إسلام ويب

شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر [6]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • علم الحديث علم واسع المعارف والفوائد، ومن اشتغل بهذا الفن حري به أن يعرف الكثير من تواريخ الرواة وتراجمهم، وأسماء وألقاب وكنى رواة الحديث للتفريق بينهم، وأن يطلع على ألفاظ الجرح والتعديل عند الأئمة على الرواة ليفهم مدلولاتها عندهم، وأن يتأدب مع شيخه في لين وتواضع، ولا ينسى في الأول والأخير أن يخلص طلبه للعلم لله، ويعالج نيته في ذلك.

    1.   

    معرفة تواريخ الرواة

    بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

    فقال المصنف رحمه الله: [ خاتمة].

    بعد أن ذكر المصنف رحمه ما يتعلق بقواعد المصطلح وعلوم الحديث أراد أن يعرج على شيء هو في الغالب منفصل عن المسائل السابقة، فأراد أن يجعلها في خاتمة، لا في فصول وثنايا الكتاب، وذلك لتعلقها بشيء من الآداب، أو ببعض المسائل التي هي ليست في جوهر علم الحديث ولا في قواعده، وإنما هي بعض المهمات، أو اللطائف أو الآداب.

    قال المصنف رحمه الله: [ومن المهم معرفة طبقات الرواة ومواليدهم، ووفياتهم، وبلدانهم وأحوالهم، تعديلاً وتجريحاً وجهالة ].

    تقدم الكلام معنا على هذا فيما يتعلق بمعرفة التاريخ عند قول المصنف: (ثم احتيج إلى التاريخ) وأنه ينبغي للطالب أن يعرف تواريخ الرواة من جهة الولادة والوفاة، ومن جهة ابتداء السماع، وزمن الارتحال، ومعرفة أزمنة الاختلاط التي وقع فيها اختلاط، وكذلك الأزمنة التي كان فيها الإنسان صاحب كتاب، أو صاحب ضبط كتاب، والأزمنة التي كان فيها صاحب ضبط صدر. إذاً فالحاجة إلى التاريخ متسعة، ولا تتعلق بباب دون باب.

    1.   

    مراتب الجرح والتعديل

    هنا سيذكر المصنف مراتب الجرح، ومراتب التعديل.

    أهمية معرفة مناهج العلماء في ألفاظ الجرح والتعديل

    وإنما ذكر المصنف رحمه الله ما يتعلق بالمراتب؛ لأن العلماء عليهم رحمة الله من جهة إطلاقاتهم لهم ألفاظ قد تتباين عن عرف الناس في الوضع، فلهم معانٍ ينفردون بها عن غيرهم من الألفاظ العامة، فتجد أن بعض الكلام يقصدون به شيئاً يختلف عن وضع الناس، كقول بعض الأئمة: فيه نظر، أو فلان صالح، أو يكتب حديثه، فقوله: (يكتب حديثه) إذا أراد الإنسان أن ينظر إليها من جهة المعنى اللغوي، يعني: أن الإنسان يأخذ الحديث عنه، وهو موضع احتجاج، ولكن من جهة الاعتبار بالراوي فهذه الكلمة تعني عدم تصحيح رواية الراوي، وإنما يكتب حديثه من باب الاستئناس إذا وجد ما يعضد هذا الراوي.

    وكذلك تجد في بعض ألفاظهم يقولون عن بعض الرواة: (لا بأس) ونحو ذلك، هل هي من ألفاظ الجرح أو من ألفاظ التعديل أو غير ذلك.

    وفي مسألة الجهالة والستر يقولون: مستور ومجهول، فهذه ألفاظ متقاربة من جهة اللغة، ولكن من جهة الوضع متباينة في اصطلاح العلماء، ولا بد لطالب العلم أن يعرف مناهج العلماء في ألفاظ الجرح وألفاظ التعديل.

    ألفاظ العلماء في الجرح والتعديل

    قال المصنف رحمه الله: [ ومراتب الجرح: وأسوؤها الوصف بأفعل كأقرب الناس، ثم دجال، أو وضاع أو كذاب. وأسهلها لين، أو سيئ الحفظ، أو فيه أدنى مقال. ومراتب التعديل؛ وأرفعها الوصف بأفعل كأوثق الناس، ثم ما تأكد بصفة أو صفتين كثقة ثقة أو ثقة حافظ، وأدناها ما أشعر بالقرب من أسهل التجريح كشيخ. وتقبل التزكية من عارف بأسبابها، ولو من واحد على الأصح].

    قوله: (وأسوؤها الوصف بأفعل) هذا الوصف بـ(أفعل) كما أنه في الجرح فهو كذلك في التعديل، يقولون: أوثق الناس، أو أعلم الناس، أو أحفظ الناس، أو أحفظهم، أو أعلمهم، أو أوثقهم ونحو ذلك، وهذه من العبارات التي تعني تعديلاً قوياً على غيره.

    ومثل هذه الإطلاقات وصيغة (أفعل) لا بد أن يعرف سياقها، حتى يعرفها طالب العلم على وجهها، وذلك أن مثل هذا الإطلاق إذا جاء: فلان أحفظ هؤلاء، أو فلان أحفظهم، أو فلان أحفظ، أو نحو ذلك، هذه ربما تأتي في سياق المقارنة مع الضعفاء، فإذا قال الإمام في الراوي: فلان أحفظ من فلان، فلا يعني أنه حافظ، بل ربما يكون ضعيفاً وهم مطروحون ومردودو الرواية، وهذا نجده كثيراً في صيغة (أفعل) عند الاقتران مع مجموعة من الرواة، ولهذا يسأل بعض الأئمة: أيهما أحفظ فلان أم فلان؟ فيقول: فلان، ولا يعني أنه حافظ، وإنما ينظر فيمن اقترن معه، وإذا أطلقت من غير اقتران فإن هذا تعديل، أو أقوى مراتب التعديل.

    ومن ألفاظ الجرح نعرف مراتب الحكم على الحديث في الغالب، وليس على الاطراد، وهذا من الأمور المهمة أن طالب العلم لا بد أن يعرف مراتب ألفاظ الجرح والتعديل، ولا بد أن يعرف مناهج العلماء بإطلاقها، وأن يعرف أيضاً أحوال الأئمة من جهة تشددهم، وتساهلهم، وتوسطهم.

    قوله: (وأدناها ما أشعر بالقرب من أسهل التجريح كشيخ) إطلاق كلمة شيخ، وهذه العبارة إذا أرادها الإنسان أن يحملها على الوضع فهي تعني التزكية، أو ربما الإمامة، فيقال: فلان شيخ، يعني: إمام في الناس، وسيد في قومه، ولكنها عند أئمة الجرح إذا أطلقوا هذه العبارة فيقولون: شيخ، يعني: مقل الرواية، وربما فيه ستر، وليس معروفاً بالعلم، ولا معروفاً بالرواية.

    1.   

    ضوابط في تزكية الرواة

    قال المصنف رحمه الله: [ وتقبل التزكية من عارف بأسبابها ولو من واحد على الأصح].

    التزكية لها أسباب، وتقدم الكلام على مسألة شروط العدالة، وتقدم أيضاً في أنواع الضبط أنه لا بد أن يكون عارفاً بذلك، وأن يكون من أهل الرواية، ولهذا ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن ينظر في ألفاظ الجرح والتعديل أن يكون متبصراً في أمور عدة، وهي من المهمات:

    النظر في كلام الأئمة

    أولها: أن ينظر في الأئمة الذين يطلقون ألفاظ الجرح والتعديل، فالأئمة يتفاوتون، وينبغي له أن يحرص على الأئمة الذين عاينوا الراوي، وهؤلاء يكونون متقدمين بالنسبة لمن جاء بعدهم بحسب حال الراوي، فينظر في الراوي ثم ينظر إلى أقرب الأئمة إليه، فينظر مثلاً في كلام ابن عيينة إذا كان الراوي مكياً، أو سفيان الثوري إذا كان كوفياً، أو الإمام أحمد إذا كان الراوي بغدادياً، أو الشافعي إذا كان الراوي مصرياً، أو أبي حاتم و أبي زرعة إذا كان الراوي رازياً، وغير ذلك من الأئمة، فينظر إليهم بحسب قربهم منه، إما لقيهم وشاهدهم؛ لأن هذا أدعى إلى معرفة حاله، أو أن يكون بلدياً له.

    فإن لم يعرفه بعينه عرف أحاديث الناس الذين يتكلمون عنه، فعرف إما بعض تلامذتهم وما ينقلون عنه من جهة ضبطه وديانته واستقامته ومروءته، وصلاحه وغير ذلك، فهم أعلم الناس به.

    ولهذا نقول: إن كلام الأئمة ليس على حد سواء يضعف ويقوى بحسب عبارات منها القرب والبعد، ومنها قوة الملكة لدى ذلك الإمام بالرواية ونحو ذلك، ولهذا لا بد من معرفة الأئمة الذين يطلقون الألفاظ، ومن ذلك على ما تقدم: الأول: أن يكون بلدياً له.

    الثاني: أن يكون لقيهم، فينظر في هذه المسألة.

    الثالث: أن يكون حافظاً وعالماً بالرواة، فلا يلزم أن يكون بلدياً له، أو رأى أن يكون حاذقاً في معرفة ما يستنكر من مروياته، وأن ينظر إلى الإمام الذي هو أكثر إلمام بمعرفة المرويات، والسبر لها، فإنه أعرف بهذا من غيره، وربما يكون الإمام الحافظ أعلم بحال راوي ليس ببلدي له، فهو أعلم من أهل بلده ممن لا يحفظ، وإنما ينظرون إلى حاله كما ينظر العوام، فيطلقون عليه بعض الألفاظ.

    رابعاً: أن ينظر إلى مذاهب الأئمة، فمنهم من له عقيدة معينة، ويغلظ ويشدد على مخالفه، فيكون مطعنه في ذلك عقدياً، لا ما يدور في قواعد علم الحديث وما يتعلق بالضبط، وأمر العدالة، كحال الجوزجاني وهو من الأئمة ومن الحفاظ، يشدد على مخالفيه، كذلك ما يروى من ألفاظ الجرح عن الأزدي بالفتح، والأزدي له كلام في ذلك يشدد فيه على بعض الرواة.

    فينبغي للإنسان أن ينظر إلى منهج ذلك الراوي من جهة شدته على ما يعتقده ونحو ذلك، وأن إطلاقات بعض الأئمة مبنية على بعض ما لديهم من الحمل على بعض أهل المذاهب، أو بعض الآراء ونحو ذلك.

    النظر إلى إجماع الأئمة أو اختلافهم

    ثانيها: أن ينظر إلى إجماع الأئمة أو اختلافهم في ألفاظ الجرح والتعديل، هل أطبقوا أو لم يطبقوا؟

    فإذا وجدهم أجمعوا فإنه ينبغي ألا يخرج عن قولهم، فإذا حكموا على راوٍ بالضعف فلا يلتفت إلى قول من خالفهم من الأفراد، فإذا وجدت مثلاً شعبة و يحيى بن معين و وكيع ، و يحيى بن سعيد و علي بن المديني ، و أحمد و البخاري و مسلم و النسائي ، وغير هؤلاء من الأئمة أجمعوا على الطعن في راوٍ، فجاء واحد من الأئمة فحكم عليه بالتوثيق أو الصلاح، فنقبل قول الأئمة الكبار، وينظر إلى حجم الاتفاق وحجم الخلاف، والغالب أن الأئمة لا يختلفون على راوٍ من الرواة إلا وثمة سبب من الأسباب المقبولة، وسنفهم ذلك فيما يأتي بإذن الله تعالى.

    النظر إلى حال الراوي

    ثالثها: أن ننظر إلى حال الراوي هل له حال واحدة أم له حالات؟

    فالرواة إذا رووا عن النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحيان لا يكون لهم حال واحدة، وإنما يحتاج إلى تعديل تارة، ويحتاج إلى جرح تارة أخرى، وذلك إما أن يكون مر بمرحلة اختلاط، واختلاطه مثلاً جاء متأخراً في زمن يسير كسنة أو سنتين، والغالب من مرويه أنه روى قبل اختلاطه، وأكثر كلام العلماء عليه بالتعديل، وتجد من العلماء من يضعفه، وسبب تضعيفه لأجل اختلاطه، فهو له حالات.

    ولا بد أن ننظر إلى حال الراوي من جهة مرويه، وكذلك من جهة اختصاص بعض الرواة ببلد، أو ضعفه ببلد دون بلد، كحال إسماعيل بن عياش وأضرابه، أو ربما بعض الرواة تجده ضابطاً لفن دون غيره، كـمحمد بن إسحاق ، فبعض الأئمة يوثقه، وبعض الأئمة يجرحه، وهذا الجرح والتعديل نحمله على اختلاف الأنواع، وكأننا نضع الجرح في قسمه، ونضع التعديل في قسمه، ونقول: لا يوجد خلاف بحيث لا نحمل العبارات على تعارض.

    ولهذا ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن ينظر في رواية راوي أن ينظر في ترجمته من جهة اسمه وعمله، ومن جهة شيوخه، واختصاصه، فربما يقولون: إمام في السير، إمام في التفسير، ونحو ذلك، فنحمل أن المرويات عنه تتباين بحسب اختصاصه، وبحسب عنايته في باب من الأبواب، أو في بلد من البلدان.

    وربما يكون اللفظ الذي أطلق عليه من التعديل يتعلق بديانته وصلاحه، لا من جهة ضبطه وحفظه، وهذا له مؤشرات في ترجمة الراوي، فإذا قرأت في ترجمة الراوي: فلان بن فلان، إمام في الزهد والصلاح والورع والديانة، وعابد، وحج سبعين حجة أو خمسين، أو غير ذلك من العبارات التي يطلقونها على كثير من المتعبدين.

    وليس كل عابد حافظ؛ لأن ألفاظ الضعف لا تعني طعناً في الديانة، وإنما تعني طعناً في الملكة، والملكة لا يملكها الإنسان، فليس كل الناس حافظاً، وحينما تطعن وتقول: فلان ضعيف الحفظ، وربما يكون في الفردوس الأعلى من الجنة، وأنت تتكلم على حفظه، ولا علاقة للأمر بدينه، ومن الناس من هو ثقة في حفظه، ولكن من أمر الديانة دون غيره، ولهذا ينبغي أن نفرق، فنعرف ما يتعلق بأحوال ذلك الراوي، وقلما نجد راوياً من الرواة إلا وله أكثر من حال، وإما أن يكون مثلاً إماماً في العلم أو في السنة أو نحو ذلك.

    وبعض الأئمة شديد على أهل البدع، ويمدح ويثنى عليه في هذا الباب كحال نعيم بن حماد الخزاعي ، وهو إمام من أئمة السنة، وشديد على أهل البدع، ويثنى عليه كثيراً في هذا الباب، ولكن إذا أردت أن تنظر إلى ما يتعلق بحفظه تجد الأئمة يقولون بالضعف، ويثنون عليه في هذا الباب.

    ومن الأئمة كذلك من هو من أهل القراءة، كـنافع و حفص وغيرهم، وهؤلاء أئمة القراءة، وكذلك شهر بن حوشب مقرئ، وعالم بالقراءة، يزكى في هذا الباب، ولكن من جهة الحفظ يطعن به.

    فإذا وجدنا ألفاظاً مختلطة على راوٍ من الرواة ننظر إلى تعدد أحواله، هل له حال واحدة، باعتبار أنه فلان بن فلان، لا يوجد له عمل، ما وصف بالعبادة، ما وصف بالديانة، وإنما له مرويات أطلق الحكم عليها، حينئذٍ نقول: إن هذه الإطلاقات هي على الحفظ.

    ومثل هؤلاء الذين ليس لهم إلا حال واحدة قلما تجد الخلاف فيه، وإذا تعددت أحواله تجد خلافاً عند العلماء، ولكن الخلاف في ذلك في قولنا: قلما تجد الخلاف عند الأئمة الذين هم أهل توسط واعتدال، وعلى هذا نحمل الألفاظ التي تأتي على بعض الأئمة من جهة الخلاف في راوٍ بعينه، فتجد مثلاً يحيى بن معين يقول في راوٍ: ثقة، وتارة يقول: لا بأس به، وتارة يقول: ضعيف، وتارة يقول: لا بأس به أو ثقة، وهو إمام واحد ويتكلم في راوٍ واحد، فنحمل هذا على ما تقدم الكلام عليه، فربما الراوي له أكثر من حال، فتارة أراد ديانته لزهده وورعه وإمامته، أو أراد علمه الذي اختص به كالسير أو إقراء القرآن أو غير ذلك، والتضعيف أراد في ذلك الحفظ.

    1.   

    تقديم الجرح على التعديل للراوي

    قال المصنف رحمه الله: [ والجرح مقدم على التعديل إن صدر مبيناً من عارف بأسبابه، فإن خلا عن تعديل قبل مجملاً على المختار ].

    نقد إطلاق قاعدة: الجرح مقدم على التعديل

    هنا ذكر أن الجرح مقدم بناءً على القاعدة أن من علم حجة على من لم يعلم، ولكن الإطلاق على أن الجرح يقدم على التعديل بالإطلاق، هذه قاعدة ضعيفة، فلا نقول: إن الجرح يقدم على التعديل، ومن يقول بتقديمها يجعل الأصل في الراوي التهمة، فإذا وجدنا فيه جرحاً فنقدم الجرح على التعديل.

    لكن نقول: إن الأصل أن ينظر في الأئمة الذين جرحوا والذين عدلوا، ونوازن بين ذلك، فلا ننظر للجرح لذاته، ولا للتعديل لذاته، وإنما ثمة قرائن تقوي هذا، وتقوي الآخر.

    وكذلك القاعدة التي يطلقها بعضهم، فيقولون: الجرح لا يقبل إلا مفسراً، وهذه قاعدة ضعيفة أيضاً؛ لأن أكثر كلام الأئمة جرحهم في الرواة غير مفسر، فيقولون: فلان ضعيف، وانتهى الأمر، ويقولون: (منكر) وانتهى الأمر، وعلى هذا نهدر أكثر كلام الأئمة في الرواة، وحينما يقول يحيى بن معين : فلان ضعيف، ما تفسير هذا؟ هل هو ضعيف في ديانته؟ ضعيف في ضبطه؟ ضعيف في مروءته؟ ضعيف هو الحكم النهائي عنه، هذا مفسر أو غير مفسر؟ غير مفسر، هل نهدر هذا؟ لا نهدره.

    وهذه القاعدة جاءت من المتكلمين، فكثرت واشتهرت في كتب علوم الحديث.

    شرط تقديم الجرح على التعديل

    والصواب أن الجرح يقدم على التعديل إذا كان من إمام عالم بأسبابه، وكان مفسراً، يعني: وتفسيره كان صحيحاً، أي: وفسر هذا على وجه صحيح، لا على وجه الوهم والغلط أو الظن، فإذا كان صحيحاً وفسره فهو عالم، ويقدم علمه على من لم يعلم، ولا نقدمه على غيره بإطلاق، فإذا استطعنا أن نجمع بين الجرح والتعديل جمعنا، فنقول: الأصل في الراوي العدالة، وأن الجرح الذي جاء مفسراً يحمل على تفسيره، فضعف فلان لأنه يروي من حفظه، فنقول: ثقة لأنه يروي من كتاب، وإذا روى من حفظه حملنا عليه التضعيف، فحملنا الكلام في الجرح والتعديل على النوعين.

    خلو الراوي من التعديل مع وجود الجرح فيه

    قوله: (فإن خلا عن تعديل قبل مجملاً على المختار) يعني: الراوي لا يوجد من عدله، وإنما وجد من جرحه مفسراً أو بلا تفسير، ونقول حينئذٍ: لا يوجد لدينا إلا القبول.

    ولهذا نقول: إن أظهر وجوه التقليد عند المتأخرين للمتقدمين هي في ألفاظ الجرح والتعديل؛ لأنك تقف على كلام الأئمة في الراوي، فتجده يقول: ثقة، ثم تقوم أنت بتصحيح الحديث بناءً على قول ذلك الإمام.

    وكثير من الذين يزعمون التحرر في علوم النقد، وعلوم التصحيح والتضعيف هم مقلدون، لماذا؟ لتعطيلهم لآلة السبر، فهو ينظر في كتب الرجال، ويرى أن الأئمة وثقوا فلاناً أو ضعفوه، ثم يقوم بناءً على تقليده هذا يخرج حكماً بصحة الحديث، ويظن أنه قد تحرر في هذا الباب، هل رأيت الراوي؟ لم يره، هل سبرت حديثاً؟ لم تسبر حديثاً، إذاً: كيف عرفت أنه ثقة إلا عن طريق أولئك الأئمة؟ إذاً أنت مقلد.

    والعالم الحاذق في هذا هو الذي إذا عطل لديه مسألة اللقاء، وفاته ذلك الزمن، فإنه يقوم بالسبر، أي: بجمع مرويات الراوي، مائتين، ثلاثمائة، مائة وخمسين، سبعين، يجمع هذه المرويات ثم يقوم بسبرها، ثم يخرج بحكم دقيق جداً، وحينئذٍ يجد أنه لا يكاد يخالف أولئك الحفاظ.

    1.   

    معرفة الكنى والأسماء للرواة

    قال المصنف رحمه الله: [ ومن المهم معرفة كنى المسمين وأسماء المكنين، ومن اسمه كنيته، ومن اختلف في كنيته، ومن كثرت كناه أو نعوته].

    أهمية معرفة الكنى والأسماء المشهورة للرواة

    من الأمور المهمة أن يعرف طالب العلم الكنى وذلك بالرجوع للمصنفات، وقد تقدم الكلام معنا في هذا، فمنهم من اشتهر بالكنية، ومنهم من اشتهر باسمه، وتارة يذكر مع شهرته باسمه يذكر بكنيته، ولا يذكر باسمه، وتارة العكس، فإذا عرف هذه الأشياء فإنه يكون من آل الحذق والمعرفة، ولا يستطيع طالب العلم أن يكون من أهل الثقة في ذلك إلا مع طول مراس.

    قال المصنف رحمه الله: [ ومن وافقت كنيته اسم أبيه أو بالعكس، أو كنيته كنية زوجته، ومن نسب إلى غير أبيه، أو إلى أمه، أو إلى غير ما يسبق إلى الفهم، ومن اتفق اسمه واسم أبيه وجده، أو اسم شيخه وشيخ شيخه فصاعداً، ومن اتفق اسم شيخه والراوي عنه].

    وهذا من المشكلات حتى لا يظن أن الإسناد وقع فيه تكرار من الناسخ، فيأتي مثلاً: حدثنا محمد، قال: حدثنا محمد، فيظن أن محمداً هنا هو الأول، ووقع فيه تكرار، ولا يوجد في هذا الإسناد تكرار، فإذا كان عارفاً بأسماء الرواة وعارفاً بأسماء شيوخهم عند التشابه، فإنهم حينئذٍ يكونون من أهل الطمأنينة في المرور على أمثال هذه الأحاديث والحكم عليها.

    قال المصنف رحمه الله: [ ومعرفة الأسماء المجردة والمفردة، وكذا الكنى والألقاب والأنساب].

    وهذه كل واحد منها ثمة مصنفات في هذا، في كتب التراجم، وكتب الألقاب، وكتب الأنساب، وقد تقدم الإشارة معنا إلى هذا.

    النظر في كتب الجرح والتعديل للرواة

    وينبغي أن نقول: إن كتب الجرح والتعديل على نوعين: كتب أصلية وكتب فرعية.

    والكتب الأصلية هي كتب الأئمة الأوائل الذين لقوا بعض الرواة أو كثيراً منهم، أو حدثوا عن أئمة رأوهم، ككتاب التاريخ الكبير للبخاري والأوسط والصغير، وكتاب الجرح والتعديل لـابن أبي حاتم ، والكامل لـابن عدي ، والضعفاء للعقيلي ، والضعفاء للنسائي ، وسؤالات الدارقطني ، والمروي عن الإمام أحمد في معرفة الرجال، برواية ابنه عبد الله ، وهو كتاب علل وكلام في الرجال، وكتب التاريخ أيضاً التي لها أثر في هذا، كتاريخ بغداد، وتاريخ دمشق، وهي من الكتب الأصلية في هذا، وكذلك ما يتعلق في هذا الباب من الكتب التي تتعلق بالبلدان، كتاريخ مصر، وتاريخ واسط، وتاريخ نيسابور ونحو ذلك، فإن فيها شيئاً من ألفاظ الجرح والتعديل.

    وكذلك بعض ألفاظ الجرح والتعديل التي تضمنتها كتب السنة، وثمة شيء لا بأس به يجده الإنسان منقولاً عند الإمام الترمذي في كتابه السنن ينقله عن الأئمة، وهي أيضاً من المصادر الأصلية في هذا الباب، وكذلك في سنن أبي داود له نقول لا بأس بها عن الأئمة، وكذلك النسائي رحمه الله في كتابه السنن ثمة نقول لا بأس بها في هذا الباب، و للدارمي أيضاً في كتاب السنن وفي غيره.

    وكتب السؤالات وكتب الرجال، وكتب ألفاظ الجرح في كثير من المواضع هي موجودة ويلتمسها الإنسان، وهذه هي الكتب الأصلية في الأغلب.

    أما الكتب الفرعية التي اعتنت بتتبع الكتب الأصلية وجمع كلام الأئمة على الراوي في موضع واحد، ومن أشهر هذه الكتب كتاب الكمال للمقدسي رحمه الله، وكتاب تهذيب الكمال، وهو تهذيب له، وقد وسعه وزاد فيه قدر الثلثين، ثم هذب ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله، وكذلك كتب الذهبي عليه رحمة الله كالكاشف والتذهيب، وكذلك الخلاصة للخزرجي ، وغيرها من المصنفات التي تعد من الكتب الفرعية.

    وثمة موسوعات عصرية بجمع كلام العلماء في الرواة، جمع كلام الدارقطني ، جمع كلام الإمام أحمد رحمه الله في الرواة، وهذه من الكتب الفرعية التي تعين طالب العلم في معرفة كلامهم على الراوي الواحد في موضع واحد.

    معرفة ألقاب وأنساب الرواة

    قال المصنف رحمه الله: [وتقع إلى القبائل والأوطان: بلاداً وضياعاً وسككاً، ومجاورة، وإلى الصنائع والحرف، ويقع فيها الاشتباه والاتفاق كالأسماء، وقد تقع ألقاباً ومعرفة أسباب ذلك].

    هنا يريد بذلك الألقاب والأنساب، فربما ينسب الإنسان إلى شيء، إلى حرفة، وربما ينسب إلى أبيه، فتشتبه الحرفة بالأب أو البلد، أو غير ذلك، فلا بد من تمييز هذا.

    معرفة الموالي من الرواة

    قال المصنف رحمه الله: [ومعرفة الموالي من أعلى ومن أسفل بالرق أو بالحلف ].

    وهذا من الأمور المهمة أيضاً، وله أثر في أبواب العلل، وذلك من وجوه:

    الوجه الأول: أن الرواة العرب أحفظ من غيرهم، فيقدمون من هذا الوجه، وإن توفرت أيضاً الوجوه الأخرى معها، والموالي أصلهم عجم، فأخذوا العربية تلقيناً، وما أخذوها سليقة، وما ولدوا عليها في الغالب.

    ونحن نجد أن بعض الأئمة عند كلامه على بعض الرواة يعل بعض الأحاديث بوجود مولى فيه، وهذا جاء في بعض كلام الأئمة كالحاكم رحمه الله في كتابه معرفة علوم الحديث، وجاء عن الإمام أحمد رحمه الله إعلال بعض الأحاديث لتفرد بعض الموالي فيها، فكان ذلك قرينة على اختلاف متن الحديث.

    الوجه الثاني: أن معرفة المولى تفيد الاختصاص، وهذه تعطي قوة في بعض المواضع، فإذا روى المولى عن سيده، تعني اختصاصاً به، كـعكرمة وهو فقيه ومولى، ولكنه بصير بقول عبد الله بن عباس ، فهو أعلم الناس به وبمرويه، فيكون المولى حينئذٍ من أهل الاختصاص، إما بالرواية عن سيده، أو بالرواية عن سيدته، فيكون حينئذٍ عالماً بذلك.

    معرفة الإخوة والأخوات والقرابات من الرواة

    قال المصنف رحمه الله: [ ومعرفة الإخوة والأخوات].

    معرفة القرابات والأرحام مهمة، وكذلك معرفة الآباء والأبناء، ورواية بعضهم عن بعض، ومعرفة الأنساب والأصحاب، ورواية بعضهم عن بعض، ومعرفة الإخوة والأخوات، ورواية القرابات، ورواية ابن الأخ عن عمه أو عن خاله، أو روايته عن جده تعطي في ذلك قوة وربما تقدمه على غيره.

    ولهذا تجد البخاري رحمه الله في بعض المواضع من صحيحه يقدم رواية إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق على رواية شعبة و سفيان لماذا؟ لأنه حفيده، و أبو إسحاق السبيعي كان رجلاً أعمى، يقوده حفيده عند الذهاب إلى المسجد، فكان يسمع منه ذهاباً وإياباً، و إسرائيل مع ثقته إلا أن شعبة و سفيان أوثق منه، ولكنه لاختصاصه وقرابته في هذا يقدم على غيره، وتجده في كثير من المواضع في كتب المسانيد والسنن والصحاح حينما تأتي الرواية يقول: إسرائيل عن أبي إسحاق ، ومن لا يعرف النسب يظن أنه لا يوجد بينه وبينه قرابة وهو جده، حينئذٍ يقدم على غيره.

    وكذلك القرابة والقرب تتباين، فربما لا تكون في الأرحام والأصهار، وتكون في البلد، فرواية المدني عن المدني تقدم عن رواية الكوفي عن المدني، لماذا؟ لأنه من أهل بلده وعارف بحديثه ويسمع قوله، ويعرف ما يروى عنه، وهو أطول ملازمة، بخلاف الرجل الآفاقي فإنه يأخذ الحديث ثم يمضي، وربما لا يتيسر له في الارتحال أن يدون لحال المسافر من جهة توفر المداد والأوراق وغير ذلك.

    1.   

    بعض الأمور المهمة التي يحتاجها طالب العلم أثناء طلبه

    قال المصنف رحمه الله: [ومعرفة آداب الشيخ والطالب، وسن التحمل والأداء، وصفة كتابة الحديث وعرضه وسماعه وإسماعه، والرحلة فيه، وتصنيفه إما على المسانيد أو الأبواب أو العلل أو الأطراف].

    وهذه من الأمور المهمة والآلات والأسباب التي تعين طالب العلم على طلب الحديث وطول معالجته، والعناية به.

    الأدب والتواضع مع الشيخ

    طالب العلم إذا كان صاحب أدب وخلق ولين أعطاه الشيخ ما عنده، وقدم له ما يريد، وإذا كان ضعيفاً في أمر الأدب والخلق معه ربما حرمه كثيراً من المسائل، ولهذا كان بعض الرواة يتحسر على عدم أدبه مع عبد الله بن عباس ، يقول: حرمنا علماً كثيراً، وذلك بسبب عدم الأدب التام معه، وطالب العلم إذا لم يظهر التواضع واللين، وطلب الحاجة من جهة المسألة ما أعطاه الشيخ ما عنده، وإذا سأله عن طريق الترفع، أو كونه نداً له، أو يفهم أو نحو ذلك نفر منه، وإذا وجد اثنين كل منهم يرفع اليد ليسأل، ما أشار إليه، وأشار إلى الآخر، لماذا؟ لأنه يعلم أن هذا يسأل اعتراضاً، وحينئذٍ يحرم علمه، ولهذا ينبغي الأدب واللين والتواضع أمام الشيخ.

    وقد يكون طالب العلم يعرف المسألة فلا يظهرها عند شيخه، لماذا؟ حتى لا يظن الشيخ أنه يجاريه في المسائل، وبعض الطلاب يحسن البحث في مسألة ويوغل فيها، ثم يأتي يعرضها أمام الشيخ ليبين أنه يعرف هذه المسألة وغيرها، بينما هو لا يحسن إلا هذه.

    والمشايخ يدركون ويعرفون كثيراً من أساليب العرض، ويدركون أنه إنما أراد هذا الأمر، فيغضون الطرف عنه بالكلية لأسلوب واحد، فيحرم خيراً كثيراً، ويبقى ذلك الطالب على مسألته التي لا يحسن إلا هي.

    الرحلة في طلب العلم

    قوله: (والرحلة فيه) الارتحال إلى البلدان والسماع من الشيوخ من الأمور المهمة لطالب العلم، وهي من الأمور المهمة التي قلت وضعفت في الأزمنة المتأخرة، ويظن كثير من الطلاب أن الارتحال إنما يفيد طالب العلم بسماع الجديد من العلوم ونحو ذلك، مع أن العلوم الآن تيسرت لكثير من الناس سواءً بالسماع لها بواسطة الأشرطة، أو القراءة لها بالكتب، أو غير ذلك، أو ربما يستمع الإنسان لدروس تبث في مشارق الأرض وهو في مغاربها، ويكون سماعه كسماع من كان حاضراً، فصار حال من بينه وبين الشيخ متر كحال الشخص الذي بينه وبينه آلاف الكيلو مترات.

    وفي الارتحال فوائد كثيرة، منها: الاقتداء بالشيخ من جهة سلوكه، وأدبه، وتعامله، وكذلك طريقة عرضه، تواضعه، رفقه، عبادته، سلوكه، أسلوبه، وغير ذلك.

    ومنها: أن الإنسان إذا ارتحل تخلى من كثير من العلائق، باعتبار أن الإنسان في بلده يتعلق بالناس، الأصحاب، الرفقة، الجيران، الأهل، المال، وغير ذلك، فإذا ارتحل تجرد وتخلى من ذلك كله، وتفرغ، وخلا دينه في هذا الباب؛ ولهذا تجد من السلف الصالح عليهم رحمة الله من كان يرتحل، وربما يرتحل الفاضل إلى المفضول لطلب هذه المقاصد.

    1.   

    أهمية معرفة أسباب الحديث

    قال المصنف رحمه الله: [ومعرفة سبب الحديث، وقد صنف فيه بعض شيوخ القاضي أبي يعلى بن الفراء ، وصنفوا في غالب هذه الأنواع، وهي نقل محض ظاهرة التعريف، مستغنية عن التمثيل مبسوطاتها، وحصرها متعسر، فيراجع لها مفروضاتها، والله الموفق والهادي، لا إله إلا هو].

    تقدم الكلام معنا أن للأحاديث أسباباً، كما أن للآيات أسباباً، فثمة أسباب نزول، فكما أن من الآيات ما ينزلها الله جل وعلا على نبيه عليه الصلاة والسلام بلا سبب بين معروف، ومنها ما لها سبب بين، كذلك سنة النبي عليه الصلاة والسلام منها أحكام صدرت لوقائع عرفت فضبطها مهم، لماذا؟ لأنه يفسر الحالي، ومنها ما وقع بعد سؤال، ومنها ما كان صادراً سداً لحاجة، ومنها ما كان نازلاً من غير حاجة، فذلك آكد، ولهذا يأخذ كثير من العلماء صوارف الألفاظ في الأمر والنهي وربما التقييدات أو التخصيصات بمعرفة أسباب ورود الحديث.

    1.   

    الإخلاص في طلب العلم وما يقويه ويضعفه

    ومن الأمور المهمة، بل هي أهم شيء في هذا الباب هو ما يتعلق بالإخلاص لله في الطلب، فإن هذه آداب وهذه علوم، وهذه رسوم يدرسها الإنسان، فإذا حرم الإخلاص حرم التوفيق والسداد، ووكله الله عز وجل إلى نفسه، وعاقبه الله عز وجل أشد عقاب ممن فسق وتجبر وطغى في الأرض، لماذا؟ لأن الله عز وجل أراد تشريفه بهذا العلم، فأبى إلا أن يطلب به غير الله.

    سوء عاقبة من طلب العلم لغير الله

    النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: (أول من تسعر بهم النار ثلاثة، فذكر منهم: عالم تعلم العلم ليقال: عالم، فيؤمر به فيلقى في النار، وقارئ يقرأ القرآن ليقال: قارئ، فيؤمر به في النار فيلقى فيها، ومجاهد جاهد ليقال: جريء، فيؤمر به فيلقى في النار)، فهؤلاء يظنهم الناس في ظاهر أعمالهم أنهم خير الناس، هذا في القوة، وهذا في العلم، وهذا في إقراء القرآن، لماذا؟ لأن هذه الأمور الثلاثة هي صفوة العبادة والتقرب لله سبحانه وتعالى، فإذا كان الله يجازي المخلص فيها بأمور عالية، فكذلك يجازي المسيء فيها، لماذا؟ لأن الإنسان إذا قربته إليك بأمر، ثم قام بالخيانة أليست عقوبته أشد من عقوبة الأبعد؟ أشد؛ لهذا قربك الله بالعلم ووفقك إليه، فلماذا استدبرت الله واستقبلت الناس؟ وهذا يدل على شدة عقوبة الله سبحانه وتعالى لعباده.

    ينبغي لطالب العلم أن يعتني بالإخلاص، وأن يبحث ويثبت في قلبه كل ساعة من ليله أو نهاره، وينظر ماذا يقصد بهذا العلم، وماذا يقصد بهذه الكلمة، وماذا يقصد بهذه اللفتة، وماذا يقصد بهذه الإشارة، فيتتبع نيته لماذا؟ لأن شائبة النية تنسج الخيوط على القلب حتى تشكل من ذلك قيداً، أو حبلاً غليظاً يكبد القلب، ولا يستطيع حينئذٍ الانصراف لله سبحانه وتعالى، فإذا قيد القلب بالانصراف إلى المخلوقين انصرف عن الخالق، والقلب ليس له إلا وجهة واحدة، إن توجه إلى المخلوق انصرف عن الخالق، وإن صرفته إلى الخالق سبحانه وتعالى انصرف عن المخلوق.

    طلب العلم طريق إلى الجنة

    وينبغي لطالب العلم إذا وفقه الله عز وجل إلى هذه المنزلة والمرتبة العلية، وهذا الطريق ليعلم أنه على شعرة خطيرة، إما إلى جنة وإما إلى سعير، وإذا كان أول من تسعر بهم النار ثلاثة وهم هؤلاء، فليعلم أنه في مقابلهم أن أول من يدخلون الجنة هم هؤلاء الثلاثة.

    أول العلماء الأنبياء؛ لأن (العلماء ورثة الأنبياء)، وهو تشريف، وبقدر علم الإنسان يكون حينئذٍ دخوله إلى الجنة، وكلما كان مستكثراً متوسعاً في باب العلم كان مع السابقين الأولين في ذلك، فينبغي لطالب العلم أن يعتني بالنية، والله عز وجل يوفق الإنسان إلى العلم الكثير إذا علم صدق نيته، ولو بجهد قليل، ويهديه الله عز وجل إلى الأسباب الصحيحة، وإلى الأخذ بالطريق والمنهج الصحيح، لا أن يجعل منصرفه إلى غيره سبحانه وتعالى، فلو استكثر جعله الله عز وجل ووكله الله سبحانه وتعالى إلى نفسه.

    ولهذا نقول: مسألة تصحيح النية، والعناية بها، وكذلك ما يتعلمه الإنسان في سبب تعلمه ونحو ذلك.

    ضبط شهوة العلم

    للعلم شهوة، كشهوة السمع والبصر، وشهوة الأكل، وشهوة الفرج، وغير ذلك من الشهوات، فللعلم شهوة، ومن هذه الشهوة أن يميل الإنسان إلى شيء يشتهيه، هذا علم واحد تتعلمه لمن؟ لتشبع نفسك، الناس بحاجة، بحاجة ماذا؟ بحاجة إلى حفظ السنة مثلاً، وأنت تحفظ ماذا؟ بحاجة إلى علم العقيدة، وأنت تتعلم ماذا؟ لهذا ينبغي للإنسان أن يتعلم العلم لله، والله وضع الدين لإصلاح الناس، فينبغي لطالب العلم أن يعتني بمثل هذه الأمور إصلاحاً لما أوجب الله عز وجل عليه أن يقوم بهذا الباب.

    ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقي في مكة ثلاثة عشر عاماً يدعو إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، أليست مثل هذه المدة بالإتيان من التكرار لطبائع النفوس البشرية فيها نوع من الملل، وتدعو الإنسان ربما للمغايرة، ونوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى كلمة واحدة هي لا إله إلا الله، وهذه المدة عجيبة في الثبات، مهلة طويلة، يتأمل فيها الإنسان، ربما فيها إمهال للمراجعة، والبحث عن طرق أخرى، بحث عن بدائل، التفكير بحلول، الانتكاسة، الضعف، وغير ذلك، ومع ذلك بقي ثابتاً على هذا الأمر تلبيةً لمراد الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأن الإنسان يطلب العلم لإصلاح خلل الناس.

    وأما ما يتعلق بعلم نفسه، فإن الإنسان يصلح نفسه بما يتحصله من علم.

    ضرورة ترك الجزئيات والاشتغال بالكليات

    وينبغي لطالب العلم ألا يوغل في الجزئيات وقد عطل الكليات، فأنت تجد بعض طلاب العلم ينشغل في تحقيق مخطوطات، وتجد الوثنيات عن يمينه وعن شماله، الإعراض عن الله سبحانه وتعالى، الفواحش والمنكرات، الفسوق وغير ذلك عن يمنيه وشماله، وهو يعتني بتحقيق مخطوط في فقه بعيد عن الحاجة، أو في جزء لا تحتاج إليه الأمة، فيهدر عمره لسنوات عديدة، والأمة بحاجة إلى ما هو أوجب من ذلك، أليس هذا من التشهي؟ هذا من التشهي، فالرسالة ليست لك، ما الذي أمرك الله عز وجل به؟ ما هي حاجة الناس في هذا الزمن وفي هذا العصر؟ ما الواجب عليك؟ الواجب عليك أن تعلمهم فيما قصروا فيه، وهذا من توفيق الله عز وجل للعبد.

    1.   

    بعض الأمور المؤهلة للتمكن في علم الحديث

    كذلك ينبغي أن نشير إلى مسألة مهمة في هذا الباب؛ فإن أمثال هذه القواعد في هذا الكتاب، وفيما يسمى بعلوم الحديث، وقواعد الحديث، أو مصطلح الحديث، هي مسائل أو ألفاظ مترادفة من جهة المعنى، ولن يتمكن طالب العلم منها، ويكون من أهل البصيرة والحذق فيها إلا وقد استكثر من عدة أمور:

    الأمر الأول: الحفظ، أي: أن يكثر من المحفوظات للسنة.

    الأمر الثاني: أن يكثر من الممارسة لإعلال الأحاديث وتمحيصها، فيقوم بالتخريج، فيخرج خمسمائة، ألفاً، ألف وخمسمائة، ألفي حديث، ويقوم بالحكم عليها منفرداً.

    وما هي الطريقة السليمة في هذا؟

    الطريقة السليمة في هذا أن يعمد إلى كتاب من الكتب التي تشترط الصحة والضعف، ثم يقوم بتخريجه بنفسه، وليس تصنيفاً للناس، ولا يريد بذلك تشبعاً، وإنما يريد من ذلك تعليماً وتدريباً لنفسه، وإذا عرف طرائق العلماء عرف المناهج من جهة الإعلال، ويقوم بالتطبيق، وينبغي له ألا يلتفت إلى الكتب المعتنية بأبواب التخريج ابتداءً، ككتاب التخليص الحبير لـابن حجر ، والبدر المنير، وهو من أكبرها لـابن الملقن ، ونصب الراية للزيلعي ، وإرواء الغليل للألباني ، فهذه الكتب اعتنت بمسائل التخريج، وإذا أراد طالب العلم أن يخرج حديثاً عليه أن يبعد هذه الكتب جانباً؛ لماذا؟ حتى يجرب نفسه هل يوافق أو لا يوافق؟

    ثم إذا انتهى من النتيجة يقوم بعرض كلامه على كلام العلماء الأوائل في كتب العلل، ككتاب العلل للدارقطني ، وكتاب العلل لـابن أبي حاتم ، والتاريخ الكبير للبخاري ، والجرح والتعديل لـابن أبي حاتم ، والعلل للإمام أحمد ، والعلل لـابن المديني ، وغير ذلك من كتب العلل، فيقارن كلامه بكلام هؤلاء الأئمة، ومن وافقه ومن خالفه، فإذا وجد أنه خالفهم فإن الخلل عنده؛ لأنه مبتدئ، فينظر في موضع الخلل، أين موضع الخلل هل في هذه النقطة أو في هذه الجزئية؟ أما النظر ابتداءً لحكم الأئمة فإنه لا يجعل طالب العلم ينتج، ويختبر نفسه؛ لأنه في ذلك تأثر بأول شيء وصل إليه.

    الإكثار من علم الحديث وطول الممارسة

    وكذلك فيما يتعلق بهذا العلم عليه الإكثار من ذلك وعدم التوقف، وطول الممارسة، ولا يتوقف عند حد معين في هذا الباب، وإذا أراد طالب العلم أن يتمكن في هذا الباب، فإن طول الممارسة، والإكثار من ذلك مما يعيد ويرسخ طالب العلم، والسنة والحكم على الأحاديث يحتاج لطالب العلم كثيراً، لا يقتصر على زمن معين، ولا في وقت معين، يحتاج أن يخرج حديثاً، وقد يسأل عن حديث، أو يحتاج أن يخرج أثر، أو يحتاج أن يخرج قصة من القصص، فيجد أن الأمور تتجدد على أحوال الناس، ويقوم بالنظر فيها على سبيل الانفراد، ثم ينظر في الموافق والمخالف له من الأئمة، ثم بعد ذلك يجد أنه تقدم في هذا الأمر.

    عدم الحزن عند الخطأ في البحث والتطبيق

    وينبغي لطالب العلم ألا يحزن ولا يوجل لوجود خطأ عنده في بحثه ونحو ذلك، بل ينبغي له أن يفرح؛ لماذا؟ لأن الصواب لا يمكن أن يلج إليه الإنسان إلا على عتبة الخطأ، ولا يمكن الإنسان أن يصيب مباشرة، إذاً إذا وجدت خطأ فافرح لأن هذه عتبة ستوصلك إلى صواب، وهي عتبات، كلما اكتشفت خطأ اكتشفت عيبك، فالذي يضجر أو يحزن من وجود الخطأ هذا يطبع نفسه على التنكر لأخطائه، وغض الطرف عنها، بينما الناس يرونه، فيصبح في ضعف، ولا يصحح أخطاءه، ويبقى على ما هو عليه، وربما أورثه ذلك كبراً ومعاندةً للحق، وبطراً وغمطاً لحق الناس أهل الصواب والعدل.

    وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.