إسلام ويب

شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث [12]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان بالقدر خيره وشره من الأمور الواجبة التي لا يصح إيمان العبد إلا بها, فعلى المسلم أن يؤمن بأن الله عز وجل قدر المقادير، وأن تقديره لا يعطل على العبد اختياره ومشيئته. وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لكثير من أصحابه أنهم من أهل الجنة, وأفضل أولئك هم العشرة المبشرون بالجنة, وأفضل العشرة هم الخلفاء الراشدون الأربعة.

    1.   

    خلق أفعال العباد

    بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد أنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون فيه، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه.

    ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء لدينه, ويضل من يشاء عنه، لا حجة لمن أضله الله عليه، ولا عذر له لديه، قال الله عز وجل: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:149], وقال: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [السجدة:13], الآية, وقال: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ [الأعراف:179], الآية, سبحانه خلق الخلق بلا حاجة إليهم، فجعلهم فرقتين: فريقاً للنعيم فضلاً، وفريقاً للجحيم عدلاً، وجعل منهم غوياً ورشيداً، وشقياً وسعيداً، وقريباً من رحمته وبعيداً، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54], وقال عز وجل: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الأعراف:29-30], وقال: أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ [الأعراف:37], قال ابن عباس : هو ما سبق لهم من السعادة والشقاوة.

    أخبرنا أبو محمد المجلدي أخبرنا أبو محمد العباس السراج حدثنا يوسف عن موسى أخبرنا جرير عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: ( إن خفق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات، رزقه وعمله وأجله، وشقي أو سعيد، فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له في الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخله, وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له من كتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ) ].

    عدل الله في ختم حياة الإنسان على الخير أو الشر

    هذا يحتاج إلى بيان أن ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ), هل هذا المعنى على إطلاقه أو هو مقيد؟ باعتبار أن الإنسان يعمل بعمل أهل الجنة حتى إذا بقي على وفاته نحو الذراع سبق عليه الكتاب فعمل بعمل أهل النار. هو مقيد فيما يبدو للناس, يعني: أنه نفاق, وهذا جاء في الصحيح من حديث سهل عليه رضوان الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يعمل بعمل أهل الحنة فيما يبدو للناس )؛ لأن الله أعدل من أن يقوم الإنسان بطاعته سبحانه وتعالى سنين طويلة، حتى إذا بقي من وفاته ساعة أو ساعتان عمل بعمل أهل النار، ثم مات على هذا.

    وكذلك في مسألة أهل النار, قال: ( يعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس ), يظنون أنه من أهل النار، وله خبيئة من عمل وخبيئة من عذر, فسبق عليه الكتاب فكانت خاتمته حسنة.

    ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى أعدل من أن يجعل عمل الإنسان لسنين طويلة هباء منثوراً، فيضرب عليه الأمر، فيكتب له بساعة السوء، ولهذا نقول: إن الله عز وجل يعلم باطن الإنسان وظاهره, وإذا أظهر شراً أو أظهر خيراً يعلم بإيمانه ودافعه إلى ذلك, فالعبرة بالخواتيم, كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إنما الأعمال بالخواتيم ), يعني: ما وجد من عمل الإنسان ظاهراً وباطناً فيما يعلمه الله يختم عليه الإنسان, ولهذا الشخص الذي يخالف أمر الله عز وجل بالزنا والسرقة وغير ذلك من الموبقات أن الغالب أن يختم له بسوء إذا كان على هذا الأمر زمناً طويلاً, فلا تكون ميتته ميتة حسنة, فيموت ساجداً أو نحو هذا, كذلك من كان طائعاً لله, صواماً, قواماً, لسنين طويلة, لا يختم الله عز وجل له بآخر ساعة من عمره أن يموت على شرب الخمر, أو يموت على السرقة أو على الزنا أو نحو ذلك, والله عز وجل عدل في هذا الأمر.

    وأما ما يتعلق بجانب العمل السيئ سواء كان كفراً أو كان ذنباً يفعله الإنسان؛ نقول: قد يستمر الإنسان على ذلك دهوراً، ويختم الله عز وجل للإنسان بعمل الخير, كما جاء أن أحد الصحابة أسلم في المعركة, وكان قبل ذلك كافراً, ثم قتل ولم يعمل خيراً قط إلا ما مات عليه من الجهاد والشهادتين وما لحقها من عمل يسير, نقول في مثل هذا: هذا أغلب ظهوراً من الثاني؛ أن يكون الإنسان طائعاً لله عز وجل مدى الدهر, ثم يجعل الله عز وجل ميتته ميتة سوء في آخر ساعة من عمره, أما الثاني لأن الله عز وجل رحمته سبقت غضبه جل وعلا يختم لعباده الذين كانوا على سوء على عمل صالح في آخر حياته أكثر من الأول وأظهر؛ لأن رحمة الله عز وجل ولطفه تسبق غضبه سبحانه وتعالى.

    والغالب في الأمرين أن الله عز وجل يجعل أمر الإنسان على ما كان عليه قبل ذلك, ولكن يظهر ميتته وخاتمته على ما كان عليه من عمل الباطن وعمل الظاهر, والله عز وجل لا ينظر إلى العمل الظاهر مجرداً, بل إذا صح الظاهر جزي الإنسان على عمله الظاهر بالإحسان, وإذا فسد باطنه ولو عمل وأحسن بالظاهر, فإن عمله الظاهر لن يكون إلا فساداً ووبالاً عليه بسوء باطنه؛ لأنه فعل ذلك نفاقاً.

    1.   

    الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره

    قال المصنف رحمه الله: [ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشر والنفع والضر بقضاء الله وقدره، لا مرد لها، ولا محيص ولا محيد عنها، ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربه، ولو جهد الخلق أن ينفعوا المرء بما لم يكتبه الله له لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروه بما لم يقضه الله لم يقدروا, على ما ورد به الخبر عن عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله عز وجل: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس:107], الآية )].

    الإيمان بقضاء الله عز وجل وقدره واجب؛ كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عن الإيمان قال: ( الإيمان أن تؤمن بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, وبالبعث بعد الموت, وبالقدر خيره وشره ).

    نسبة الخير والشر لله

    والقدر يكون خيراً وشراً, كله إلى الله سبحانه وتعالى, ولكن الإنسان لا ينسب الشر منفرداً إلى الخالق سبحانه وتعالى, ولهذا نقول: إن الشر لا ينسب لله سبحانه وتعالى إلا على سبيل قرنه مع الخير, كذلك يكون على سبيل الإضمار إضمار الفاعل, ولهذا تأدب الجن مع الله سبحانه وتعالى فقالوا: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن:10], أضمروا الفاعل عند ذكر الشر تأدباً مع الله, وأما بالنسبة للخير فأظهروا الفاعل, وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ [الجن:10], وفي الخير أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن:10], أراد الله عز وجل بهم خيراً.

    والله سبحانه وتعالى لا يقدر لعبده المؤمن شراً إلا إن اختار الإنسان أن يجعل ذلك الأمر شراً باختياره, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في المسند من حديث صهيب قال: ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير ), يعني: حتى لو كان في ظاهره شر, ( إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له, وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ), وإذا لم يصبر هو الذي اختار أن يسيطر الأمر على الشر, وأما تقدير الله عز وجل فقدره الله وأمره بأن يجعل الشر بظاهره باطناً خيراً وظاهراً له بصبره عليه.

    منزلة الإيمان بالقدر

    والإيمان بقدر الله سبحانه وتعالى هو من الأمور الواجبة التي لا يصح إيمان العبد إلا بها, ولهذا نقول: إن من لم يؤمن بالقدر لم يكن مؤمناً بالله سبحانه وتعالى؛ لأن الله عز وجل سبق علمه عمل الخلق، وقدر سبحانه وتعالى على الناس المقادير الخير والشر, وقدر على الناس كونهم فريقين, فريق في النعيم وفريق في الجحيم, وقدر الله عز وجل لكل أحد عملاً, وقدر الله عز وجل لغير الناس من المخلوقات في الجمادات والبهائم؛ قدر الله سبحانه وتعالى مجراها وسيرها, وما تزيد فيه وما تنقص وأعراضها وأماكنها، وما من شيء إلا ويعلمه الله عز وجل، وعنده سبحانه وتعالى في كتاب.

    اختلاف الطوائف في مسألة القدر

    ولما ظهرت مسألة نفي القدر، وهذا في زمن أواخر الصحابة عليهم رضوان الله، كما جاء في مسلم من حديث عبد الله بن بريدة لما قال: ( أتينا عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى وهو في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله, فقلنا: إنه ظهر قبلك أقوام يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنُف, قال: فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني, وأن الله لا يتقبل من أحد عملاً حتى يؤمن بالقدر ).

    ومسألة القدر من المسائل الشائكة على كثير من الأفهام, والواجب على المؤمن التسليم.

    وقد ظهرت الطوائف لما قاموا بالإيغال في أمثال هذه المعاني، ووجدوا لوازم كثيرة يرون أنها لوازم لا تجري على بقية معاني النصوص, فمنهم من قال بنفي القدر, ومنهم من قال بالجبر، ومؤدى الطائفتين في ذلك في ظاهر أمرهم أنهم يريدون تنزيه الخالق سبحانه وتعالى, ولكن الله جل وعلا قد جعل أحكام الدين للناس وبينها، وأمر عباده التسليم بذلك.

    ومسألة القدر وإجراء الكون ومعرفة الغيب وما يأتي بعد ذلك من تقدير الأشياء والخلق هذا من الأمور المشكلة حتى عند كثير من الطوائف التي لا تؤمن بالنبوات سواء آمنت بالنبوات أو غيرها, فتجد أن البابليين يقولون بما يتعلق من تقدير مقادير المخلوقات يؤمنون بتأثير الكواكب, فيجعلون لكل كوكب تصريفاً في جانب من جوانب الكون, فيؤمنون بأن هذا يصرف ذلك الأمر، وهذا يصرف ذلك الأمر, فيكون بينها نوع من التداخل والتنازع والتصرف في هذا الكون, ولهذا يريدون من ذلك حلاً لما يجدونه من إشكال في معرفة القدر وتقديره.

    وأما ما يتعلق بالفرس وأضرابهم الذين يقولون بتعدد الإلهة؛ إله للشر وإله للخير, فيجعلون مقادير الخير لإله الخير, وما يتعلق بمقادير الشر لإله الشر, وهي النور والظلمة, وغير ذلك من الأقوال المعروفة عنهم.

    وأما بالنسبة لفلاسفة الهند فإنهم يجعلون إله القدر إلهاً خاصاً منفكاً عن معبوده, هو الذي يقدر المقادير ويقوم بتصريفها.

    وكذلك ما يتعلق باليونان وفلاسفتهم في هذا الباب, منهم من يحاول التنزيه, يؤمن بوجود الخالق، ولكن يتحيرون في مسألة تقدير الشر على أناس يرتضون أمره، ويسلم أقواماً لا يرتضون أمره، فيجعلون الخالق خارج تدبير الكون, وعلى هذا يجري أفلاطون و سقراط و أرسطو , يجعلون أن الخالق موجود، ولكن أوجد الكون وأوجد قانون السببية الحتمية، ثم بعد ذلك الناس يجرون في هذه المعادلة، والخالق بعيد عنها, ويقولون: إن الله عز وجل أعدل من أن يقدر بعباده أمثال هذه الحوادث, قالوا: فالله عز وجل خلق الكون، ثم تركه على معادلة يجري عليها الناس.

    وجرى بعد ذلك تعظيم العقل والحذق في كثير من الأمور وعدم التسليم بتدخل الخالق, ولهذا ضعف عند الفلاسفة التعلق بالخالق سبحانه وتعالى, وهؤلاء منهم من يؤمن بخالق يختلف عن الخالق الآخر من جهة حقيقته وماهيته ونحو ذلك.

    واجب المسلم نحو مسألة القدر

    وهذه المسألة هي مسألة القدر وحكمة الله عز وجل ودقائق الغيب هذه من المعاني التي يجب على الإنسان أن يسلم بها, وبحث كثير من دقائقها المسكوت عنها في الشريعة هو الواجب, ولهذا يقول ابن تيمية رحمه الله: هذه المسألة مضلة الأفهام ومزلة الأقدام، ويقول عليه رحمة الله: ما من أحد من الناس إلا وفي قلبه حسكة من هذه المسألة, وهي مسألة القدر.

    وقبل ذلك أيضاً أبو حنيفة عليه رحمة الله يقول: هذه مسألة مقفلة، وضاع مفتاحها, يعني: البحث في هذا يحتاج إلى علم الغيب, وهي قدره, والبحث عن مثل هذه الأمور المغيبة هو خارج إدراك الإنسان, ونظر الإنسان فيها يزيده تحيراً؛ كشمس الظهيرة إذا نظر الإنسان كلما ازداد نظره ازداد تحيراً؛ لماذا؟ لأن آلة إدراكهم العقلية وحاستهم العقلية كحاستهم البصرية إذا نظر لشمس الظهيرة زادته ألماً وتحيراً, وكذلك إذا نظر عقله إلى شمس الحقيقة زاد تحيراً وعجزاً, وهذا لضعفه.

    فواجبه في ذلك أن يسلم الأمر لله سبحانه وتعالى, والذي يؤمن أن الله عز وجل قدر المقادير على خلقه سبحانه وتعالى خيراً وشراً, ولكن الله جل وعلا لا يقدر لعباده إلا الخير, وجعل لهم مشيئة، وهداهم الله عز وجل السبيل, منهم من يريد الخير، ومنهم من يريد الشر.

    ولهذا نقول: إن الإيمان بالقدر, وأن الله عز وجل قدر مقادير الخلائق, وأن الله سبحانه وتعالى يعلم ما كان, ويعلم ما يكون, ويعلم ما سيكون, ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون, حتى ما يسمى بعلم المستحيل, لو قدر الله عز وجل وجوده, ولهذا نقول فيما تكلم عليها المتكلمون بمسألة السببية أو قانون الحتمية ونحو ذلك, وإيغال المعتزلة في هذا الباب, وخلاف المعتزلة مع الأشاعرة في هذه المسألة وفي مسألة الكسب وخلافهم مع أهل السنة لعله يأتي الكلام عليها بإذن الله تعالى.

    عدم إضافة ما يتوهم منه النقص بالنسبة لله

    قال المصنف رحمه الله: [ومن مذهب أهل السنة وطريقتهم مع قولهم بأن الخير والشر من الله وبقضائه، أنه لا يضاف إلى الله ما يتوهم منه نقص على الانفراد، فيقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه، وفي ذلك ورد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح: ( تباركت وتعاليت ). ومعناه والله أعلم: والشر ليس مما يضاف إليك إفراداً وقصداً، حتى يقال لك في المناداة: يا خالق الشر! ويا مقدر الشر! وإن كان هو الخالق والمقدر لهما جميعاً، لذلك أضاف الخضر عليه السلام إرادة العيب إلى نفسه، فقال فيما أخبر الله عنه في قوله: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف:79], فلما ذكر الخير والبر والرحمة أضاف إرادتها إلى الله عز وجل، فقال: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الكهف:82], ولذلك قال مخبراً عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80], فأضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى ربه، وإن كان الجميع منه].

    وهذا على ما تقدم؛ أن ما يتضمن لفظ نقص نثبته بالإجمال, وأما ما يتضمن نسبته لله عز وجل مدحاً لا حرج في إثباته بالتفصيل؛ كقولنا: خالق السمع, والبصر, ومصور الإنسان, ومدور الكواكب والأفلاك, ومجري السحاب والرياح, والفلك التي تجري في البحر, وغير ذلك من الأمور التي يستعظمها الإنسان, والدخول في مسائل التفصيل هذا لا حرج فيه.

    أما ذكر ما يوجد في الكون من مخلوقات الله عز وجل التي يستقبحها الإنسان نسبتها على سبيل التفصيل، وإن كانت صحيحة المعنى إلا أنها لا تجوز؛ لأنها تتضمن نقصاً على سبيل الانفراد, وإنما نثبتها؛ خلق الله عز وجل المخلوقات, وإذا جاء من ينفيها, من خلق العذرة؟ نقول: الله, إذا جاء من ينفيها أو يسأل عنها نثبتها بهذا الأمر، ونثبت الجميع لله سبحانه وتعالى خلقه.

    1.   

    الكلام حول الإرادة والمشيئة

    قال المصنف رحمه الله: [ومن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله عز وجل مريد لجميع أعمال العباد خيرها وشرها، ولم يؤمن أحد إلا بمشيئته, ولم يكفر أحد إلا بمشيئته، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة, ولو شاء ألا يعصى ما خلق إبليس, فكفر الكافرين وإيمان المؤمنين بقضائه سبحانه وتعالى وقدره وتقديره وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه وقضاه، ويرضى الإيمان والطاعة، ويسخط الكفر والمعصية، قال الله عز وجل: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر:7]].

    أقوال الأمم والطوائف في مسألة إرادة العبد ومشيئته

    والطوائف في هذا الباب في مسائل القضاء والقدر وغير ذلك, وعلى ما تقدم الإشارة إليه أن كثيراً من الطوائف قبل الإسلام كانت في ضلال في هذا الأمر, وجلهم يؤمن بوجود التقدير, لكن منهم من يجري على طريقة الجبر؛ أن الله عز وجل جبر العباد على شيء, وأنهم لا مشيئة لهم ولا اختيار.

    فالمشركون في الجاهلية من كفار قريش وغيرهم يثبتون القدر ولكن على الجبر, يقولون: إن العباد يجبرون على هذا, والله عز وجل يقول في كتابه العظيم: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا [الأعراف:28], فالمشركون من كفار قريش على هذه العقيدة, حتى جاء الإسلام فأثبت القدر وأثبت للعبد المشيئة.

    والمتكلمون الأوائل من الفلاسفة من اليونان والرومان وغيرهم يبتون أن الله عز وجل هو الخالق, ولكن لا يجعلون له تصرفاً في الكون, ثم جاء تبعاً لذلك تعظيم العقل, وأشهر هذه المدرسة أرسطو في هذا, ثم جرى على ذلك تلامذته, وتبعه أيضاً بعض الفلاسفة المنتسبين للإسلام الذين يسمون بالمشائين, وأرسطو حينما كان يدرس فلسفته كان يجري معه تلامذته, يسيرون معه ذهاباً ومجيئاً, يعني: يعلم التلاميذ وهو في مسيره, فكان التلاميذ يسمون بالمشائين, يعني: يمشون معه ويأخذون منه العلم, فمن تبع أرسطو في مسألة القضاء والقدر سموا أيضاً بالمشائين, ولو كانوا من فلاسفة الإسلام؛ كـابن سينا و الفارابي و الكندي و ابن رشد وغيرهم الذين جروا على مثل هذه الفلسفة, الذين قالوا: إن الله عز وجل خلق الخلق وأوجد قانون السببية, هي معادلات الحوادث التي تكون, قالوا: فإن الإنسان إذا أراد أن يُحدث شيئاً فعل, وهذه الفعلة معادلة, لا بد أن يحدث في ذلك النتيجة, وجروا على هذا الأمر, فجعلوا الإنسان خالقاً لفعله, وهذا جرى عليه أيضاً جملة من الفلاسفة حتى المعاصرين.

    ولكن نقول: إن الأدلة في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم مع إثبات أن الله عز وجل الخالق وهو المقدر للحوادث, إلا أن الله عز وجل أثبت لعباده المشيئة, وإذا كان الإنسام مجبوراً فما الفائدة من إرسال الرسل وإنزال الكتب، إذا كان الإنسان يقدر عليه هذا الأمر؟

    وأما ما يتعلق بالمعتزلة, وهم الذين يقولون: إن الله عز وجل لم يقدر على عباده المقادير, وقالوا: إن العباد يخلقون أفعالهم, وحملهم على ذلك جريهم على أصولهم في هذا، ومنها العدل, قالوا: العدل, يعني: أن الله عز وجل لا يقدر على عباده السيئات ثم يعاقبهم عليها, ومقتضى ذلك أن ننفي القدر, ولازم ذلك أن ينفوا علم الله سبحانه وتعالى بالحوادث؛ لأن العلم الدقيق بحوادث الكون وتنقلها وأحوالها وتطوراتها يلزم من ذلك ألا يعلم إلا من قدرها.

    فالعلم الكامل في ذلك يرجع إلى المقدر وهو الخالق؛ لأنه لا يعلم الشيء بتفصيله على سبيل الكمال إلا من صنعه ووضعه, فالعلم لازم للقدر, والقدر لازم للعلم, فمن نفى هذا نفى هذا, ولا يمكن أن يقدر الله عز وجل للخلق المقادير وهو لا يعلم, تعالى الله عز وجل عن ذلك, ولا يمكن أن يعلم الله عز وجل مقادير وأحوال الكائنات فيما يأتي إلى قيام الساعة، ثم لم يكن هو الذي قدرها, فأنى أتى العلم بتفصيل دقائق وتحول الأجزاء وانتقالها وتحول المادة وخلق الكون ونحو ذلك من مثل هذه الدقائق، ثم لم يكن هو الذي قدرها؟ إما أن يكون العلم مكتسباً من غيره, تعالى الله عز وجل عن ذلك, أو يكون هو الذي خلق وقدر، ويعلم ما خلق وقدر, ولهذا الله عز وجل يقول: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [الملك:14], لأنه هو الذي خلقها, فبخلقه لها علم سبحانه وتعالى أحوالها؛ لأنه هو سبحانه وتعالى هو الصانع لهذه الأشياء.

    والأشاعرة أتباع أبي الحسن الأشعري في هذه المسألة أرادوا أن يتوسطوا بين مذهب المعتزلة وبين مذهب أهل السنة، فجاءوا بمسألة الكسب, ومسألة الكسب في هذا فيها من جهة الحقيقة جبر, وإن كانوا يحاولون أن يتلاعبوا بالألفاظ ونحو ذلك, وأن يخرجوا من قول المعتزلة أن العبد يخلق فعله, يقولون: الله عز وجل هو الخالق, لكنهم يعطلون قانون السببية، عند المتكلمين يسمى قانون السببية, أي: المعادلات, أنه يلزم من هذا أن يحدث هذا, فالإنسان إذا أراد أن يقتل أحداً ضربه بسهم أو برصاص أو نحو ذلك, فإنه يرديه قتيلاً إذا أتاه في مقتل، هم يقولون: هذا ليس سبباً لذاك, ولكن الله عز وجل أوجده كما أوجد الضرب, قالوا: أوجد الله الضرب ثم أوجد الله القتل, فإذا أراد الإنسان أن يفعل شيئاً أوجد الله عز وجل فعله، وأوجد أثره على حد سواء, قالوا: وليس للعبد في ذلك أثر.

    وهذا فيه مناقضة للعقل وتعطيل لإحكام الله عز وجل في هذا الباب.

    ومنهج المعتزلة في هذا الباب هو أقرب إلى الفهم واستيعاب العقل من منهج الأشاعرة, فهم يقولون مثلاً في مسألة السببية: إذا أراد الإنسان الشبع فالأصل أنه يأكل, إذا أكل فإنه حينئذٍ يشبع, وسبب الشبع الأكل, هم يقولون: إن الله أوجد الأكل وأوجد الشبع بعد وجود الأكل، ولا صلة بينهما, قالوا: وذلك أن الله قادر على أن يوجد الشبع بلا أكل, نقول في مثل هذا: ما يتعلق بالإعجاز أوجده الله عز وجل باطناً وإن لم تره ظاهراً, ولهذا عطلوا جانب السببية, وكذلك من جهة العمل, وعظموا في ذلك جانب العقل في هذا الباب.

    ولهذا نقول: كل ما غلا الإنسان في جانب السببية نفى في ذلك ما يجري على خلافها بالظاهر, وإن كان يجري بالباطن, ما الذي يجري على خلافها؟ المعجزات والكرامات, ولهذا المعتزلة ينفون المعجزات, ولا يؤمنون بها؛ لماذا؟ بسبب قانون السببية لديهم, انشقاق القمر قالوا: يخالف قانون السببية؛ لأن مثل هذا تصرف كوني ومعادلة كونية لا بد أن تحدث, وينفون كذلك الكرامات.

    الأشاعرة في هذا طوائف منهم يثبتون، وطوائف منهم ينفون.

    منهج أهل السنة في باب المشيئة والإرادة

    أهل السنة في هذا الباب يقولون: إن الله عز وجل قدر المقادير، ويعلم ما كان، ويعلم ما سيكون ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون, وأن تقدير الله عز وجل لا يعطل على العبد اختياره, وله مشيئة, وهداه الله عز وجل النجدين, عرف طريق الحق وطريق الباطل, طريق الخير وطريق الشر, وله اختيار يحاسبه الله عز وجل على اختياره.

    ولهذا يقول الله عز وجل: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15], في هذا إشارة إلى أن بالرسول أثر على العمل, على اختيار الإنسان, وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30], فللإنسان مشيئة، ولكنها بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى، وهذا هو عمل القلب.

    أما ما يأتي في ذهن الإنسان من بعض الأمور التي تغيب عن ذهنه كقوله: ( إن الله عز وجل يقدر على العباد, وخلق للنار خلقاً وهم في بطون أمهاتهم, وخلق للجنة خلقاً وهم في بطون أمهاتهم، ففيم يكون العمل؟ ), مثل هذا الأمر والتوقف عنده والتسليم بما جاء به الله سبحانه وتعالى من الإيمان بالقدر, وعدم البحث فيما وقع من ذلك؛ لماذا؟ لأن عقل الإنسان لا يدركه, ولهذا لما قال أبو حنيفة يقول: هذه مسألة مقفلة ضاع مفتاحها, ومقفلة على الأذهان، واستيعابها هو أبعد من ذلك, لحكم الله عز وجل، والموضوع صعب.

    ولهذا نقول: هذه المسألة تتكئ على قدر التسليم, وهذا يدرك أنه يوجد في نفوس بعض الناس من عدم استيعاب كثير من العلل, وهنا يتبين أهل الإيمان الحق والصدق, ولهذا ابن تيمية على ما تقدم الكلام عنه يقول: ما من أحد إلا وفي قلبه حسكة من هذه المسألة.

    وقد زلت في هذه المسألة الأقدام وضلت فيها الأفهام, وكفر بها بسببها أقوام كثر.

    ولهذا نقول: إن كثيراً من الحكم لا يدركها الإنسان لضعف عقله؛ كما الإنسان في مسألة نظره للشمس في الظهيرة, ينظر إليها الإنسان ثم يرجع, كأن بصره حينما لسعته الشمس انقبض عنه, وما يدري الإنسان أيضاً في عقله إذا تأمل بعض القضايا كأنها ضربة شمس أدى إلى انكماشها؛ لماذا؟ لأنه ما استوعبها, ولن تستطيع أن تستوعب, وإذا أدمت النظر احترقت, ولو أردت أن تدرك كل علل الكون فما الفرق بين الخالق والمخلوق؟ ما الفرق بينك وبين الله؟ أين التسليم والطاعة؟ إذا أردت أن يعلمك الله عز وجل بما أوجده الله عز وجل بالكون كله وأن تعلم علته فما الفضل في مسألة الإيمان لك, وما الفرق حينئذٍ بين علم الخالق والمخلوق سبحانه وتعالى؟

    والعجب ممن ينفي علم الله عز وجل بالقدر أنه يدعو الله أن يقدر له الخير ويكفيه الشر, فأي شيء يقدره الله عز وجل لك في المستقبل وأنت تنفي قدر الله سبحانه وتعالى أصلاً؟ ولهذا نقول: إن الإيمان بالقضاء والقدر متلازم مع جميع أجزاء الإيمان, ومع القربات, والتعلق بالله سبحانه وتعالى.

    1.   

    الشهادة بالجنة والنار

    قال المصنف رحمه الله: [ ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة، لا يدري أحد بما يختم له، ولا يحكون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكون على أحد بعينه أنه من أهل النار؛ لأن ذلك مغيب عنهم، لا يعرفون على ما يموت عليه الإنسان, ولذلك يقولون: إنا مؤمنون إن شاء الله ].

    وهذا على ما تقدم الكلام عليه في مسألة الإيمان؛ هو قول وعمل واعتقاد, قد يذهب واحد منها ولا يذهب الإيمان لعذر قائم فيه, وهذا العذر يعلمه الله عز وجل, وقد يوجد واحد منها، ولا يقبله الله عز جل من العبد لانتفاء الباطن، ولهذا لا يشهد لأحد بالجنة ولا بالنار بعينه إلا من شهد له الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم, وإنما نكل أمره إلى الله ونحسن الظن بالله سبحانه وتعالى أن يجعل عاقبته إلى خير.

    وكذلك من شهادة الناس للإنسان في الخير والإحسان والفضل, فهذا أيضاً من إحسان الظن والبال, وشهادة الناس للإنسان بالشر والذم ونحو ذلك أيضاً فيها من شهادة له بالسوء, ولا يقطع في ذلك, ولكن يؤخذ من ذلك تفاؤلاً وسوء عاقبة الإنسان بحسب ما يشتهر ويظهره ويستفيض عنه.

    ولكن هذا لا ينفي أن نشهد لكل كافر بالنار, ولكل مؤمن بالجنة, إما ابتداء أو انتهاء بعد ما يقدره الله عز وجل عليه من حساب وعقاب.

    وأما هذه المسألة فتتكلم على قضية الأعيان, ولهذا الرجل الذي قاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح, وقال أحد الصحابة عليهم رضوان الله: ( إنه رجل من أهل الجنة, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل من أهل النار ), هذا وهم الصحابة! وهم في القتال, والسبب في ذلك أنه في علم الله عز وجل أنه يقتل نفسه, ولهذا نقول: لا يدري الإنسان ما يختم للإنسان عليه، وكذلك ما يبطنه الإنسان من أمور ترى خيراً، وكانت نيته لغير الله عز وجل، والله عز وجل ينظر إلى الظواهر والبواطن على حد سواء.

    قال رحمه الله: [ ويشهدون لمن مات على الإسلام أن عاقبته الجنة, فإن الذين سبق القضاء عليهم من الله أنهم يعذبون بالنار مدة لذنوبهم التي اكتسبوها، ولم يتوبوا منها، فإنهم يردون أخيراً إلى الجنة، ولا يبقى أحد في النار من المسلمين. فضلاً من الله ومنة، ومن مات والعياذ بالله على الكفر فمرده إلى النار لا ينجو منها، ولا يكون لمقامه فيها منتهى].

    1.   

    المبشرون بالجنة

    قال المصنف رحمه الله: [فأما الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه بأعيانهم فإن أصحاب الحديث يشهدون لهم بذلك، تصديقاً للرسول صلى الله عليه وسلم فيما ذكره ووعده لهم، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يشهد لهم بها إلا بعد أن عرف ذلك، والله تعالى أطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على ما شاء من غيبه، وبيان ذلك في قوله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن:26-27], وقد بشر صلى الله عليه وسلم عشرة من أصحابه بالجنة؛ وهم: أبو بكر و عمر و عثمان و علي و طلحة و الزبير و عبد الرحمن بن عوف و سعد و سعيد و أبو عبيدة بن الجراح , وكذلك قال لـثابت بن قيس بن شماس : ( إنه من أهل الجنة, قال أنس بن مالك : فلقد كان يمشي بين أظهرنا ونحن نقول: إنه من أهل الجنة ) ].

    وشهد النبي صلى الله عليه وسلم لكثير من الرجال والنساء من أصحابه أنهم من أهل الجنة, شهد النبي صلى الله عليه وسلم لـخديجة ولـفاطمة و للحسن و الحسين و عكاشة و بلال وغيرهم من أصحابه ممن ليسوا من العشرة, ونشهد لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة بعينه.

    ومن شهد النبي صلى الله عليه وسلم لجمهورهم نشهد لجمهورهم, وذلك لحال من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة عليهم رضوان الله نشهد لهم بالخير على سبيل الإجمال, فنقول: الصحابة في الجنة, ولا نخصص أحداً بعينه إلا من خصه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لماذا قلنا الصحابة؟ لأن الله عز وجل رضي عنهم ورضوا عنه, فمن تحققت فيه الصحبة وهذا اللفظ انحدر فيه فإنه إن شاء الله من أهل الجنة, ومن انتفى عنه ذلك الوصف فإنه حينئذٍ خارج ذلك الإطلاق.

    1.   

    فضل الصحابة ومنزلتهم والطعن فيهم

    قال المصنف رحمه الله: [ ويشهدون ويعتقدون أن أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، وأنهم الخلفاء الراشدون, الذين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافتهم بقوله فيما رواه سعيد بن نبهان عن سفينة قال: ( الخلافة بعدي ثلاثون سنة ), وبعد انقضاء أيامهم عاد الأمر إلى الملك العضوض على ما أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ].

    أفضل الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم

    والصحابة عليهم رضوان الله الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم من جهة الإجمال سابقون ولاحقون, السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل ممن جاء بعد ذلك, من أنفق وجاهد قبل الفتح أفضل ممن أسلم وجاهد وأنفق بعد الفتح؛ وذلك أن اتباع الحق في زمن ضعفه وقوة الباطل أعظم عند الله عز وجل عند قوة الحق وضعف الباطل؛ لأنه ما أقبل عليه إلا مع قوة إيمان وصبر ويقين أكثر من غيره, وكلما كان الإنسان أسبق لاتباع الحق وأقدم كان أعظم من غيره, الذي يتبع الحق في زمن الضراء يختلف عمن يتبع الحق في زمن السراء, وهذه النصوص في ذلك شاهدة في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك إذا أردنا أن ننظر إلى التفصيل نقول: أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين شهدوا بدراً معه, وهم البدريون, ثم يليهم الأحديون, الذين شهدوا أحداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأفضل أولئك هم العشرة المبشرون بالجنة, وأفضل العشرة هم الخلفاء الراشدون الأربعة, وأفضل الخلفاء أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي بن أبي طالب عليهم رضوان الله.

    وقد جاء في حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله أنه قال: ( كنا نفضل في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ), وجاء في بعض الروايات عند عبد الله وغيره في ذكر علي بن أبي طالب ، ولكن غير محفوظة, وفضله بذلك محفوظ.

    سب الصحابة والطعن فيهم

    والأمة تتفق على فضل أولئك والترضي عنهم, وأن محبتهم إيمان, وأن كرههم نفاق, وأن من وقع في أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن زكاهم النبي صلى الله عليه وسلم بعينه, أن ذلك علامة ضلال وزيغ.

    ومن طعن في الصحابة عليهم رضوان الله تعالى على سبيل الإجمال ولم يستثن منهم أحداً, أو طعن بأغلبهم فقد كفر بالله سبحانه وتعالى؛ لأن هؤلاء لا يشتركون بالصفات الخَلقية ولا الخُلُقية, لا يشتركون بالحلم على حد سواء, ولا بالكرم على حد سواء, ولا بالقوة والشجاعة على حد سواء, حتى يشتركون بمدح أو ذم, وإنما يشتركون بأمر واحد وهو صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإذا ذمهم أحد على حد سواء، أو ذم أكثرهم فهو فصل القدر الذي يشتركون فيه.

    ولهذا نقول: إن من سب الصحابة بإجماعهم أو سب جمهورهم فقد كفر بالله عز وجل, وقد نقل الإجماع على ذلك جماعة وخلق كثير في هذا؛ قد جاء عن سفيان , وجاء عن الإمام أحمد و إسحاق بن راهويه وغيرهم من العلماء ممن حكى الإجماع في ذلك.

    وأما من طعن في الواحد والاثنين من الصحابة نقول: ذلك لا يخلو من حالين:

    الحال الأولى: من طعن في واحد منهم ممن تواتر النص بفضله, فطعن في ذلك الفضل المتواتر؛ وذلك كحال أبي بكر , تواتر واستفاض فضله, فمن طعن به فقد كفر بالله.

    الحال الثانية: من طعن بواحد منهم في من لم يتواتر فضله، فطعن فيه بشيء لم يكن متواتراً عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ كمن يطعن في واحد من الصحابة فيصفه مثلاً بالبخل, أو يصفه بالجبن, أو غير ذلك من الأوصاف، ووصفه بالكرم والشجاعة لم يتواتر به دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم, فما طعن به عموماً، وإنما طعن بخصلة لم يرد فيها نص متواتر, ولكن ذلك لا يعفي الإنسان من وجوب الإمساك عنه, ونقول: إن هذا يحكم عليه بالبدعة والضلال, والغالب في حال من طعن بالصحابة أن من طعن في واحد طعن في غيره, ومن تجرأ على واحد تجرأ على غيره.

    الواجب على الإنسان تجاه الصحابة

    يجب على الإنسان في قضية الصحابة عليهم رضوان الله أن يترضى عنهم, وأن يذكر مناقبهم ومحامدهم, وأن يذكر فضلهم, وأن يمسك مما صح أو لم يصح من باب أولى عن المثالب الواردة عنهم؛ لماذا؟ لأنهم في طبقة يتغلبون ويفضلون غيرهم, والمفضول لا يتكلم في الفاضل, والابن حينما يرى من أبيه زلة فما هو الأدب الذي يتكلم معه؟ ألا يتكلم معه بلين ورفق؟ وإذا اشترك معه غيره في هذه الزلة، فاشترك مع أبيه أحد من الناس فإن عبارته تتباين وتختلف؛ لأن مقام البنوة عند مقام الأبوة مقام تواضع واحترام وانكسار؛ للفضل, والصحابة عليهم رضوان الله تعالى لهم فضل على هذه الأمة, فهم نقلة الوحي, نحن نتعبد الله عز وجل سبحانه وتعالى في كثير من الأحيان جاءت عنهم, فكيف نصلي وكيف نصوم وكيف نزكي إلا بنقل أولئك؟ حفظوا القرآن في صدورهم, وحفظوا السنة في صدورهم, ومن استطاع دون ذلك، ثم نقلوه لمن جاء بعدهم, فجعل الله عز وجل حفظ دينه بسببهم عليهم رضوان الله تعالى, وإذا طعنا في أولئك فإننا نطعن ضمناً بالشريعة.

    ونحن لا ندعي العصمة لهم كما تقول ذلك الروافض وأهل الضلال من الرافضة وغيرهم, بل نقول: إنهم يخطئون ويذنبون, وخطؤهم وذنبهم مع وجوده أنه لا يغير من فضلهم، بل فضل أدناهم عليه رضوان الله تعالى يفوق فضل من جاء بعدهم من أفاضلهم, ولهذا سئل ابن المبارك عليه رحمة الله: أيهما أفضل عمر بن عبد العزيز أو معاوية بن أبي سفيان ؟ قال: لغبار في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عمر بن عبد العزيز كله؛ لماذا؟ لأنه كان مع صفوة الخلق عليهم الصلاة والسلام, فوجود الواحد منهم ولو تكثيراً لسواد النبي صلى الله عليه وسلم تكثيراً ولو لم يعمل أهيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم, وأقوى في تثبيت الحق والإيمان, وكذلك ردع أهل الكفر والضلال.

    والفضل الذي جعله الله عز وجل في الصحابة كثير من الناس هو من الأمور المتعدية التي حفظ الله عز وجل بها الدين, وأتم بها النعمة, ومكن الله عز وجل لرسوله, وكثير من الأعمال التي تفعلها الأمة كانت لجمهور الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في ذلك حماية لرسول الله وحماية للدين.

    والنبي صلى الله عليه وسلم أما أتم شعائر الدين بعون الله عز وجل وتسديده وجعل أولئك سبباً لإكمال الدين؟ أما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فاتحاً؟ وحج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع والحج ركن من أركان الإسلام, وكان معه الصحابة, ومنهم من يطوف, وغاية العمل أنه يطوف, وكان مضطبعاً وراملاً، يهيب الكفار؟ مثل هذه الأمور التي تمكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم شريعته، أن يراها الإنسان هينة وهي عند الله عز وجل تثبت الدين إلى قيام الساعة, فالله عز وجل يعلم من حالهم, ويعلم أيضاً من تقصير بعضهم, أو ورود الخطأ عليهم, ومع ذلك سماهم الله عز وجل على سبيل الإجمال: ورضي عنهم سبحانه وتعالى ورضوا عنه.

    وأما ما يقوله البعض من الوقيعة في الصحابة أن هذا ثابت في التاريخ, نقول: ثبوته شيء، والجرأة عليهم شيء آخر, وإقرار عصمتهم شيء, نحن لا نقول بعصمتهم, لكن نقول: لا يتجرأ عليهم أحد, ولا يخوض الإنسان في أمثالهم؛ لماذا؟ لأنه في مرتبة دنيا، إذا أراد الإنسان أن يفصل في أمر أبيه مع أمه في خصومة, خاطبهم بأدب وإن كانت القضية بينهما عظيمة؛ لماذا؟ لمنزلة أولئك عنده من جهة الفضل, ففضل الصحابة عليهم رضوان الله تعالى على الأمة أولى وأعظم.

    دعوى وجود المنافقين في الصحابة

    وأما من يقول: إن في الصحابة عليهم رضوان الله تعالى منافقين, نقول: إن من كان من أهل النفاق ليس له أثر في نصرة الإسلام أصلاً, ثم أيضاً أنهم نفر يسير, والنفر اليسير لا يأتي على العدد القائم من الألوف من الصحابة عليهم رضوان الله, وقد ذكر أبو زرعة أن عدد الصحابة عليهم رضوان الله الذين مات عنهم النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة وعشرين ألفاً, وقيل: مائة وأربعة عشر ألف, وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان قال: ( في أصحابي اثنا عشر منافقاً, ثمانية منهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ), والمنافقون هم دون هذا العدد.

    ولا ينبغي أن يطعن بالصحابة عليهم رضوان الله تعالى على سبيل العموم أو التغليب أو يطعن في أعيانهم؛ لوجود أفراد المنافقين, والمنافقون الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأعيانهم, وقد سماهم لـحذيفة بن اليمان , وكان عمر بن الخطاب والصحابة ينظرون إلى حال حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله بتعظيمه لأحد أو عدم تعظيمه, أو صلاته على أحد أو عدم صلاته عليه, فكانوا لا يصدقون ولا يقربون, وليس لهم أثر على الأمة.

    ولهذا نقول: إنه ينبغي للمؤمن أن يعظم الصحابة عليهم رضوان الله, وأن يترضى عنهم, وألا تذكر مثالبهم ولا يذكرون إلا بخير.

    وما وقع بينهم من نزاع وخصومة كحال الخصومة التي تقع بين الأخوين, لا يقضي الإنسان بينهما بشدة أو دم أو قدح أو نحو ذلك, وإنما إن خاض في ذلك ووجد نفسه مضطراً للخوض في ذلك في مسألة من المسائل يكون معهم بأدب ولين ورفق, وكذلك بخفض جناح الذل لهم عليهم رضوان الله تعالى, وهذا في كل المسائل, وما وقع بينهم أيضاً من الخصومة وقع بين أناس فاضلين لا يقضي بينهم فيمن جاء بعدهم ممن كان دون ذلك.

    1.   

    خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة

    إثبات خلافة أبي بكر الصديق

    قال المصنف رحمه الله: [ ويثبت أصحاب الحديث خلافة أبي بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، باختيار الصحابة واتفاقهم عليه، وقولهم قاطبة: رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فرضيناه لدنيانا].

    وقد أخذ الصحابة عليهم رضوان الله ما يتعلق بخلافة أبي بكر ما استطاعوا, حتى وصل إلى درجة القطعية, حتى قال غير واحد: إن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى لـأبي بكر باعتبار أنه خليفته في الصلاة, يصلي بالناس، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا وكل أمراً أو ناب أحداً ناب أبو بكر , والرجل الذي جاء قال: ( إن أتيت ولم تجدني فائت أبا بكر ), وهذا إشارة إلى نوع من النيابة, فأخذ ذلك الصحابة عليهم رضوان الله تعالى ذلك الأمر، وقد أجمعت الأمة عليه.

    قال رحمه الله: [وقولهم: قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذا الذي يؤخرك؟ وأرادوا أنه صلى الله عليه وسلم قدمك في الصلاة بنا أيام مرضه، فصلينا وراءك بأمره، فمن ذا الذي يؤخرك بعد تقديمه إياك؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم في شأن أبي بكر في حال حياته بما يبين للصحابة أنه أحق الناس بالخلافة بعده، فلذلك اتفقوا عليه واجتمعوا، فانتفعوا بمكانه والله، وارتفعوا به واتفقوا, حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه: والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف لما عبد الله، ولما قيل له: مه يا أبا هريرة , قام بحجة صحة قوله، فصدقوه فيه وأقروا به].

    إثبات خلافة عمر وعثمان وعلي

    قال المصنف رحمه الله: [ثم خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه باستخلاف أبي بكر رضي الله عنه إياه، واتفاق الصحابة عليه بعده، وإنجاز الله سبحانه بمكانه في إعلاء الإسلام، وإعظام شأنه وعده.

    ثم خلافة عثمان رضي الله عنه بإجماع أهل الشورى، وإجماع الأصحاب كافة، ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه. ثم خلافة علي رضي الله عنه ببيعة الصحابة إياه، عرفه ورآه كل منهم رضي الله عنه أحق الخلق، وأولاهم في ذلك الوقت بالخلافة ولم يستجيزوا عصيانه وخلافه ].

    مراتب الخلفاء الأربعة من حيث الفضل

    وفضل هؤلاء الأربعة بفضل ترتيبهم بأمر الخلافة, وعلى هذا استقر قول أهل السنة, ويخالف في ذلك بعض الأئمة بين علي و عثمان عليه رضوان الله تعالى, وجاء هذا عن سفيان , وجاء أيضاً عن أبي حنيفة , ولهما قولان أيضاً في هذه المسألة يوافقون ما عليه أهل السنة, ومع وجود بعض الأقوال من بعض الأئمة بالتفاضل بين علي بن أبي طالب و عثمان بن عفان إلا أنهم يقرون بالفضل للجميع, وجلالة في القدر, ويحذرون من الوقيعة فيهم، إلى أن استقر عليه الأمر, وأجمعت عليه كلمة أهل السنة بعد ذلك، وأن فضلهم بحسب ترتيبهم في أمر الخلافة.

    فضل حب الخلفاء الأربعة وحرمة سبهم

    قال المصنف رحمه الله: [ فكان هؤلاء الأربعة الخلفاء الراشدين الذين نصر الله بهم الدين، وقهر وقسر بمكانهم الملحدين، وقوى بمكانهم الإسلام، ورفع في أيامهم للحق الأعلام، ونور بضيائهم ونورهم وبهائهم الظلام، وحقق بخلافتهم وعده السابق في قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور:55], وفي قوله: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ [الفتح:29]الآية, فمن أحبهم وتولاهم، ودعا لهم، ورعى حقهم، وعرف فضلهم فاز في الفائزين، ومن أبغضهم وسبهم، ونسبهم إلى ما تنسبهم الروافض والخوارج لعنهم الله, فقد هلك في الهالكين, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تسبوا أصحابي، فمن سبهم فعليه لعنة الله ), وقال: ( من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن سبهم فعليه لعنة الله ) ].

    لأنهم ما اجتمعوا إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم, ما اجتمعوا على غيره, حباً للنبي عليه الصلاة والسلام واتباعاً له, فإذا طعن فيهم طعن بما اجتمعوا عليه ورضوه واقتدوا به وتأسوا به عليه الصلاة والسلام.

    نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.