إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الصلاة [37]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المعلة في الصلاة: حديث: (إنا معاشر الأنبياء أمرنا بثلاث وذكر منها: وأن نضع الميامن على الشمال في الصلاة)، وقد تفرد به يحيى بن سعيد بن سالم القداح، وله أحاديث مناكير قد تكلم فيه غير واحد من العلماء، وجاء أيضاً من حديث ابن عباس، وهي رواية منكرة لتفرد محمد بن أبي يعقوب الكرماني، وأخرج ابن ماجه حديثا عن أبي هريرة في الجهر بالتأمين وفيه ضعف، وأخرج مثله أبو داود ولكن فيه جهر الإمام فقط، وفيه مقال، والتأمين ثابت بالعمل المتواتر.

    1.   

    حديث: (إنا معاشر الأنبياء أمرنا بثلاث: بتعجيل الفطر، وتأخير السحور، وأن نضع الميامن على الشمال في الصلاة)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فتكلمنا في الدرس الماضي على جملة من الأحاديث، ومن هذه الأحاديث التي تكلمنا عليها مسألة الأمر في وضع اليمين على الشمال في الصلاة وهي مسألة القبض، وأوردنا في ذلك جملةً من الأحاديث منها ما جاء في حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنا معاشر الأنبياء )، في الخبر.

    وكذلك أيضاً ما يروى في هذا في حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى.

    وتكلمنا عليها، وثمة طرق وكذلك أيضاً روايات لهذا الحديث:

    أول هذه الأحاديث في هذا المجلس: هو حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنا معاشر الأنبياء أمرنا بثلاث: بتعجيل الفطر، وتأخير السحور، وأن نضع الميامن على الشمال في الصلاة )، هذا الحديث أخرجه الطبراني في كتابه المعجم، ورواه البيهقي و ابن عدي في كتابه الكامل من حديث يحيى بن سعيد بن سالم القداح عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن أبيه عن نافع عن عبد الله بن عمر .

    وهذا الحديث حديث منكر، والنكارة في إسناده ظاهره وذلك أن هذا الحديث تفرد به يحيى بن سعيد بن سالم القداح وله أحاديث مناكير قد تكلم فيه غير واحد من العلماء كـالعقيلي وكذلك ابن عدي في كتابه الكامل، و الدارقطني فإن الدارقطني قال فيه: ليس بالقوي، وكذلك العقيلي لما ترجم له في كتابه الضعفاء قال: يروي الأحاديث المناكير، وكذلك أيضاً فإن ابن عدي في كتابه الكامل لما أخرج هذا الحديث وأورد كذلك غيره قال: هذه الأحاديث غير محفوظة، والمراد بذلك في كلام ابن عدي عليه رحمة الله في هذه العبارة في قوله: هذه الأحاديث غير محفوظة يعني: لا يحفظها الثقات، وإن وردت في كلام بعض الرواة إلا أن الثقات لا يحفظونها ولو كانت هذه الروايات معتداً بها لكان أولى أن يحفظها الثقات، ومعنى محفوظة التي يقصدها المصنف رحمه الله وهو ابن عدي في كتابه الكامل في قوله: غير محفوظة يعني: غير محمولة عند العلماء فيحفظونها، فيمرون عليها ويتركونها.

    والعلة في هذا أن هذا الحديث هو من حديث عبد الله بن عمر ويرويه أيضاً عن عبد الله بن عمر نافع ويرويه عن نافع عبد العزيز بن أبي رواد ويرويه عن عبد العزيز ابنه عبد المجيد، وهذا الإسناد الأولى أن لا يتفرد به أمثال يحيى بن سعيد القداح ؛ وذلك لأن هذا الحديث من المعاني الظاهرة التي ينبغي أن يحملها من هو أولى بالرواية من أصحاب نافع ، ولو تسامحنا برواية عبد العزيز بن أبي رواد في روايته هنا لقلنا بأنه أولى أن يروي هذا الحديث أيضاً من هو أولى من عبد المجيد ، وكذلك أيضاً في حال يحيى بن سعيد القداح ، و عبد المجيد بن عبد العزيز وأبوه صالحان من جهة الرواية إلا أنهما اتهما ببدعة الإرجاء، إلا أنهما من جهة الرواية أحاديثهما صالحة، ونجد أن الأئمة عليهم رحمة الله تعالى يقبلون الأحاديث التي يرويها المبتدع إذا كان ثقةً في حفظه، ولو كان في دينه مغمز من جهة البدعة.

    الإرجاء -وهذا من النوافل- في الأب عبد العزيز إنما جاءه من ابنه، ولهذا الإمام أحمد رحمه الله لما تكلم على عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد قال: أفسد أباه، يعني: هو الذي أعطاه بدعة الإرجاء، وإلا فالأصل أن الابن يتأثر بالأب، وقال غير واحد: ما زال صالحاً حتى جاء وظهر أمر ابنه فقال بقول ابنه، والإرجاء هنا من البدع وهي على مراتب، ولكن البدعة التي يوصف فيها الإرجاء في الرواة الأصل فيها أنها ليست بدعة مكفرة، والعلماء عليهم رحمة الله في الرواية عن المبتدع يقبلونها إذا كان ثقةً في ذاته من جهة الحفظ وهو ليس معروفاً بالكذب.

    الرواية عن المبتدع

    وهنا مسألة هي من المسائل المهمة فيما يتعلق بالرواية عن المبتدع: الرواية عن المبتدع إذا أراد الإنسان أن يضبطها وأن يضبط أيضاً نظائرها من المسائل أن ينظر إلى طرائق العلماء من جهة العمل وأقوالهم أيضاً من جهة الحكم، فلابد من النظر حتى تفهم هذه المسألة إلى جهتين:

    الجهة الأولى: إلى أقوال العلماء في الرواية عن المبتدع، وكذلك أيضاً سياقاتها، النظر إلى تلك الأقوال والسياقات يعرف فيه طالب العلم ذلك اللفظ الذي يقصد به العالم من الحكم على الرواية على المبتدع.

    إذا نظرنا في كلام العلماء في الرواية عن المبتدعة نجد أن من العلماء من يقول: لا ترووا عن فلان فإنه كذا، أو لا يروى عن صاحب البدعة الفلانية ونحو ذلك من العبارات التي يطلقونها، هذا إجمال فيه رد لرواية المبتدع بالكلية، ولكن الخلل في هذا أنه نظر للإطلاق وما نظر للسياق؛ لأن السياق ربما كان هذا المبتدع ممن يدعو إلى بدعته، فالرواية عنه تدعو الناس إلى شهود مجالسه فيشتهر أمره ويتأثر الناس ببدعته، إذاً العلة ليست في الرواية، ولهذا يحيى بن سعيد القطان يقول في عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد هنا يقول: لا ينبغي أن تترك روايته لخطأ رآه. يعني: في ذلك ما يتعلق ببدعة الإرجاء، وكان الإمام أحمد رحمه الله يرى الرواية عن المبتدع إلا إذا كان داعيةً إلى بدعته مخاصماً، يعني: مخاصماً بها وهذا ظاهر فيه أمر مهم جداً في هذه المسألة وهي مسألة الرواية عن المبتدع.

    إذاً: في هذه المسألة فيما يتعلق بمسألة الرواية عن المبتدع أن نقول: إن الرواية عن المبتدع في كلام العلماء لابد من النظر إلى العبارة والنظر إلى السياق، فإن السياق ربما يكون مقيداً لعموم اللفظ، وأكثر النقول عن العلماء عليهم رحمة الله في أبواب الرواية عن المبتدع إنما يؤخذ الإطلاق ولا يؤخذ السياق، فالسياق يقيده، وكذلك اللفظ ربما يقيد السياق كذلك أيضاً ربما يقيد السياق كذلك، ربما كان السياق عاماً واللفظ أخص منه فإنه يقيد ذلك السياق، ولكن الأشهر أن السياق إنما يقيد ذلك اللفظ فلابد من النظر إلى السياق الذي جاء فيه هذا الكلام.

    ولهذا نجد في كلام العلماء عليهم رحمة الله من الإطلاقات ما اضطرب فيها كثير من المتأخرين في مسألة الرواية عن المبتدع، فتجد الإمام الواحد ينقل عنه أقوال في مسألة الرواية عن المبتدع كالإمام أحمد رحمه الله أقواماً ينقلون عنه الرواية عن المبتدع، وأقواماً ينقلون عنه منع الرواية عن المبتدع، وأقواماً ينقلون عنه بالقيد.

    الإمام أحمد رحمه الله فيما ينقل عنه المروذي يقول: إن أبا عبد الله يروي عن المبتدع إلا إذا كان داعيةً أو مخاصماً يعني: على بدعته، والبدعة واحدة، فإذا كان لدينا مرجئان: هذا مخاصم وهذا ليس بمخاصم، وهذا يدعو وهذا لم يدع، البدعة واحدة، إذاً العيب في البدعة أم في غيرها؟ العيب في باب الرواية وليس في البدعة، وإنما في دعوته إليها يدعو الناس إليها، لأنك لو قلت بالرواية عنه والذهاب إليه يعني من ذلك أن الناس يجتمعون عنده وإذا اجتمعوا عنده تأثروا به، والناس تتأثر بالشيوخ، فإذا أخذوا عنه سكنوا إليه، ولهذا الإنسان الذي يديم المخالطة لمبتدع يتأثر ببدعته على أقل الأحوال أنه يدع النكير عليه، أو يلتمس له الأعذار، فيقول: ربما اجتهاد، ولو كان بعيداً عنه لشدد في النكير عليه، ولهذا الإمام أحمد رحمه الله قيد بعدم الرواية عن المبتدع إذا كان داعيةً وإذا كان مخاصماً.

    في هذا نأخذ حكماً من الأحكام المهمة وهو إذا توفي المبتدع كما في زماننا أصحاب الرواية انتهوا، حينئذ هل قول الإمام أحمد رحمه الله ما زال قائماً أم انتهى؟ انتهى، لأن القضية تتعلق بدعوته وبكونه مخاصماً وانتهت خصومته ودعوته بوفاته وأمن هذا الأمر، إذاً لم يكن الأمر في مسألة البدعة، ولهذا نقول: إن الرواية عن المبتدع جائزة.

    وينبغي أن نؤكد إلى مسألة وهي أن العلماء إذا ذكروا مسألة الرواية عن المبتدع فإنهم يوردون البدعة غير المكفرة، ولا يوردون البدعة المكفرة بالاتفاق، كبدع الزنادقة وغير ذلك، وإنما يقصدون من ذلك البدع التي لا يكفر صاحبها.

    النظر إلى قول الإمام وعمله في نهيه عن الرواية عن المبتدعة

    الجهة الثانية التي لابد من النظر إليها في مسألة الرواية عن المبتدع: النظر إلى قول الإمام وعمله، فإن عمله يفسر قوله، وقوله أيضاً يفسر عمله وذلك أن الإمام ربما يقول قولاً في مسألة الرواية عن المبتدع بالمنع عنه، بالمنع من الرواية عنه، ولكن إذا نظرنا إلى عمله وجدنا أنه في رواياته وأسانيده مبتدعة، إذاً: فما مقصده في ذلك فإذا جمعنا قوله إلى فعله فإننا حينئذ نستطيع أن نخرج من ذلك مذهباً له، وهذا يظهر كثيراً، فإذا نظرنا مثلاً إلى الإمام أحمد رحمه الله وجدنا أنه يدعو إلى هجران المبتدعة الذين يدعون إلى بدعتهم، وهل هذا الأمر ما زال قائماً في زماننا عن الشيوخ؟ نقول: في باب الرواية انتهى باعتبار أن الدعوة إلى البدعة ماتت بموت صاحبها، أما من جهة التلقي فنقول: إن هذا الأمر قائم، الشخص الذي يدعو إلى البدعة ويصنف فيها مصنفات ويحدث الناس في محاضراته عن تلك البدعة لا يؤخذ عنه العلم، ليس عيباً في العلم فربما كان الرجل من أشد الناس تحرياً ولكن حتى لا يكثر سواده فيتأثر الناس به.

    ولكن إذا كان مبتدعاً وبدعته خاملة لا يدعو إليها ولم يدون فيها مدون، وإنما يعرفه بعض الناس من خاصته ونحو ذلك وله عموم يحدث فيها فنقول: يؤخذ منه العلم، وهذه طريقة الأئمة الأوائل، ولهذا إذا أردنا أن ننظر إلى كلام العلماء عليهم رحمة الله في مسألة الرواية عن المبتدع نجد أنهم يتفقون على أن البدعة ليست سبباً في رد رواية المبتدع بعينها، وإنما الأمر خارج عنها، وذلك في كثير من المسائل منهم من يقيد ذلك بالدعوة إلى البدعة، ومنهم من يقيد ذلك بالمخاصمة والمجادلة ونحو ذلك، وغير ذلك من الأمور التي يقيد بها العلماء.

    والمتأخرون إنما اضطربوا في هذا الباب للخلل الذي لم ينظروا فيه إلى الجهتين وهي جهة النظر إلى القول بسياقه، والجهة الثانية: النظر إلى أفعال العلماء به مع أقوالهم وجمعها فإنه يتبين مذهب ذلك الإمام، أما أن يأخذ إطلاقات عن أحمد ، وإطلاقات عن الشافعي ، وإطلاقات مثلاً عن البخاري ونحو ذلك في مسألة الرواية عن المبتدع ثم يأخذها على الإطلاق ويريد من ذلك أن يجعل هذا مذهباً وقع في ذلك اضطراب، ولهذا تجد في من يتكلم في مسألة الرواية عن المبتدع يقول لـأحمد في ذلك روايتان، وهذا أحد قولي الإمام، وإنما قوله واحد لو جمعت هذه الأقوال فإنه يؤخذ من ذلك قول في هذا.

    ولهذا نقول: إن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ولو وصف هو وأبوه بالإرجاء فإن أحاديثهما من جهة الأصل القبول لو كانت العلة فيهما، وأما والعلة في غيرهما وهي في يحيى بن سعيد بن سالم القداح وذلك في تفرده بهذا الحديث، ولهذا نقول: بعدم صحة هذا الحديث بل نقول بنكارته، وقد أخرج البخاري و مسلم في صحيحيهما لبعض الرواة الذين وصفوا بالبدعة وذلك كبدعة التشيع، التشيع الخفيف وليس الرفض، وكذلك في بدعة الإرجاء، وكذلك القدر، والرواة ليسوا بالكثير ولكن يدل هذا على الأصل الذي تكلمنا عليه.

    1.   

    حديث ابن عباس: (إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نعجل الفطر ... وأن نضع الميامن على شمائلنا في الصلاة)

    الحديث الثاني في هذا: هو حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله وهو بنحو حديث عبد الله بن عمر قال: ( إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نعجل الفطر، وأن نؤخر السحور، وأن نضع الميامن على شمائلنا في الصلاة ).

    هذا الحديث أخرجه الطبراني في كتابه المعجم من حديث محمد بن أبي يعقوب الكرماني عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس بن كيسان عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرويه عن محمد بن أبي يعقوب الكرماني العباس بن محمد المجاشعي ، رواه الطبراني عنه وهو شيخ الطبراني في هذا الحديث.

    هذا الحديث حديث منكر، وينبغي التنبه إلى العلل التي سنوردها في هذا الحديث، ومدعى التنقل في ذلك أن ظاهر الإسناد الصحة والسلامة وأين مكمن العلة في هذا الحديث، الحديث في هذا هو حديث عبد الله بن عباس يرويه من خاصة أصحابه طاوس بن كيسان ويرويه عن طاوس عمرو بن دينار ويرويه عن عمرو بن دينار سفيان بن عيينة وهو من الأئمة ويرويه عن سفيان بن عيينة محمد بن أبي يعقوب الكرماني وهو أيضاً له رواية في البخاري روى عنه في بضعه مواضع، و العباس بن محمد المجاشعي هو شيخ الطبراني عليه رحمة الله.

    وظاهر الإسناد السلامة، ولكنه حديث منكر، والنكارة في ذلك تظهر في مواضع:

    أولها: أن هذا الحديث من حديث سفيان بن عيينة وهو من أئمة الرواية للحديث وكذلك من أئمة الفقه من أهل مكة، ويروي هذا الحديث عنه محمد بن أبي يعقوب الكرماني وهو من أهل كرمان، وحديثه في هذا حديث له قيمته خاصةً أنه يتضمن الأمر بالقبض، ومعلوم خلاف العلماء عليهم رحمة الله في قبض الميامن على الشمائل في الصلاة في مسألة الاستحباب ومسألة الوجوب، والرواية المعروفة المنقولة عن الإمام مالك رحمه الله وكلام المالكية في هذا في مسألة القبض وعمل المالكية متأخريهم على القبض ما عليه عامة السلف في هذا الباب.

    هذه الرواية هي منكرة لتفرد محمد بن أبي يعقوب الكرماني في هذا الحديث، الكرماني ثقة، وثقه يحيى بن معين ، ووثقه كذلك الدارقطني ، وهو قليل الرواية، ولهذا حكم عليه بعض الأئمة بالجهالة ولكنه معروف مع قلة روايته.

    العلة الثانية في هذا: أنه تفرد عنه بهذه الرواية العباس بن محمد المجاشعي ، تفرد عن محمد بن أبي يعقوب في هذا الحديث وإن كان تفرد الكرماني في هذا الحديث كافي في ذلك، وتفرده كذلك أيضاً نكارة أخرى لهذا الحديث.

    محمد بن يعقوب الكرماني هو نسبة إلى كرمان، بكسر الكاف، ومن اللطائف أن الكرماني يشارك البخاري لما مر على أحد الروايات التي أخرج فيها البخاري في هذا للحديث الذي يرويه الكرماني يقول: حدثنا محمد بن أبي يعقوب الكرماني قال: حدثنا حسان بن إبراهيم ، نقل قولاً لأحدهم قال الكرماني بالفتح وهي بلدنا بالكسر وأهل مكة أدرى بشعابهم، يعني: كرماني وليست بالفتح وقد قال بالفتح النووي رحمه الله، والصواب في ذلك أنها بكسر الكاف، و الكرماني رحمه الله أخرج له البخاري بضعة أحاديث، فلماذا لم نقبل حديثه هنا مع إخراج البخاري رحمه الله له؟ هنا ما ينبغي أن يتنبه له وهو مسلك دقيق في أمور العلل ومعرفة شرط البخاري رحمه الله وكذلك الإمام مسلم في الإخراج لبعض الرواة.

    حال من يروي عنهم البخاري

    ثمة أمور لابد من النظر إليها في الراوي الذي يخرج له البخاري ، وقبل النظر في هذه الأمور نقدم مقدمة أن الأصل فيما يخرج له البخاري و مسلم في كتابيهما الصحيح أنه تعديل وهو معنى عام، ولكنه قد يكون هذا التعديل مطلقاً وقد يكون نسبياً، ومعنى مطلق: أي أنه ثقة في كل ما يروي لجلالته وإمامته وهذا كسائر النقلة والرواة الكبار كالسفيانين و شعبة و وكيع وغيرهم من الرواة والنقلة سواءً كانوا من طبقات متقدمة أو دون ذلك، ولكن أن هذا النسبي قد يضيق جداً فلا تقبل إلا هذه الرواية منه الذي أخرجها البخاري في هذا الموضع. لهذا نقول: إنه لابد من النظر إلى موضع إخراج البخاري و مسلم للراوي، والثاني: النظر إلى ما تركه البخاري .

    لهذا نقول: ثمة جهتان:

    الجهة الأولى: موضع الإخراج وسياقه.

    الثاني: ما تركه البخاري ، أكثر الناظرين والمخرجين والباحثين ينظر إلى موضع التخريج ولكن لا ينظر إلى ما تركه البخاري رحمه الله، وما تركه كذلك الإمام مسلم إذا نظرت إلى موضع الإخراج، تقول: أخرج له البخاري حينئذ توثيقاً، ولهذا تجد في كلام كثير من المخرجين يقول: أخرج له البخاري ويسكت وكأنه يريد أن هذا الحديث صحيح، ولهذا هذا الحديث وجد من حكم عليه بالصحة وهو بين النكارة! فـ البخاري رحمه الله أخرج لـمحمد بن أبي يعقوب الكرماني عن حسان بن إبراهيم الكرماني فقط ولم يخرج عن الكرماني إلا عن كرماني من أهل بلده، فكيف تريد أن تصحح حديث الكرماني عن ابن عيينة في مكة بناءً على أن البخاري أخرج لـمحمد بن أبي يعقوب الكرماني ، مع أن البخاري رحمه الله هذا الأمر موجود في ذهنه، فإذا أراد أن يسند في كتابه الصحيح قال: حدثنا محمد بن أبي يعقوب الكرماني حدثنا حسان بن إبراهيم ويسكت ولا يقول: كرماني. لأنه معروف أنه كرماني.

    ولهذا نقول: إن طالب العلم إذا أراد أن ينظر إلى راو أخرج له البخاري أن يلفق في الإخراج عن من أخرج له، وعن من ترك، لهذا نقول: إن أكثر نظر الباحثين في رواة الصحيحين أن ينظر إلى الإخراج ولا أن ينظر إلى ما ترك من رواية الراوي وهي من هذه الجهة الأخرى وهي الأهم، ومعنى هذا أنها الأهم أن هل هذا الراوي له أحاديث يرويها أنواع في الأحكام كثيرة تحتاجها الأمة ثم ترك البخاري كل هذه الأحاديث مئات الأحاديث وما روى عنه إلا حديثاً واحداً أو حديثين في الفضائل، هذا أقرب إلى الجرح أقرب إلى الجرح منه إلى التعديل، فأنت حينما تذكر في التخريج وتقول: أخرج له البخاري أنت تقلب الميزان على البخاري .

    إذاً البخاري رحمه الله حينما كان لهذا الراوي من أحاديث الأحكام الكثيرة وتركها وما أورد له إلا باباً ضيقاً من أبواب رواياته وهي في الفضائل أو التفسير ثم تعمم الحكم وتقول: أخرجه البخاري!، ولهذا نجد أن البخاري رحمه الله أورد حديث محمد بن أبي يعقوب الكرماني عن حسان بن إبراهيم الكرماني قاضي كرمان في أحكام البيوع والنكاح في أمور القضاء، وهي أمور القضاء وهي محل عناية من حسان بن إبراهيم ولم يرو عنه في أبواب العبادات وهي من أمور الأحكام، لأن لها أهلها، وفي هذا يعرف موضع الانتقاء، فلو جاءنا في موضع الكرماني عن حسان بن إبراهيم صححناه في تلك الأبواب، وربما يأتيك بعض الأشخاص ويقول: أنت تتناقض تصحح للكرماني في موضع وتنكر حديثه وتجزم في موضع آخر، نقول: العلة في ذلك هي ما تقدم الإشارة إليه.

    أهمية النظر في البخاري ومسلم إلى مواضع الرواية والترك عن الرواة

    لهذا نؤكد أنه لطالب العلم إذا أراد أن ينظر لرواية راو أخرج له البخاري و مسلم في صحيحيهما، أن لا يكتفي بالنظر السائدة إلى موضع الإخراج بل ينظر إلى ما ترك، وهذا أمر أيضاً واسع، ومعنى اتساعه في ذلك: أنه ينبغي لطالب العلم أن يكثر من النظر فيعرف رواية الكرماني كم عددها، وشيوخ الكرماني، وإذا كان ابن عيينة من شيوخ الكرماني فلماذا لم يخرج له البخاري ! وثمة أحاديث الأمة بحاجة إليها، ثم يورد البخاري حديث سهل بن سعد قال: أمرنا أن نضع اليمين على الشمال، ولديه معاشر الأنبياء كلهم من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم أمر سماوي بالقبض ثم يدعه، و الكرماني عنده ويروي عن ابن عيينة ولا يوجد إسناد أمثل من هذا في رواية ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن عبد الله بن عباس ، ثم يتركه البخاري ولهذا نقول: إن رواية الكرماني في البخاري هي إعلال لحديثنا هذا بالتضمين ولو لم ينص عليه، لماذا؟ لأن البخاري رحمه الله في ظاهر أمره أنه سمع حديث الكرماني كله وعرف ما لديه.

    ولهذا نقول: إن البخاري رحمه الله وكذلك أيضاً الإمام مسلم إذا أخرج لراوي من الرواة أن التوثيق يؤخذ كلما نوع البخاري بالإخراج للراوي فروى له الأحكام، وروى له في الفضائل والسير وتعدد الشيوخ، فأكثر من الشيوخ في الرواية عنه، وروى عنه من تلاميذ متنوعين كأنه أخذ من جميع حاله فهذا توثيق مطلق، وكلما ضاقت تلك الدائرة فنقول حينئذ: إنه توثيق نسبي، فإذا أردنا أن ننظر إلى ذلك نجد أن هذا هو صنيع البخاري رحمه الله فيما ينص عليه في هذا الباب.

    التساهل في شرط البخاري

    وقد وقع تساهل كثير عند طلاب العلم والباحثين في هذا الباب في مسألة شرط البخاري وكذلك رجال البخاري و مسلم فأصبح تساهلاً كثيراً، فيجملون من أخرج له البخاري أو روى له البخاري ، بينما مراد البخاري رحمه الله هو جرح هذا الراوي فيما ترك له لوجود أحاديث في أبواب أخرى، وهذا ما ينبغي أن ينتبه إليه، ولهذا نقول: هذا الحديث هو حديث منكر، والنكارة في ذلك هو تفرد الكرماني بهذا الحديث، وكذلك تفرد العباس بن محمد المجاشعي في هذا الحديث عن الكرماني .

    وكذلك أيضاً فإن العباس بن محمد وإن كان من شيوخ الطبراني والأصل في شيوخ الطبراني التوثيق، إلا أنه لا تعرف له رواية إلا عن محمد بن أبي يعقوب الكرماني في هذا، وهذا نوع ستر وجهالة، وكذلك أيضاً فيه غرابة في مثل هذا، كذلك أيضاً أن سفيان بن عيينة من أئمة مكة لا يحدث المقلين بأحاديث ويدع المكثرين الملازمين له، فالآفاقيين الذين يأتون إلى مكة ثم يذهبون أو يلتقون بـابن عيينة في المواسم أو ربما يلتقون بـابن عيينة في خارج مكة لا يحدثهم بأحاديث ويدع أصحابه الذين هم أقرب الناس إليه في مدد طويلة في مكة ثم لا يحدثهم بذلك، فنقول: هذا أيضاً أمارة وقرينة على الإعلال.

    1.   

    حديث: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ، فلما قال: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين). قال: آمين)

    الحديث الثالث هو حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى أنه قال: ( صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ فلما قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7] ، قال: وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] ، قال: آمين، فقال: الصف الأول من خلفه آمين، فضج أو إن للمسجد لضجة أو رجة )، هذا الحديث رواه ابن ماجه في كتابه السنن من حديث بشر بن رافع عن أبي عبد الله بن عم أبي هريرة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    علل الحديث

    هذا الحديث معلول بعلل:

    أول هذه العلل: رواية بشر بن رافع لهذا الحديث، وقد تفرد به من هذا الوجه، بشر بن رافع ضعفه الأئمة: الإمام أحمد و أبو حاتم و النسائي و يحيى بن معين ، ووثقه ابن معين في مرة إلا أن ضعفه مشتهر، وتفرد بهذا الحديث من هذا الوجه.

    والعلة الأخرى في هذا: هي رواية أبي عبد الله بن عم أبي هريرة عن أبي هريرة وقد وصف بالجهالة وهو مستور، جاء من بعض الروايات تسميته من وجه آخر، ومن العلماء من سماه وروياه في الرواية إلا أنه لا يخرج عن دائرة الستر.

    وكذلك أيضاً من علله: أن هذا الحديث لو كان عند أبي هريرة وقد بقي أبو هريرة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم زمناً طويلاً وله أصحاب يأخذون مثل هذه المرويات عنه، لرووا هذا الحديث عنه، وفي قوله: أنه رواه أبو عبد الله بن عم أبي هريرة عن أبي هريرة قد مثل هذه الجهالة ربما تعتبر عند بعض العلماء وذلك للقرابة، ولقرينة أخرى وهي أن هذه المسألة من المسائل التي جرى عليها العمل، ومعنى هذا أن قول الإمام: آمين يجهر بذلك والمأمومون يجهرون كذلك.

    وجوه الخلاف في تأمين الإمام والمأموم

    هذه المسألة هي من المسائل الخلافية من وجوه:

    الوجه الأول: أن قول الإمام: آمين هذا محل خلاف عند الفقهاء.

    المسألة الثانية: أن جهر المأمومين بآمين محل خلاف، وعامة من يقول بهذا القول يقول: إن المأموم يقول: آمين لكن لا يجهر بها، ومن نظر في الأحاديث المروية عن النبي عليه الصلاة والسلام وجد ثبوت قول النبي: ( آمين )، فقد جاء في الصحيحين قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( آمين )، بعد قوله: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7] )، وكذلك أيضاً في قول المأمومين، ولكن الجهر في ذلك ظهر في الإمام وما ظهر في المأمومين بالنص ولكنه ظهر في العمل، ولهذا نجد الآن في المذاهب الفقهية خلافاً في مسألة الجهر بآمين، ونجد طوائف من الفقهاء كأهل الرأي، وطوائف أيضاً من الفقهاء من المالكية لا يجهرون بآمين، وإنما يكون بينهم وبين أنفسهم، لأنهم يقولون: إن الروايات ما ثبتت في هذا في الجهر بالمأموم، وإنما يكون آمين والأصل في أقوال الصلاة حتى لو قالها النبي عليه الصلاة والسلام الأصل فيها السر كالتسبيح في السجود والركوع وبين السجدتين وغير ذلك، نقول: الأصل في هذا حتى يدل دليل على خلافه.

    ولكن نقول: إن الأحاديث الواردة المرفوعة ولو كانت معلولة في: ضج الناس بآمين. نقول: إن ما استفاض عملاً وعادةً لا تتداعى الهمم إلى نقله، وهذا ككثير من المسائل التي تستفيض ولا يحتاج الناس في ذلك إلى نقلها، ولهذا نقول: إن العمل بقي على ذلك عند السلف، ولم يثبت عن أحد من الصحابة ولا عن أحد من التابعين في مسألة الإسرار بآمين في الصلاة الجهرية، وإنما هو قول نشأ بعد ذلك تمسكاً بالروايات، فلما نظروا إلى حديث أبي هريرة هذا قالوا: الحديث في هذا معلول وهو أصل وهو أظهر ما جاء في هذا، الرواية التي جاءت فيها قول الإمام آمين وقول المأموم آمين أيضاً، فإذا قال الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فقولوا: آمين، من يقول بهذا يقول المأموم ولكن الإمام لا يقولها، ومنهم من يقول: يقول الإمام ولكن لا يجهر بها، ومن قال المأموم اختلفوا في مسألة الجهر والأمر يجري على العمل لا على النص، وتارةً يكون العمل أقوى من النص في هذا الباب.

    العمل في الجهر بالتأمين

    قد يقول قائل: ما هو العمل في مسألة الجهر بآمين؟

    روى الشافعي في كتابه الأم عن عطاء بن أبي رباح قال: أدركت الأئمة ابن الزبير فمن فوقه إذا قالوا: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، قالوا: آمين، فأمّن الناس وإن للمسجد للجة، يعني: يضج المسجد، وهذا إشارة إلى أنهم يؤمنون، ومثل هذا لو لم يكن عن النبي عليه الصلاة والسلام ولم يكن عملاً مستفيضاً ما كان الأئمة على هذا لأن مثل هذا ينكر، والصحابة عليهم رضوان الله ينكرون فيما هو دون ذلك ربما على الخلفاء على المنابر، كما في مسألة رفع اليدين في قصة بشر، وكذلك أيضاً في مسألة الخطبة قبل الصلاة وغير ذلك، وهي من المسائل العارضة، فكيف بعمل مستفيض! وهذا يدل على أن العمل هو على هذا الأمر.

    1.   

    حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ: (ولا الضالين)، قال: آمين)

    الحديث الرابع في مجلسنا وهو حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى أيضاً، وأنه قال: (أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] ، قال: آمين).

    هذا الحديث منهم من يحسنه، هذا الحديث رواه أبي داود في كتابه السنن من حديث الزبيدي عن الزهري و أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث يرويه عبد الله بن سالم عن الزبيدي عن الزهري عن سعيد و أبي سلمة عن أبي هريرة .

    هذا الحديث ليس فيه جهر المأمومين، وإنما فيه جهر الإمام فهو كاف في هذه المسألة، ولكن في مسألة جهر المأموم فإنه أمثل شيء جاء في هذا الباب هو حديث أبي هريرة الذي جاء في حديث بشر بن رافع عن أبي عبد الله بن عم أبي هريرة عن أبي هريرة ، وكذلك أيضاً ما جاء في رواية عطاء بن أبي رباح فيما أدركه من الناس من الأئمة ابن الزبير وغيره من الأئمة يعني: من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في جهرهم بآمين هذا أمثل وأعلى ما جاء في هذا الباب.

    وأما هذا الحديث ففي النفس منه شيء وإن حسنه بعضهم، وذلك أن عبد الله بن سالم الذي يروي هذا الحديث هو شامي يروي عن الزبيدي عن الزهري و الزهري من أئمة المدينة والرواية في هذا الباب ومثل هذا الحديث يحمله عنه المدنيون، وله أثر أيضاً في هذه المسألة خاصةً وه أن هذه المسألة أو هذا الخلاف جاء متأخراً، وينبغي أن يحمله كبار في مثل هذا، وثمة وجه أيضاً آخر لقبوله، أن مثل هذه الرواية المسلمة عادةً لا يحملها الكبار؛ لأنها يجري عليها العمل فقد تغتفر من هذا الوجه.

    ولهذا نقول: إن حديث أبي هريرة عليه رضوان الله الذي تفرد به بشر بن رافع هو من جهة الرواية ضعيف، ولكن نقول: إن العمل في ذلك ثابت عن الصحابة، وثابت أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعضد هذا أنه جاء عن أبي هريرة نفسه أنه كان يجهر بآمين ويجهر الناس من خلفه، وعمل الصحابي إذا وافق مرويه قرينة على تقوية المروي في ذلك، يعني: المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وعلى هذا نقول: إن عمل أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى ليس نصاً في تصحيح المرفوع وإنما هو قرينة لقبوله والجري في هذا العمل، ويكفي في هذا أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى أنهم تركوا الجهر بآمين، ولا كذلك أيضاً في عمل التابعين في هذا، ولا أيضاً في منازل الوحي في مكة والمدينة أنه ثبت عن واحد من القرون المفضلة أنهم تركوا الجهر بآمين في موضع من المواضع في مجامع الناس، ولا عبرة بمن يتمسك ببعض الروايات بعدم صحتها، ويجعل الأصل في ذلك الإسرار، نقول: هو تمسك بظاهر وترك لعمل، وهذا من النظريات التي يجري عليها الأسف الظاهرية ويجري عليها أهل الرأي في هذا الباب.

    ولهذا نجد في كثير من مسالك الفقهاء وأهل الرأي، وكذلك أيضاً من أهل الظاهر، تجد أنهم يعظمون عمل القرون الأولى من الصحابة والتابعين، ثم يقفزون إلى الحديث يأخذون الحديث الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام وينظرون فيه ثم يدعون العمل ثم يأخذون بأحكامه، لهذا نجد عند الظاهرية ومن جرى مجراهم ممن يسلك هذا المسلك خاصة مثلاً ابن القطان الفاسي ، وكذلك أيضاً مدرسة القرون الأخيرة التي هي الصنعاني و صديق حسن خان ، و الشوكاني ، نجد أن هذه المدرسة هي من جهة النفس قريبة إلى الظاهرية، ولديهم ميل إلى أقوال هي تخالف ما عليه العمل في الصدر الأول، وذلك أنهم يتمسكون بالرواية، إما بتعطيل قول أو بإحداث، ومعنى إحداث: أنهم يقولون بحديث لم يعمل به الصحابة وتركوه، وإذا تركوا الحديث ولو كان منصوصاً عليه فإن هذا أمارة على نسخه أو تركه، أو كونه قضية عين.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.