إسلام ويب

شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر [2]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تباينت مراتب الحديث النبوي بين الصحة والحسن والضعف، وقد ذكر العلماء للحديث الصحيح شروطاً لا بد من اكتمالها في السند والمتن والراوي، فاشترطوا اتصال السند، وعدالة الراوي وضبطه، وخلو متنه من النكارة والشذوذ، ولحسن اختيار البخاري ومسلم للأحاديث وانتقائهم لها كان الصحيحان في علو المرتبة وأولها بين كتب الحديث.

    1.   

    مجمل الكلام على مسألة الغرابة في السند

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

    فقال المصنف رحمه الله: [ثم الغرابة إما أن تكون في أصل السند أو لا، فالأول الفرد المطلق، والثاني الفرد النسبي، ويقل إطلاق الفردية عليه].

    تقدم معنا الكلام على الغرابة، وأن المراد بالغرابة هو التفرد، سواءً كان ذلك في جميع طبقات السند، أو كان في طبقة واحدة، فإن ذاك يوصف بالغرابة.

    والغرابة على نوعين: غرابة نسبية وغرابة مطلقة، والغرابة المطلقة هي التي تكون في جميع طبقات السند، يعني: يرويه راوٍ واحد عن راوٍ واحد عن راوٍ واحد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: في جميع الطبقات، وهذا يسمى بالغريب، ويسمى بالفرد، ويطلق عليه بعض النقاد تارة المنكر، ولا يعني من ذلك الرد، وإنما لم يكن معروفاً.

    وأما الغرابة النسبية فهي التي توجد في طبقة واحدة أو طبقتين، ولكن ليست في جميع الطبقات.

    الغرابة النسبية والغرابة المطلقة أيهما أقوى من الثاني؟ نقول: لا ينضبط هذا، أي: لا نستطيع أن نقول: الغرابة النسبية أقوى من الغرابة المطلقة، باعتبار أن الغرابة النسبية ربما تكون قرينة على إعلال الحديث، مع كون الحديث مثلاً يرويه ثلاثة عن ثلاثة، عن واحد عن ثلاثة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا غريب نسبي، وقد يكون ذلك إشارة إلى علة، أي: كيف يكون هذا الحديث يرويه ثلاثة شيوخ، ثم لا يرويه عنهم إلا واحد، ولا يروي عن هذا الواحد إلا ثلاثة، فهذا يكون ضمن ورود الوهم والغرابة. وحينئذٍ لا نستطيع أن نقول: إن وجود العدد في بعض الطبقات أقوى من عدم وجوده في جميع الطبقات، فنقول: إن هذا ينظر كل حديث بحسبه.

    1.   

    تابع شروط الحديث الصحيح لذاته

    قال المصنف رحمه الله: [وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ هو الصحيح لذاته].

    تمام ضبط الراوي

    تقدم معنا الكلام على مسألة العدالة، وأشرنا إلى شروطها، وهنا ذكر المصنف بعد ذلك تام الضبط.

    وهو هنا يريد الإشارة إلى شروط الحديث الصحيح، أو إلى تعريفه، فذكر تمام الضبط، يعني: أن الحديث لا يكون صحيحاً إلا وقد تم ضبط راويه، وأن عدم تمام الضبط بقدر نقصانه ينزل الحديث عن رتبة الصحة إلى ما دونها، سواءً كان ذلك الحسن، أو كان ذلك الضعيف، وهذا له مراتب أيضاً من جهة الحسن، حسن لذاته أو حسن لغيره، ضعيف في ذاته، أو ضعيف في غيره، فمن العلماء من يتوسع في مسألة الضعيف، ومنهم من يجعل الضعيف اسماً واحداً، فيقول: هو الضعيف، تعددت طرقه أو لم يتعدد؛ لأن ما دون الضعف لا ينجبر، ونقول: قد نحتاج إلى تقوية الضعيف بغيره، ممن ضعفه شديد، ولكن هذا الضعف يحمله العلماء إذا كان في غير الأحكام، كأبواب التفسير والسير والمغازي، ولو جعلناها في الأحكام لكان ضعفها شديداً، ولكن يحملها العلماء في أمور الأحكام، فترتقي من شدة الضعف إلى ما هو أعلى منها، وقليلاً ما يستعمل العلماء ذلك في أمور الأحكام.

    ولهذا نقول: إنه لا بد لراوي الحديث أن يكون ضابطاً.

    أنواع الضبط

    والضبط على نوعين: ضبط صدر وضبط كتاب، وضبط الصدر هو الحفظ، وضبط الكتاب هو التدوين، والإنسان إذا كان ضابطاً لكتابه متقناً له عالماً بالدخيل فيه لو أدخل فيه ما ليس في غيره، فإنه حينئذٍ يكون أضبط من حفظ أو ضبط الصدر، ولكن الكتب والألواح في زمانهم التي يضبط فيها ليست كزماننا؛ ولقلتها وندرتها تستعار، فيستعير الإنسان اللوحة من فلان، ويأخذها فلان، ويقرأ فيها فلان، ويقرأ فيها فلان، فربما أدخل فيها واحد من الحديث ما ليس منه، خاصة مع ضعف الناس في باب القراءة في ذلك الزمن، فهم حدثاء عهد بأمية، وربما غاب على الإنسان خطه وتمييز ما يقرأ، واختلال أو اندماج خطه مع خط غيره.

    لهذا نقول: إن الإنسان إذا كان ضابطاً وحافظاً لمكتوبه من الدخيل فيه، وضابطاً لتدوينه عمن سمعه منه، فإنه أولى من ضبط الصدر؛ لأن الوهم يرد على ضبط الصدر أكثر من ضبط الكتاب، ولكن ضبط الصدر يقدم على ضبط الكتاب في قوة الملكة، يعني: في إعطاء قوة الملكة للإنسان يكون ذلك بضبط الصدر، فكلما كثر ضبط الصدر عند الإنسان قويت ملكته، واستطاع حينئذٍ أن يكون ناقداً أكثر من غيرهم ممن يدونوا.

    طرق معرفة ضبط الراوي

    لكن كيف نعرف أن هذا الراوي ضابط أو ليس بضابط؟

    نعرف هذا بأمور: منها ما ينص الأئمة عنه بضبطه، وذلك أن الأئمة عليهم رحمة الله يعرفون الراوي بأمور: إما بالمعاينة والمشاهدة؛ خالطوه فرأوه، وسمعوا كلامه وأخباره وأحاديثه، ونقله للكلام في أمور الناس، فعرفوا أنه يضبط الكلام، ولا يزيد فيه ولا ينقص حتى في أمور الناس، في تجاراتهم وأخبارهم ونحو ذلك، فهذا نوع ضبط، فيعطيهم ذلك إحسان ظن به في تحمله للكلام وقوة إدراكه له، وعدم الزيادة والنقصان فيه، وهذه المخالطة أمر قد رفعه الله عز وجل عن المتأخرين، وجعلها الله عز وجل لبعض أو لكثير من المتقدمين بحسب ما يدركونه من الرواة.

    ولهذا نقول: إن الأئمة الأوائل جعل الله عز وجل لهم من الخصائص من معرفة النقد ما لا يوجد عند المتأخرين، حتى لو أرادوا تحقيقه فإن تحقيقه محال، ولو أرادوا فلا يوجد بالتعلم، وإنما هو أمر قدري أوجده الله عز وجل لهم ثم رفعه عمن كان بعدهم، ولهذا من الأئمة من عاين شريك بن عبد الله النخعي ، ورآه وعرف ضبطه، وكذلك ابن لهيعة ونحو ذلك، فعاينوهم وعرفوا أحوالهم وأخبارهم وأحاديث الناس عنهم، أما من جاء بعدهم فإنهم لا يستطيعون أن يحكموا عليهم إلا بتقرير كلام الأئمة الذين نقلوا عنهم تلك الأحكام أو بسبر مروياتهم، وهو الأمر الثاني في معرفة الراوي.

    إذاً نعرف أن الراوي ضابط إما بلقيه من العلماء، وإما بسبر مرويات الراوي.

    وما معنى السبر؟

    السبر هو أن يتأمل الإنسان أحوالاً أو أعياناً متعددة ليخرج منها بحكم على عين، يعني: يتأمل عشرة أمور ليخرج بحكم على واحد، فالإنسان مثلاً إذا كان معلماً، أو كان تاجراً، أو كان زارعاً يريد أن يتخذ أجيراً أو عاملاً أو نحو ذلك، فيقوم بإجراء مقابلات مع عشرة وعشرين وثلاثين، وهذا نسميه السبر، وهو يريد واحداً، ويريد من قراءة أحوال العشرين أن يخرج أعلاهم مرتبة، لكن لو رأى واحداً منهم منفرداً وهو أدناهم ربما استحسنه، وقدمه على غيره، ولهذا كلما كثرت مسألة السبر لدى الإنسان والمادة المسبورة كان حكمه في ذلك أدق.

    ومن وجوه معرفة ضبط الراوي أن يقوم الناقد بضبط أو بسبر مرويه، فيجمع مرويات هذا الراوي من كتب ودواوين السنة، كم له حديث؟ له عشرون، أو ثلاثون، أو أربعون، أو خمسون، أو مائة، أو مائتان، ويقوم الناقد بسبرها والنظر فيها. وإذا لم يكن يحفظها فيقوم بالنظر فيها، ويتأملها واحداً واحداً، فإذا كانت مروياته مائتين، ووجدت أن الأئمة حكموا على صحة مائة وتسعين، أو خمسة وتسعين منها، فإن هذا يعتبر ضبطاً عند الراوي. وأعلى من ذلك إذا ضبطها كلها، وكان وهمه في موضع أو موضعين، ثم إذا نقص ذلك ووجدت الإعلال في حديثه يزداد، فالصحيح من حديثه مائة، والضعيف مائة، فإن هذا يعتبر خفة ضبط، ثم إذا نقصت في ذلك يكون ضعفه في الضبط شديداً، وهذا يكون للناظر بقدر قوة سبره.

    أسباب ضعف السبر عند المتأخرين

    والسبر آلة ضعفت عند المتأخرين مع إمكانهم فيها، لأمرين:

    الأمر الأول: ضعف الملكة في الحفظ، فالمتأخرون يحفظون المتون، لكن لا يحفظون الأسانيد، لماذا؟ يحفظ المتن يريد أن يعرف الحكم الشرعي منه، ولا يريد أن يوجد لديه ملكة يستطيع بها أن يحكم على الناس، فالمتن الواحد فيه خمسة أو ستة أو سبعة أو أقل من ذلك أو أكثر من الرواة، وهذه آلة من آلات السبر، فإذا حفظت هذه المتون بأسانيدها أصبح لديك استحضار لعدد مروياته، وتستطيع حينئذٍ أن تخرج حكماً لمجموع أحاديثه التي توجد عندك ضبطاً، فتحكم عليه، وتقول: هذا راوٍ ضابط، أحفظ له مائة حديث، وكلها مستقيمة، وهذا يحصل إذا عرفت الأسانيد، ثم عرفت علل العلماء في هذه الأسانيد، وكلامهم أيضاً عليه.

    أما العلماء الأوائل فيعرفون المتون، ويعرفون الأسانيد، ويعرفون موضع الخطأ في كل إسناد، ثم يخرجون بنتيجة، ولهذا العلماء ربما يسألون عن راو من الرواة فيقولون: صالح، يهم شيئاً، أو ربما وهم، أو يخطئ، ونحو ذلك، وهذا الكلام جاء عن طريق السبر.

    وحينئذٍ نقول: إن السبر ضعف لضعف الحفظ عند المتأخرين، ولو حفظوا المتون فإن هذا ينفع في باب من العلل، لكن لا ينفع في جميع أبوابها.

    الأمر الثاني: العجز؛ لأنه يقول: أريد أن أحكم على حديث واحد، يعني: أحتاج أن أسبر مائتي حديث، وهذا هل هي في الحديث كله؟ لا. في راوٍ واحد، حتى تخرج بحكم واحد تستقل به عن غيرك، وهكذا مع الراوي الثاني والثالث والرابع، وإذا استكثرت من السبر في كل طبقة أصبح لديك ملكة خاصة في كل راوٍ عرفت الحكم بسبرك أنت، ثم استكثرت من معرفة أحوال الرواة بالسبر حتى يتكرر الرواة، وتكررت الأسانيد لديك، فأصبح لديك حكم خاص على مثل هذا.

    ولهذا كثير من المتأخرين يحكمون على الحديث بناءً على القاعدة، والأوائل لا يحكمون بناءً على القاعدة، وإنما يحكمون بناءً على السبر، وهذا من وجوه البون بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين، ولهذا إذا أدرك الإنسان الفارق بين الآلة التي تكون لدى المتقدم، والآلة التي تكون للمتأخر عظم لديه مقام المتقدم، وضعف عنده مقام نفسه، وتوقى عند الحكم على الحديث.

    ومما يؤسى له أن تجد بعض طلاب العلم جسر عن الحكم على حديث، فيحكم عليه في دقيقة، وكأنه يعرف هؤلاء الرواة كلهم، ويعرف البلدان، ويعرف ما اختص به أهل كل بلد، وشيوخ البلد، وفيما يروي هذا الراوي، والمتن وعلاقته بالمتن الذي روى، وهذه كلها تحتاج إلى سبر، فالرواة يتباينون، هناك راوٍ لا يروي ولا يعرف إلا في دواوين التفسير، وهو في ذاته ثقة، لكن إذا جاء يروي حديث الأحكام تستغرب وجود هذا الرجل هنا، كما ترى في أحوال الناس، فقد ترى محللاً اقتصادياً يتكلم في جوانب الاقتصاد، ثم تتفاجأ منه يصدر فتوى، وإذا كنت تعرف اختصاص الرجل وتعلم حاله، ووجدته في خبر مثل هذا فإنك تستغرب وجوده في هذه القضية المنقولة عنه، ولهذا تجد الأئمة يعرفون الراوي، ويعرفون الشيخ، ويعرفون المتن واختصاص الراوي في ماذا، واعتاد أن يروي عن ماذا.

    وعلم الشريعة ليس واحداً، فيه التفسير، فيه الفتن والملاحم، فيه السير، فيه الأحكام، فيه ما يتعلق بفضائل الأعمال، ومنهم من لا يروي حديثاً إلا في مسائل السير والمغازي، فصار مختصاً بذلك، وإذا جاء يروي حديثاً في الأحكام فإن العلماء يتوقفون؛ لأن لديهم ربط، لكثرة مرويه، ومحفوظه لديهم، وهذا أصبح خارجاً ونشازاً عن ذلك.

    وكذلك: بعض الأئمة حتى في مسألة الترجيح في الراوي عند الاشتباه مع اسم غيره، فإننا نعرفه إذا اشتركا في الشيخ، اشتركا في التلميذ، معرفة الباب والمتن الذي يرويه، فإن هذا الرجل له نفس، فإما يميل إلى الأحكام، أو يميل إلى أحاديث فضائل الأعمال، أو السير أو نحو ذلك، وهذا الأمر لا تستطيع أن تخرجه من كتب الرجال، وإنما تخرجه من المحفوظ الموجود لديه.

    مثلاً راوي لديه مائتا حديث، مائة وخمسون منها في الأحكام، وخمسون منها مفرقة في أبواب الدين، والذي يشاركه في الاسم هذا لديه مائتا حديث، مائة وخمسون في التفسير، وخمسون في بقية الأبواب، وهذا الحديث الذي اختلفوا فيه في الأحكام أيهما أولى؟ أليس الأول؟ الأول. كيف تخرج هذه النسبة، أليس بالسبر؟ بلى بالسبر، وهذا شاق على الإنسان من جهة تطبيقه في الأمر العملي، ولكن إذا كان الإنسان صاحب ملكة وصاحب حفظ، ومعرفة للمتون، وما يختص فيه الراوي استطاع أن يحكم بمباشرة يقول: هذا فلان.

    قد يقول قائل: لماذا اشتركا في الشيخ واشتركا في التلميذ واشتركا في الطبقة؟ لماذا تجزم؟ أنت جسور بالحكم على مثل هذا، هل يستطيع الإنسان أن يدلل؟ لا يستطيع أن يدلل تدليلاً ظاهراً حتى يأتي بالمائتين، ويقوم بشرحها لهم، يأتي بمائتي حديث ويقول: إن هذا روى نسبة كذا وهذا نسبة كذا، وهذا مما يكون، ولهذا تجد الأئمة عليهم رحمة الله يحكمون في المتشابهات عند من دونهم بالجزم، لوضوحها وجلائها، وذلك لقوة آلة السبر عندهم.

    اتصال السند

    قوله: (متصل السند) أي: أنه لا بد من اتصال السند حتى يكون الحديث صحيحاً، وقد ذكرنا في مسألة تمام الضبط، وأنه شرط من شروط الصحة، لكن قد يوصف الراوي بعدم تمام الضبط ونقبل حديثه أحياناً للاختصاص، أي: اختصاصه في هذا الباب، فهو في مجموع مرويه ليس بضابط، لكن نحن نعلم من اختصاص هذا الراوي بهذا الشيء، وهو أعلم الناس بمثل ذلك.

    ما يتعلق باتصال السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا من شروط الصحة، لكنه ليس مطرد، فقد يكون الحديث منقطعاً وهو صحيح، ولكن القاعدة الأغلبية في هذا أن الاتصال شرط؛ لأن الانقطاع هو ورود جهالة في الإسناد فأصبحت علة، وهذه الجهالة قد تعلم من وجه آخر غير منصوص عليه، غير محدد، لكن نعلمه أنه لا يخرج عن الخمسة.

    ولذلك إبراهيم النخعي مع أنه لم يدرك عبد الله بن مسعود إلا أنه من الرواة عنه، وتجده يقول: إذا رويت عن عبد الله بن مسعود فسميت رجلاً فهو عمن سميت، وإذا رويت عن عبد الله بن مسعود ولم أسم رجلاً فهو عن غير واحد.

    فأنا عندما أعطيك إسناد إبراهيم النخعي عن عبد الله بن مسعود ، وأقول: احكم عليه بناءً على هذه القاعدة، ستبحث في ترجمة إبراهيم ، ويقول لك: إنه لم يدرك عبد الله بن مسعود ، إذاً الحكم ضعيف، هل حكمك (ضعيف) يجري على القاعدة أو لا يجري على القاعدة؟ يجري على القاعدة، هل هو صحيح أم خطأ؟ خطأ، هل هي مسألة واحدة؟ لا. إبراهيم النخعي عن عبد الله بن مسعود له أحاديث كثيرة، إذاً ستهدر أحاديث كثيرة جداً بناءً على ضبطك لقاعدة لا تعلم ما يند عنها.

    كذلك رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، توفي أبوه وهو حمل في بطن أمه، يقول العلماء: إن رواية أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود صحيحة، لماذا؟ لأنه يروي عن أهل بيت أبيه.

    والشخص إذا أراد أن يروي عن أبيه ولم يدرك أباه هل يسأل الجيران أم يسأل أمه؟ يسأل أمه إذا كانت موجودة، ويسأل إخوانه إذا كانوا موجودين، فيقوم العلماء بسبر من حوله وفي محيط هذا الراوي، ثم يخرجون حكماً، ولا يخرجون تعييناً للواسطة، يقول: لا يخرج عن هؤلاء الخمسة، ثم يقومون بالتصحيح.

    كذلك رواية سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب ، هو له عناية، ولهذا يقول الإمام أحمد كما جاء في رواية أبي طالب لما سئل عن رواية سعيد بن المسيب عن عمر ؟ قال: إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟ وقد رأيت لبعضهم كلاماً يقول: الإمام أحمد يصحح حديث سعيد بن المسيب عن عمر وهو يقول: إنه لم يسمع منه، وجل من لا يسهو، وهذا جرى على القاعدة، لكنه جنى على نفسه، وجنى على هذا العلم، وهذه جسارة.

    إذاً هذه الأمور قواعد أغلبية، لكنها ليست مطردة، إبراهيم النخعي عن عمر بن الخطاب ، سعيد بن المسيب ، أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه، ابن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر ، ابن جريج عن مجاهد بن جبر ، ليث بن أبي سليم عن مجاهد بن جبر ، أيضاً رواية طاوس بن كيسان عن معاذ بن جبل ، وغير ذلك من الروايات، فإذا أراد الإنسان أن يجمع مجموع الأحاديث الواردة في هذا تبلغ نحو ألف حديث، موقوفة ومرفوعة، في باب الاتصال فقط، وتجد أن العلماء يكادون يطبقون على صحتها وهي منقطعة، ولكن نسبة هذا العدد الألف لخمسين أو مائة ألف حديث مروي عن النبي عليه الصلاة والسلام هي نسبة قليلة، ولهذا يقع الإنسان في الخطأ بحسب كثرة الذي يخرج عن القاعدة، وبحسب قلته، ولهذا ينبغي لطالب العلم مع عنايته للقاعدة أن يبحث عما يند عنها.

    عدم العلة والشذوذ

    قوله: (غير معلل) يعني: ليس له علة، والعلة الغالب أن العلماء يطلقونها على ما كان خفياً من العلل، ولم يكن ظاهراً، والمصنف ذكر الاتصال وأنه ضده هو العلة التي تطرأ على الإسناد، وكذلك عدالة الراوي وعدم ذلك هي من وجوه العلل في الإسناد.

    قوله: (ولا شاذ) كذلك ألا يكون الحديث شاذاً، ومعنى الشذوذ أن يخالف غيره، ويأتي الكلام عليه، وله باب في مسألة الشذوذ، ولا معلل أيضاً بأي شيء من أمور العلل، ولهذا نجد العلماء من جهة معرفة دقائق الرواة ودقائق الأسانيد يقوون أحاديث هي في ظاهرها لا تجري صحة على القواعد.

    مثلاً حديث أبي قتادة عليه رضوان الله في الهرة، قال: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، يروي هذا الحديث الإمام مالك رحمه الله، وفي إسناده حميدة و كبشة ، عن أبي قتادة عليه رضوان الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث في إسناده مجهولة، وواحدة منهما هي زوجة ابن أبي قتادة ، تروي عن والد زوجها، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء مجاهيل من جهة الجهالة، والعلماء يقوون هذا الحديث، يقول الإمام البخاري رحمه الله: جود مالك إسناده، يعني: جاء بإسناد قوي، مع أن الرواة مجاهيل، لكن كيف قويناه؟ هناك قرائن:

    أولاً: مالك مدني، ويعلم برجال ونساء أهل المدينة، ولا يروي إلا عن ثقة. ولدينا قرائن تدفع قاعدة أن رواية المجهول ترد الحديث، وقد تجتمع قرائن متعددة ثم تقوم بكسر القاعدة.

    ثانياً: كونه عن قريبها ومن أهل بيتها، يعني: ليست امرأة تروي عن رجل بعيد فيه غرابة.

    ثالثاً: نظافة الأواني من اختصاص النساء، فالنبي عليه الصلاة والسلام سئل عن سؤر الهرة قال: ( إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، والهرة تشرب في الأواني، وهذا الحكم في الغالب ينفرد به النساء؛ لأن الهرة تغشى المرأة في المنزل ونحو ذلك، وتهتم بهذا الأمر، أما الرجل فلا يهتم بغسيل ملابسه أصلاً، فكيف بغسيل الأواني.

    إذاً انتقاء المرأة وضبطها للحديث ليس بغريب، وانفرادها بهذا الحديث وجيه، بل إنها ينبغي أن تروي الحديث أولى من الرجل.

    1.   

    رتب الحديث الصحيح والضعيف

    قال المصنف رحمه الله: [وتتفاوت رتبه بتفاوت هذه الأوصاف. ومن ثم قدم صحيح البخاري ثم مسلم ، ثم شرطهما].

    تفاوت رتب الحديث الصحيح

    قوله: (وتتفاوت رتبه) يعني: رتب الحديث تتباين، أعلاها الصحيح، والصحيح أيضاً يتفاوت قوة، منها أسانيده قوية، ما يسمى بالسلسلة الذهبية كـمالك عن نافع عن ابن عمر ، و الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر، و عبيد الله عن نافع و سالم عن عبد الله بن عمر ، وغير ذلك من الأسانيد المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي كلها داخلة في دائرة الصحة، ويعرفها الإنسان إذا أدام النظر وأكثر من النظر إليها.

    ويليه بعد ذلك الصحيح لغيره، أي: اجتمعت أحاديث حسان فجعلت من الحديث حديثاً صحيحاً لغيره، ومنفرداً بحسن لذاته.

    ثم يليه بعد ذلك الحسن لذاته، ثم الحسن لغيره، والحسن لغيره هو اجتماع أحاديث ضعيفة وليست شديدة الضعف، فكونت حديثاً حسناً لغيره، وهي ضعيفة في ذاتها، والضعف في ذلك يتباين. ثم يليه بعد ذلك ما كان خارجاً عن هذا الباب وهو ضعيف جداً الذي لا يدخل في أبواب الاعتضاد.

    علامات إعلال الحديث الضعيف جداً

    والحديث إذا وجدنا فيه ضعيفاً جداً أو متروكاً أو وضاعاً أو كذاباً، أو مجهول العين أو غير ذلك، فنقول: إن هذا وجوده كعدمه، ولو وجدت خمس طرق أو ست طرق أو سبع طرق أو أكثر من ذلك فلا نقبل، لماذا؟ لأن أحياناً كثرة الطرق تدل على التواطؤ على الكذب، وكثرة الطرق تدل على الاختلاق، لماذا؟ لأن الحديث إذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام ولم يحمله إلا الضعفاء دل على أنه دار في الميادين، فأين الثقات؟ لو كان له طريق واحد أسلم.

    ولهذا أبو موسى المديني لما سئل عن طرق حديث فضل البطيخ؟ قال: موضوعة، فقيل له: إن لها طرقاً كثيرة، قال: كثرة طرقها تدل على ضعفها، كحال سكك المدينة وطرقها المتعددة، وقيل لك: إن الناس جاءوا في سكك المدينة كلها، وأنت تعلم أن الناس ما رصدوا شيئاً من هذا، أليس هذا الخبر يدل على النكارة؟ على النكارة، فإذا جاء بحديث واحد ضعيف وطرق كثيرة ضعيفة، فالحديث مر على المدن، ثم لم يروه ويلتقطه أحد من الأقوياء فهذا دليل على وجود اختلاق في هذا، ولهذا تجد كثيراً من الأحاديث الموضوعة لها عشرة طرق ولها أكثر من ذلك، بل لو أراد الإنسان أن ينظر إلى الأحاديث الواردة في فضل الجرجير والبطيخ لوجدها كثيرة.

    ثم أيضاً من وجوه الإعلال أن الشريعة إذا جاءت بمعنى من المعاني اليسيرة بطرق متعددة، فهذا أمارة على الضعف والطرح، مثلاً الأحاديث التي جاءت في فضل الديك أو الدجاج، (والديك الأبيض صديقي) أو غير ذلك، والذي وضعها هم تجار الدجاج، وكذلك أحاديث فضل الجرجير، فيأتيك شخص بخمسين طريقاً في فضل الجرجير: (لو تعلمون ما في الجرجير لزرعتموه تحت السرير)، فإذا جاءك بخمسين طريقاً، تقول: خمسين طريقاً كلها تدل على ضعفه، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء بوحي من السماء ليدل على فضل الجرجير والديكة، جاء بفضل بأمور العبادة والدين وصالح شأن الناس العام، لا بفضل نبتات معينة، وهذا الأمر ظاهر.

    ولهذا إذا رأيت كثرة الطرق متعددة لمعنى ضئيل فهذا أمارة على ضعف عقل من عدد هذه الأسانيد، ولهذا إذا رأيت حصاة صغيرة ربطها الإنسان بخمسة سلاسل، ثم قام بجرها، فهذا ليس بعاقل، لماذا؟ لأن السلاسل لا توضع لهذا الشيء، وهذا أمارة على الطرح.

    وكثرة الطرق ينبغي أن تليق بالمنقول حتى نقبله، لهذا ينبغي لطالب العلم إذا رأى تعدد الطرق أن ينظر إلى قيمة المتن، فإن لها أثراً عليه، وربما لو نظر إلى المتن رجع إلى الأسانيد فقام بطرحها كثرة، وربما لو رجع إلى المتن احتاج إلى واحد، وإذا زادت الطرق ضعفت الحديث، وهذا من القرائن، وهذا ما لا يجري عليه أكثر المتأخرين، يلتفتون إلى العدد، ولا يلتفتون إلى المعنى، ولهذا الإمام السيوطي رحمه الله حينما تكلم على حديث: ( اطلبوا العلم ولو في الصين )، قام بتحسينه لكثرة الطرق، بل يفتخر أنه أول من حسن هذا الحديث، وهذا الحديث لا يحتمل أربعين طريقاً، وقد ذكرها ابن المناوي عنه عليه رحمة الله في فيض القدير.

    تقديم صحيح البخاري وصحيح مسلم

    قوله: (ومن ثم قدم صحيح البخاري ثم مسلم ) نقول: إنما قدم الأئمة البخاري و مسلم لأنه صاحب آلة، واجتمع فيه أمر الحفظ والملكة والسبر ومعرفة الرواة والبلدان والفقه كذلك، فكانا عليهما رحمة الله أشد الأئمة احتياطاً في ضبط المرويات، وكذلك انفراد الواحد منهما كـالبخاري يلي الحديث المتفق عليه، ثم مسلم ، وليس هذا على إطلاقه، وإنما هو الأغلب، ثم شرط البخاري و مسلم .

    ثم ينبغي أن نتنبه إلى مسألة شرط البخاري و مسلم ، وأن نحتاط في هذه المسألة، نحتاط على ماذا؟

    نقول: إن إطلاق شرط البخاري و مسلم على حالين:

    الحالة الأولى: أن نقول: إن الحديث على شرط البخاري و مسلم ، وهذا أرى أنه مجازفة، فلا تليق بأحد من أهل العصر أن يطلق هذه العبارة، أن يقول: هذا الحديث على شرط البخاري و مسلم ؛ لأن شرط البخاري و مسلم شرط أسانيد وشرط متون، للبخاري شرط في إيراد المتن، كما له شرط في إيراد الراوي والإسناد، وإذا كنت تملك ملكة البخاري في انتقاء المتن فحينئذٍ أطلق هذه العبارة. أما رواة البخاري فموجودون، وترى تراكيبها لك حق أن تقول: هؤلاء الرواة على شرط البخاري أو إسناده على شرط البخاري .

    الحالة الثانية: الإطلاق أن نقول: إسناده على شرط البخاري و مسلم ، أو على شرط أحدهما، يعني: الإسناد، وهذا سليم، ولكن ليس على إطلاقه أيضاً؛ لارتباط الإسناد بالمتن، فـالبخاري رحمه الله قال: يترك أحاديث أسانيدها على شرطه، لماذا؟ لأن هذا الإسناد لا يحتمل المتن، لا يركب على المتن، فربما حديث إسناده قوي يتحفظ عنه البخاري و مسلم ؛ لأن مثل هذا لا ينقله مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ، وإنما ينقله من دونه، ولهذا لا تكاد تجد الإمام مالك رحمه الله يتكلم عن أحاديث السير والمغازي والفتن، ولا يرويها عن النبي عليه الصلاة والسلام وإن وجد فهو نزر يسير، فإذا جاءك حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر في حديث من الفتن عظيم، وتقول: إنه على شرط البخاري و مسلم ، فهذه مجازفة، وقد يقول قائل: هذا الإسناد؟ نقول: هذا الإسناد، لكن لا يركب على المتن.

    ولهذا تجد البخاري و مسلم يدع أحاديث كثيرة أسانيدها أخرج مثلها ولكن بمتون أخرى، ولكن إذا قلت: إسناده على شرط البخاري أخليت نفسك من مسئولية المتن؛ لأنه ربما يكون المتن منكراً، وأنت لا تستطيع ولا تملك تلك الآلة.

    و للبخاري و مسلم نفس في انتقاء المتون وتقديمها على غيرها، ولهذا نجد أن كتاب البخاري وكتاب مسلم مع كونهما أحاديث صحاح إلا أنها تتضمن نفساً دقيقاً من نفس العلل، لا يدركه إلا من تأمل ذلك بدقة.

    يورد البخاري حديثاً في الباب تعلم أنه يريد بذلك ترجيح هذا الحديث على أحاديث الباب الأخرى المخالفة له في هذه المسألة، وربما يورد البخاري رحمه الله حديثاً موقوفاً على صحابي، ولا يورد في الباب حديثاً مرفوعاً، إشارة إلى علة المرفوعات عنده، ولو كان واحد منها إسناده على شرط البخاري ، وقد ذكر البخاري رحمه الله غير ما حديث في كتابه التاريخ وهو كتاب علل، ظاهر إسنادها على شرطه فغمزها.

    ولهذا نقول: إن التجوز في إطلاق الحديث إنه على شرط البخاري و مسلم مجازفة؛ لأن ذلك يلزم منه أن يملك الإنسان ملكة المتون والإحاطة بها، وملكة الرواة والإحاطة بها، والإنسان يستطيع أن ينظر الإسناد من أوله إلى آخره، فيقول: هذا الإسناد بهذا الترتيب وهذا الانتظام أخرج به البخاري ، لكن هل أخرج البخاري لمثل هذا بمثل هذا المتن أو لم يخرج؟ لم يخرج.

    ثم أيضاً: هل هو على شرط البخاري في إيراده لمسائل الدين في كتابه؟

    البخاري رحمه الله أراد أن يخرج في كتابه الصحيح مسائل معينة من مسائل الدين، لا كل مسائل الدين، فإذا أقحمت باباً من أبواب الدين على شرطه فذلك من القصور، وهذا باب يحتاج إلى إسهاب وإطالة.

    1.   

    شروط الحديث الحسن لذاته

    قال المصنف رحمه الله: [ فإن خف الضبط فالحسن لذاته، وبكثرة طرقه يصحح ].

    قوله: (فإن خف الضبط فالحسن لذاته) يعني: خف ضبط الراوي، والحسن لذاته هو من المواضع المشكلة، فقد يوجد في الإسناد الواحد راوٍ واحد خفيف الضبط والبقية ثقات، وقد يوجد اثنان، وقد يوجد ثلاثة، وقد يوجد كل الإسناد من خفيفي الضبط، وهذا يتباين، فمنه حسن وحسنه ظاهر، ومنه ما هو حسن دون ذلك، ومنه ما هو قريب من الضعيف، ويطلق عليه الحسن، فهي إذاً تتباين، وهي على مراتب متعددة.

    1.   

    المراد عند الجمع بين الصحيح والحسن في لفظ

    قال المصنف رحمه الله: [ فإن جمعا فللتردد في الناقل حيث التفرد، وإلا فباعتبار إسنادين].

    قوله: (فإن جمعا) يعني: في حكم على حديث، ولعله يشير إلى الترمذي رحمه الله في حكمه على حديث حسن صحيح، وقد تكلمنا على ألفاظ الترمذي في إطلاقه: حسن صحيح، وصحيح وحسن، وغريب، وغير ذلك في كتاب صفة حجة النبي عليه الصلاة والسلام، وفي ثنايا الكتاب تكلمنا عن ذلك بسبرها، ثم الحكم على كل لفظ ومراد الترمذي منه، فيرجع إليه في موضعه أشمل وأتم.

    1.   

    مسائل في زيادة الثقة

    قال المصنف رحمه الله: [ وزيادة راويهما مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق، فإن خولف بأرجح فالراجح المحفوظ، ومقابله الشاذ، ومع الضعف الراجح المعروف، ومقابله المنكر].

    يعني: إذا كان الراوي العدل سواءً كان عدالة تامة أو دون ذلك فزيادته مقبولة، وهذا هو الأصل.

    عدم إطلاق قاعدة (زيادة الثقة مقبولة)

    ذكرنا في مقدمة الكلام على الكتاب أن القواعد التي يذكرها العلماء يكتنفها جملة من الإشكالات منها صحة القاعدة، وذكرنا أن القواعد منها ما هي أغلبية تختلف في غلبتها، فمنها ما غلب ثمانين أو تسعين بالمائة أو نحو ذلك.

    وذكرنا من الإشكالات في مسائل الإطلاقات هو معرفة قدر الغلبة، هل هي غالبة فعلاً أو متوسطة أو مترددة؟

    وزيادة الثقة أرى ألا قاعدة لها منضبطة أغلبية، وإنما هي مترددة في مرحلة الوسط، لا تغليب لها، ربما تنقص في بعض الأحيان، وربما تزيد في بعض الأحيان.

    وللعلماء عليهم رحمة الله كلام وإطلاقات في مسألة زيادة الثقة، وحمل هذه الإطلاقات ينبغي أن يعرف من السياق، فمن العلماء من يقول: زيادة الثقة مقبولة، يعني: إذا اقترنت الأوصاف على السياق الذي احتف بهذا الموضع فهي مقبولة، فيقبلها إذا جاءت بمثل هذا السياق، ويذكر العلماء الذين يتكلمون على قواعد الحديث كلاماً عن بعض الأئمة كـالبخاري و الخطيب و ابن الصلاح وغيرهم حينما يتكلمون عن زيادة الثقة، ويأخذون من كلامهم بعض الإطلاقات، فالإطلاقات جاءت في سياق معين على حكم وعلى حالة معينة، فذكروا أن زيادة الثقة مقبولة إذا كانت بمثل هذه الصورة، لكن هذا السياق ليس هو المسألة بعمومها وهي مسألة زيادة الثقة.

    قرائن قبول زيادة الثقة

    وزيادة الثقة بمعناها العام لا قاعدة لها، باعتبار ترددها بين القبول والرد، ولها قرائن في هذا، والقرائن في زيادة الثقة كثيرة، نذكر شيئاً منها على سبيل السرد:

    القرينة الأولى: من القرائن التي تقوي القبول، ويفهم بنفي هذه القرينة رد الزيادة: ثقة الراوي على غيره، فإذا كان أوثق من غيره وكان ضابطاً فإن زيادته من قرائن القبول.

    القرينة الثانية: أن يوافقه على ذلك غيره، فإذا وافقه غيره على الزيادة فهذا مما يعضد القول بقبول الزيادة.

    القرينة الثالثة: أن يكون في طبقة متقدمة، فزيادة الثقة إذا جاءت في طبقة متقدمة فهذا من مواضع قرائن القبول؛ لأنه كلما تقدمت طبقة الراوي كان أضبط للمروي، وإذا تأخرت بمعنى أن الرواية قد مرت على أجيال وعلى الرواة، ولم تأت إلا عند واحد متأخر، وهذا من قرائن الرد.

    القرينة الرابعة: الاختصاص، يعني: أن الراوي زاد زيادة في باب هو من أهل الاختصاص به، وليس ممن يسمع مثل هذه المعاني، وليس من أهل الفقه والدراية.

    القرينة الخامسة: أن يكون من أهل الملازمة لشيخه، يعني: ينفرد برواية عن شيخه يخالفه فيها غيره، كمن يخالط الشيخ ثلاثين سنة .. أربعين سنة، يأخذ عنه، فجاء بزيادة انفرد بها عمن سمع من الشيخ سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات أو أربعاً، ممن خالفه في ذلك أقوى من غيره.

    القرينة السادسة: أن يكون الزائد في ذلك مدنياً أو حجازياً على سبيل العموم باعتبار أنهم أضبط.

    القرينة السابعة: أن يكون عربياً لا مولى؛ لأن العرب هم أضبط وأحفظ من الموالي؛ ولأن العرب هم حدثاء عهد بأمية، لا يكتبون، وإنما يحفظون، ولهذا يسمعون الأشعار، ويحفظونها من أول مرة، بخلاف الذين يكتبون جعلوا اتكال ذاكرتهم على الكتابة فضعفت الملكة لديهم.

    القرينة الثامنة: أن تكون الزيادة في حديث قصير، فضبطه لهذه الزيادة ظاهر بخلاف الطويل فإنه يفوت الإنسان منه ألفاظاً.

    مخالفة الثقة في روايته

    قوله: (فإن خولف بأرجح فالراجح المحفوظ ومقابله الشاذ) يعني: إذا تعارضت الروايات، أو تعارض الحديث ورجحنا أحد الوجهين، فنقول: هذا هو المحفوظ، أي: هذا الذي ضبط، وضده في ذلك الشاذ، أو يسميه بعض العلماء المنكر.

    والمعنى: أن الحديث إذا ورد اختلاف في بعض ألفاظه، وكان الحديث صحيحاً، ورجحنا أحد ألفاظه، فإن الراجح في ذلك هو المحفوظ، أي: هو المضبوط على وجهه. ويخالفه في ذلك الشاذ، وسمي الشاذ شاذاً لخروجه عن نسق الجماعة.

    وقوله: (ومع الضعف الراجح المعروف ومقابله المنكر) إذا كان الحديث أصلاً ضعيفاً، وورد فيه اختلاف، فرجحنا لفظاً على غيره، فنقول: إن الراجح في ذلك المعروف، يعني: هذا الذي يعرف، ولا يعني أنه محفوظ إلى منتهى السند، وينسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

    وما يخالفه المنكر، ومعنى كلمة المنكر في لغة العرب: ما لا يعرفه الإنسان، ولا يعني من ذلك الرد.

    وعدم معرفتك للشيء أنه لم يمر عليك، هذه يستعملها العلماء الحفاظ الذين لديهم ملكة بكثرة الحفظ، فإذا مر عليهم حديث لا يعرفونه يقولون: هذا حديث منكر، يعني: ما مر علينا، ويقول الله سبحانه وتعالى عن يوسف لما دخل عليه إخوته: فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [يوسف:58]، معروف ومنكر، فالمنكر إنكار معرفة يوسف لهم حقيقية، لكن إنكارهم له هل ينفي أن هذا يوسف؟ لا ينفي، ولكن يوسف عليه السلام عرفهم؛ لأنه كان صغيراً وهم كباراً، فلم تتغير صورهم عنه، وهو صغير، ثم كبر فتغيرت صورته عنهم فأنكروه: فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [يوسف:58].

    ولهذا الأئمة يصفون الحديث الذي لا يعرفونه من باب احترام مقام الحديث وربما يكون صحيحاً، يقولون: هذا حديث منكر، يعني: لا نعرفه، وهذا يعطيك أن الأئمة إذا حكموا على حديث بالنكارة، وكان الإمام محيطاً بالحفظ، أن غلبة الظن أنه لا يفوته شيء إلا وهو ضعيف، وهذا من غلبة الظن، ولهذا إذا وجدنا مثل هذه العبارات في كلام الأئمة على راوٍ منكر أنهم يريدون به هذا، وإذا قالوا على راو: يروي المنكرات أو له منكرات، يعني: يأتي بأحاديث لا نعرفها، وقد يكون هذا الراوي من أهل الإحاطة وكثرة التنقل والرواية، فيسمع من فلان، ويروي عن فلان، وانتقل إلى عدة بلدان، فهذا يحمل منه أن يأتي بأشياء لا نعلمها عنه، لماذا؟ لأنه صاحب رواية وشيوخ وسماعات كثيرة جداً، ولهذا إذا قيل في راو: (يروي المنكرات) انظر في شيوخه، وكلام العلماء عنه، فإذا كان كثير التنقل ونحو ذلك نقبل منه التفردات ولو كانت كثيرة، ولهذا ابن شهاب الزهري تفرد بسبعين سنة أو أكثر عن النبي عليه الصلاة والسلام لم يروها أحد غيره، لماذا؟ لأن ابن شهاب الزهري من أهل الكثرة في الرواية، وكثرة السماع والشيوخ، فمثله يحتمل منه التفرد، لكن شخص لم يتجاوز بلده، ولم يخرج عنها، وليس لديه إلا شيخان أو ثلاثة، ثم يأتي بمرويات لا يعرفها الثقات، هل يقبل منه التفرد؟ لا يقبل منه التفرد.

    ولهذا نقول: إن حكم الأئمة على راو من الرواة بأنه منكر أنه يجعل طالب العلم يتوقف في ذلك، وينظر في أسباب هذه النكارة.

    1.   

    المتابعات والشواهد للحديث

    قال المصنف رحمه الله: [والفرد النسبي إن وافقه غيره فهو المتابع، وإن وجد متن يشبهه فهو الشاهد، وتتبع الطرق لذلك هو الاعتبار].

    تقدم معنا الكلام على الفرد النسبي والمطلق، وأن التفرد النسبي إذا كان بنسبة في طبقة معينة ثم توبع الراوي على طبقته هذه فأصبح متابعاً.

    أنواع المتابعات

    والمتابعة على نوعين: متابعة تامة، ومتابعة قاصرة، والمتابعة التامة أن يتابع الراوي على روايته من هو في طبقته، والمتابعة القاصرة أن يتابعه راوٍ في طبقته، لكن عن شيخ شيخه، فلا يروي عن ذاك الشيخ، وإنما يلتقيان بشيخ الشيخ، وهي المتابعة القاصرة.

    والمتابعة التامة أقوى، لماذا؟ لأنها تحفظ الحديث على جوهره ولا تشعب الحديث؛ لأنه إذا تشعبت دائرة الحديث زاد وتعددت ألفاظه.

    يقول هنا في مسائل المتابعة سواءً المتابعة القاصرة أو المتابعة التامة أو ما يتعلق أيضاً بالفرد النسبي والفرد المطلق، تقدم الإشارة إلى أن التفرد المطلق ما جاء مثلاً في حديث عبد الله بن عمر في رواية محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب ، هذا تفرد مطلق، يعني: في جميع الطبقات، وأما التفرد الذي يأتي في طبقة من الطبقات فإن يروي راو حديثاً فرداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن يأتي من يروي هذا الحديث عنه باثنين أو ثلاثة، لكن في هذه الطبقة، وذلك كحديث أنس بن مالك عليه رضوان الله، قال: ( دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعلى رأسه المغفر ).

    وإدراك المتابعات وضبطها يحتاج إلى ما يسمى بالبحث والنظر والاعتبار، أو البحث في الشواهد، وهو ما يسمى بعلم التخريج؛ أن يكثر الإنسان من البحث والنظر فيجد من ذلك شيئاً من التوسع في الطرق، ثم إلحاق هذه المتابعات ببعضها، ومعرفة المتابعة القاصرة والتامة.

    شواهد الحديث

    قوله: (وإن وجد متن يشبهه فهو الشاهد) الشاهد هو ما يعضد الشخص، ولهذا يسمى الشاهد شاهداً لأنه يصدق غيره، فكان شاهداً، فهو مثبت لحقيقة جاءت قبله، لا منشئاً لها، فإنشاؤها جاء من غيره، وهو جاء على سبيل التأكيد، ولهذا يطلق لبعض الحقائق والعقود شاهدان، حتى يثبتا شيئاً نشأ قبلهما، فهم لا ينشئان الحقيقة، وإنما يثبتانها، فما جاء مما يوافقه من جهة المعنى، وقاربه في اللفظ فهو الشاهد.

    والشواهد متعددة، منها شواهد القرآن وشواهد السنة، وشواهد الآثار، وشواهد الأعمال، وشواهد الإجماعات المروية في هذا مما يعضد ويقوي الخبر.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد.