إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الصلاة [34]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وردت أحاديث بخصوص التسليم من الصلاة تدل على أنه غير واجب، منها حديث روي عن ابن مسعود، وثان عن علي بن أبي طالب كما روي أثر عن ابن مسعود أيضاً يدل على ذلك، لكن بعد النظر في أسانيدها ومتونها ومقارنة ذلك بما ثبت في السنة وبما نقل عن الصحابة تبين ضعف هذه الأحاديث وأن الصحيح هو وجوب التسليم وهو ما ذهب إليه الجمهور خلافاً لأبي حنيفة.

    1.   

    حديث: (إذا قضى الرجل التشهد في الصلاة فأراد أن يقوم فقد قضت صلاته)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فنكمل شيئاً من الأحاديث المعلة في أبواب الصلاة، وأول هذه الأحاديث: هو حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قضى الرجل التشهد في الصلاة فأراد أن يقوم فقد قضت صلاته ).

    هذا الحديث جاء عند الإمام أحمد رحمه الله في المسند، ورواه أبو داود ، و الترمذي ، وكذلك الدارقطني ، و البيهقي ، وغيرهم بألفاظ، ومن ألفاظه: أنه قال: ( إذا قضى الرجل صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته )، الحديث رواه الإمام أحمد ، و أبو داود ، و الترمذي ، والدارقطني ، وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي يرويه عن عبد الرحمن بن رافع و بكر بن سوادة عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث وقع فيه جملة من العلل، منها علل متنية، ومنها علل إسنادية:

    أول هذه العلل: هي أن هذا الحديث تفرد به عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي وهو ضعيف، وسائر الأئمة على ضعفه، ضعفه يحيى بن معين ، و يحيى بن سعيد القطان ، والإمام أحمد ، و النسائي وغيرهم.

    العلة الثانية: أن هذا الحديث لا يعرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمرو إلا من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، ولو كان هذا الحديث من حديث عبد الله بن عمرو لرواه الرواة الثقات.

    العلة الثالثة في هذا: أن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قد اضطرب في إسناد هذا الحديث، واضطراب الضعيف في الإسناد أمارة على عدم ضبط المتن، وذلك أن هذا الحديث جاء عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم بوجهين: يرويه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي عن عبد الرحمن بن رافع و بكر بن سوادة عن عبد الله بن عمرو ، وهذا إسناد الباب الأصل.

    والوجه الثاني: يرويه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي عن يزيد بن عبد الله عن عبد الله بن عمرو ، واضطرب في إسناده، ولهذا يقول الترمذي رحمه الله لما أخرج هذا الحديث في كتابه السنن، قال: هذا الحديث ليس إسناده بالقوي وقد اضطرب في إسناده، يعني: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم .

    وهذا الحديث أيضاً فيه علة متنية وهي: أن متنه منكر وذلك لتضمنه جواز الانصراف من الصلاة قبل التسليم، وكأنه جعل انقضاء الصلاة يكون بإتيان الإنسان بالسجدة الأخيرة من صلاته، ثم بعد ذلك يكون قد تمت صلاته، ومنهم من يوجب عليه التشهد الأخير فإذا انصرف أو قام أو أحدث قبل سلامه قالوا: فإن صلاته صحيحة، وهذا القول اعتمد على جملة من المرويات وهو مروي عن بعض السلف، مروي عن إبراهيم النخعي وذهب إليه فقهاء الرأي من أهل الكوفة كـأبي حنيفة وغيره، فهم لا يرون وجوب التسليمتين، ويرون أن التسليم إنما هو أمارة على الانصراف، فإذا صلى الإنسان وتشهد ولم يسلم فقام أو أحدث أو التفت أو اعترض له ناقض من النواقض في الصلاة قالوا: فصلاته صحيحة.

    وهذا منكر وذلك لمخالفته للأحاديث المستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بالتسليم، ومنها ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود و ابن عباس وغيرهم، قال: ( تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم )، وجاء هذا مرفوعاً وموقوفاً من طرق متعددة، وهذا المعنى مستفيض، ويكفي في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة وفعلها، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالاقتداء به فقال: ( صلوا كما رأيتموني أصلي )، ولم يثبت عنه ولا عن أحد من أصحابه عليهم رضوان الله أنهم قالوا بذلك، والوارد في هذا مما ينقله بعض الفقهاء من أهل الكوفة عن علي بن أبي طالب وكذلك عن عبد الله بن مسعود فلا يصح، وهي أيضاً من المسائل التي يعتمد فيها فقهاء الكوفة على هذين القولين بعد المرفوعات، المروي عن علي بن أبي طالب ، وكذلك عن عبد الله بن مسعود ، ويأتي الكلام عليها بإذن الله.

    وهذا الحديث قد أنكره الإمام أحمد رحمه الله أعني: حديث عبد الله بن عمرو وهو حديث الباب فقد أعله الإمام أحمد رحمه الله، كما نقل عنه حرب الكرماني قال: عرضته على الإمام أحمد فرده ولم يصححه، وذلك لمخالفته للأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن الصلاة لا تنقضي إلا بالتسليم، كما أنها لا تبتدئ إلا بالتكبير، فإذا انعقدت بالتكبير لا تنقضي إلا بالتسليم ولو كانت في صلاة الجنازة وهي في تسليمة واحدة، بخلاف الفرائض والنوافل من بقية الصلوات فإنها تكون بتسليمتين.

    وتقدم معنا أيضاً الكلام على التسليمتين وأنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر بالتسليمة الثانية، ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً القول بالاكتفاء بالتسليمة الأولى وإنما هو عمل، ولهذا ينقل بعض الفقهاء الاتفاق على أن التسليمة الثانية ليست بواجبة، وأن الانصراف يكون بالتسليمة الأولى.

    وتقدم معنا أيضاً تقرير أن التسليمة الثانية سنة، وأن الالتفات سنة، وأن الواجب في ذلك هو النطق بالتسليم، تقدم معنا الإشارة إلى هذا، وأنه قد ثبت عن جماعة من السلف انقضاء الصلاة بتسليمة واحدة.

    1.   

    حديث ابن مسعود: (: إذا أنت فعلت هذا فإن شئت أن تقوم فقم)

    الحديث الثاني: هو حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله، يرويه عنه علقمة يقول: أخذ بيدي عبد الله بن مسعود فعلمني التشهد ثم قال لي: إذا أنت قضيت هذا، وفي رواية: إذا أنت فعلت هذا فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن لا تقوم فلا تقم، وهذا فيه إشارة إلى أنه إذا قضى التشهد الأخير فإنه قضى صلاته ولو شاء قام.

    هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند، و أبو داود ، والدارقطني ، و البيهقي ، جاء من حديث زهير بن معاوية عن الحسن بن الحر ، يرويه عن القاسم بن مخيمرة عن علقمة عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    هذا الحديث جاء بتعليم عبد الله بن مسعود لـعلقمة ، وجاء بتعليم علقمة في هذا الحديث للقاسم ، فكل واحد أخذ بيد الآخر، هذا الحديث ظاهر إسناده الاستقامة ولهذا حسنه غير واحد من العلماء، ولكن قد وقع كلام عند الحفاظ في الزيادة فيه إذا أنت قضيت هذا أو إذا أنت فعلت هذا، يعني: بعد تعليم التشهد قال: إذا أنت قضيت هذا، هل هذا من كلام النبي عليه الصلاة والسلام لـعبد الله بن مسعود لما علمه التشهد، أم من كلام من عبد الله بن مسعود لـعلقمة لما علمه التشهد؟ جاء في هذه الرواية من حديث زهير عن الحسن بن حر عن القاسم بن مخيمرة عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أن هذا من قول النبي لـعبد الله بن مسعود ، وصححه بعضهم مرفوعاً، والصواب أنه ليس من قول عبد الله بن مسعود وإنما هو مدرج، وهذا لجملة من القرائن:

    أول هذه القرائن: أن هذا الحديث بهذا التمام بنسبة هذه اللفظة للنبي عليه الصلاة والسلام تفرد بها زهير بروايته لهذا الحديث عن الحسن عن القاسم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخالفه في ذلك غير واحد، وخالفه في هذا غير واحد ممن يروي الحديث في هذا عن الحسن ، أو يروي الحديث في هذا عن علقمة ، وذلك أنه قد رواه عن الحسن بن الحر جماعة من الرواة، رواه الحسين الجعفي ، و محمد بن عجلان ، و محمد بن أبان ، يرويانه عن الحسن به ولا يذكرون هذه الزيادة في الحديث، وإنما يذكرون تعليم النبي للتشهد فقط.

    ومن القرائن في هذا أيضاً: أن هذا الحديث يرويه شبابة و عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان كلاهما يرويان هذا الحديث عن زهير ولا يذكران هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يجعلون ذلك من قول عبد الله بن مسعود ، ولهذا نقول: إن الأرجح في هذا أنها مدرجة من قول عبد الله بن مسعود ، وقد نص وجزم بذلك جماعة من الحفاظ كـالدارقطني في كتابه السنن، و ابن حبان في كتابه الصحيح، وجزم بهذا البيهقي رحمه الله في كتابه أيضاً السنن، على أن هذا ليس من قول النبي عليه الصلاة والسلام وإنما من قول عبد الله بن مسعود أدرجه في هذا زهير في بعض مروياته.

    وهذه الزيادة أيضاً مما يؤكد أنها ليست من قول النبي صلى الله عليه وسلم أنها تعارض الأحاديث المستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا، من الأحاديث المستفيضة أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا، وذلك بمشروعية التسليم، وأما ما جاء عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله في هذا نحن قلنا: إنها مدرجة، ويعني هذا أنها من قول عبد الله بن مسعود فكيف يقول عبد الله بن مسعود : إذا أنت قضيت هذا أو فعلت هذا فإن شئت أن تقوم فقم! إذاً هو علمه التشهد، نقول: إما أن يكون هذا اللفظ لم يثبت عن عبد الله بن مسعود فنقل بمعناه وهذا محتمل، وإما أن يكون قد قال ذلك عبد الله بن مسعود ولكنه أراد أن يكل المتعلم في ذلك إلى المعهود في الصلاة، أن الإنسان إذا قضى التشهد يسلم يعني: ما بعد التشهد إلا التسليم ثم القيام فوكله إلى ما يعلم، ويدل أيضاً على إعلال هذا أنه جاء عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله موقوفاً عليه تحريمها التكبير وتحليلها التسليم، وهذا جاء عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله بإسناد صحيح رواه البيهقي في السنن.

    وأعل البيهقي رحمه الله هذا المرفوع بهذا الموقوف عن عبد الله بن مسعود وذلك أن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله من كبار فقهاء الصحابة عليهم رضوان الله، وقد توفي أيضاً مبكراً في عام اثنين وثلاثين للهجرة، ومثل هذا ينقل قوله ويؤخذ رأيه، ولو كان ثابتاً في ذلك بهذا المعنى لنقل إما عملاً صريحاً وإما قولاً صريحاً لا يعارضه شيء، وقد ثبت عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله أنه عورض في هذا بمروي عنه من وجه آخر وهذا على ما تقدم.

    ومثل هذا الأثر هو من المستمسك لأهل الرأي من أهل الكوفة الذين يقولون بأن التسليم كله سنة، فلو انصرف الإنسان بعد التشهد فلا شيء عليه، وأجيبوا عن ذلك بأنه جاء عن عبد الله بن مسعود ما يعارضه أيضاً، وجاء أيضاً القرينة الأخرى في هذا ولأنه يحتمل أنه روي عن عبد الله بن مسعود لمعنى أي: أنه إذا فعل هذا قام وهذا أيضاً من مواضع الاحتمال، فلا يؤخذ بألفاظ الإجمال التي ترد في الكلام المرفوع ولا في الموقوف أيضاً على جماعة من الصحابة ويترك النص القطعي البين في ذلك، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود : ( تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم )، يعني: لا يحل للإنسان أن يتصرف أو أن يقوم أو أن يتكلم إلا بالتسليم، وإسناده صحيح في هذا عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله.

    1.   

    حديث: (إذا رفع أحدكم رأسه من السجدة الاخيرة ثم أحدث فقد تمت صلاته

    الحديث الثالث: هو حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا رفع أحدكم من السجدة )، يعني: الأخيرة ( ثم أحدث فقد تمت صلاته )، هذا الحديث جاء أيضاً بألفاظ أخرجه أبو نعيم في كتابه الحليلة، وأخرجه البيهقي في كتابه السنن من حديث الزجاجي أبو مسلم وهو عبد الرحمن يروي هذا الحديث عن عمر بن ذر عن عطاء عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث أيضاً معلول بعدة علل:

    أول هذه العلل: أن هذا الحديث تفرد بإسناده أبو مسلم الزجاجي موصولاً وهو مضعف، وقد قال أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه ولا يحتج به، وقد تفرد بهذا الحديث فجعله موصولاً.

    العلة الثانية في هذا: أن هذا الحديث جاء من وجه آخر مرسلاً من حديث عطاء يرويه خلاد بن يحيى عن عمر بن ذر عن عطاء مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالف في ذلك الزجاجي، و خلاد أوثق من الزجاجي وقد وثقه غير واحد من الرواة كـيحيى بن معين وغيره، والمرسل في هذا أشبه، وقد جاء من وجه آخر أيضاً لم يرد موصولاً من حديث يحيى بن بكير عن عمر بن ذر ولم يسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدل على أن هذا الحديث ليس بموصول.

    العلة الثالثة في هذا: أن هذا الحديث يتضمن إسقاط التشهد وليس إسقاط السلام فقط، وإنما الإنسان إذا سجد السجدة الأخيرة من صلاته ثم رفع فصلاته حينئذ تامة، فله أن يقوم ولو اعترضه ناقض فصلاته صحيحة، وهذا منكر.

    وأيضاً العلة الرابعة في هذا: أن هذا يخالف فقه عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، فإن عبد الله بن عباس وكذلك أيضاً المعروف من فقه أصحابه القول بوجوب التشهد، ومعلوم أنه من قرائن الإعلال أن الحديث إذا جاء مرفوعاً ثم جاء ما يخالفه موقوف وراويه واحد، فإن الموقوف يعل المرفوع، وإعلال المرفوع براويه الصحابي أقوى عند المخالفة من إعلاله بالتابعي، وكلما تأخر فإن العلة في ذلك تضعف، فإن قرينة الإعلال تضعف، ولهذا مخالفة الصحابي للحديث الذي يرويه أقوى من إعلال الحديث بتابعي يخالف حديثاً يرويه عن النبي عليه الصلاة والسلام، وتابع تابعي أيضاً يخالف حديثاً يرويه عن النبي عليه الصلاة والسلام أضعف في مرتبة الإعلال من الحديث المرفوع ممن كان قبله في حال المخالفة.

    ومن قرائن الإعلال التي نشير إليها في هذا: أن فقه الراوي الذي يأخذ به أصحابه ولو لم ينقلوه عنه أيضاً قرينة على الإعلال، ولو لم يكونوا في الإسناد، فالمعروف عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله والبلدان التي جاءها وله تلاميذ فيها، وذلك كالمدينة ومكة والبصرة فإن أصحاب عبد الله بن عباس عليه رضوان الله الوارد عنهم في التشهد هو القول بالوجوب، ولو كان عند عبد الله بن عباس عليه رضوان الله شيء من هذا الفقه فإنه ينقل فكيف والحديث في ذلك يروى مرفوعاً! بعضهم يقول بأن الصلاة ابتداءً كانت مشروعة ولم يشرع فيها التسليم، فكانت الصلاة بالتشهد ثم ينصرف الإنسان من غير سلام، جاء في ذلك حديث مرفوع عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله وهو ضعيف رواه الإسماعيلي ، وجاء في ذلك مرسل من حديث عطاء قال: كان هذا قبل أن يشرع التسليم، وكأن الصلاة كانت قبل ذلك بلا تسليم، وأما بالنسبة لبعد ذلك فكانت بتسليم، قالوا: فالنصوص الواردة في هذا عن عبد الله بن عمرو و عبد الله بن مسعود و عبد الله بن عباس كلها إنما كانت قبل مشروعية التسليم، وهذا مردود، لأن الصحابة عليهم رضوان الله أفقه من أن يرووا حديثاً منسوخاً يناقض شيئاً مستفيضاً ثابتاً عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا يبينوه للرواة، خاصة أن عبد الله بن مسعود لو صح عنه ذلك المروي السابق يحدث بهذا علقمة وتحديثه له قطعاً يكون متأخراً ولو كان علقمة من كبار التابعين، وذلك أنه لو علم علقمة أن هذا منسوخ ما بقي لديه ويرويه للقاسم بن مخيمرة يرويه عن علقمة ولا يبين له في أي طبقة من الطبقات يحفظ عن راوي من الرواة أنه قال: إن هذا منسوخ، وكذلك أيضاً في حديث عبد الله بن عمرو و عبد الله بن عباس ، فلو كان ذلك منسوخاً لنقل وعرف، وأما ما جاء في مرسل عطاء فهذا فنقول: إن هذا مرسل والأئمة عليهم رحمة الله لا يأخذون بالأحاديث المراسيل.

    أعل هذا الحديث أبو نعيم رحمه الله في كتابه الحلية لما أخرجه وقال: هذا حديث غريب تفرد به أبو مسلم الزجاجي عن عمر بن ذر ، و عمر بن ذر حسن الحديث ويتهم ببدعة الإرجاع.

    1.   

    أثر علي بن أبي طالب في أن التسليم من الصلاة ليس بواجب

    الحديث الرابع في هذا: هو عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله، وهو متضمن أيضاً لمعنى ما جاء وهو موقوف على علي بن أبي طالب عليه رضوان الله، وذلك في أن التسليم ليس بواجب، وأن من أحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته، وجاء في رواية قال: إذا جلس مقدار التشهد.

    هذا الأثر رواه عبد الرزاق ، وابن أبي شيبة ، و البيهقي ، والدارقطني من حديث أبي إسحاق السبيعي عن عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله أنه قال ذلك، وهذا أيضاً الموقوف مردود وذلك من وجوه:

    أول هذه الوجوه: أن هذا الحديث يرويه عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب ، و عاصم بن ضمرة ليس بمعروف الحديث عن غير علي بمعنى: أنه ليس بصاحب فقه ولا رواية، ومثله يشق عليه أن يتفرد بمثل هذا الفقه عن علي بن أبي طالب .

    روى الإمام أحمد كما نقل عنه ابنه في العلل، وكذلك أيضاً روى البخاري في كتابه التاريخ عن أبي بكر عن أبي إسحاق السبيعي قال: جاورنا عاصم بن ضمرة ثلاثين سنة فما كان يروي إلا عن علي بن أبي طالب يعني: أنه ليس لديه شيء إلا شيء يرويه عن علي بن أبي طالب ولم يروي أيضاً عن غيره، فإذا كان على ثلاثين سنة كل روايته عن علي بن أبي طالب هل هذا صاحب دراية وفقه وصاحب رواية أم ليس بصاحب رواية؟ ليس بصاحب رواية، وليس بصاحب فقه، لأنه لو كان له فقه كان له شيوخ يروي عنهم، ولو كان له رواية أيضاً كان له شيوخ يحدث عنهم، و أبو إسحاق السبيعي كوفي وجار له ويعرف حديثه أنه يكثر عنه، وهذا الحديث قد جاء من وجه آخر من حديث الحكم بن عتيبة عن عاصم بن ضمرة فتوبع في هذا أبو إسحاق السبيعي في روايته عن عاصم بن ضمرة ، مما يدل على أن الحديث رواه عاصم بن ضمرة وأن الخطأ منه.

    ولكن بعض الأئمة يقول: إن الحكم لم يسمع أيضاً من عاصم بن ضمرة ، ولهذا قال أبو حاتم رحمه الله قال: لا أعلم أن الحكم بن عتيبة يروي عن عاصم بن ضمرة ولو حديثاً واحداً، وهذا يغلب إما جانب الإرسال وأنه لا يعرف من ذلك الوجه، أو أن روايته في ذلك نادرة جداً، وبهذا نعلم أن مخرج الحديث عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله إنما هو من حديث عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله، و عاصم بن ضمرة إذا تفرد بشيء عن علي بن أبي طالب لم يرد معناه عنه ولا عن غيره من أحكام الدين فإنه يتوقف فيه.

    ولهذا أنكر عليه حديثه الإمام أحمد عليه رحمة الله هذا، وأنكره كذلك أيضاً البيهقي في كتابه السنن، أسند البيهقي رحمه الله عن الإمام أحمد أنه سئل عن هذا الأثر عن علي قال: لا يصح، مع أن عاصم بن ضمرة موثق، ولكن الثقة وحدها لا تكفي في حال ومقام التفرد، فربما روى الحديث على غير وجهه.

    روي أن ابن معين و علي بن المديني وثقا عاصم بن ضمرة ، سئل يحيى بن معين عن أيهما أحسن حديثاً عاصم بن ضمرة أو الحارث الأعور عن علي فقال: عاصم بن ضمرة ، وسئل أيضاً علي بن المديني أيهما أحسن حديثاً في هذا عاصم بن ضمرة أو الحارث عن علي بن أبي طالب فقال: الحارث كان كذاباً، لكن هذه ليست تزكية في عاصم بن ضمرة ، لأنه يقارن بـالحارث ، وإذا قورن الرجل بغيره وورد اسمه مع سقطة الرجال ولو لم ينص على اسمه فإن هذا أمارة على عدم تعديله، ولهذا الإمام أحمد رحمه الله يقول: عاصم بن ضمرة أعلى حديثاً من الحارث ، وهذا ليس بتوثيق، إنما هو تضعيف للحارث وأنه إذا اقترن فـعاصم بن ضمرة فعاصم أمثل منه، ولهذا تجد الأئمة ممن يشترط الصحة ويشدد لا يروي لأحاديث عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله في هذا.

    ولهذا يقول ابن عدي في كتابه الكامل في عاصم بن ضمرة : تفرد بأحاديث يرويها عن علي بن أبي طالب لا يوافقه عليه أحد يخطئ فيها، وأشار أيضاً إلى خطئه ابن حبان رحمه الله، وهذا الأثر عن علي بن أبي طالب أيضاً به يتمسك أهل الكوفة ومدرستهم الفقهية غالباً إضافة إلى عبد الله بن مسعود ، وتقدم الكلام معنا على أثر عبد الله بن مسعود في هذا أن المرفوع فيه لا يصح وأن الوارد عن عبد الله بن مسعود جاء خلافه وهو محمول على معنى آخر، وأن ما جاء عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله في هذا معلول، والأخذ بذلك وتساهل الكوفيين برواية عاصم بن ضمرة في مثل هذا الحديث وأضرابه دليل على الرد وتساهلهم في ذلك معروف، وربما رووا الحديث بالمعنى.

    ولهذا الإمام أحمد رحمه الله يعل هذا الحديث، وأعله كذلك البيهقي وغيرهم من الأئمة، وذكر البيهقي رحمه الله إلى أنه ثبت عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله خلاف الحديث والأثر الموقوف هذا، وأعله بالثابت عن عبد الله بن مسعود أيضاً عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وهنا أيضاً قرينة وهي: أن البيهقي رحمه الله في إعلاله لحديث عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب أعله بوجوه: منها أنه روي عن علي بن أبي طالب خلافه، وروي عن عبد الله بن مسعود خلافه أيضاً، روي عن عبد الله بن مسعود خلاف هذا، فما شأن عبد الله بن مسعود بأثر علي ؟

    نقول: هما من مدرسة متقاربة في الفقه، وكذلك أيضاً فإن تلاميذهم في ذلك من مدرسة متقاربة وهي المدرسة الكوفية، فإذا جاء عن عبد الله بن مسعود قول فالغالب أن علي بن أبي طالب يوافقه، وإذا جاء عن علي بن أبي طالب قول فالغالب أنه جاء عن عبد الله بن مسعود ما يوافقه، وإذا جاء عن عبد الله بن مسعود ما يخالف قول علي وجاء عن علي ما يخالف قول عبد الله بن مسعود في وجه من الوجوه، فهذا أمارة على نكارة وعلة أحد الوجهين، وذلك أن مثل هذا الخلاف لابد أن يحدث خلافاً في الكوفيين وتردداً، والخلاف عندهم في هذا ضعيف.

    ولهذا نقول: إن من قرائن إعلال أثر علي بن أبي طالب عليه رضوان الله في هذا: هو ما جاء عن علي بن أبي طالب فيما يخالف هذا وجاء أيضاً عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله ما يخالف هذا، ثم أيضاً مع كثرة الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان التشريع لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال شيئاً من هذا المعنى من وجه يصح.

    وكذلك أيضاً أنه لم يثبت عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من هذا أنهم يقولون بعدم وجوب التسليم كله أو بعدم وجوب التشهد، وهذا أيضاً من قرائن الإعلال، وقد أشرنا إلى أنه ينبغي لطالب العلم إذا وقف على حديث من الأحاديث ونظر في إسناده ونظر في متنه أن ينظر في دائرة الإعلال إلى المتون المشابهة له هل وردت في المرفوع أم لا، إذا وردت في المرفوع فما مقامها؟ وإذا جاءت أيضاً أن ينظر في أقوال الصحابة هل من الصحابة من قال بهذا أو لم يقل به، ولهذا جاء عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله كما روى ابن أبي شيبة وغيره أنه قال: ( لا صلاة إلا بتشهد )، وهذا كأنه يبين وجوب التشهد، الإنسان إذا رفع من السجدة أن جلوسه من السجدة إلى التسليم له ذكر واجب، وليس المراد بذلك هو إسقاط التسليم أي: أنه لا يرفع من السجدة ثم يسلم وينصرف، وإنما ثمة تشهد أراد أن يبين له عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى وجوبه في التشريع، وهذا إذا لم يثبت عن أحد من الصحابة أيضاً فهذا من قرائن الإعلال، ويذهب إلى هذا القول جماعة من العلماء كالإمام الشافعي ، والإمام أحمد عليه رحمة الله، وجاء أيضاً هذا عن إسحاق بن راهويه ، وعن غيرهم من الفقهاء.

    نكتفي بهذا القدر.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.