إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الأذان والإقامة [4]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المعلة في باب الأذان والإقامة: حديث: (المؤذن أملك للأذان)، وحديث: (المؤذنون أحق بالإقامة، والأئمة أحق بالأذان)، وحديث: (إذا كان الرجل في قيٍ من الأرض فتوضأ أو تيمم فأذن وأقام، فصلى خلفه من خلق الله ما لا يرى طرفاه)، وحديث: (أنه كان إذا كان في سفر لا يؤذن إلا في الجماعة، ويقيم لكل صلاة)، وحديث: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أذنا ألا تزل أقدامنا عن مواضعها)

    1.   

    حديث: (المؤذن أملك للأذان)

    ... أن الإمام أملك بالإقامة، ولكن يقال: إن هذا ليس بصريح، وقد يقال: إن أصرح منه ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ( لا تقوموا حتى تروني )، ولكن هذا قد يقال: إنه في الإمام الأعظم الذي قد جمع بين الإمامة العظمى وبين إمامة الناس في الصلاة، وهذا يكون في حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حال الخلفاء الراشدين، كـأبي بكر ، و عمر ، و عثمان ، و علي بن أبي طالب وأضرابهم، وأما غيرهم فهل يدخلون في الحكم أم لا؟

    هذا محل كلام في مسألة الإقامة، إذا قلنا: إنهم يدخلون في الحكم فإنه لا يحق للمؤذن أن يضع ضابطاً في الوقت يؤذن فيه إذا تأخر الإمام، فيكون الضابط حينئذ في ذلك الوقت وليس الضابط الإمام، فإذا ضبط الوقت بشيء وخرج الإمام منه لم يكن هو الحكم في ذلك، ولهذا نقول بأن هذا الحديث صراحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي هريرة منكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حديث: (المؤذنون أحق بالإقامة، والأئمة أحق بالأذان)

    الحديث الثاني: حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( المؤذنون أحق بالإقامة، والأئمة أحق بالأذان )، وهذا الحديث منكر، فقد رواه أبو الشيخ من حديث معلى بن عباد ، عن يحيى بن أبي الفضل ، عن أبي الجوزاء ، عن عبد الله بن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث قد تفرد به معلى بن عباد ، وقال فيه الإمام أحمد رحمه الله: لا أعرفه، وضعفه أبو حاتم ، و البخاري ، و الدارقطني ، وغيرهم، وقال أبو زرعة : منكر الحديث، وله أحاديث تستنكر عليه، قد تفرد بهذا الحديث من هذا الوجه، وله أحاديث منكرة لا يقبلها العلماء، ومن ذلك ما أخرجه الإمام الترمذي رحمه الله من حديث أحمد بن الحسين أنه قال: كنا عند أحمد بن حنبل رحمه الله، فجاء الحديث في مسألة على من تجب صلاة الجمعة؟

    فلم يذكر فيه أحمد بن حنبل شيئاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال: فقلت له: فيه حديث عن رسول الله، فقال أحمد بن الحسين : حدثنا الحجاج بن نصير ، قال: حدثنا معلى بن عباد ، عن عبد الله بن سعيد المقبري ، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة الجمعة على من آواه الليل في بيته )، والإمام أحمد رحمه الله لما سمع هذا الحديث قال لـأحمد بن الحسين : استغفر ربك استغفر ربك، وذلك لنكارة متنه، وقد بين الترمذي رحمه الله أن الإمام أحمد رحمه الله إنما أعل هذا الحديث لضعف إسناده، وإنما ضعف إسناده لتفرد معلى بن عباد به، وللمعلى مفاريد لا يوافق عليها، ومنها: ما رواه الطبراني كما في كتابه المعجم الكبير من حديث معلى بن عباد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن من أحسن الإمامة كان له أجر من خلفه )، وهذا الحديث لا يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه، وهو حديث منكر لا يتابع عليه معلى بن عباد ، وقد رده غير واحد من العلماء، وهذا الراوي معلى بن عباد بتفرده بهذا الحديث وأمثاله نرد جميع حديثه، وبهذا نعلم أن العلماء لديهم قاعدة في رد مفاريده، وهي أن الراوي إذا تفرد بمتن كبير يستنكر التبعة في فقهه، والتفرد بحكمه ثقيلة، يرد مجموع حديثه، وذلك أن المفاريد عند العلماء في رد أحاديث الرواة على صنفين: الصنف الأول: أنهم ينظرون إلى مفاريد الرواة كثرة وقلة، فإذا كثرت مفاريد الراوي طرحت حديثه، فإذا كان له مثلاً عشرة أحاديث أو عشرين أو ثلاثين، وتفرد بخمسة، فإن هذا يطرح حديثه ويحكم عليه بالضعف؛ لأن الخمسة من العشرة والثلاثين كثيرة، فيرد بها الحديث، وأما إذا كان له حديث واحد، وقد روى عشرين وثلاثين ونحو ذلك، فإن هذا لا يرد به الحديث الذي يتفرد به.

    والصنف الثاني: أن ينظر إلى عظم ما تفرد به، فإذا تفرد بشيء ثقيل من المعاني لا يفوت على فقيه وعلى راو حافظ، فإن هذا يطرح حديثه، فالواحد منها يطرح الخمسين والمائة، وذلك أن مثل هذا لا يمكن أن ينطلي على حافظ ناقد بصير، ولهذا الأئمة رحمهم الله ينظرون إلى تفرد الراوي من جهة نوعه ومن جهة كمه، و معلى بن عباد يتفرد بالأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث ثقيل في فضل الإمامة، والإمامة يتنافس فيها الناس، وأمثال هذا الفضل ينبغي أن ينتشر عند أهل العلم والعبادة والديانة، والتنافس في ذلك.

    كذلك مسألة الإقامة، وأحقية الإمام والمؤذن فيها والفيصل في ذلك، فإن هذا من المسائل المهمة التي يحتاج إليها، ولهذا ذكر بعض النقاد في بعض الرواة حينما تفرد بالحديث قال: هذا الحديث يطرح له خمسمائة حديث يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه التفردات التي يتفرد بها إذا كانت تحمل معنىً ثقيلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم طرحت حديثه، وهذا ما ينبغي أن ينظر إليه عند مفاريد الرواة، وثمة قرائن يقبل فيها تفرد الراوي، وهذا قد تقدم الإشارة إلى شيء من مجموعها، من هذه القرائن التي يقبل فيها تفرد الراوي إذا تفرد بحديث أن يكون من طبقة متقدمة، والطبقة المتقدمة يقبل فيها التفرد.

    الأمر الثاني: أن يكون من المكثرين بالرحلة، ولقاء الشيوخ، والأخذ عنهم، فإن هذا يحمل منه التفرد أكثر من غيره، كـابن شهاب الزهري فإن الإمام مسلماً رحمه الله ذكر عنه أنه تفرد بسبعين سنة، وهذه السبعين لا يحمل عشرها إذا رواها غير الزهري، لأن الزهري من أئمة الرواية والإكثار، والرحلة في البلدان، فلما تفرد بمثل هذا حمل منه، لأن أحاديثه بالآلاف، بأن يتفرد بسبعين، يقبل هذا، كذلك مع تقدمه، ومن القرائن في ذلك أن يكون الراوي من أهل اختصاص بالرواية عن شيخه، فإن هذا مما يحمل عليه.

    ومن القرائن أيضاً: أن يكون المتفرد بتفرده بحديث من الأحاديث في بلدٍ يحمل منها التفرد، كمكة والمدينة إذا تفرد ببعض الأحاديث عن غيرها من البلدان، كتفرد المدنيين والمكيين عن غيرهم في بعض الأحاديث، كتفردهم عن الكوفة والبصرة، والشام ومصر وخراسان واليمن، وغيرها، فيحمل من حديثهم ما لا يحمل من غيرهم.

    ومن القرائن أن يتفرد الراوي بحديث وهو من أهل الاختصاص بمعناه، كتفرد الراوي الذي يختص بالأذان بمسألة من الأذان، أو يختص بالقضاء بمسألة في القضاء، ولو لم يكن من المكثرين فإن الاختصاص دليل على التتبع، وهو يوازي ويقارن الإكثار، فلهذا يؤكد على معرفة حال الراوي واختصاصه بمهنةٍ أو حرفة، أو بمسائل معينة يتفرد عن غيره من أهل طبقته بها، كتفرد بعض الرواة في بعض المسائل، أو تفرد بعض النساء ببعض المسائل، وكتفردهن ببعض المسائل من الطلاق أو بعض الطهارة الخاصة بهن ونحو ذلك، فإن هذا في الغالب يكون من خصائص النساء، وقد تقدم الإشارة إلى شيء من هذا.

    1.   

    حديث: (إذا كان الرجل في قيٍ من الأرض فتوضأ أو تيمم فأذن وأقام، صلى خلفه من خلق الله ما لا يرى طرفاه)

    الحديث الثالث: حديث سلمان الفارسي عليه رضوان الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كان الرجل في قيٍ من الأرض )، يعني: في فلاة، ( فتوضأ أو تيمم فأذن وأقام، فصلى خلفه من خلق الله ما لا يرى طرفاه )، هذا الحديث رواه النسائي في كتابه السنن الكبرى في كتاب المواعظ، كما في رواية حمزة الكناني ، ورواه ابن أبي شيبة و عبد الرزاق في مصنفيهما، ورواه عبد الله بن المبارك كما في كتاب الزهد، ورواه البيهقي وغيرهم من حديث المعتمر بن سليمان ، عن أبيه سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث رفعه خطأ، والصواب فيه الوقف، يعني: أنه من قول سلمان عليه رضوان الله، وقد خالف فيه المعتمر بن سليمان أصحاب أبيه سليمان من كبار الحفاظ والثقات، وذلك كـعبد الله بن المبارك ، فإنه رواه كما في كتابه الزهد عن سليمان التيمي وجعله موقوفاً، وتابعه عليه يزيد بن هارون فإنه رواه عن سليمان التيمي موقوفاً على سلمان ، ورواه عبد الوهاب بن عطاء ، وكذلك رواه يزيد بن سفيان ، كلهم عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان ، عن سلمان الفارسي موقوفاً عليه ولم يرفعوه، ولم يتابع معتمر بن سليمان على روايته مع ثقته وحفظه على هذا إلا فيما رواه البيهقي في كتابه السنن من حديث القاسم بن غصن ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي عثمان النهدي فجعله مرفوعاً، و القاسم تفرد بهذا الحديث من هذا الوجه عن داود بن أبي هند وهو معلول، وذلك من وجهين: الوجه الأول: أنه قد خالف من هو أوثق منه في روايته عن داود، فرواه سفيان ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي عثمان ، عن سلمان موقوفاً وهو أصح.

    الأمر الثاني: أن القاسم مضعف، وقد ضعفه غير واحد من الحفاظ، وهذا الحديث قد رجح وقفه غير واحد من الأئمة، كـالبيهقي رحمه الله، فإن رفعه منكر، والصواب أنه من قول سلمان ، وهل يكون هذا من قول سلمان مما لا يقال بالرأي؟ أم يكون من الإسرائيليات؟ الذي يظهر والله أعلم أن هذا الحديث من الإسرائيليات، وليس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ينسب إليه، فلا يقال: إنه من قبيل الرأي، وذلك لقرينة أنه قد رواه أبو نعيم في كتابه الحلية عن كعب الأحبار من قوله، و كعب الأحبار معلوم أنه من أهل الاختصاص بكتب أهل الكتاب بني إسرائيل، ومن أهل العناية بها، وروايته لذلك على نحو هذا اللفظ إشارة إلى أن هذا المعنى وهذا اللفظ موجود في كتبهم، فلا يقال: إن سلمان أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث قد جاء أيضاً من قول سعيد بن المسيب كما رواه الإمام مالك في كتابه الموطأ من حديث يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب من قوله، ولم يرفعه، ولو كان ثابتاً عند الإمام مالك رحمه الله لجعله مرفوعاً، وهذا الحديث إنما أوردناه لأن بعض العلماء يحتجون به على مسألة أذان المنفرد في الفلاة.

    وهذه المسألة من مواضع الخلاف عند الفقهاء مع كون الدليل فيها صريحاً في غير هذا، وذلك أن سلمان هنا يرويه كما في رواية معتمر بن سليمان عن أبيه بهذا الحديث، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن من كان في قيٍ من الأرض فأذن وأقام فصلى، إلا صلى خلفه من خلق الله ما لا يرى طرفاه )، قالوا: إذا كان صلى خلفه من خلق الله ما لا يرى طرفاه، إشارة إلى أنه منفرد، وليس خلفه أحد من البشر، وإلا لم يكن ثمة حاجة إلى إيراد أن يصلي خلفه من خلق الله أحد، وذلك أن البشر أولى من الذكر من خلق الله الموهومين غير المعروفين، سواء من الجان وغيرهم، وهذا أمر ظاهر، وهذا الحديث مع كونه من الإسرائيليات لكن القول بصحة رفعه كما قال به بعض المحدثين من المتأخرين فيه نظر، ولا حاجة إلى إيراده مع صحة الأحاديث في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يأتي بيانه.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )، ألا يقويه لأن كون هذا الحديث مرفوعاً؟

    نقول: لا يقويه، لأن طهارة الأرض واستباحة الصلاة في كل موضع من خصائص هذه الأمة، ولكن كلامنا على مسألة الأذان، وأن الإنسان يؤذن لنفسه هذا الشيء، واستباحة الصلاة شيء آخر، ومعلوم أن أكثر الناس يصلون بلا أذان يختص بهم، وإنما يكتفون بأذان الحي، ولو صلى الناس في بيوتهم رجالاً ونساءً فلا يؤذنون.

    فطهورية البقع شيء، ومشروعية الأذان شيء آخر، كذلك فإنه لا يصار إلى صحة المعنى مع المخالفة الإسنادية ووضوحها، ومعلوم أن معتمر بن سليمان لا يداني عبد الله بن المبارك لا من جهة الحفظ ولا من جهة الفقه، ومثل هذا لو ثبت فقهاً عنده لنقله، لأن هذا يحتاج إليه، ولكن هذه مسألة محسومة بأدلة أخرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أبي سعيد ، و حديث أنس بن مالك ، وحديث عقبة بن عامر في الأذان في البوادي للمنفرد، وقد جاء في ذلك حديث أنس عليه رضوان الله تعالى في الرجل راعي الغنم الذي أذن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: ( وجبت )، ويأتي الكلام عليه.

    1.   

    حديث: (أنه كان إذا كان في سفر لا يؤذن إلا في الجماعة، ويقيم لكل صلاة)

    الحديث الرابع: حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه كان إذا كان في سفر لا يؤذن إلا في الجماعة، ويقيم لكل صلاة )، هذا الحديث أخرجه الحاكم في كتابه المستدرك من حديث نعيم بن حماد الخزاعي ، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر به مرفوعاً، وهذا خبر منكر، والصواب فيه الوقف، تفرد به نعيم بن حماد عن عبد العزيز الدراوردي ، وخولف في ذلك، وسائر أصحاب عبد الله بن عمر يروونه عنه موقوفاً، وكلك أصحاب نافع ، فقد رواه عن عبد الله بن عمر موقوفاً عليه جماعة، رواه نافع مولى عبد الله بن عمر ، و سالم بن عبد الله بن عمر ، و أيوب بن أبي تميمة السختياني ، و القاسم بن محمد ، و أبو الزبير ، كلهم يروونه عن عبد الله بن عمر موقوفاً عليه وهو مشتهر عنه، وقد رواه مالك في كتابه الموطأ عن نافع عن عبد الله بن عمر موقوفاً، والإمام مالك أبصر الناس بحديث عبد الله بن عمر ، وقد جاء عند عبد الرزاق في كتابه المصنف من حديث عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر موقوفاً، وجاء في المصنف من حديث الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر ، وجاء من حديث الزهري عن نافع ، وجاء من حديث معمر عن نافع عن عبد الله بن عمر ، وهذا كله يؤكد أن الحديث موقوف على عبد الله بن عمر وليس بمرفوع، وعمله في ذلك مشهور، وإنما قال عبد الله بن عمر عليه رضوان الله بذلك ليس نفياً للأذان على الإطلاق في حال السفر، وإنما نفياً للفائدة من الأذان في حال المنفرد، فإنه يرى ذلك للجماعة والجيش إذا كانوا في سفر، فإنه يؤذن فيهم، ولهذا جاء عنه أنه سئل عن أذان المنفرد في السفر، فقال: تؤذن لمن؟ تؤذن للفأر، يعني: أنه لا يرى ذلك للمسافر المنفرد، وهذا ذهب إليه بعض الفقهاء من المالكية وغيرهم، والصواب في ذلك أنه من قول عبد الله بن عمر ولا يصح مرفوعاً، وإنما قلنا بنكارته سنداً؛ لتفرد نعيم بن حماد به عن الدراوردي عن عبيد الله ، مخالفاً في ذلك سائر من يرويه عن نافع ، وسائر من يرويه عن عبد الله بن عمر ، وقمنا بنكارته متناً لمخالفته ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام مشروعية الأذان في السفر للمنفرد، أما بالنسبة لمشروعية الأذان للمسافر إذا كان معه غيره، فالأدلة في ذلك كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي ثابتة في الصحيحين وغيرهما، وأما بالنسبة للمنفرد إذا كان مسافراً فقد جاء في ذلك جملة من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها: ما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أنس بن مالك ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع مؤذناً يؤذن، فلما انتهى الأذان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وجبت، فنظر فيه فإذا هو راعي معزى )، وجاء أيضاً في حديث أبي سعيد الخدري وحديث عقبة بن عامر ، وروي عن بعض السلف التخيير في هذه المسألة، إذا كان منفرداً يؤذن أم لا، ولكن هذا الفضل الذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأذان المنفرد في حال سفره دليل على مشروعية ذلك، والمتن رفعه منكر، والوارد عن الصحابة في ذلك يحمل على الاجتهاد ولا يحمل على التشريع، وأما من قال: إن ما جاء في قول عبد الله بن عمر موقوفاً عليه يؤيد المرفوع، فهذا الاحتجاج باطل، وذلك أن الموقوف أعل به المرفوع، فلا يعضد المرفوع الموقوف؛ لأنه هو الذي أعله فكيف يبرئه من العلة؟

    1.   

    حديث: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أذنا ألا تزل أقدامنا عن مواضعها)

    الحديث الخامس: حديث بلال عليه رضوان الله تعالى قال: ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أذنا ألا تزل أقدامنا عن مواضعها )، وفيه إشارة إلى الثبات في ذات الموضع، وهذا الحديث رواه ابن عدي في كتابه الكامل، ورواه البيهقي من حديث الحسن بن عمارة ، عن طلحة بن مصرف ، عن سويد بن غفلة ، عن بلال ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث في ذلك منكر، والنكارة فيه لتفرد الحسن بن عمارة بهذا الحديث، وقد أعله بالتفرد ابن عدي ، و الدارقطني في كتابه الأفراد، و الحسن بن عمارة متروك الحديث وقد تفرد به، ومثل هذا المعنى يحتاج إليه.

    والأمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتضي الوجوب، خاصة في العبادات، والقرينة الأخرى: أنه قال: أمرنا، والأمر يتوجه إلى الجماعة، سواءً كان بلالاً أو غير بلال ، يعني: أذنتم في حال الحضر أو أذنتم في حال السفر ألا تزل أقدامكم، والخطاب إذا توجه إلى جماعة آكد من الخطاب إذا توجه إلى فرد، وهذا من قرائن صرف الأمر إلى الوجوب.

    يقول: الأمر في الصلاة أقوى من الأذان، وما جاء أمر بالثبات، فيسوغ أن يتقدم ويتأخر، علة قوية، مثل هذا يشتهر؛ لأنه ما من أحدٍ إلا ويؤذن في حال سفر أو في حال إقامة، كذلك مجموع ما جاء في أذان الصحابة على الرواحل كانوا يؤذنون، وهذا يمشي.

    وفي قوله أيضاً: ألا تزل أقدامنا، إشارة إلى أنه يجب عليه القيام، وجاء في ذلك عن غير واحد من السلف من الصحابة والتابعين جواز الأذان للقاعد، وإذا كان الأمر ينصرف على هذا الأمر فنقول بحتمية ظهوره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتماً، إذا كان قد ورد عنه، ولكن نقول بأن هذا الحديث منكر.

    الصلاة على الرواحل فيها حركة، تحرك المصلي في صلاته، النبي عليه الصلاة والسلام تقدم وتأخر في صلاته، هذا يدل على عدم الثبات، كون الناس تصلي على الرواحل في النوافل، ومعلوم أن الأذان يكون من النافلة في بعض الأحيان على الناس، كحال السفر مثلاً، ولا حرج على الإنسان إعادة أذان قد أذن بالسابق كما جاء معنا في حديث أبي محذورة عليه رضوان الله، لهذا نقول: إن هذا الحديث منكر إسناداً، ومنكر متناً.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.