إسلام ويب

شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث [9]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أركان الإيمان: الإيمان بالبعث بعد الموت, وما يجعله الله عز وجل بعد ذلك من حساب وعقاب وثواب, وما يجعله من ميزان لأهل الحسنات والسيئات, وما يجعله من شدائد في يوم العرصات، ومن أعظم الشفاعات يوم القيامة هي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته الذين ماتوا على التوحيد.

    1.   

    الإيمان بالبعث وسائر أمور الآخرة

    بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر الله سبحانه من أهوال ذلك اليوم الحق، واختلاف أحوال العباد فيه والخلق فيما يرونه ويلقونه هنالك، في ذلك اليوم الهائل, من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل، والإجابة عن المسائل].

    منزلة الإيمان بالبعث واليوم الآخر

    الإيمان بالبعث بعد الموت, وما يجعله الله عز وجل بعد ذلك من حساب وعقاب وثواب, وما يجعله الله عز وجل من ميزان لأهل الحسنات والسيئات, وما يجعله الله عز وجل أيضاً من امتحان واختبار وشدائد في يوم العرصات, هذا من أركان الإيمان, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة وكذلك من حديث عمر بن الخطاب، لما جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, وبالبعث بعد الموت, وبالقدر خيره وشره ), فيؤمن الإنسان بالبعث بعد الموت, وما أخبر الله عز وجل به.

    الإيمان الذي يسقط به التكليف عن الإنسان باليوم الآخر

    والإيمان الذي يسقط به التكليف عن الإنسان باليوم الآخر أن يؤمن بأن الله عز وجل يبعث الناس، ويجازيهم على أعمالهم, من خيراً وإن شراً فشر, يجازي المحسن بالإحسان والمسيء بالإساءة, وأهل الإيمان يكونون من أهل الجنة، وأهل الكفر يكونون من أهل النار خالدين فيها, وأن الله عز وجل يعذب طائفة من أهل الإيمان, يمحصهم سبحانه وتعالى، ثم يدخلهم الله جل وعلا الجنة بعد ذلك, وأن الله سبحانه وتعالى حرم على أهل الإيمان الخلود في النار.

    الإيمان بأحداث يوم القيامة على التفصيل

    وما يأتي من تفاصيل القيامة؛ من العرض, والميزان, والصراط, وصفة المرور عليه؛ فنقول: الإيمان بذلك عند ورود النص واجب, وعند عدم وروده لا يجب على كل أحد أن يتتبع النص ليصح إيمانه فيؤمن بذلك, ولهذا نقول: الذي يقول: إنني لا أعلم عن الصراط شيئاً، ولا أؤمن به, باعتبار عدم ورود دليل في ذلك، هذا معذور؛ لأنه لم يسمع بهذا, وأما الذي يقول: لا أدري ما البعث، ولا أدري الناس يبعثون أو لا يبعثون؛ هذا هل يصح إيمانه أو لا يصح؟ لا يصح إيمانه, باعتبار أن الأصل في ذلك أنه لا يصح إيمان الإنسان إلا بالإيمان بالبعث.

    وأما ما يتعلق بتفاصيل ذلك فإن ذلك يرجع فيه الإنسان إلى وقوفه عن الدليل, إن وقف عليه وجب عليه أن يؤمن, وإن لم يقف عليه لا يجب عليه أن يؤمن؛ كالكفتين للميزان, وكذلك إقرار الله سبحانه وتعالى لعباده, وجعل المؤمن في كنفه, وكذلك ما يتعلق بالصحف ومدها, وما يتعلق أيضاً بدنو الشمس, وغير ذلك مما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن كونه يوم القيامة, نقول: هذا معرفته ليست من أركان الإيمان بهذا التفصيل.

    وأما ما يجب على المؤمن أن يؤمن أن الله عز وجل على سبيل الإجمال يبعث عباده، ويجازي المحسن بالإحسان والمسيء بالإساءة, المحسن هو من آمن على ما تقدم الكلام عليه, والمسيء هو من كفر بالله سبحانه وتعالى, ويعذب الله عز وجل طائفة من أهل الإيمان بذنوبهم، ثم يدخلهم الله عز وجل الجنة؛ وذلك بما يشاؤه الله سبحانه وتعالى ويقدره.

    نشر الصحف يوم القيامة

    وهنا يذكر المصنف رحمه الله ما يأتي يوم القيامة من صحف, صحف يأخذها الإنسان بيمينه, وصحف يأخذها بشماله, صحف اليمين هي الصحف الراجحة من صحف الحسنات, وأما ما يأخذه الإنسان بشماله فهي الصحف الراجحة من أعماله السيئة, التي تقود الإنسان إلى النار والعياذ بالله.

    وزن الحسنات والسيئات يوم القيامة

    وما من أحد من العباد من أهل الإيمان إلا وله كفتان: كفة حسنات, وكفة سيئات, يستثنى من ذلك من غفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه وما تأخر, لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح:2], هذا من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم, أما بقية العباد فلهم كفتان: كفة حسنات, وكفة سيئات, وأما من له كفة واحدة وهي كفة السيئات وهم الكفرة, وهم من كفر بالله سبحانه وتعالى.

    ولهذا نستطيع أن نقول: إن الناس يوم القيامة منهم من له كفتان, وهم سائر الخلق, لهم حسنات وسيئات, ومنهم من له كفة واحدة؛ كفة حسنات, وهو نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله عز وجل غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر, وقسم له كفة واحدة وهي كفة السيئات وهم الكفار, أين الحسنات؟ ( عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا ), فحينئذٍ ليس لديهم حسنات, وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة:5], ولم يبق لديه شيء من عمل الطاعات التي تقرب بها إلى الله عز وجل في دنياه, وحينئذٍ ليس له إلا كفة واحدة وهي كفة السيئات.

    وأما ما يتعلق ببعض الأعمال التي تقع من الإنسان فنقول: إن الإشراك مع الله عز وجل غيره هذه تزيل ما في الكفة الثانية, وليس له موزون فيها, باعتبار أن الشرك يضيع ويهدر ويحبط غيره من سائر أعمال الطاعات, وهذا للشرك الأكبر؛ لأن الله عز وجل يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48], لأن الله قطع أن الشرك الأكبر لا يغفره لصاحبه, وأما ما عدا ذلك من الذنوب فإنها تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى, ويستثنى من مشيئة الله عز وجل في غفران الذنوب أمور:

    أولها: هل يدخل الشرك الأصغر في هذا الباب أم لا؟ هذا موضع خلاف, هل يدخل تحت نفي الغفران؛ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48] ؟ هم قولان للعلماء في هذا؛ قولان لأهل السنة, وهم قولان أيضاً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله, قال: تارة أن الله عز وجل يجعلها تحت المشيئة, يعني: الشرك الأصغر, وقول: أنه لا يكون تحت المشيئة, بل إن الله عز وجل قطع الأمر في ذلك, فلا يغفر لأحد من عباده أشرك معه, سواء كان شركاً أصغر أو كان شركاً أكبر, فهذا على هذا القول يكون مما حرم الله عز وجل على نفسه غفرانه, ولكن يدخل في باب الموازنة, لا يمحو غيره؛ لأن الله عز وجل حينما قال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة:5], المراد بذلك هو الكفر الأكبر, لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65], المراد به هو الشرك الأكبر لا الشرك الأصغر, هو الذي يحبط جميع الأعمال.

    أما ما يتعلق بالشرك الأصغر فلا يحبط جميع الأعمال، ولكن يحبط شيئاً منها, وإنما قلنا شيئاً منها؛ لأن الإطلاق في قول الله عز وجل: لَئِنْ أَشْرَكْتَ [الزمر:65] المراد بذلك هو الشرك الأكبر, وقلنا بالجزم بالإحباط أن السيئات تمحو الحسنات كما أن الحسنات تمحو السيئات, كما في قول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114], هذا في أمور الحسنات تذهب السيئات.

    أما ما يتعلق بالسيئات هل تذهب الحسنات أو تذهب بعضها؟ نقول: نعم, كما أن الحسنة لا تذهب جميع السيئات كذلك فإن السيئة لا تذهب جميع الحسنات إلا الشرك الأكبر, فإنه يمحو الله عز وجل به سائر ما يفعله الإنسان فلا يجازى عليه في الآخرة, وإنما يعجل له في الدنيا.

    وأما بالنسبة لمحو السيئات للحسنات فهي على نوعين:

    النوع الأول: محو سيئة لحسنة تقابلها, وذلك بنقضها؛ كقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة:264], فهو قد نقض صدقة بضدها, فتصدق ثم امتن, فقال: أعطيتك مالاً, يريد بذلك أن يظهر المنة, فهو نقض, ويدخل في هذا ما يتعلق بدقائق الشرك الأصغر من أمور الرياء وغير ذلك, فهذا يبطل ذلك العمل.

    النوع الثاني: هو إبطال عمل من غير جنسه, فالسيئة تبطل الحسنة من غير جنسها؛ وذلك كالزنا, وهو كبيرة, يبطل طاعات أخرى؛ كتسبيح واستغفار وتهليل وغير ذلك, ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2], يعني: أن رفع الصوت عند النبي صلى الله عليه وسلم من أسباب إحباط العمل, وهذا من مواضع الخلاف عند أهل السنة، ولهم قولان في مسألة محو السيئات للحسنات, محو الحسنات للسيئات هذا محل اتفاق عند أهل السنة.

    وأما ما يتعلق بمحو السيئات للحسنات فهذا موضع خلاف عند أهل السنة، فقد اختلفوا في هذه المسألة على قولين: ذهب طائفة من أهل السنة وهو قول المعتزلة, إلى أن السيئات تمحو الحسنات كما أن الحسنات تمحو السيئات, وذهب جماعة من أهل السنة إلى أن السيئات لا تمحو الحسنات, قالوا: وهذا مقتضى أن رحمة الله سبحانه وتعالى تسبق غضبه, والتساوي في ذلك يحتاج إلى دليل, قالوا: ولا دليل صريح في ذلك.

    نقول: الأدلة في هذا ظاهرة, فقد جاء من حديث أبي إسحاق عن زوجه عن عائشة عليها رضوان الله تعالى ( أنها قالت لأم زيد بن أرقم : أخبريه أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب), لما تبايع بالعينة, ولهذا نقول: إن السيئة تذهب شيئاً من حسنات الإنسان, هذا فيما يتعلق بالسيئات التي هي من حق الله عز وجل المحض, أما ما كان من السيئات التي تكون من حق العباد فنقول: هذا الله عز وجل يغفرها لعبده بجميع أنواع المكفرات.

    والمكفرات: لدينا حسنات تذهب السيئات, الاستغفار والتوبة, المصائب والهموم التي تطرأ على الإنسان, وكذلك الأحزان والآلام والأمراض والأسقام التي تطرأ على الإنسان, حتى الشوكة يشاكها الإنسان يكفر الله عز وجل بها من خطاياه, فهذه مكفرات, وكذلك ما يفتن به الإنسان في قبره مما يكفر الله عز وجل به أيضاً من عذاب يوم القيامة, عرصات يوم القيامة, فالله عز وجل لا يجمع للإنسان عذابين وغير ذلك, كذلك استغفار الإنسان لأخيه يمحو الله عز وجل به من ذنبه, وغير ذلك من أنواع المكفرات, وكل هذه المكفرات تكفر ما كان من حق الله عز وجل.

    وأما ما كان من حقوق العباد فيما بينهم, وهي ثلاثة: الدماء, والأموال, والأعراض, فهذه لا تأتي عليها المكفرات, فكيف تكفر؟ تكفر إما بالاستحلال أو بأداء الحق إلى أهله, وقد دل الدليل على ذلك, فقد جاء في حديث أبي هريرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسلم : ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها، وليقتصن الله من الشاة القرناء للشاة الجماء ), وهذا الموضع الوحيد الذي تكلف به البهائم, وتحاسب عليه يوم القيامة, وهي الحقوق فيما بينها, فتحاسب البهائم على هذا, باعتبار أن الله عز وجل قد جعل فيها قدرة تميز الحق فيما بينها, فيحاسبها الله عز وجل على ذلك.

    وكذلك ما كان من أمور العباد فيما بينهم؛ في الأموال, في الدماء, في الضرب, واللطم, والجراحة والقتل وغير ذلك, فإن الله عز وجل يجعلها قصاصاً يوم القيامة, والقصاص بالحسنات والسيئات جاء من حديث سعيد بن زيد من حديث أبي هريرة , وجاء من حديث عبد الله بن أنيس من حديث جابر بن عبد الله وغيرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأدلة في ذلك مستفيضة.

    مجازاة الله لعباده على مثاقيل الذر من الخير والشر

    قال المصنف رحمه الله: [ إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك اليوم العظيم، والمقام الهائل من الصراط والميزان، ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر وغيرها].

    وذلك أنه ما من أحد إلا ويجازيه الله عز وجل ولو كان من أمور الخير الدقيقة, فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8], ولو كان مثقال ذرة, لا بد أن يراه بعينه, وقوله هنا: ( يَرَه ) يعني: أن الله عز وجل يوقف عبده على كل عمل عمله, يقره عليه, والله عز وجل يجعل الكتبة عن يمين وشمال؛ هل هو للعلم أم لإقامة الحجة؟ لإقامة الحجة؛ لأن الله عز وجل يعلم, وليس بحاجة للكتبة, وإنما هو لإقامة الحجة على العبد يوم القيامة, فيكون من الشهود عليه, فيشهدون، ثم يأبى إلا من شاهد من نفسه، فينطق الله عز وجل جوارح العبد.

    والله سبحانه وتعالى يحصي على عبده كل شيء.

    وما تاب منه في الدنيا وقبل الله عز وجل عليه توبته؛ هل يره الإنسان؟ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:8], هل يره أم لا يره؟ هذا موضع خلاف, ذهب الجمهور إلى أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له, وأن الذنب يعدم, ولا يبقى منه شيء, فإذا قبل الله عز وجل من عبده توبة, ذهب بعض أهل السنة وقال بهذا الحسن البصري إلى أنه لا يمحى, فيبقى ويقر عليه ويسأل عنه, وهذا مقتضى الإحصاء وعدم مغادرة صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها, لكن لا يعذب عليها, وإنما يقر, (أتذكر ذنب كذا وكذا في يوم كذا وكذا واستغفرت منه؟) غفره الله عز وجل لك, لكن لا يعذبك به, ويقرك بذنب لم تتب منه ولم يغفره الله عز وجل لك، ويحاسبك عليه إن شاء سبحانه وتعالى.

    1.   

    شفاعة الرسول لأهل التوحيد وأهل الكبائر

    قال المصنف رحمه الله: [ ويؤمن أهل الدين والسنة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمذنبي أهل التوحيد ومرتكبي الكبائر، كما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم].

    معنى الشفاعة وأنواعها

    الشفاعة: هي اقتران فرد بغيره فيكون شفيعاً, والفرد الذي يعجز عن القيام بأمر فيأتي من يعضده ليقوم بذلك الأمر.

    والشفاعة مشتقة من الشفع, وهو ضد الوتر, وضد الفرد, وهو: أن يعضد الشيء غيره على حمل شيء عجز عنه وحده, أو يعجز عنه وحده, فيسمى الثاني شفيعاً للأول, وهذه منها شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم العامة والخاصة؛ العامة لأهل الموقف, والخاصة بأهل الإيمان, ومنها شفاعة أهل الإيمان لبعضهم, فيشفع المؤمن للمؤمن, ويشفع أيضاً الزوج لزوجه, والأب لابنه, والابن لأبيه, ويشفع الشهيد لسبعين من أهل بيته, وغير ذلك من صور الشفاعة التي ذكرها الله عز وجل في كتابه أو جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأعظم الشفاعات هي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لماذا؟ لأنها عامة لهذه الأمة ولغيرها.

    شروط قبول الشفاعة

    والله عز وجل لا يجعل الشفاعة شفاعة إلا بشرطين:

    الشرط الأول: أن يأذن الله عز وجل للشافع أن يشفع.

    الشرط الثاني: أن يرضى الله سبحانه وتعالى عن المشفوع له.

    ولكن نقول: إن الله عز وجل لا يرضى عن الكافرين, ولهذا الشفاعة لا ترد على أهل الكفر, واستثنى الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام عمه أبي طالب , فقبل الله عز وجل شفاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فخفف من عذابه، ولكنه في النار خالداً مخلداً فيها, فكان عليه نعلين وعلى ضحضاح من نار يغلي منه دماغه.

    ويروى أيضاً في البخاري من غير شرطه في ذلك أبي لهب ؛ لماذا؟ لأنه أعتق مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية, فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم, وهذا يتكلم غير واحد من العلماء في إسناده؛ أن أبا لهب يسقى بمقدار هذه, وهي في أسفل الإبهام, وهي حفرة يسيرة يسقى بمقدارها ماء في نار جهنم.

    اختصاص الشفاعة بأهل الإيمان

    قال رحمه الله: [أخبرنا أبو سعيد بن حمدون أنبأنا أبو حامد بن الشرقي، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق، أنبانا معمر عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ).

    وأخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد أخبرنا محمد بن المسيب الأغياني، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي، عن زياد بن خيثمة عن نعمان بن قراد، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة؛ لأنها أعم وأكفى, أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين ).

    أخبرنا المجلدي، أخبرنا أبو العباس السراج حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو ح، وأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة أخبرنا جدي الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا علي بن حجر بن إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ( يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قبل نفسه ) ].

    ولهذا نقول: إن أصل الشفاعة لا تكون إلا لأهل الإيمان؛ لأن الله عز وجل لا يرضى عن مشرك, باعتبار أنه ما أدى حق الله عز وجل عليه, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم لما كان على دابته، وأردف معاذ بن جبل قال: ( أتدري ما حق العباد على الله وما حق الله عز وجل على العباد؟ قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً, وحق العباد على الله ألا يعذب من لم يشرك معه شيئاً ), فمن حقق توحيد الله سبحانه وتعالى فإن الله عز وجل يجعله من أهل الجنة, إما ابتداء أو مآله إليها, ولهذا حرم الله عز وجل على أهل الإيمان النار, والتحريم في ذلك على نوعين: تحريم إلى أمد, وتحريم إلى أبد, (تحريم إلى أمد) يعني: إلى مدة معينة, فلا يدخلها ولو إلى مدة, (وإلى أبد) يعني: لا يخلد فيها, وأما أهل الجنة فمن دخلها لا يخرج منها, ولكن تتغير حاله, يزيده الله عز وجل نعيماً.

    1.   

    الإيمان بإدخال أهل الجنة الجنة وأهل النار النار

    قال المصنف رحمه الله: [ ويؤمنون بالحوض والكوثر، وإدخال فريق من الموحدين الجنة بغير حساب، ومحاسبة فريق منهم حساباً يسيراً، وإدخالهم الجنة بغير سوء يمسهم وعذاب يلحقهم، وإدخال فريق من مذنبيهم النار, ثم إعتاقهم وإخراجهم منها، وإلحاقهم بإخوانهم الذين سبقوهم إلى الجنة, ولا يخلدون في النار، فأما الكفار فإنهم يخلدون فيها، ولا يخرجون منها أبداً، ولا يترك الله فيها من عصاة أهل الإيمان أحداً].

    يخرج الله عز وجل ممن كان في النار ممن كتب الله عز وجل عليه العذاب من أهل الكبائر, بعد أن ينقيهم الله عز وجل بعذاب في النار, ويخرجهم الله عز وجل إلى الجنة, وهؤلاء الذين عذبهم الله سبحانه وتعالى بمقدار معين ليسوا من أهل الكفر؛ لأنه لا يخرج من النار كافر.

    وجاء في حديث أبي هريرة عليه رضوان الله في الصحيح في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يخرج من النار أقوام لم يعملوا خيراً قط ), وهذا يستدل به من يقول: إن العمل ليس من الإيمان, قالوا: لو كان من الإيمان بأنه لو انتفى عن الإنسان الإيمان لأصبح الإنسان كافراً, والرد على هذا من وجهين:

    الوجه الأول: أن في قوله عليه الصلاة والسلام: ( لم يعملوا خيراً قط ), أن هذا النفي لا يقتضي نفي الكل بجميع أجزائه, وإنما إشارة إلى ندرة العمل, وهذا معلوم من أساليب العرب.

    الوجه الثاني: أن في قوله عليه الصلاة والسلام: ( لم يعملوا خيراً قط ), نقول: أعمال الصالحات هي تروك وأفعال, فهؤلاء لم يعملوا خيراً قط, والعمل ربما يكون من الإنسان بتركه للمحرمات احتساباً, وربما لم يعمل خيراً قط لجهله بذلك العمل، ولكنه أسرف على نفسه بالمحرمات.

    وقد جاء في حديث حذيفة عند ابن ماجه والحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب, حتى لا يُدرى ما صلاة وصيام ولا صدقة ولا نسك, إلا أقوام يقولون: لا إله إلا الله, كنا نسمع آباءنا يقولونها ونحن نقولها, فقال حذيفة بن اليمان لما قيل له: ما تغنيهم لا إله إلا الله؟ قال: تنجيهم من النار لا أب لك! ), هؤلاء هل عملوا خيراً قط؟ لم يعملوا خيراً قط, لكن لو هؤلاء الذين لم يعملوا خيراً قط؛ لأنهم لا يعلمون شيئاً وقعوا في المحرمات والكبائر ألا يعاقبون عليها لو شاء الله؟ يعاقبون عليها, ويكونون من أهل النار, وهؤلاء يستحقون الوصف بأنهم لم يعملوا خيراً قط أو لا يستحقون؟ يستحقون؛ لأنهم لم يعملوا خيراً قط يوجب لهم دخول الجنة إلا ما وجد لديهم من الإيمان, فاستحقوا دخول النار بفعل المحرمات, وما استوجبوا دخول الجنة بعمل إلا الإيمان بالله سبحانه وتعالى.

    فالله سبحانه وتعالى قد جعل في الدلالة إلى الخير أمرين: الأمر الأول: الدلالة الشرعية, الثاني: الدلالة الفطرية, فالإنسان يعلم أن الكذب مذموم بجميع الفطر, والسرقة في أي ملة حتى الملحد يعلم أن السرقة مذمومة, وقتل النفوس يعلم أنها مذمومة, وغير ذلك من الأمور المحرمة, ومثل هذا لو لم يرد لديه علم من الشرع وبلغه التوحيد، ولم يرد لديه أن السرقة حرام بنص الشرع بوحي الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسرق هل يعاقب أو لا يعاقب؟ يعاقب؛ لماذا؟ دلالة الفطرة, قتل ألا يعاقب أو لا يعاقب؟ يعاقب.

    لكن قد يقول قائل: إنه لم يرد لديه شيء من الوحي من كلام الله وكلام رسول الله يدل على أن هذا القتل حرام, وأن السرقة حرام, وإنما بلغه عن الإسلام هو التوحيد؛ لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    نقول: يحاسب على ذلك؛ لأن دلالة الفطرة في ذلك ظاهرة وقوية, ولهذا نقول: إن الوازع الذي جاء به الشرع في بيانه الشرع على نوعين: وازع شرع, ووازع طبع, فوازع الشرع قوي, ووازع الطبع قوي, وتارة يكون وازع الطبع أقوى من وازع الشرع, وإذا كان وازع الطبع قوياً ضعف وازع الشرع, ولا يأتي وازع الشرع قوياً كغيره.

    ولهذا نجد كثيراً من الأمور إذا كان وازع الطبع ضعيفاً جاءت النصوص بالتشديد عليها؛ لماذا؟ لأن النفس تقبل عليه، فجاءت الشريعة بالتشديد على هذا الأمر, وحال نصوص الشريعة في هذه الموازنة في أمر الفطرة كحال فطرة الإنسان, فالإنسان إذا كان لديه منديل أو لديه ورقة, وهذه الورقة راكدة, والمحرك لهذا المنديل وهذه الورقة هو وازع الطبع, فإذا كان الهواء قوياً يأتي بحجرة قوية ويضعها على المنديل؛ لماذا؟ لأن الهواء الذي يجرف شديد, ولكن إذا كان لا يوجد شيء يترك، ولا يوضع عليه شيء, ولهذا تأتي الشريعة بتحريم ما تقبل النفس عليه، وترك ما تعافه النفس, ولهذا لا يوجد دليل في الشريعة على حرمة أكل التراب, وشرب العذرة، فإذا اشتهى الإنسان ذلك ارتفع التكليف.

    ولهذا لما سئل عامر الشعبي عن أكل الذباب, قال: إن اشتهيت فكل؛ لأنه إذا اشتهيته لا يوجد تكليف, فتتوازن الشريعة مع الطبع, فإذا وجد الطبع ضعيفاً جاء النص قوياً؛ حتى تكون ثمة موازنة, والنفس تتشوف إلى الزنا، وشرب الخمر جاءت النصوص في ذلك قوية, مع أن ضرر القاذورات وشربها أشد ضرراً على الإنسان من الخمر, فجاء النص بالخمر أشد ومستفيضاً, ولم يأت في هذه القاذورات؛ لأن وازع الطبع بالنفرة منها قوياً.

    وكذلك تجد حتى في مسألة الخلوة بالمرأة, الرجل الكافر يخلو بابنته وهو محرم لها، ويسافر بها, لكن الرجل الصالح العابد هل يسافر بالأجنبية؟ لا, هذا لديه وازع شرع؛ صالح؛ لماذا لا يخلو بها, ووازع الشرع لديه ظاهر؛ لماذا؟ لأن وازع الطبع ضعيف, ووازع الطبع عند الكافر على ابنته أقوى من وازع الشرع, فترك هذا الأمر, ولهذا الكافر يخلو بابنته ولو كان كافراً، وبأخته ولو كان كافراً، والصالح مهما بلغ صلاحاً لا يسافر بالأجنبية ولا يخلو بها, ولهذا تأتي الشريعة بالموازنة بين هذين الأمرين.

    والله سبحانه وتعالى يعاقب أقواماً في النار بسبب مخالفة دليل الفطرة, الذي ثبت لديه أصل الإيمان واستقر لديه ولكن قتل ودليل الفطرة يمنع, سرق ويعلم أن السرقة بدلالة الفطرة ممنوعة، ولو لم يكن لديه دليل من القرآن بالنص وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ظاهر, وهؤلاء عاقبهم الله جل وعلا بفعل المحرم، ولم يوجب الله عز وجل لهم دخول الجنة بعمل؛ لأنه ليس لديهم عمل.

    1.   

    رؤية المؤمنين لربهم

    قال المصنف رحمه الله: [ ويشهد أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم تبارك وتعالى، وينظرون إليه على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ( إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ), والتشبيه وقع للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي, والأخبار الواردة في الرؤية مخرجة في كتاب الانتصار بطرقها].

    قوله: (ينظرون إليه) أي: بأبصارهم فأراد أن يثبت الحقيقة, أن الرؤية ليست رؤية ذهنية أو تخيلات أو نحو ذلك, وإنما يرونه بأبصارهم على الحقيقة, وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23], وهذا تحقيق لرؤية الله سبحانه وتعالى حقيقة لا تخيلاً.

    1.   

    خلق الجنة والنار

    قال المصنف رحمه الله: [ويشهد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان].

    تقدم معنا الكلام في قول المصنف رحمه الله: (ويشهد أهل السنة) ويشهد أهل الحديث, ففي مثل هذا أوضحنا أن المراد بالشهادة هو إخبار الإنسان عما يعتقده في قلبه, وهذا مما يأتي في كلام المصنف بإذن الله بقوله: أن الإيمان قول وعمل واعتقاد.

    قال رحمه الله: [وأنهما باقيتان لا يفنيان أبداً، وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبداً, وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها، لا يخرجون منها أبداً ].

    وذلك لعموم قول الله عز وجل: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن:23]، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ [هود:107].

    قال رحمه الله: [ وأن المنادي ينادي يومئذٍ: ( يا أهل الجنة! خلود ولا موت, ويا أهل النار! خلود ولا موت ), على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ].

    وأما ما يرد في بعض المواضع بتقييد مشيئة الله سبحانه وتعالى, خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [هود:107], نقول: ذلك أنه أقوام يدخلون النار, ولكن لا يخلدون فيها, وهم أهل الكبائر الذين أسرفوا على أنفسهم, فطول بقائهم في النار يسمى خلوداً, والعرب تسمي الرجل الذي أطال المكث في بلد، أو طال عمره تسميه بخالد, تقول: خُلِّد فلان, ولهذا تسمي أبناءها بخالد تيمناً وتفاؤلاً بطول بقائه.

    نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.