إسلام ويب

شرح عقيدة أبي حاتم وأبي زرعة [2]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من عقيدة أهل السنة: الإيمان بأن القرآن كلام الله غير مخلوق, أنزله الله جل وعلا على رسوله صلى الله عليه وسلم, والإيمان بالقدر خيره وشره من الله عز وجل, وهو ركن من أركان الإيمان, ومن نفى القدر لا يثبت له إيمان لزوال ركن من أركان الإيمان، وأن خير هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم.

    1.   

    القرآن كلام الله

    الملقي: [ والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته ].

    هنا هو يقول: والقرآن كلام الله غير مخلوق, القرآن كلام الله سبحانه وتعالى, واختلف العلماء في لفظ القرآن هل هو مشتق أم جامد, هل هو مشتق من قرأ يقرأ أم هو علم على الكتاب الذي أنزله الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم, اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: منهم من قال: إنه علم, ومنهم من قال: إنه مشتق, والصواب في ذلك: أنه مشتق؛ وذلك يظهر في ظواهر القرآن كما في قول الله جل وعلا: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1], وكذلك أيضاً في ظاهره الأصل في لغة العرب أن الألفاظ العربية مشتقة إلا لدليل خاص بين يدل على أنها جامدة.

    والقرآن هو: الذي أنزله الله جل وعلا على رسوله صلى الله عليه وسلم, وله أسماء: القرآن, الفرقان, الكتاب, وغير ذلك من أسماء جاءت في كلام الله عز وجل أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, خصه الله جل وعلا بجملة من الخصائص؛ منها: أن الله عز وجل يحفظه من الدخيل فيه, من التبديل حرفاً أو التبديل المطلق معنى, فلا يطرأ عليه تبديل مطلق بحيث لا يدركه ولا يعرفه أحد, ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9], وأما بالنسبة ما يطرأ عليه من تبديل معنوي فإنه يعرفه أهل العلم, ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7], فمدارس الزيغ ومدارس الأهواء تنشأ من ماذا؟ تنشأ من زيغ قد استقر قبل النظر في كلام الله, ثم ينظر في كلام الله فيبني دليلاً على زيغ سابق, ولهذا القرآن من جهة الأصل لا يخلق الشبهة في القلب, القرآن شفاء, فإذا وجد الزيغ في القلب فاستل الإنسان ما يؤيده فإن هذا من مواضع الفتنة التي يفتن فيها كثير من الناس.

    وهنا في قوله: والقرآن كلام الله غير مخلوق, نزل به روح القدس جبريل على رسولنا صلى الله عليه وسلم, وجبريل نزل بجميع القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم, وعلى سائر كذلك الأنبياء, وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم جميع أحكام الشريعة منه إلا شريعة واحدة وهي شريعة الصلاة أخذها من ربه سبحانه وتعالى كفاحاً, والأصل في ذلك في الشريعة أنها عن رسول الله عن جبريل عن ربه سبحانه تعالى, ولهذا يقول أحمد بن زيد بن هارون كما روى الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية, قال: إنما هي, يعني: الشريعة, صالح عن صالح, وصالح عن تابع, وتابع عن صاحب, وصاحب عن رسول الله, ورسول الله عن جبريل، وجبريل عن الله, هذا هو سند الوحي, سواء كان ذلك من الكتاب أو من السنة إلا أن الكتاب من جهة اللفظ والمعنى من الله سبحانه وتعالى, وأما بالنسبة للسنة فالمعنى من الله سبحانه وتعالى واللفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإنما الخلاف يقع في مسألة الحديث القدسي, والخلاف في ذلك, وليس هذا محل بحث هذه المسألة.

    يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق, يسمى كلام الله, وقول الله, يسمى الكلام والقول والنبأ والحديث, حديث الله, ونبأ الله, وكلام الله, وقول الله سبحانه وتعالى, وأشهر هذه الأوصاف التي جرى عليها وغلب أيضاً استعمالاً في كلام الله كلام الله سبحانه وتعالى, وينسب لله سبحانه وتعالى لكونه صفة من صفاته جل وعلا, لا ينسب لله كما يقول المبتدعة نسبة تشريف فقط كما تنسب السماء والأرض لله باعتبار أنه خلقها, وذلك لأنه صفة من صفات الله سبحانه وتعالى؛ كقولنا: يد الله, وقوة الله, وقدرة الله سبحانه وتعالى, وهذه كلها صفات, يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6], كلام الله سبحانه وتعالى غير مخلوق, وهذه البدعة نشأت في زمن التابعين, ومن العلماء من يقول أنها نشأت في زمن الصحابة ولكنها كانت خفية, وكان الصحابة يقولون بنفي هذا, جاء في ذلك جملة من الآثار عن السلف الصالح في هذا, لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إطلاق مثل هذه العبارة؛ غير مخلوق, ولكن هذا المعنى مستقر ومستفيض, لكن جاء عن الصحابة, جاء من حديث علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس في قول الله سبحانه وتعالى: غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر:28], قال: غير مخلوق, وكذلك أيضاً جاء عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله أنه قال: القرآن غير مخلوق, وجاء عن غيرهما وفيه ضعف, وأصح ما جاء في هذا هو عن عبد الله بن عباس وعن عبد الله بن مسعود عليهما رضوان الله تعالى, ثم كثر هذا القول في ذلك عن أئمة التابعين, وذلك للبدء بهذا القول, ثم اشتهر في ذلك عن أتباع التابعين, وحدثت في ذلك لما تعاظمت هذه الفتنة في الأمة؛ وهي القول بخلق القرآن.

    ومن الأمور التي ينبغي أن تفهم أن مسائل الدين وأصوله العظام لاستقرارها وبيانها لا يتكلف الصدر الأول لها بياناً من جهة اللفظ؛ لثبوت هذا المعنى وعدم ورود الشبهة عليه, وكذلك أيضاً ينبغي أن نعلم أن من الأصول التي يرجع إليها في فهم العقيدة الصحيحة أن يرجع إلى الصدر الأول ويُحذر من معاني وأفهام العجم المنتسبين للإسلام؛ وذلك أن أصول البدع نشأت من العجم, ربما بحسن قصد, فأخذوا القرآن على سليقة ليست عربية, فأرادوا أن يفهموا القرآن من غير إحاطة بتنزيله فوقع لديهم شيء من الخلل؛ لأن فهم تركيب القرآن من جهة ألفاظه ومعانيه وكلماته يختلف عن فهم سياقه ووضعه في التنزيل؛ لأنه ربما تكون اللفظة من الألفاظ المشتركة التي تشترك مع غيرها, فحملها على معنى لم ينزل صواب من جهة اللغة خطأ من جهة التنزيل والوضع, وربما يكون هذا حتى عند بعض الصدر الأول؛ لأنه ليس من أهل لغة قريش, وقد اختار الله جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام وهيأ له الأسباب ليكون عليه الصلاة والسلام أفصح العرب, ولهذا يروى في الخبر قال: ( ولدتني قريش, ونشأت في بني سعد بن بكر, فأنى يأتيني اللحن؟ ), بنو سعد بن بكر أفصح أو من أفصح العرب, هم الذين نشأ فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم, وأنجبته قريش أيضاً أفصحها, فلا مدخل على شيء عليه, فالنبي عليه الصلاة والسلام في هذا أفصح العرب بالاتفاق, ومن قال أن ثمة أحد أفصح من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كفر بدين الله سبحانه وتعالى, فرسول الله صلى الله عليه وسلم أفصح العرب لساناً, وأظهرهم بياناً؛ لأن الله عز وجل هيأ له الأسباب في ذلك, وكذلك أيضاً حماية, وهذا مقتضى حماية الدين, ولأن الله عز وجل جعل له هذا الإعجاز؛ الكتاب المبين, فأجراه الله جل وعلا على لسانه عليه الصلاة والسلام.

    القرآن كلام الله ليس بمخلوق, نشأت البدعة في هذا, وعلى ما تقدم هي قول من قول منتسبة الإسلام من العجم, وهذا أيضاً فيما يتعلق بالقدر, ومسائل الإرجاء, ومسائل الاعتزال, ومسائل الرفض وغير ذلك, إذا أراد الإنسان أن يتتبع أصول البدع يجد أن أصلها ومردها إلى العجم, ولهذا أبو الفرج ابن الجوزي حينما ينصح ابنه في رسالته له قال: واحذر من كتب التفسير التي صنفها العجم, مع ما فيها من معاني جليلة ولطائف إلا أنها تقع في شيء من الخطأ, خاصة فيما يتعلق في مسائل الأسماء والصفات, ومسائل الإيمان, وكذلك أيضاً بعض المعاني المتعلقة بأمور القياس والاستنباط وغير ذلك؛ فيقع في ذلك خلل, لهذا نقول: إن من الفقه في الدين في مسائل العقيدة وكذلك أيضاً معرفة الحلال والحرام أن يرجع الإنسان إلى مأرز الإيمان والموضع الذي نزل عليه اللغة, وذلك في المدينة وكذلك أيضا مكة, قد يكون الإنسان نائياً وهو عربي, ولكن ربما يفهم القرآن على غير مراد الله عز وجل له, جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عدي بن حاتم عليه رضوان الله في قصة الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر, فسره عدي بن حاتم بالعقال, بالحبل, تفسير لغوي صحيح, لكن وضعاً وتنزيلاً خطأ, وهو عربي طائي, لكنه ليس من أهل اللسان الذي نزل القرآن عليه وضعاً, وإن كان نزل القرآن بلسان عربي مبين لكن له وضع, اختيار من بعض المواضع والألفاظ التي نزل عليها القرآن, إذاً فكلمة الخيط تشمل معاني؛ منها الحبل, العقال, منها الخيط الأبيض والخيط الأسود من الفجر, نزل القرآن على هذا, من الذي يفهم أنه على هذا لا على هذا وهذا؟ من نزل بلسانهم, وهذا في جزئيات وقع في الصدر الأول, وإن كان يسيراً في الصحابة أو نادراً, فإنه يقع أيضاً في مسائل العقائد, ولهذا نجد البدع والشبهات كثيرة, تنتشر في سبب وضعف كلام الله سبحانه وتعالى عند بعض المنتسبة للإسلام من العجم.

    هنا يقول: والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته, كلام الله سبحانه وتعالى سواء كان كلاماً أو مكتوباً أو محفوظاً في الصدور فهو كلام الله, كلام الله سبحانه وتعالى ليس بمخلوق, لهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم, قال: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49], فكونه في الصدور ما سلبه الله عز وجل أن يكون كلامه سبحانه وتعالى, كذلك أيضاً إذا تلفظ الإنسان بالكلام هل هو كلام الله أو ليس بكلام الله؟ كلام الله؛ لأن الله جل وعلا يقول في كتابه العظيم: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6], من الذي يتكلم؟ الذي يتلفظ من هو؟ الذي يتلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلام الله سبحانه وتعالى, ولهذا بجميع جهاته سواء كان مكتوباً في المصاحف, أو كان متلواً بالألسن, أو كان محفوظاً في الصدور فهو كلام الله سبحانه وتعالى بجميع جهاته, ويستشكل البعض حينما يدخلون في تفاصيل أمثال هذه الجزئيات في مسائل الحبر والورق والصوت وغير ذلك؛ فأوغلوا في هذه الجزئيات فأوردت لديهم كثير من الشبه, السلف الصالح لم يكونوا أهل تكلف, ولهذا لم تقع لديهم الإشكاليات, يقولون: كلام الله, وانتهى, لما دخل أهل البدع في هذه التدليلات دخل فيها أئمة السنة لا إقراراً لها ولكن نفياً لخبث الكلام الداخل على الحق, فيقولون الورق مخلوق, والحبر كسائل مخلوق, ولكن ما هذا؟ هذا كلام الله؛ لماذا؟ لأن كلام الله صفة من صفاته, فإذا قلت أنه مخلوق؛ فإذا خلقت الصفة فإن الموصوف مخلوق تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً, وهذا ما حمل المتكلمة سواء من المعتزلة أو الأشاعرة في الخوض في هذا الباب إلا للاستشكال في هذا المعنى؛ لأنهم قالوا: لو قلنا بأنه بصفة لله سبحانه وتعالى لزم من ذلك عند استقرارهم في نفوسهم أنه مخلوق يلزم من ذلك أن الخالق مخلوق تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً, فوقعوا في الضلال في هذا الباب, ولهذا شدد العلماء النكير في هذا لمؤداه إلى الباطل, وذلك أنه يوافق قول الجهمية الذين يقولون بالحلولية والاتحاد, وأن الله عز وجل حال في كل مكان فلا فرق بين الخالق والمخلوق؛ لأنه يشترك في هذا الباب, ولهذا نقول: إنه بجميع جهاته, سواء كان متكلم به أو مسموع أو مكتوب أو محفوظ في الصدور فإنه كلام الله سبحانه وتعالى, وهذا هو المراد بقوله: بجميع جهاته؛ لأن القرآن إما أن يكون محفوظاً في الصدر لا ملفوظاً ولا مسموعاً, وإما أن يكون مكتوباً, وإما أن يكون مقروءاً, وإما أن يكون مسموعاً, وبجميع جهاته هو كلام الله سبحانه وتعالى ليس بمخلوق, وأما تلفظ الإنسان بالقرآن فنقول: الكلام كلام الباري والصوت صوت القارئ من جهة نبرة الصوت هذا غليظ, هذا رقيق, هذا ثخين, هذا يتغنى, هذا لا يتغنى, هذه الأصوات هي أصوات الناس, أما الكلام فهو كلام الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    الإيمان بالقدر خيره وشره

    [ والقدر خيره وشره من الله عز وجل ].

    هنا يقول: والقدر خيره وشره من الله عز وجل, تقدم أن هذا ركن من أركان الإيمان؛ كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي مسلم من حديث ابن عمر عن أبيه قال: ( الإيمان أن تؤمن بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, وبالقدر خيره وشره, وبالبعث بعد الموت ),إذاً نقول: إن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان, ومن نفى القدر لا يثبت له إيمان لزوال ركن من أركان الإيمان, فإذا زال ركن واحد منها زال الإيمان كله, ولهذا يقول عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى لما قيل له كما جاء في الصحيح: ( إن أقواماً يقولون: إن الأمر أُنُف, وألا قدر, قال: أخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني, وأنه لا يكون إيمان أحد حتى يؤمن بالقدر ).

    والقدر مشتق من التقدير, وهو: دقة الحكمة, ولازم القدر العلم, أنه لا يمكن أن الإنسان يقدر شيئاً إلا وهو عالم, ولا يعلم الشيء إلا وهو مقدر له, فعلم الإنسان بالشيء وتفاصيله الكاملة لا بد أن يكون هو الذي قدره؛ لله المثل الأعلى ولكن على سبيل المثال إنسان يعرف مداخل ومخارج ودقائق البناء ونحو ذلك, يعرف مواضع المدينة ومداخلها وطرقاتها ومياهها ومخارجها ونحو ذلك, كلما كان أبصر علماً بدقائقها ولو دقة حتى أنابيب الماء دليل على ماذا؟ أنه هو الذي صنعها, وكلما ضعف في جانب العلم دل على أنه ليس هو الذي صنعها وقدرها على هذا النحو, ولهذا كمل الله جل وعلا علماً فكمل تقديراً, وثمة تلازم في هذا الباب بين العلم والقدر, فمن نفى القدر يلزم منه أن ينفي العلم؛ فكيف يقدر من لا يعلم؟ فلا بد أن يكون الذي قدر ذلك هو العالم, ثم أيضاً من قال: إن الله عز وجل لم يقدر على الخلق شيء, يلزم من ذلك أنه لا يعلم ما يكون, ما يسقط من ورق الشجر, ودقائق الخلق, وحال الإنسان, وعمره, وأجله, دقائق الإنسان وتفاصيله وكم يولد له, هذه الدقائق وتفاصيل الجزئيات مما يدق عن ذهن الإنسان عن استيعابه إذا أثبتناه علماً لله عز وجل؛ هذه الدقة المتناهية في هذا العلم؛ هل هذا دليل على وجود القدر أو عدمه؟ على وجود القدر, ولكن نقول: إن نفاة القدر على نحوين في باب العلم:

    النحو الأول: ينفون القدر ويلتزمون بنفي العلم, تعالى الله عن ذلك, وهؤلاء طائفة شبه انقرضت.

    النحو الثاني: ينفون القدر ولا ينفون العلم, وهؤلاء يقعون في التناقض، ولهذا يقول الإمام أحمد وكذلك الإمام الشافعي يقول: يخاصم القدرية بالعلم, فإن أثبتوه أثبتوا القدر, وإن نفوا القدر فيلزم من ذلك نفي العلم, وحينئذ يكفرون أشد بنفيهم للعلم, ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى يقدر كل شيء على خلقه ولو كان يسيراً.

    وفرق بين القضاء والقدر, القضاء أوسع من معنى القدر, القدر المراد بذلك هو: الأمر الكوني, وأما القضاء فهو شامل للكوني والشرعي, شامل للأمر الكوني والشرعي, ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23], هذا قضاء شرعي, ولهذا يقول عبد الله بن مسعود كما في تفسيره, قال: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23], قال: أمر ووصى, فبعضهم يستدل بالقضاء الشرعي على القضاء القدري الكوني, وليس كذلك, فإذا أطلق القضاء في الشريعة فالأصل فيه الكون والتدبير الكوني وما يكتبه الله سبحانه وتعالى على عباده وعلى المخلوقات.

    ويقول هنا: والقدر خيره وشره من الله سبحانه وتعالى, يذكر العلماء القدر خيره وشره من الله, ويذكرون الشر والخير لأنه من دواعي نفي القدر أن نفوس بعض الناس يريدون تنزيهاً بنفي القدر أن الله لا يقدر الشر على الناس, لا يقدر الأذية الكونية بالغرق والحرق والتعذيب, أن يدفن الإنسان ويهلك, ويموت أو يحرق, أو يؤذى, أو غير ذلك, هي مشاعر توجد في نفس الإنسان يربط بها أمر الله سبحانه وتعالى, وليس كذلك؛ لماذا؟ لأن أمور الله عز وجل لا ترتبط بمشاعر الإنسان, فالله سبحانه وتعالى له صفات وله أسماء لا تتعلق بما يدركه الإنسان, فإن الله عز وجل لا يحيط أحد به شيئاً إلا بما أذن الله جل وعلا به. والقدر على ما تقدم هو: التقدير, ولازم القدر على ما تقدم: العلم, لهذا نقول: لدينا العلم ولدينا الكتابة ولدينا أيضاً التقدير ومشيئة الله سبحانه وتعالى, والمشيئة على نوعين: مشيئة الله سبحانه وتعالى, ومشيئة العبد, ولا يشاء العبد إلا بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى, ولذلك يقول الله جل وعلا: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30], ومشيئة الله سبحانه وتعالى هي السابقة, ومشيئة العبد اللاحقة, يقدرها الله جل وعلا, مشيئة الله ماضية, ومشيئة العبد قاصرة, وهي خاضعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى, ومن دواعي النفي عند بعض الطوائف في هذا الباب كالمعتزلة الذين ينفون القدر, يريدون تنزيهاً, أي: أن الله لا يقدر الشر على عبده ثم يعذبه عليه, ولكن نقول: إن الله سبحانه وتعالى أثبت مشيئة للإنسان, وبها يعذب, فلا يعذب الإنسان إلا لاختياره ومشيئته, فإذا وقع له اختيار وقع عليه العقاب, وإذا نزل عليه القدر بلا مشيئة منه فإنه لا يعذب على ذلك؛ كالذي يسقط ويقتل أحداً, أو يطعم ضيفاً ولا يعلم ثم يموت ذلك الضيف, لا يعذبه الله عز وجل بتسمم ذلك الطعام؛ لأنه ليس اختياراً منه, هل وجد له مشيئة اختيارية؟ ليس له, لا يوجد هذا, وإنما هو أمر من الله سبحانه وتعالى قدر, ولهذا نقول: إن الله عز وجل يعاقب العبد على مشيئة العبد التي جعلها فيه, فنفاة القدر استشكلوا أن الله يقدر على العبد وغاب عنهم مشيئة العبد فنفوا القدر كله, مسألة القدر وتقدير الله عز وجل ولوازم ذلك هذه من المسائل التي حيرت كثير من الطوائف, حتى ما قبل الإسلام, من الفلاسفة سواء كانوا من اليونان, من الرومان, من البابليين وغير ذلك, منهم من يربط ذلك بأمر الكواكب؛ كالبابليين, ويجعلون تأثير أحوال الناس لها مؤثرات, كل يؤمن بمؤثر, منهم من ينفي ذلك؛ يقول: إن الله عز وجل خلق الخلق وجعل له نظام, هذا النظام انفك عن الله سبحانه وتعالى, جعله يجري وفق أسباب, لم يقدر الله عز وجل على أحد شيء؛ وهذا كفلاسفة اليونان؛ كـأرسطو وأفلاطون وسقراط وغير ذلك يقولون: إن الله خلق الخلق, ثمة خالق, يؤمنون بوجود خالق, يقولون: خالق, ووضع معادلات وأسباب, وهذه الأسباب تدور في فلكها المخلوقات, وأما الله فلا شأن له بذلك؛ لأن الله عز وجل فعل ذلك اختياراً منه, أرادوا من ذلك تنزيهاً للخالق, وإثباتاً لقدرة الإنسان, ولهذا يقول العلماء: أن القدرية نفاة القدر مجوس هذه الأمة؛ لماذا؟ لأن المجوس يؤمنون بوجود خالقين: الظلمة تخلق الشر, والنور يخلق الخير, قالوا: وجود خالقين عند القدرية نفاة القدر يثبتون وجود خالقين: خالق لفعله وهو الإنسان, وخالق الإنسان هو الله, قالوا: فلم يخلق الفعل إلا الإنسان, ولم يخلق الإنسان إلا الله, فهذه عقيدة المجوس, ومنها أخذ الرافضة نفي القدر, لهذا نستطيع أن نقول: إن الطوائف في أمور القدر على ثلاثة فرق:

    الأولى: قدرية: وهم نفاة القدر, يقولون: لا يوجد قدر, وأن الأمر أُنُف, يعني: يستأنف, لا يكون إلا عند حدوثه.

    الثانية: الجبرية, وهم الذين أرادوا تنزيهاً أيضاً أن يكون للإنسان مشيئة لا يريدها الله سبحانه وتعالى, فجعلوا الإنسان مجبور, والتزموا بلوازم ضالة لما وضعوا هذا الأصل, قالوا: كيف يقع عليه العقاب والله يجبره وليس له مشيئة؟ ولَّدوا جملة من المعاني, قالوا: لا يوجد نار, فحملوا معنى النار على شيء من المعاني, ورد لديهم أيضاً إذا كان الجبر الشرك والوثنية هل الله يجبر الإنسان على أن يعبد الصنم؟ كيف يكون هذا؟ قالوا: بلوازم ذلك, سواء من الاتحادية والحلولية قالوا: أصلاً لا يوجد خالق ولا مخلوق, لا يوجد في هذا الكون إلا الله, ولكن تتحول هذه الأشياء من مادة إلى مادة, فجروا على هذه البدعة والتزموا بجملة من لوازمها.

    أهل السنة في ذلك ومذهب السلف الصالح في هذا أنهم يثبتون القدر, ويثبتون المشيئة للإنسان, الأشاعرة في هذا الباب كانوا على موقف بين أهل السنة وبين المعتزلة, أرادوا أن يبتعدوا عن وصف الإنسان بأن يخلق فعله وعن وصف الله عز وجل أنه لم يقدر, قالوا: الله عز وجل هو الذي يخلق فعل الإنسان, وللإنسان كسب, وأن الله سبحانه وتعالى لم يجعل الأسباب محدثة لآثارها, قالوا: فإن النار لا تحرق, ولكن هذا انتظام يجعله الله عز وجل منفرداً, أن الأكل لا يشبع, فالأكل شيء والشبع شيء, هذا ليس سبباً لذاك, فألغوا هذا الأمر, كذلك أيضاً الإنسان إذا رمى بسهم ورصاصة، قالوا: القتل منفك عن الرصاصة, الرصاصة شيء, فخلق الله القتل مستقلاً عن الرصاصة وذلك لعلل؛ قالوا: لأنه يمكن أن يموت الإنسان بلا رصاصة, ويمكن أن يرمى برصاصة ولا يموت.

    يرد عليهم أهل السنة بقول: هذا قصور في الأسباب, لأن الرصاصة لم تضرب موضعاً يموت فيه, فإذا اكتملت الأسباب لا بد أن يتحقق؛ لأن هذا مقتضى إحكام الله لخلقه, فربط الله عز وجل تقدير ذلك, ولكن هؤلاء لم يقولوا إن الإنسان يخلق فعله, ولم يقولوا أيضاً أن لا قدر, فأثبتوا القدر.

    ولهذا العلماء حينما نظروا إلى هذه المسألة في مسألة كسب الأشعري في باب القدر جعلوها من المسائل المحيرة التي لا معنى لها من جهة النظر الدقيق ولا من جهة الدليل والتعليل فيه, فيجعلون أن الله يخلق الشبع منفكاً عن الأكل, وإنما هو انتظام, وذلك كحال جملة من الأحوال التي تحدث ولا تلازم بينها, وقالوا: ولكن الله عز وجل يجعل الأشياء مطردة, ومنها ما اطراده قليل, ومنها ما اطراده في ذلك يسير, وهذا أيضاً في هذه المسألة أرادوا أن يتوسطوا في ذلك, والأشاعرة أرادوا أن يجمعوا بين الطريقتين: بين طريقة أهل السنة والأثر والحديث وبين طريقة المعتزلة, ومعلوم أن أبا الحسن الأشعري كان على طريقة أهل الاعتزال ثم ترك ذلك وسلك منهج أهل الحديث ولكنه نقض الفروع وما نقض الأصول, تراجع بنقض الفروع ولم ينقض في ذلك الأصول, ولهذا بنى الأشاعرة من بعده على أصوله معاني تخالف فروعه, فجرى على هذا من أخذ بقوله؛ سواء الباقلاني وكذلك أيضاً ابن فورك وأبو إسحاق الإسفراييني وكذلك أيضاً أبو إسماعيل الإسفراييني، وجرى على هذا أيضاً أئمة الأشاعرة ممن بعدهم؛ كإمام الحرمين الجويني، وكـأبي حامد الغزالي وغيرهم من أئمة الأشاعرة, جروا على تقرير هذا المعنى على خلاف ما يريده, ولهذا نقول: إن الإنسان إذا أراد أن يتراجع عن فرع لا بد أن ينظر في أصله؛ حتى لا يولد عليه بمعنى خاطئ.

    والقدر خيره وشره من الله, يعني: بنوعيه, سواء كان خيراً أو شراً من الله سبحانه وتعالى, إلا أنه من باب الأدب لا ينسب الشر إلى الله مستقلاً؛ لأن الله لا يخلق شراً محضاً ويريد بعباده الشر, ولهذا نقول: يجوز للإنسان أن ينسب الشر إلى الله في حالتين:

    الأولى: أن ينسبه إلى الله مع حذف الفاعل, بإضماره, بالبناء للمجهول, ولهذا تقول الجن تأدباً مع الله, قالوا: لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن:10], نسبوا الرشد إلى الرب, وأما الشر لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ [الجن:10], فلم ينسبوه لله سبحانه وتعالى صراحة؛ تأدباً مع الله سبحانه وتعالى.

    الثانية: أن يدخله في عموم, فلا يجعله منفرداً, وذلك كما في قول الله سبحانه وتعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق:1-2], يعني: يوجد شر ويوجد خير, قول الله جل وعلا: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس:1-6].

    1.   

    عقيدة أهل السنة في الصحابة وبيان فضلهم

    [ وخير هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب عليهم السلام ].

    النبي صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم كما جاء في ذلك الخبر, وهو عليه الصلاة والسلام سيد الأنبياء والمرسلين, وقد جاء في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر, بيدي لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر, آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر, أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر ), النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء وأشرفهم مع شرفهم, وهو سيد أولو العزم, وهم الصفوة من أنبياء الله سبحانه وتعالى, وأفضل الناس بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبعد الأنبياء هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهم خير من أصحاب كل نبي مع فضل الجميع وجلالتهم؛ لأن فضلهم هو بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم, وفضلهم على غيرهم ممن سبق من أتباع الأنبياء وعلى من جاء بعدهم, وهم الأمان للأمة, وهم الرحمة بها, أقرب الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم, وأصدقهم نقلاً عنه, وأوفاهم لعهده, وأبرهم به, وأطيبهم قلوباً, وأزكاهم أنفساً, اختارهم الله عز وجل لصحبة رسوله صلى الله عليه وسلم, وهذا الاختيار جعل مجموع أهل القرن أفضل من غيرهم, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( خير الناس قرني, ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم ), والمراد بذلك هو المجموع, والصحابة عليهم رضوان الله أدناهم منزلة هو خير من أعلى ممن جاء بعدهم, ممن يأتي بعدهم, ولهذا قد سئل ابن المبارك عليه رحمة الله عن معاوية أيهما أفضل هو أو عمر بن عبد العزيز ؟ قال: لغبار دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عمر بن عبد العزيز ؛ لأن الفضل هو بمن صاحب؛ لأن وجود الصحابة ولو رقماً وعدداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم له أثر على رسالته, ولهذا يوجد في التابعين من هو أكثر عبادة من الصحابة, ولكن ليس بأكثر نصرة, فوجود واحد منهم وقوفاً بجوار رسول الله في غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من قيام المتأخرين الليل كل أعمارهم؛ لأن قيامه ووجوده عدداً يورث قوة ونصرة وعزة وتمكيناً في نصرة أصل الدين وحامله ومبلغه وهو: رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من معه, وذكر عدد من معه, والأفواج الذين معه, والذين جالسوه, والذين يأتون معه ولو أجساماً, أولئك أعظم ممن يأتي بعدهم, وهذا الأمر يغيب, وما أولئك بالمعصومين أيضاً, فضلهم لا يعني عصمتهم, فليسوا بمعصومين, يخطئون, وخطأهم دون خطأ غيرهم, وفضلهم سابق لفضل غيرهم, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح: ( لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ), ويقول كما جاء في حديث أبي موسى: ( أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون ), وفضل الصحابة بالاتفاق عند أهل السنة أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى أفضلهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار, وأن من أسلم وسبق إلى الحق مجاهداً منفقاً قبل الفتح أفضل ممن كان بعده؛ والسبب في ذلك أن اتباع الحق والتمسك به في زمن ضعفه دليل على التصديق برسالته والإيمان بذلك, فالدافع في هذا مع ضعف الأسباب المادية أمارة على ماذا؟ على اليقين, وإذا قويت الأسباب المادية اشتُرِك في ذلك دافع الإيمان, قوة الإيمان مع قوة الأسباب المادية, ولهذا الذي يتبع الحق في زمن ضعفه يقدم على من يتبع الحق في زمن قوته, لهذا الذين أسلموا وهاجروا وأنفقوا قبل الفتح أفضل ممن جاءوا بعد ذلك, الذين أسلموا قبل الفتح على مراتب: أفضلهم البدريون, ثم يليهم الأحديون, الذين شهدوا أحداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم يليهم بعد ذلك الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة, ثم أفضل هؤلاء العشرة المبشرون بالجنة, وأفضل العشرة الخلفاء الراشدون الأربعة, وأفضل الأربعة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي بن أبي طالب عليهم رضوان الله, وعلى هذا استقر قول أهل السنة، وكان تفضيل أحد من الصحابة على أبي بكر معدوماً, ولا يقول به أحد ينتسب للإسلام في الصدر الأول, ولا في زمن التابعين, ينتسب أحد للإسلام في ذلك, وإنما نشأ بعد ذلك, أول ما بدئ فيه بتفضيل علي على عثمان، ثم بتفضيل علي على عمر، ثم بتفضيل علي على أبي بكر، ثم بتفضيل علي على رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم في تأليه علي وجعله رباً, وبهذا تندرج البدعة وتعظم وتتفاقم؛ كما هو عند طوائف من أهل الرفض.

    [ وهم الخلفاء الراشدون المهديون ].

    وذلك لحديث العرباض بن سارية في المسند والسنن في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ), أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتمسك بسنتهم, فإذا ثبت القول عنهم لا محيد عنه, وهو إجماع, ولا أعلم قولاً يقول به الخلفاء الراشدون الأربعة وصح عنهم إلا والقول الذي يخالفه شاذ؛ لأنهم لا يطبقون ولا يجمعون على شيء إلا وله مستند من الوحي والنص القاطع, ظهر النص أو لم يظهر, وأعلى الخلفاء الراشدين ترجيحاً بقوله أبو بكر مع قلة المنقول عنه في أبواب الفقه؛ لقصر زمنه الذي عاشه, فعاش نحواً من سنتين, وعمر الإنسان له أثر في نقل إرثه, ثم أيضاً أن عمره الأوفر قضاه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم, والقليل قضاه بعده, فعمر يقضيه الإنسان تابعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيها أعظم أو عمر يقضيه الإنسان متبوعاً بالحق؟ التابع للنبي أعظم من المتبوع في غير زمن النبي صلى الله عليه وسلم, ولهذا كان أكثر عمر أبي بكر الصديق في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولهذا ربما جعل الله عز وجل في فضل أبي بكر ومنقبته هذا ولحكمة أن جعله الله يعيش سنتين لأنه سابق في علمه أمر المرتدين أن لا يحسمها إلا مثل الصديق فأبقاه ليحسمها ثم يفضي إلى الله, حتى يكمل ملة الإسلام بعد الانحراف العارض عليها, وإلا فالدين كامل أكمله الله عز وجل بمحمد صلى الله عليه وسلم, فأنعم الله عز وجل على هذه الأمة بوقوف أبي بكر في زمن المرتدين.

    [ وأن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد لهم بالجنة على ما شهد به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله الحق, والترحم على جميع أصحاب محمد والكف عما شجر بينهم ].

    هنا يقول: وأن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد لهم بالجنة على ما شهد به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله الحق.

    من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة يشهد له بالجنة عيناً, ومن شهد الله أو رسوله له بالنار فيشهد له عيناً, ومن شهد الله له بالجنة وصفاً يشهد له وصفاً ولا يشهد له عيناً, ومن شهد الله له وصفاً بالنار فيشهد له وصفاً لا يشهد له عيناً, فالوصف نؤمن بأن من فعل كذا وكذا فهو من أهل الجنة, ولا ننزله عليه عيناً, حتى يثبت في ذلك الدليل, وإنما يرجى له. ومن ثبت الدليل بثبوت دخوله النار وتعذيبه عليه يثبت به وصفاً, فإن الأدلة ثبتت بدخول من زنا النار, ولكن ثبت الدليل بغفران الله عز وجل لبعضهم, وكذلك أيضاً بدخول أناس في عذاب الله سبحانه وتعالى من أرباب الكبائر, لكن لا ننزل ذلك وصفاً, ولا نثبت الوصف فضلاً عن العين لذنوب لم يدل الدليل على دخول الناس لأصحابها في النار؛ وذلك مثلاً لا نقول أن الله عز وجل يدخل في النار من أكل بشماله, هذا مخالفة أو ليست مخالفة؟ مخالفة, لكن هل دل الدليل وصفاً أو عيناً على دخول ذلك النار؟ لا, لكن دل الدليل وصفاً على أن مانع الزكاة يدخل النار, وما دل عيناً أنه يدخل كل عين, ولكن هذه الآثام هي آثام تنقص الإنسان وربما تتسبب بغيرها لدخول الإنسان النار لا بذاتها, ولهذا نفرق بين ما دل الدليل عليه وصفاً وما بين ما دل الدليل عليه عيناً في دخول النار وبين ما دل الدليل عليه إثماً لا سبباً في دخول النار, ولهذا العلماء يجعلون الكبائر المقترنة بدليل يثبت دخول صاحبها النار أو اللعن وهو الطرد من رحمة الله سبحانه وتعالى أو أقام الله عز وجل عليها الحد في الدنيا, فإن هذا من أمارات وقرائن الكبيرة, فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يشهد للعشرة المبشرين بالجنة فقط, بل شهد لغيرهم, ولكن هؤلاء أفضلهم, شهد النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة، وشهد النبي صلى الله عليه وسلم لـخديجة، وشهد النبي صلى الله عليه وسلم لـفاطمة، وشهد للحسن، وللحسين، ولـبلال، ولـأسامة ولـعمار ولـعكاشة بن محصن وغيرهم, فنشهد لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأعلى هؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة.

    قال: والترحم على جميع أصحاب محمد والكف عما شجر بينهم.

    الترحم والترضي عليهم وصفاً, والترحم والترضي عليهم عيناً, نترحم ونترضى عليهم بالوصف, نقول: الصحابة رضي الله عنهم, وعيناً عند ذكر الواحد منهم, رضي الله عن فلان ورحمه, فنقول بالترضي لذكر الله عز وجل له, رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة:119], والصحابة: هم من مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض, وإنما قلنا ذلك لثبوت أقوام كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم استحقوا وصف الصحبة لغة وظهر عدم رضا النبي صلى الله عليه وسلم عنهم؛ كـعبد الله بن أبي، ففيه صحبة لغوية, ولكن دل الدليل على عدم رضاه عنه, ومن في حكمه مما دل عليه الدليل, وهذا الاستثناء لا يخرج الأصل ولا يلغيه؛ وذلك لقلة المنافقين, وقلة من مات النبي صلى الله عليه وسلم عنهم وهو ليس براض عنهم, وقد جاء في مسلم من حديث عمار قال: قال لي حذيفة بن اليمان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( في أصحابي اثنا عشر منافقاً, ثمانية منهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ), هذا عدد قليل بالنسبة لعدد الصحابة, ثم هم أيضاً مغمورون ليسوا بمعروفين, وأمرهم مكتوم, وليسوا بنقلة رواية؛ لأنهم لا يحبون الناقل فكيف يأتون بالمنقول؟ وهذا من حفظ الله للشريعة, فلا يحبون محمداً فكيف ينقلون وحيه إلى الغير؟ ثم أيضاً أن من الصحابة من جعله النبي صلى الله عليه وسلم رقيباً عليهم؛ كـحذيفة عليه رضوان الله, فيعرف أحوالهم وتصدرهم في ذلك, ولهذا في قوله في هؤلاء الأربعة, قال: ماتوا ولم يبق منهم إلا واحد إذا شرب الماء لم يجد برده في بطنه, وذلك لشدة كبره, يعني: من ذهب منهم ومن كان باقياً على ما هو عليه, الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كانوا في وجه النفاق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجود المنخرط في صفهم كحال عبد الله بن أبي وغيره, لا يخرج الأصل لوفرتهم, ولهذا قد ذكر أبو زرعة وغيره أن الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجه أكثر من مائة ألف, وأما المنافقون فاختلف في عددهم, قيل هذا العدد وقيل أكثر من ذلك, وجاء عن عبد الله بن عباس أنهم ثلاثمائة, ولكن ليسوا بنقلة الأخبار, وليسوا أيضاً ممن كان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يتناقلون فضلهم.

    وقوله هنا: والكف عما شجر بينهم, يعني: أنه ثمة شيء يقع بينهم من الشجار والخصومة, وذلك لأن الخصومة وقعت بينهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ألم يقع قتل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟ نعم وقع قتل, ألم يقع تعدٍ في المال؟ وقع تعد في المال, ومع ذلك ما سلب النبي صلى الله عليه وسلم الفضل عن أعيانهم في زمنه فكيف نسلبه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هذا أمر.

    الأمر الآخر أننا إذا لم نثبت الشجار بينهم, يعني: من ذلك أن نثبت العصمة, ويكونوا في مصاف الأنبياء, ليسوا بمعصومين, يخطئون, ولكن مع خطأهم فهم أفضل ممن جاء بعدهم, وكثير من الناس حينما يسمع النهي أو المنع من الخوض فيما شجر بينهم يربط ذلك بالعصمة, ويربط ذلك أيضاً بمسألة أنه لماذا لا ننقد وننظر الخلافات التي تكون بينهم فنميز ونعرف الحق مع من, نقول: في ذلك جواباً فيما يلي:

    أولها: أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يثبت خطأهم, وثبوت الخطأ لا يعني من ذلك أن الإنسان يجعل نفسه حكماً وقاضياً بينهم, وذلك أن المفضول لا يحكم على الفاضل لقصوره عنه, الإنسان إذا وقع بين أمه وأبيه خصومة لم يستطع أن يوجه التهمة إلى واحد منهما, وإنما يتعامل معهم بلين ورفق؛ لماذا؟ لأنهم في مرتبة فوقه, والصحابة عليهم رضوان الله تعالى منزلتهم أجل, منزلتهم في ذلك أجل, وهل الوالدان لا يخطئان؟ يخطئان؛ لكن لماذا تعامل الابن معهم بلين بخلاف الأجنبي عنهم؟ فيجلس الأب والأم عند القاضي, فيشدد بمعرفة الحق وإلزام المخطئ, أما الابن فلا, فلو قتل الأب ابنه ما قيد به, وهل يعني ذلك أنه لم يخطئ؟ بل مخطئ, ولكن لأنه فرق بين المفضول والفاضل في هذا الباب, ولهذا الصحابة عليهم رضوان الله إنما نمتنع عن الخوض عما شجر بينهم لعلوم مرتبتهم ودنو مرتبتنا عن الخوض وفض النزاع الواقع بينهم.

    الأمر الثاني: أن ما وقع بينهم لا يلزم من ذلك زيادة في الدين ولا نقصان؛ لأن الشريعة لدينا محفوظة لا علاقة لها بتلك الحوادث, فحوادث نزلت وغبرت, وأحكام الشريعة من توحيد وأركان الإسلام وقيام شريعة الجهاد وغير ذلك هذا باق إلى قيام الساعة, لا نحتاج إلى معرفة أحكام الدين من التوحيد, الإيمان بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, وبالقدر خيره وشره, البعث بعد الموت, ما يتعلق بأركان الإسلام الخمسة وغيرها ألا نعرفها بعد تحرير هذه المسائل.

    الأمر الثالث: أن الصحابة عليهم رضوان الله ما وقع فيهم من خلاف إنما هو في تنزيل الدين لا في تأصيله, فوقع فيهم الخلاف في الاجتهاد في تنزيل النص, وتنزيل النص حادث, وتأصيله دائم, فهم لم يبتدعوا شيئاً في الدين وإنما الخلاف فيهم إنما وقع في تنزيل هذا الشيء, هل هذا الدليل يقع في مثل هذه الحادثة أو لا يقع؟ ولهذا نقول: إن التنزيل يرفع والتأصيل يثبت, ولو كان الخلاف في التأصيل فللإنسان أن يرجح في هذا؛ لأنه يلزم من التأصيل حفظ الدين, ولا يلزم من كل تنزيل حفظ الدين؛ لاختلاف أحوال التنزيل, فربما الإنسان ينزل تأصيلاً في يوم لا ينزلها في اليوم الآخر لاختلاف الحال, وهو في ذاته واحد؛ فكيف في اثنين منفكين عن بعضهما يختلفان من جهة النظر وكذلك أيضاً الاجتهاد؟

    الأمر الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ( لا تسبوا أصحابي ), دليل على وجود موجب ذلك في النفوس, فهذا من الأمارات القطعية التي لا تحتاج إلى دليل وقد دل عليها الدليل, لا تسب يعني: لوجود داعي إلى هذا, دليل على أن الشارع أقر بوجود الخلاف والشجار وعدم العصمة, ولكن وجه الخطاب إليك ما وجه الخطاب إليهم؛ لأنه لا بد وهو واقع, ثم أيضاً تعدد الخلاف والنزاع الذي يكون بينهم يكون بين اثنين وبين جماعتين وبين طائفتين, بين مسائل في الفروع, بين مسائل في نوازل الدنيا وغير ذلك, فهذا لا بد من وقوعه ووروده.

    1.   

    الأسئلة

    هل عمل الجوارح شرط في أصل الإيمان أم كماله الواجب

    السؤال الأول: هل عمل الجوارح شرط في أصل الإيمان أم كماله الواجب؟

    تقدم معنا التأصيل في هذه المسألة, وأن لدينا جهتين: الجهة الأولى: ثبوت الإيمان واستقراره وتحققه, وهذا نقول فيه: لا بد فيه من العمل, وذلك أن العمل إيمان والقول إيمان والاعتقاد إيمان, هذه الثلاثة هي الإيمان كله، ولا نجزئ الإيمان إلى أجزاء, ولا نجعل هذه الأشياء شروطاً للإيمان ولا أركاناً ولا واجبات, ولا نجعل الإيمان مركباً منها, حتى لا نقع في شيء من اللوازم الخاطئة, لهذا الاستشكال الذي يريده البعض من قوله: هل العمل شرط لصحة الإيمان أو لكماله؟ هو وارد من خلل التقسيم والتجزئة الواردة في الذهن, وذلك لما توغل الناس وتوسعوا في التقسيمات والتجزئة والتنوع في أبواب الشروط والواجبات والأركان دخلوا حتى إلى مسائل الإيمان, وربما يقرر بعض العلماء من الشراح الأوائل يتكلمون على مسائل الإيمان ويذكرون العمل ويذكرون أنه شرط للإيمان, يذكرون بعض هذه العبارات من شرط وركن من باب التقريب, وهذه لها لوازم, وهذه اللوازم منها الخاطئ, ولهذا هذا السؤال الذي يقول: إن العمل شرط للإيمان؛ كأنه يخرج العمل من الإيمان؛ كمسألة الطهارة شرط للصلاة أو ليس كذلك؟ هذا إخراج للطهارة عن ماهية الصلاة وحقيقتها؛ لأنه ربما الإنسان يؤدي الصلاة بلا طهارة, أو يؤديها مثلاً بتيمم بلا وضوء, أو يؤديها ناسياً فتصح منه بنسيانه ولا يعلم بذلك ويبقى على هذا الأمر, لهذا نقول: إن الإيمان: قول وعمل واعتقاد, والعمل والاعتقاد والقول هي الإيمان, لا نقسمها ولا نجزئها حتى نجعلها أجزاء أو شروط أو واجبات, إذا قلنا: إنها شروط أخرجناها من ماهية الإيمان وحقيقته, وإذا قلنا: إنها واجبات أو أركان جزئناها من داخلها, الأسلم في هذا أن نستعمل عبارات السلف الصالح في تعريف الإيمان في قولهم: الإيمان: قول وعمل, أي: هذا هو الإيمان, ليست أجزاء منه, ولا مركب الإيمان منها, ولا شروط ولا واجبات ولا أركان, وإنما هذا هو الإيمان, هذه القاعدة إذا أدركناها انضبط لدينا مسألة الكفر وهو ضد الإيمان, إذا وقع لدينا خلل في إدراك هذا المعنى وقع لدينا الخلل في فهم الكفر, فإذا لم نجعل الإيمان مركباً من هذه الأشياء الثلاثة جميعاً لا منفردة ممتزجة مع بعضها؛ لأنه ثمة تلازم بين هذه الثلاثة, ولهذا نقول فيمن يسأل: هل العمل شرط صحة للإيمان أو شرط كمال؟ نقول: لا حاجة للسؤال؛ لأن الإيمان هو العمل, معنى هذا أريد أن أبين تقريب؛ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب هو: رسول الله صلى الله عليه وسلم, محمد وابن عبد الله وابن عبد المطلب هو شخص واحد أم ثلاثة؟ ثلاثة, هل محمد شرط لابن عبد المطلب أم هو؟ هو, وابن عبد الله هل هو شرط لابن عبد المطلب أم هو؟ هو؛ لو جاءنا شخص وقال: محمد بن عبد الله لكن ليس ابن عبد المطلب, لنتصورها ذهنياً, الإيمان الذي يشبه في هذا التمثيل محمد, القول والعمل والاعتقاد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؛ هذه ترجع إلى حقيقة واحدة أو لا ترجع إلى حقيقة واحدة؟ هي الحقيقة الواحدة, انتفاء واحد منها نفي للأصل أو ليس نفياً له؟ نفي للأصل, لو جاءنا واحد وقال: هذا محمد بن عبد الله بن سليمان؛ هو الرسول؟ لا, يأتينا شخص يقول: هذا اسمه محمد, وهذا ابن عبد الله, لكنه ليس ابن عبد المطلب وإنما ابن سليمان, إذاً نقصت الرسالة أو انتفت؟ نقصت أو انتفت؟ انتفت الرسالة, ليست الرسالة, يقول: هو رسول, نقول: رسول لكن ليس رسول من الله, هذا الذي يأتي يقول: الإيمان قول واعتقاد ولكن ليس العمل منه, نقول: هذا إيمان, لكن ليس بإيمان الإسلام, ليس إيماننا, لهذا لا بد أن ندرك أن حقيقة الإيمان قول وعمل واعتقاد أن هذا هي الحقيقة, لا نقوم بتقسيمها, مسألة الشرطية والتكوين والتجزئة هذا يحدث خلل للإنسان؛ وذلك أنه مثلاً كحال الإنسان في بدنه إذا بترت يده تقول: هذا فلان لكن نقص منه شيء, لكن يبقى هو فلان, نحن نتكلم على أي جزئية؟ على تحقق الإيمان وثبوته, الأصل, لا مسألة الزيادة والنقصان, مسألة الزيادة والنقصان قد يزيد بقول دون عمل؛ كالتسبيح والتهليل وبذل السلام وغير ذلك, لم يعمل بأركانه شيء, وقد يكون أيضاً بأركانه لكنه لم يتلفظ بشيء؛ كالرجل الصامت الذي أعان رجلاً على حمل متاع, أو أماط الأذى عن الطريق, ما تكلم بشيء, بعمل واستحضر نية, ألا هذا يزيد؟ هل اشترطنا وجود القول؟ ما اشترطنا وجود القول, لكن نقول: إن الاعتقاد وقول اللسان وعمل الجوارح هي في ثبوت الإيمان وأصله, أما الزيادة والنقصان فأمر آخر.

    هنا مسألة وهي: مسألة جنس العمل, تارك جنس العمل, معنى الجنس يعني: انتفى العمل منه بالكلية, يقول: أنا أعتقد أن الله واحد, وأنطق بالشهادتين ولوازمها القولية, ولكني لا أعمل شيئاً من الأعمال التي اختصت بها شريعة محمد صلى الله عليه وسلم, أهذا مؤمن؟ ليس بمؤمن؛ لماذا؟ لأن الإيمان قول وعمل واعتقاد, ولا يوجد فيه عمل؛ كحال الإنسان الذي يصلي المغرب ركعتين وفي وقتها ومع الجماعة ولكنه انصرف من الثانية؛ هذه صلاته صحيحة أو ليست بصحيحة؟ صلاته ليست بصحيحة, يقول: هذا الوقت ونويتها المغرب, نويتها قصداً, وكبرت مع الناس لساناً, ولكن العمل انتفى, لا تصح له, وليست هي المغرب, يقول: هي صلاة, نقول: هي صلاة لكن ليست صلاتنا, هل أدى الواجب وأسقطه؟ ما أسقطه, يبقى الحكم في أنه وجود هذه الصلاة كعدمها, ما هو العمل الذي إذا انتفى من الإنسان ينتفي منه الإيمان؟ ليس العمل الذي دلت عليه شريعة سابقة ولم يختص بشريعة محمد عليه الصلاة والسلام أو دل عليه الطبع والفطرة, كثير من الناس يربط مسائل الإيمان ربما بالعاطفة, يقول: فلان باذل ويحسن ويفعل ويعالج المرضى ويؤوي الناس ويكفل الأيتام والأرامل ويرعى المساكين والفقراء ويشيد المساجد وغير ذلك؛ هل هذا نحن بحاجة إليه؟ لا, لسنا بحاجة إليه, نريد من ذلك هو ما اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل الخصوص؛ لأن كفار قريش كانوا يعمرون المسجد الحرام, ويسقون الحاج, ويقرون الضيف, ويغيثون الملهوف, ويعينون على نوائب الحق, ومع ذلك ما كانوا مؤمنين؛ لانتفاء العمل الذي اختصت به شريعة محمد من أقوالهم وأفعالهم فامتنع عنهم حينئذ الإيمان.

    إذا اختل هذا التقرير في فهم الإيمان تختل لوازمه وورد لدينا من يقول بأن العمل شرط كمال, أخرجه من دائرة الثبوت إلى دائرة الزيادة والنقصان فجعل له حكماً واحداً, فأضعف جانب الثبوت في العمل واستقام معنا في الاعتقاد والقول, أما من جهة عمل الجوارح فاختلت لديه إثباتاً فتختل به نفياً, ولهذا نقول: الذي يقول أن الذي يسجد للصنم لا نكفره حتى نرجع إلى نيته؛ كحال الإنسان الذي إذا انتقض وضوئه من الركعة الثالثة يقول: لا نبطل صلاته حتى نرجع إلى الركعة الأولى والثانية هل هي صحيحة أم لا, هل هي صحيحة؟ لا تصح؛ لأننا نتكلم على صلاة مغرب, ما نتكلم عن ركعة أولى أو ثانية, لا ندخل في دائرة التجزئة, إذا دخلنا في دائرة التجزئة وقع لدينا الخلل, ولهذا عقيدة أهل السنة والجماعة أن الكفر والنقض للإيمان بهذه الأشياء إذا وقع على واحد منها المبطل أبطلها جميعاً؛ لأن حقيقتها واحدة لا تركب, ويتولد لدى هذا الغلاة في المرجئة وغلاة الإرجاء الذين بعد ما أخرجوا العمل جاءوا إلى القول أيضاً, فقالوا: إن الإنسان إذا قال كلمة الكفر لا نكفره حتى نرجع إلى نيته ماذا يقصد, فورد لدينا من يقول: إن سب الله لا يخرج من الملة حتى نرجع إلى قلبه؛ هل تريد بالله ذماً أو هذا يجري على لسانك جريان من الكلام المعتاد؟ لسنا بحاجة إلى هذا, بل منهم من رجع إلى جانب التصديق القلبي, إلى جانب الإيمان في القلب, فنقض العمل ونقض القول وذهب إلى أمر القلب, وقال: كل من عرف الله فهو مؤمن, يلزم من ذلك أننا لو سمعنا كلمة الكفر لا نعتد بها, وفعل الكفر لا نعتد به ما وجدت المعرفة القلبية, على هذا إبليس لديه معرفة قلبية, وفرعون لديه معرفة قلبية, وكفار قريش لديهم معرفة قلبية, فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33], وفي قوم فرعون وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14], جحدوا, دفنوا الحقيقة, موجودة في قلوبهم لكن مدفونة, مدفونة بمعنى: لم تظهر في القول ولم يظهر في العمل, وهؤلاء غلاة المرجئة في هذا الباب الذين قالوا: لا يوجد كفر وإيمان, حملهم ذلك إلى أن اضطربوا بنصوص صحيحة في مسألة الثواب والعقاب, منهم من يقول: الرضا والغضب, الجنة والنار, هل الله يعاقب؟ أخذوا بتحليل هذه العبارات إلى معاني أخرى, فدخلوا في معنى الباطنية, فهذا التأصيل ولد معاني منحرفة في هذا الباب, ولهذا أقول دائماً: أن من فهم ثبوت الإيمان فهم نفيه, سلم لديه في جوانب الكفر, سلم لديه الأمر في جوانب الكفر, والأصل الذي يريد طالب العلم أن يسلم معه أن يبتعد عن وصف هذه الثلاثة بالشرطية أو الوجوب أو التجزئة أو التركيب والتكوين أو الركنية, قد يقول البعض: هذه بعض المعاني تؤدي إلى معنى صحيح, نعم, بعضها تؤدي إلى معنى وإفهام صحيح, نقول: لا حرج على الإنسان أن يستعمل بعضها لإيصال المعنى لا للتقرير؛ حتى لا يختل لديه هذا الجانب.

    عقيدة الخوارج في نفي الإيمان وإثباته

    السؤال: يسأل على مسألة عقيدة الخوارج في نفي الإيمان وإثباته.

    الجواب: الخوارج يختلفون عن هذا التقرير, وذلك أنهم لا يفرقون بين أصل الثبوت وأصل الزيادة والنقصان على ما تقدم تقريره, وذلك أنهم ينفون الإيمان بمجرد وقوع الإنسان في كبيرة ولا يجعلون ذلك نقصاناً, أهل السنة يجعلون الكبيرة إذا وردت على الإيمان داخلة في دائرة الثبوت أم في دائرة النقصان؟ في دائرة النقصان, تقدم معنا التقرير أن لدينا جهتين: جهة ثبوت الإيمان وحقيقته, تحققه في الإنسان, جهة نمائه وزيادته, جهة النماء والزيادة, وهذا نستطيع أن نضرب به مثالاً؛ كالبذرة التي يضعها في الأرض, وجدت بذرة صحيحة في موضع صحيح, زيادتها ونقصانها بمقدار سقيها, تزيد وتنقص, هل زيادتها ونقصانها لها علاقة بأصل وجودها؟ لا, تكون موجودة, لكن إن أسقيتها بعملك الصالح زادت, وإن قلت نقصت, وإن تركت انعدمت, تركت العمل بالكلية لا بد أن تموت, ولهذا من لطف الله أن الإنسان ربما يتوقف عن العمل بالنوم أو بالترك؛ كالذي يجلس هكذا, لا يستعمل جوارحه ولا يتلفظ لسانه بذلك, هل يلزم مصاحبة العمل على الدوام؟ لا, لا يلزم, وإلا انتفى منه الإيمان, ولكن نقول: عند قيام موجبه؛ العمل, جنس العمل, عند قيام موجبه ولم يقم به بكل حال لا بد أن يموت الإيمان كموت البذرة, كذلك أيضاً الإيمان الذي يكون في ذات الإنسان.

    الخوارج يجعلون الذنب الذي يفعله الإنسان, الكبيرة, لا يأتي على باب الزيادة والنقصان الذي نتكلم فيها, وإنما يأتي على قلبها ويزيلها بالكلية, فجعلوا ثبوت حقيقة الإيمان مع ثبوت الزيادة والنقصان فيه باباً واحداً, في هذا النوع.

    ترك جنس العمل في غير الأركان الأربعة

    السؤال: يسأل يقول: فيمن ترك جنس العمل في غير الأركان الأربعة، هل يكفر؟

    الجواب: يسأل يقول: فيمن ترك جنس العمل في غير الأركان الأربعة؛ وهي الصلاة والزكاة والصيام والحج, في غيرها, باعتبار أن ثمة كلام للعلماء في هذه الأركان, فيما عداها ترك الإنسان جنس العمل, هل يكفر بذلك إذا تركها؟ نقول: لا, لا يكفر, مع أنه لا يتصور أن الإنسان يأتي بالأركان الأربعة كما أمر الله سبحانه وتعالى ثم يدع جنس غيرها؛ لأنه يلزم من أداء الصلاة أن يسبح ويهلل ويستغفر ويذكر الله عز وجل, وكذلك أيضاً من أمر الصيام لا يمكن أن توجد هذه الأشياء بلا فرع لها, لأنه يؤدي الصلاة فلا بد أن يلزم من ذلك شيء من اللوازم, إما بذكر الله عز وجل عند الطهارة, بدخول المسجد, بالجلوس, وربما في قراءة القرآن, بذكر الله قبل أو بعد لا بد أن يصاحبها ذلك.