاطعة، وهذا يؤكد في بابٍ آخر من وجوه الإعلال وهي مواجهة لهذه القرينة: أن الصحابي إذا روى حديثاً وفيه ضعف يسير ثم وافقه بالفتيا أن هذا من المقويات للحديث المرفوع.

    العلة الخامسة: أن هذا الحديث يتضمن حكماً مهماً، وتفصيلاً جليلاً يحتاج إلى مثله، فلا يخلو عامة الناس خاصة المتصدر من أن يستفتى بمثل هذه الأحوال في مسألة القيء، وحاجة الإنسان ربما لأن يستقيء بنصيحة طبيب، أو ربما لعلة فيه يريد أن يخرج طعاماً، فهل ذلك يفطر أم لا؟ وهذا ربما يقع من الإنسان من غير إرادة، وربما يقع منه بإرادة، فثبوت ذلك بالنص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمور التي تتداعى الهمم على نقلها، ولما لم تنقل دل على عدم ثبوت ذلك، نعم، جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في سنن أبي داود أنه قاء فأفطر، وإسناده مستقيم، وهذا القيء من النبي عليه الصلاة والسلام والفطر لا يدرى هل هو في فريضة أم نافلة؟ ويحتمل أن يكون في نافلة، والنبي عليه الصلاة والسلام يفطر من غير قيء في النافلة إذا وجد طعاماً أكل ولم يتم صومه، فربما فعل ذلك للترخص، أو خشية ضعف البدن، فلهذا نقول: إن مثل هذا الحكم ينبغي أن يأتي صريحاً.

    1.   

    حديث (إذن النبي صلى عليه وسلم لرجل بمباشرة زوجه ومنعه الآخر وهما صائمان)

    الحديث السابع: هو حديث أنس بن مالك عليه رضوان الله ( أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنه بمباشرة امرأته فأذن له، وجاءه رجل آخر فاستأذنه فلم يأذن له، فإذا الذي اذن له شيخ، والذي لم يأذن له شاب ).

    هذا الحديث رواه الإمام أحمد و أبو داود ، و البيهقي في سننه من طريق أبي داود ، من حديث إسرائيل ، عن أبي العنبس عن الأغر به، وهذا الحديث منكر، تفرد به أبو العنبس وهو مجهول لا يعرف، ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام تفريق في مسألة المباشرة، والمراد بالمباشرة ما ليس بجماع الذي لا يتضمن إنزالاً فإن ذلك جاء فيه الترخيص عن جماعة من الصحابة، كما جاء عن عبد الله بن عباس و عائشة ، و سعد بن أبي وقاص ، و عبد الله بن مسعود ، و عبد الله بن عمر ، وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتفصيل في ذلك لا أعلم فيه شيء يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    حديث تقبيل النبي عليه الصلاة والسلام عائشة ومص لسانها)

    الحديث الثامن: حديث عائشة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم، ويمص لسانها ).

    هذا الحديث منكر، أخرجه أبو داود في سننه من حديث محمد بن دينار عن سعد بن أوس ، عن مصدع أبي يحيى ، عن عائشة ، والحديث معلول بعدة علل: أول هذه العلل: محمد بن دينار فإنه ضعيف، ضعفه يحيى بن معين ، والإمام أحمد ، و النسائي ، وكذلك سعد بن أوس فإنه ضعفه يحيى بن معين ، وقد تفرد بهذا الحديث.

    العلة الثالثة: أن هذا الحديث فيه مصدع أبو يحيى وهو مقل الرواية، وهو في حكم المجهول.

    العلة الرابعة: أن هذا الحديث في الصحيحين عن عائشة ، وفي مسلم من حديث حفصة ، وفيه التقبيل فقط من غير زيادة.

    العلة الخامسة: أن اللعاب يفطر إذا دخل جوف الإنسان من غيره.

    العلة السادسة: أن مصدعاً رجل مجهول، فلا يمكن أن تحدثه عائشة بمثل هذا الحديث، دون أن تحدث أحد من حولها من أهل بيتها، كـعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر ، و عبد الرحمن القاسم ، أضراب هؤلاء، و عروة لأنها خالته، تحدث عبد الله لأنها خالته، ونحو ذلك، لكن أن يأتي هذا عن مصدع أبي يحيى فهذا منكر، فالحديث معلول بسبع علل.

    لهذا نقول: إن هذا الحديث حديث منكر أنكره الحفاظ، وحمل الحفاظ النكارة في محمد بن دينار ؛ لأنه أقرب الرواة في التحديث إلينا، وأحقهم أولاهم بالإنكار، فإنه مضعف، ولهذا يقول النسائي رحمه الله: لا تعرف هذه الزيادة إلا في حديث محمد بن دينار في حديث عائشة ، مع أن حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى في تقبيل الصائم جاء من طرق متعددة لهذا ولم يذكروا هذه الزيادة، وهي زيادة منكرة.

    لهذا ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يبحث حديثاً أن ينظر في أصول هذا الحديث وألفاظه، أن ينظر فيها من جهة قوتها، وضعفها، وكذلك المصنفات التي أوردتها، كالصحاح، وكذلك من هو أعلى منها في الكتب المصنفة القديمة، فإنه في الغالب أن ما صح عند متقدم أنه ما يصح الزيادة فيه عند متأخر، ويمكن أن يضاف علة سابعة في هذا أن يقال: إن محمد بن دينار متأخر الطبقة في مثل هذه التفردات، فزاد تأخره مع ضعفه مع مخالفته لغيره في هذه العلة، فأصبح الحديث منكراً، ولهذا نقول: إن هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نكتفي بهذا القدر.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.