إسلام ويب

شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث [13]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يشرع الصلاة والجهاد خلف الوالي المسلم وإن ظلم، والدعاء له بالتوفيق والصلاح. وعلى المسلم أن يعظم قدر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يكف لسانه عما شجر بين أصحابه رضوان الله عليهم.

    1.   

    بعض الحقوق المتعلقة بالولاة والأمراء

    بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

    الصلاة خلف البر والفاجر

    قال المصنف رحمه الله: [ ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلاة خلف كل إمام مسلم براً كان أو فاجراً ].

    ما يتعلق ببعض المسائل الفرعية التي يذكرها الأئمة في مسائل الاعتقاد، ويدرجونها في ثناياها, ويخللون هذه المسائل لوجود خلاف عند بعض أهل البدع, ويشهرون أمثال هذه المسائل فتكون علماً عليهم, كما يدخل الأئمة ما يتعلق بمسألة المسح على الخفين لمخالفة الرافضة في ذلك, وكذلك ما يتعلق بالصلاة خلف الإمام البر والفاجر والقتال معه, وغير ذلك من المسائل التي لا تندرج ضمن مسائل العقائد؛ وذلك لاشتهارها, حتى يكون ثمة معرفة لما ظهر من منهج أهل الابتداع والضلال وبين أهل الإسلام, وذلك من العلامات والدلائل الفارقة بين أهل الحق وأهل الباطل ليهتدي الإنسان بذلك على ما ورائها.

    جهاد الكفار مع الولاة

    قال المصنف رحمه الله: [ ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة ].

    هنا يقول: (ويرون جهاد الكفرة معهم) يعني: أن الإمام إذا كان ظالماً أو فاسقاً ومهما بلغ ظلمه ما لم يقع في الكفر فإنه يقاتل معه, قال: قتال الكفرة, يعني: أنه مسلم, أما إذا كان كافراً هو في ذاته؛ فلا يجوز للإنسان أن يقاتل معه؛ لأن قتاله خلف إمام كافر قتال جاهلية, لا يجوز للإنسان أن يقاتل معه على الإطلاق, والجهاد على نوعين: جهاد دفع, وجهاد طلب.

    وجهاد الدفع لا يشترط له نية, وإنما تحقق المقصد مجرداً, وأما جهاد الطلب فهو الذي تطلب له النية, وتشترط له الشروط المشهورة مما يتكلم فيه العلماء في مسائل الجهاد.

    ولهذا نقول: إن الإنسان إذا دافع عن ماله أو عرضه أو دمه فإنه لا يشترط لذلك أن ينوي ذلك أنه لله حتى يكون صادقاً, بل لو أنه دفع عن عرضه مجرداً من غير استحضار نية وقتل لكان شهيداً, بخلاف قتال الطلب وجهاد الطلب, لا بد به من نية, جاء في السنن من حديث سعيد بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من قتل دون ماله فهو شهيد, ومن قتل دون أهله فهو شهيد, ومن قتل دون دمه فهو شهيد ), هذا جهاد الدفع, فلا يشترط له نية, وما دمت تدافع عن المال وتدافع عن الدم وتدافع عن العرض فأنت شهيد لمجرد وجود ذلك.

    أما جهاد الطلب كما جاء في الصحيح: ( قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: الرجل يقاتل للمغنم, والرجل يقاتل حمية, والرجل يقاتل ليرى مكانه, أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون الله هي العليا فهو في سبيل الله ), مع أنه ذكر الرجل يقاتل للمغنم, يعني: لأجل المال, وفي ذاك قال: ( من قتل دون ماله فهو شهيد ), لأن الذي يقاتل لكسب المال طلباً قاتل لغير الله فميتته ميتة جاهلية.

    ولهذا نقول: إن قتال الدفع لا يشترط له نية, وأما جهاد الطلب فتطلب له نية إعلاء كلمة الله.

    والذي يقتل دفاعاً عن دمه وعرضه فهو شهيد, ولو لم يتحقق فيه الإخلاص أو يطرأ عليه, وقد جاء عند النسائي وغيره من حديث قابوس بن أبي المخارق عن أبيه أنه قال: ( جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! الرجل يأتيني يريد أن يأخذ مالي, فقال: لا تعطه مالك, قال: فإن غلبني؟ قال: فاستنصر بمن حولك من المسلمين, قال: إن لم يكن حولي أحد؟ قال: استنصر من السلطان, قال: إن نأى السلطان عني؟ قال: قاتل دون مالك ), حتى تدفع عن مالك وتقتل ثم تكون من شهداء الآخرة.

    ففي مسألة الدفع يختلف, ولهذا إذا وجدت أمة تدافع عن عرضها تنصر ولو كانت فاسقة, أو لو كانت كافرة, تنصر؛ فإذا كان لديك جار نصراني أو جار فاسق أو جار يهودي أو غير ذلك, صال عليه صائل يريد أن ينتهك عرضه أو أن يستبيح ماله, فاستنصر بك وجب عليك النصر أو لم يجب عليك؟ وجب.

    وهل تبحث عن نية تقول: أنت تنوي أو لا تنوي؟ لا تبحث عن النية, بل تقوم بنصره؛ لأنه مظلوم ويدفع عن ظلمه, بخلاف لو جاءك وقال: إني أريد أن أقاتل أناساً, هل تأتي وتقاتل معه؟ لا؛ لأنه قتال طلب، لا بد فيه من تحقق إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى.

    ولهذا نقول: إن إخواننا في سوريا يدافعون عن أعراضهم ودمائهم, ويدافعون عن أموالهم التي استبيحت باستباحات متنوعة بشعة, فيعانون على اختلاف أحوالهم, بخلاف لو كانوا صفاً يريدون أن يطلبوا عدواً, حينئذٍ نبحث في مسألة إعلاء كلمة الله ومن يريد تحقيقها.

    الدعاء للولاة بالصلاح والتوفيق

    قال المصنف رحمه الله: [ ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف ].

    وذلك أن الدعاء للحاكم بالصلاح في ذلك صلاح أقواله وأفعاله, وصلاح أقواله وأفعاله صلاح الناس, فإنه إذا قال أو فعل ائتسى واقتدى به الناس, إن صلح صلحوا في الغالب، وإن فسد فسدوا, ولهذا يدعى لهم بالصلاح والهداية، ولا يدعى لهم بمزيد فساد؛ لأن في فسادهم ضلال.

    وهذا الدعاء يختلف العلماء في مواضعه, ولا يعرف الدعاء للأئمة في خطب الجمع لدى السلف, لم يكن ذلك معروفاً, وقد ذكر الشافعي رحمه الله عن عطاء في كتابه الأم أن هذا محدث, وإن شهد بعض الفقهاء أن دعاء الأئمة هذا من الأمور المشروعة, وعلى هذا في كل موضع دعاء يدعو الإنسان فيه, سواء كان ذلك في الجمع أو كان ذلك في المجالس العامة أو كان ذلك في دعاء الإنسان في سجوده ونحو ذلك.

    ولكن نقول: إن مواضع الأدعية المشروعة يدعو بها الإنسان بلا إفراط ولا تفريط, فإن كثيراً من الأدعية التي يدعو بها الإنسان تخرج عن كونها دعاء وطلب الإصلاح إلى كونها مدحاً؛ تتضمن معاني المدح, فالإنسان حينئذٍ يستجلب إصلاحاً وصلاحاً, لا يستجلب مدحاً ورفعة.

    القتال مع الإمام ضد الفئة الباغية

    قال المصنف رحمه الله: [ ويرون قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى طاعة الإمام العدل].

    الفئة الباغية التي تبغي على إمام المسلمين نقول: إذا كان الإمام مسلماً وخرج عليه فئة فإنها تقاتل باعتبار أنها باقية, وإذا خرج خارج من المسلمين على إمام ليس من المسلمين فإنه لا يذاد عنه, نقل ابن القاسم عن الإمام مالك رحمه الله أنه قال: إذا خرج خارج على إمام صالح كـعمر بن عبد العزيز يقاتل معه, وإذا خرج خارج على غيره فيترك ظالم سلطه الله على ظالم، ثم ينتقم الله منهما.

    فيدعى لأئمة الإسلام مهما بلغوا ظلماً بالصلاح, ويقاتل إذا خرج عليهم خارج من الناس, باعتبار أن هؤلاء فئة قد بغوا على إمام المسلمين.

    1.   

    الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

    قال المصنف رحمه الله: [ ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيباً لهم ونقصاً فيهم. ويرون الترحم على جميعهم, والموالاة لكافتهم ].

    هذا تقدم الإشارة إليه في منزلة الصحابة وحقوقهم على هذه الأمة وحقوقهم على هذه الأمة لحب النبي عليه الصلاة والسلام لهم، وكذلك لنصرتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتمكينهم له، فدوه بالمال وفدوه بالنفس، ومن لم يكن لديه مال، ولديه قوة وقدرة وجاه، فيكفي في ذلك أنهم أمدوا النبي عليه الصلاة والسلام عدداً، فتكثير السواد حول النبي صلى الله عليه وسلم حينما يأتيهم أمراء القبائل، أو يأتيهم رسل الملوك، أو يخرج النبي عليه الصلاة والسلام ومعه سواد عظيم، وجود هؤلاء له منزلة عند الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يختلف عن غيره، فبوجوده يمكن الله عز وجل لهذا الدين العظيم، ولهذا هؤلاء كانوا قواعد لثبات الدين ورسوخه وتمامه، ثم بعد ذلك ذيوعه وانتشاره، يحبون وحبهم إيمان، ويبغض من يبغضهم، ويسب من سبهم، ويحذر منهم.

    والسب للصحابة عليهم رضوان الله على ما تقدم تفصيله، وكذلك بيانه يترضى عنهم عند ذكرهم، ويدعى لهم، وتذكر مناقبهم بحسب الحال، إذا وجد من يطعن به بعينه من الصحابة في زمن من الأزمنة تذكر المناقب، وإذا وجدنا أحد الصحابة في زمن من الأزمنة ظهر الطعن فيه، وذكر مثالبه، نكثر من ذكر فضله ومنزلته حتى تستوي الكفة، ويظهر ما غيبه الناس من فضله، فإن ذكر المساوئ أو الأخطاء أو الزلل الذي يطرأ على الإنسان صح ذلك أو لم يصح، وإظهاره للناس يوغر صدور الناس على الذي يذكرونه، فيذكر في مقابل ذلك الفضل وجلالة القدر وعلو المنزلة، وغير ذلك؛ حتى يعرف الناس العدل والإنصاف في هذا الباب.

    والأصل في ذلك أنه يذكر على سبيل الإجمال فضل الصحابة، ويتمايزون بذكر الفضل بحسب منزلتهم، الخلفاء الراشدون أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي بن أبي طالب ، ثم العشرة المبشرون بالجنة يذكرون، ويستوي في ذلك من جهة فضلهم بذكر المناقب، أعلاهم في ذلك على ما تقدم ترتيبه، إلا إذا وجدت حاجة لذكر واحد منهم أو من غيرهم أكثر الناس عليه بذكر الأخطاء أو الزلات أو الاستنقاص أو نحو ذلك، كحال معاوية عليه رضوان الله تعالى، إذا وجد في زمن لا حرج من الإكثار من ذكره وذكر مناقبه، والتأنيب في ذلك والرد على أهل الهوى، ولو غلب في زمن أو في حبه ذكر فضله أكثر من فضل غيره، لماذا؟ لأن الحاجة قائمة في ذلك، دفاعاً عنه وذباً عن عرضه.

    كذلك ممن يطعن في عائشة عليها رضوان الله أم المؤمنين وغيرها من أمهات المؤمنين وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تنظر المناقب ولو أكثر من غيره ممن هو أفضل منه، وذلك ليظهر ما يخفي أهل الابتداء حتى لا ينطلي ذلك على عامة الناس.

    1.   

    تعظيم قدر أمهات المؤمنين

    قال المصنف رحمه الله: [وكذلك يرون تعظيم قدر أزواجه رضي الله عنهن، والدعاء لهن ومعرفة فضلهن، والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين ].

    فضل أمهات المؤمنين أخذنه من فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما سمين بأمهات المؤمنين إلا لأن النبي أبو المؤمنين، ولهذا الله عز وجل: وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]، وجاء في قراءة أبي بن كعب : وهو أبوهم.

    لماذا تسمى أزواج النبي عليه الصلاة والسلام بأمهات المؤمنين، ولا يسمى النبي عليه الصلاة والسلام بلقب على لأنه أبو المؤمنين، لأن أعلى الألقاب لهن هو أم المؤمنين، وأعلى الألقاب للنبي عليه الصلاة والسلام لقب النبوة أم لقب الأبوة؟ لقب النبوة، ولهذا لا يسوغ ولا يجوز أن يجعل ذلك لقباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما يذكر على سبيل الاعتراض؛ لماذا؟ لأن ذلك يفوت اللفظ الأعظم والأشرف لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لفظ النبوة، فنقول: رسول الله، ونبي الله.

    أما أمهات المؤمنين لما كان أشرف الألقاب هنا هو لقب أمهات المؤمنين، فنقول: أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين أم سلمة ، وأم المؤمنين حفصة وهكذا، وعلى سبيل الإجمال نقول: أمهات المؤمنين.

    1.   

    سبب دخول الجنة

    قال المصنف رحمه الله: [ويعتقدون ويشهدون أن أحداً لا تجب له الجنة وإن كان عمله حسناً، وطريقه مرتضى إلا أن يتفضل الله عليه، فيوجبها له بمنه وفضله، إذا عمل الخير الذي عمله لم يتيسر له إلا بتيسير الله عز اسمه، فلو لم ييسره له ولو لم يهده لم يهتد له أبداً، قال الله عز وجل: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ [النور:21] في آية سواها].

    يقول العلماء: إن الإنسان إذا وفقه الله عز وجل إلى طاعة عليه أن يحدث مثلها؛ شكراً لله سبحانه وتعالى على ذلك التوفيق، فأعظم النعم نعمة الإسلام ونعمة الطاعة ونعمة الدين، ولهذا الله عز وجل سماها نعمة، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3]، قال الله عز وجل: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ [آل عمران:103]، ما هي نعمة الله؟ نعمة الله أن حوله من الكفر إلى الإسلام، من المعصية إلى الطاعة، من الشر إلى الخير، هذه نعمة الله سبحانه وتعالى على الإنسان أن يتذكرها، يتذكر حاله قبل ذلك، زمن تفريط فيحمد الله سبحانه وتعالى على ما هو عليه.

    وينبغي أن يؤمن إن كل طاعة طاعة حتى يستديم الطاعة ويثبت على ذلك، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( قل آمنت بالله فاستقم )، يعني: لا يكفر الإنسان إذا ظهر منه الإيمان المجرد، بل لا بد من الاستقامة حتى لا تطرأ عليه منيته وهو في حال بعد عن مذهب الاستقامة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول كما جاء في الصحيح من حديث سهل : ( إنما الأعمال بالخواتيم ).

    1.   

    كتابة آجال المخلوقات

    قال المصنف رحمه الله: [ويعتقدون ويشهدون أن الله عز وجل أجل لكل مخلوق أجلاً، وأن نفساً لن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً، وإذا انقضى أجل المرء فليس إلا الموت، وليس منه فوت، قال الله عز وجل: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]، وقال: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا[آل عمران:145]].

    الله سبحانه وتعالى يقدر بالكون آجالاً، يقدر أجلاً عاماً وأجلاً خاصاً، أجلاً عاماً لعموم الكون أو الأمم أو الجماعات، أو القبائل أو الشعوب أو الدول، هذا الأجل العام.

    أما الأجل الخاص فهو آجال الأفراد، آجال الأعيان، آجال فلان وفلان، وآجال المخلوق الفلاني، أو الذرة الفلانية، أو القطرة الفلانية، أو ورقة الشجر الفلانية أو نحو ذلك، فلها آجال.

    وأما الآجال العامة فهي آجال الدول التي تضعف وتضعف، ثم بعد ذلك تزول، ويندرج في ذلك خلق آجال خاصة ذهبت، ثم لو بدأت هذه الأمور تضعف حتى زالت بكاملها، وأصبح ذلك بتقدير الله عز وجل لا يخرج الإنسان عنه، ولا تخرج الأمم ولا الشعوب والدول ولا القبائل عنه قيد لحظة واحدة.

    قال رحمه الله: [ويشهدون أن من مات أو قتل فقد انقضى أجله، قال الله عز وجل: لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران:154]، وقال: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78]].

    فهي آجال مضروبة، لا يعلم أحد مهما بلغ فضله أجله، ولا أفضل في الخلق من محمد صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لا يعلم الأجل، ولكن قد يعلم القرب والدنو، فلهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شعر بدنو أجله، ولكن النفوس لا تعلم متى الآجال، ولا تعلم بأي أرض تموت، بأي بقعة من الأرض أن يقبض الله عز وجل نفس الإنسان، وهذه من الأصول التي يعتقدها أهل السنة، ويطرأ على ذلك جملة من الفروع ما يتعلق بالتطرق والاستشفاء وغير ذلك، هذه هي من الأمور المستحبة وليست مستحبة، وتفصيل العلماء في هذا، إما هذا ليس محل.

    1.   

    خلق الله للشياطين ووسوستهم

    قال المصنف رحمه الله: [ ويعتقدون أن الله سبحانه خلق الشياطين يوسوسون للآدميين، ويعتمدون استزلالهم ويترصدون لهم، قال الله عز وجل: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ[الأنعام:121]، وأن الله يسلطهم على من يشاء، ويعصم من كيدهم ومكرهم من يشاء، قال الله عز وجل: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا[الإسراء:64]، إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ[النحل:99-100]].

    وذلك أن الله عز وجل يقول: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فما من شيء إلا والله عز وجل خالقه، سبحانه وتعالى، ومن ذلك الجن خلقهم الله عز وجل يوسوسون لعباد الله سبحانه وتعالى، وخلقهم الله عز وجل لحكمة ليدخل في ذلك الابتلاء والامتحان، ويميز الله عز وجل أهل الصدق والإيمان، ولهذا نقول: إن أعداء الإنسان ثلاثة: عدوه الأول: نفسه الأمارة بالسوء، عدوه الثاني: شياطين الجن، عدوه الثالث: شياطين الإنس، وهؤلاء الثلاثة إذا توقع منهم الإنسان واحتاط وفق وسدد، وإذا أمن مكرهم ضل وزاغ بحسب أمنه وبحسب بعده عن الحق.

    1.   

    الإيمان بوجود السحر وحقيقته

    قال المصنف رحمه الله: [ويشهدون أن في الدنيا سحراً وسحرة، إلا أنهم لا يضرون أحداً إلا بإذن الله عز وجل، وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102] ].

    السحر في ذاته يؤمن بوجوده وتحققه، وإنما سمي سحراً لخفائه، ولهذا يسمى السحر بالسحر لخفاء الإنسان فيه، فإذا أراد الإنسان أن يسير، أو أراد أن يستخفي عن غيره سار فيه، فسمي سحراً، وكذلك يسمى السحر وهو نحر المرأة لأنها تخفيه، ولهذا جاء في الصحيح عن عائشة عليها رضوان الله تقول: ( توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري )، وأريد بذلك هذا الموضع الذي يخفى، فما خفي يسمى سحراً أو سحراً، والسحر سمي بهذا من هذا الاشتقاق من جهة الأصل، وذلك لخفائه وعدم الإدراك للإنسان بحقيقته، ولكنه يرى ويلبس آثاره، يلبس آثار ذلك السحر عليه أو على غيره.

    قال رحمه الله: [ ومن سحر منهم واستعمل السحر، واعتقد أنه يضر أو ينفع بغير إذن الله تعالى فقد كفر ].

    وأهل السنة يؤمنون بالسحر ووجوده، ويؤمنون أيضاً بكون الساحر كافر باعتبار أنه لا يتحصل لأمثال هذه الأشياء إلا عبر وسائل وعتبات الكفر.

    ويؤمنون بأن للسحر حقيقة، وأنه ليس تخيلات مجردة، له حقيقة، ليست تخيلات تطرأ على الإنسان، التخيلات التي تطرأ على الإنسان كحال الأحلام التي يراها الإنسان في المنام متناقضة وعجيبة، وليس لها تركيب في الكون مثلاً، فهذه شبيهة بمن يقول: إن السحر ليس له حقيقة، وإنما هو تخيلات، وعلى هذا ما يطرأ على الإنسان أن يأتيه في منامه مما يرآه، مما يصعب عليه تصديقه في الواقع أن هذا يكون من السحر، بل نقول: إن للسحر حقيقة، وله خيال.

    قال رحمه الله: [ وإذا وصف ما يكفر به استتيب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وإذا وصف ما ليس بكفر، أو تكلم بما لا يفهم نهي عنه، فإن عاد عزر، وإن قال: السحر ليس بحرام، وأنا أعتقد إباحته وجب قتله؛ لأنه استباح ما أجمع المسلمون على تحريمه].

    وقد يأتي في ذلك جملة من الأحاديث (حد الساحر ضربة بالسيف)، وهذا الحديث فيه ضعف، ولكن جاء عن عمر بن الخطاب وجاء عن حفصة ، وجاء عن ابن عمر أنهم قتلوا الساحر.

    نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.