إسلام ويب

شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر [1]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • علم مصطلح الحديث من العلوم الشرعية التي تناولت قواعد في فهم ودراسة الحديث النبوي متناً وإسناداً، وقد وفق ابن حجر رحمه الله في كتابه نخبة الفكر في الإتيان بمجمل القواعد المتعلقة بهذا العلم، وتقسيم أبوابه وفصوله، وهذه القواعد هي أغلبية في تطبيقاتها، إلا أنها لا تخلو من استثناءات، لا يضبط مسارها إلا من سبر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وسار على منهج أهل الحديث المتقدمين الذين برزوا في هذا العلم وأجادوا فيه.

    1.   

    بين يدي مقدمة نخبة الفكر

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

    فهذه مجالس نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا فيها لشرح (نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر) للشيخ الإمام العالم العلامة الرحلة، فريد عصره ووحيد دهره، وشيخ مشايخ مصره، بحر الفوائد، ومعدن الفرائد، عمدة الحفاظ والمحدثين، شهاب الملة والدين، أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني الشهير بـابن حجر رحمه الله.

    الحكمة من الابتداء بالحمد

    قال المصنف رحمه الله: [الحمد لله الذي لم يزل عالماً قديراً، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله إلى الناس بشيراً ونذيراً، وعلى آل محمد وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد].

    ابتدأ المصنف رحمه الله هذا المؤلف اليسير بالحمد لله تيمناً وطلباً للاستعانة، وتبركاً بذكر الله سبحانه وتعالى، وتيمناً بإتمامه وكماله، وكذلك اقتداءً بما فعله الله عز وجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    ولهذا نقول: يشرع للإنسان عند كتابة شيء أو قول شيء ذي بالٍ أن يبتدئ ذلك بذكر الله، أو ببسم الله الرحمن الرحيم، وعلى سبيل التخصيص إذا كان ذلك في المكاتبات اليسيرة، والتي تكون بين الأفراد، كما جاء في حديث عبد الله بن عباس في كتابة النبي صلى الله عليه وسلم أنه (كان إذا كتب قال: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله).

    وهذا الأمر جرى عليه فعل الصحابة عليهم رضوان الله من بعده، وقد كان أيضاً هو حال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه؛ في خطب الجمعة، وفي الخطب العامة للناس، وفي الأمور ذات البال، ولو لم يكن ذلك الخطاب للناس عامة، ولو كان لأفراد معدودين، فإذا كان مهماً أو جليل القدر، كما يتعلق بخطبة النكاح، وإن كان الناس قليلاً في ذلك حضوراً فإنه يشرع للإنسان أن يبتدئ ذلك بالحمد لله رب العالمين، وغير ذلك مما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد جاء في هذا حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( كل أمرٍ ذي بال لا يبتدئ فيه ببسم الله أو بذكر الله أو بالحمد لله فهو أجدع أو أبتر أو أقطع ) على روايات وألفاظ مختلفة متعددة في هذا، وهذا الحديث لا يصح إسناده، والصواب فيه الإرسال، وقد أعله الدارقطني رحمه الله، وقد روى هذا الحديث الخطيب البغدادي وغيره.

    على كل نقول: يغني عن ذلك ظاهر القرآن الكريم، فإن الله عز وجل جعل ابتداء السور بالبسملة، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم عند ابتداء المكاتبات، وما يتعلق بالخطب، وأصبح سنة جارية في هذا.

    والعلماء لا يختلفون في مشروعية ذلك وتمكينه، بل ذهب بعضهم إلى وجوبه. وإنما يختلفون في البداءة ببعض المعاني كالبداءة بالأشعار، هل يبتدأ الشعر ببسم الله الرحمن الرحيم أم لا؟ وبذكر الله عموماً أم لا؟ هذا من مواضع الخلاف، فذهب بعض العلماء إلى أنه لا يبتدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، وقد جاء عن سعيد بن جبير وغيرهم، كما رواه الخطيب البغدادي في كتابه الجامع، وذهب جمهور العلماء وهو مروي أيضاً عن سعيد بن جبير و الزهري وغيرهم، القول بالبدء ببسم الله الرحمن الرحيم، باعتبار أن الشعر كالنثر؛ حسنه حسن، وقبيحه قبيح، وقد جاء عند ابن عدي في كتابه الكامل من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الشعر كالكلام؛ حسنه حسن، وقبيحه قبيح)، وهذا الحديث جاء مرفوعاً وموقوفاً، والأظهر أنه لا يصح مرفوعاً، وعلى كل فقد مال غير واحد من العلماء إلى تحسينه موقوفاً على عائشة عليها رضوان الله.

    ثم أيضاً: إن ما يتعلق بالشعر هو يتعلق بالنثر، والعكس كذلك، باعتبار أنها ألفاظ، وقد أشار الإمام الشافعي رحمه الله إلى أن الشعر يعامل بمعاملة النثر من من جهة حسن معانيه وقبحها، ولهذا المصنف رحمه الله ابتدأ هذا الكتاب بالحمد لله لجلالة هذا العلم والفن، والمعاني التي يوردها لتعلقها بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    الفصل بين الإجمال والتفصيل بـ(أما بعد)

    قوله: (أما بعد) هذا هو فصل الخطاب، وثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام قوله: أما بعد.

    وأما قول: (وبعد) فلا أعلمه يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مع صحته، فنقول: إن الأصح والأولى أن يقول الإنسان في فصل الخطاب: (أما بعد) عند الفصل بين الإجمال والتفصيل، ولا حرج على الإنسان أن يكررها أيضاً في أكثر من موضع.

    سبب تأليف متن (نخبة الفكر)

    قال المصنف رحمه الله: [فإن التصانيف في اصطلاح أهل الحديث قد كثرت وبسطت واختصرت، فسألني بعض الإخوان أن ألخص له المهم من ذلك، فأجبته إلى سؤاله؛ رجاء الاندراج في تلك المسالك].

    هنا أشار المصنف رحمه الله إلى عنايته واهتمامه بالمصنفات المتعددة، وأنه قصد بتصنيف هذا الكتاب إيجاد متن مختصر في علوم الحديث وقواعده ومصطلحه، تقريباً للأفهام، وباستطاعة طالب العلم أن يحفظه ويفهمه، وأن يطبقه عند إرادته ذلك.

    وقوله: (فسألني بعض الإخوان) هنا المصنف رحمه الله بيّن أنه سئل تصنيف هذا الكتاب، وفي هذا بيان أن الإنسان إنما يصنف لمصالح الناس وحاجاتهم، ولا يصنف لإظهار إبداع أو تميز أو قدرة على الكتابة في الفن، وإنما ينظر إلى حاجة الناس. وكذلك فإن التصنيف عند طلب الناس وحاجتهم فيه كسر لرغبة النفس، ودفع لإحسان الظن بالمؤلف، وأنه إنما كتب لحاجة الناس، ولطلبهم لهذا الأمر، واستجابة له، ولم يكن ذلك مجرد رغبة ذاتية أو هوى.

    وقد ذكر المصنف رحمه الله ما يتعلق بتعدد المصنفات في هذا الباب، والمراد بتعدد المصنفات فيه وكثرتها هي علوم الآلة الموصلة إلى الحديث، والعلوم عندنا على نوعين: علوم أصلية، وعلوم آلة، وعلوم الآلة هي العلوم الموصلة إلى تلك العلوم الأصلية، فكل علم من العلوم الأصلية له علم آلة يوصل إليه، وعلوم الآلة تتنوع صعوبة بمقدار صعوبة الغاية، وهذا أمر معلوم، فعلوم القرآن علوم معلومة، وثمة علوم توصل إليها، والسنة لها علوم معلومة، وثمة علوم توصل إليها مما يسمى بمصطلح الحديث وقواعد الحديث، وغير ذلك مما يتعلق بقرائن الترجيح ومسائل العلل ونحو ذلك من العلوم الموصلة إلى الغاية. وكذلك ما يتعلق بعلم الفقه وهو علم أصلي، وأما ما ينسب إليه من علوم فهي من علوم الآلة كالقواعد الفقهية وأصول الفقه، وغير ذلك كعلوم اللغة العربية، فثمة علوم أصلية فيها، وثمة علوم آلة موصلة إليها.

    فذكر المصنف تعدد المصنفات في هذا الباب، وكثرتها وتشعبها على الإنسان، وأنه يحتاج إلى مصنف مختصر في ذلك يرشده إلى الصواب على سبيل الاختصار.

    1.   

    منزلة ابن حجر العلمية

    المصنف يعتبر من أئمة هذا الفن نظراً وتطبيقاً، ومن أئمة الحديث والسنة، وله مصنفات عديدة في هذين البابين: في باب علم الآلة، وفي باب علم الأصل والغاية، وعلوم الحديث بمعرفة الصحيح والضعيف منها، وكذلك فقهها، ويكفي في هذا الباب كتابه فتح الباري في شرح صحيح البخاري ، ومن مصنفاته فيما يتعلق بالتصحيح والتضعيف كتاب التلخيص الحبير، وله مصنفات متعددة فيما يتعلق بعلوم الآلة منها نزهة النظر، وكذلك نخبة الفكر، وهو هذا المتن.

    أما شيوخه وشيوخ شيوخه فلهم مصنفات متعددة، وهذه المدرسة كان من ثمارها الحافظ ابن حجر رحمه الله، وهي مدرسة اعتنت عناية بالغة فيما يتعلق بعلوم الآلة وقواعد الحديث، فمن شيوخه البلقيني ، وكذلك ابن الملقن ، وعناية ابن الملقن ظاهرة في هذا الباب، وله كتاب في ذلك اسمه المقنع في علوم الحديث، وكذلك شيوخ ابن الملقن كانت لهم عناية بهذا الفن والباب.

    1.   

    دلالة لفظ (الخبر) في علم المصطلح

    قال المصنف رحمه الله: [فأقول: الخبر إما أن يكون له طرق بلا عدد معين، أو مع حصر بما فوق الاثنين، أو بهما].

    أول ما ابتدأ به المصنف هو البداءة بالتركيب الأشهر في هذا الفن؛ لأن كل هذه القواعد هي موصلة إلى الخبر، فأصل الآلة هو الخبر، فالناس تقوم بتحليل هذا الخبر، وبالوصول إليه صحة وضعفاً، وكذلك معرفة أنواعه سواءً كان مرفوعاً أو موقوفاً أو مقطوعاً، وكذلك من جهة كمه ووفرة طرقه، ومن جهة اشتهاره وغرابته، وما في هذا من الخبر من معانٍ أخرى، مما يتعلق بالإدراج، وتفسير الألفاظ وغريب الحديث، ومعرفة محكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، ومتقدمه ومتأخره، ومطلقه ومقيده، وغير ذلك من المعاني التي تتعلق بهذه العبارة، فهذه العبارة هي نواة هذا العلم، وعنه يتفرع هذا العلم، ولهذا ابتدأ المصنف بهذه العبارة وهي لفظ الخبر.

    1.   

    أوجه الصعوبة في علم مصطلح الحديث

    مما ينبغي أن ينبه عليه أن علم الحديث وعلم المصطلح وقواعد الحديث هي من العلوم الشاقة، وذلك من وجوه:

    الوجه الأول: أن مسالك العلماء في هذا العلم متعددة بحسب ما وهبهم الله عز وجل، وتعدد المسالك في ذلك يجعل الإنسان يضطرب في هذا الباب، وذلك أن العلماء يختلفون في التمكن، وفي الدراية بمعرفة الحديث محفوظاً، وفي معرفة الرواة والرجال وكثرة الطرق وتعددها، فيختلفون في هذا الباب مما يجعل طالب العلم ربما يضطرب في بعض القواعد.

    الوجه الثاني: أن القواعد التي يجري عليها العلماء في هذا الفن هي قواعد أغلبية لا قواعد مطردة، وينبغي أن نعلم أن كل علم من العلوم إذا تضمن على قاعدة أو ضابط فهذه القاعدة وهذا الضابط ليس بمطرد، ولا يوجد شيء من القواعد الكونية يجعلها الله عز وجل قاعدة ثابتة لا تنخرم على الإطلاق، ولكن الله عز وجل يجعل لذلك الشيء استثناء، ومن ذلك ما يطرأ على تلك القواعد، سواء كان من الأمور الكونية فيما يتعلق بأمور الأفلاك وغيرها، أو القواعد النظرية التي تطرأ في ذهن الإنسان، فهذه كلها لها شيء من الاستثناء، منها ما يتعلق بأمر الفناء والنهاية باعتبار أنها ليست دائمة، ومنها ما يتعلق بالاستثناء الذي يطرأ عليها في ثنايا مسيرها، فما من شيء إلا وله استثناء، حتى مسير الشمس والقمر، فالله عز وجل جعله على حساب، ولكن الله سبحانه وتعالى يجعل هذا النظام يختل في بعض المواضع، ولذلك يجعل الله عز وجل الشمس تخرج من مغربها، وكذلك من جهة الظهور والخفاء يجعل الله عز وجل لظهور الشمس والقمر شيئاً من عدم الاطراد، فلا تظهر الشمس للإنسان وهي تغيب، ولا القمر وهو يخسف.

    وكذلك فيما يتعلق بالقواعد العلمية النظرية، نقول: هي قواعد ليست مطردة، وإنما هي أغلبية، ونسبة الغلبة في ذلك تختلف من قاعدة إلى قاعدة.

    وهذا العلم بما يسمى علم المصطلح أو علم قواعد الحديث هو علم متعدد القواعد، متعدد الفصول والأبواب، وتعدده في ذلك بحسب قدرة الناقد أو العالم أو المحدث على استخراج تلك القواعد، فالقواعد لا حد لها ولا نهاية، ولهذا نجد العلماء في أبواب الفقه، في أبواب القواعد، في أبواب العقيدة، في أبواب الحديث، في أبواب التفسير ما زالوا يستخرجون ضوابط وقواعد جديدة بحسب غوص ذلك العالم وتبحره في هذا الفن.

    وكذلك فإن الغلبة هي موضع خلاف على ما تقدم الكلام عليه، منهم من يجعل الغلبة في ذلك كثيرة، ومنهم من يجعل الغلبة في ذلك ليست بكثيرة، وإنما تقارب النصف، أو تزيد عليه يسيراً، ولا يسمى الشيء غالباً إلا إذا زاد على النصف، ولكن إذا أردنا أن ننظر إلى النسبة المئوية، فمن القواعد ما تعمل بنسبة (90%)، ومنها ما هو (80%)، ومنها ما هو (95%)، ومنها ما هو (60%)، وهي حينئذٍ إذا غلبت على النصف وزادت فإنها تسمى قاعدة، فإذا اضطربت وأصبحت قريبة من النصف، ونقصت في موضع وزادت في موضع فلا تسمى قاعدة.

    ولهذا فإن بعض المواضع في هذا الكتاب هي موضع خلاف في التسليم بها، هل هي قاعدة أصلاً أو ليست بقاعدة، ولكن العلماء يضعون هذه الضوابط حتى يسهل الفهم لدى طالب العلم، وسهولة الفهم هي في كل علم.

    ولذلك إذا كان الإنسان يعلم أن النجم الفلاني يظهر في الجهة الفلانية، ولكن في فصل الشتاء يميل وينحرف قليلاً، فهذا يجعل لدى الإنسان استثناء عن القاعدة، وإذا لم يكن عارفاً بهذا الاستثناء اختل لديه نظام الحساب.

    وحينئذٍ نقول: ينبغي لطالب العلم أن يكون عالماً بشيئين:

    الأول: عالم بحجم غلبة القاعدة.

    الثاني: أن يكون عالماً بالاستثناء ومقداره، فحينما نقول مثلاً: إن قاعدة: إن رواية الثقة مقبولة أو ليست مقبولة؟ وهل هي قاعدة أو ليست بقاعدة؟ هي قاعدة، لكن هل هي مطردة؟ ليست مطردة؛ لأن الثقة قد يخطئ ويهم ويغلط، وغير ذلك. لكن ما هي مواضع الوهم والغلط لدى الثقة؟ هذا هو المشكل في هذا الفن.

    إذاً نقول: إن فهم القواعد سهل، ولكن ما ند عن القاعدة من الاستثناء صعب، وكذلك مقدار ذلك الاستثناء مما يند عن القاعدة أيضاً صعب جداً.

    1.   

    أهمية معرفة الاستثناءات في قواعد علم الحديث

    إن علم قواعد الحديث تسهل على طالب العلم الحكم على الأحاديث والجسارة عليها، فإذا أخذ هذه القاعدة استطاع أن يحكم، ولكن يقع لديه كثير من الخلل في هذا الباب، ولهذا نقول: ينبغي أن يتلازم معرفة القاعدة مع معرفة ما خرج عنها، وما خرج عنها هو نوعين: مقداره ونوعه، مقداره من جهة الحجم والكثرة، وكذلك تعداد هذه الأنواع والصور، منها ما هي كثيرة جداً، فالقاعدة سهل على الإنسان أن يكون عارفاً بها باعتبار أنها الغلبة، ولذلك أنت تعرف أن هذا الكوكب يخرج من هذه الجهة، فهو إذاً لمدة مائتين يوم أو ثلاثمائة يوم من السنة يخرج من هذه الجهة، لكن في بقية الأيام له ستة مخارج أو سبعة مخارج يميل عنها قليلاً، فهنا تعدد الاستثناء.

    إذاً القاعدة أسهل لدى الإنسان من جهة التعلم، وأوفر له من جهة الإصابة، ولكن إذا لم يكن عارفاً بحجم الاستثناء، وكذلك عدمه ومواضعه وقع في الوهم والغلط.

    وهنا إشارة مهمة ينبغي أن نفهمها، أن علم الحديث وعلم العلل ليس علم قواعد، علم القواعد سهل.

    مكمن الخطورة في عدم معرفة الاستثناءات في قواعد علم الحديث

    وتظهر الخطورة في هذا الباب أن الاستثناء إذا كان كثيراً كأن تكون القاعدة حجمها (60%) أو (55%) فحينئذٍ يقع لدى الإنسان الوهم والغلط، وهذا ما نسميه بالفرق بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين، فالعلماء الأوائل عرفوا القاعدة والاستثناء، والمتأخرون عرفوا القاعدة وعرفوا شيئاً من الاستثناء، أو ما عرفوه أبداً، فعندهم الراوي الثقة ثقة على الإطلاق، وحديثه صحيح على الإطلاق، والراوي الضعيف حديثه مردود على الإطلاق، وهذه قواعد صحيحة لكنها ليست مطردة، ولهذا نقول: ينبغي أن نعلم أن هذه المصنفات إنما وضعها العلماء تقريباً لهذا العلم.

    وأنا أريد أن أبين لكم بالنظر أن الإنسان إذا لم يعرف الأفراد ما استطاع أن يصنع القواعد، ولا ما ند عنها، أي: إذا لم يكن عارفاً للأعيان بأفرادهم.

    مثلاً أنا الآن رجل غريب عن هذا البلد وهو الأردن، وأنا حينما أرى أهل الأردن بجميع أنواعهم وأشكالهم، أرى أنهم من أهل بلد واحد ولغتهم واحدة، لكن أنتم تعرفون أن هذا من البلدة الفلانية وهذا من البلدة الفلانية، لماذا؟ لأنكم عشتم أحوالكم، ونظرتم إلى وجودكم وعرفتم ملامحكم ولهجاتكم، فاستطعتم أن تميزوا، فأهل الأردن نقاد لأهل الأردن، بخلاف أنا أجنبي كحال المتأخر الذي يريد أن يوازي أحمد و أبا حاتم ونحوهما.

    وحينما نذهب كذلك إلى بعض البلدان كالصين واليابان ترى أنهم إخوة، لكنهم يستطيعون أن يميزوا فيما بينهم، بينما أنت لا تستطيع أن تميز بينهم، فأنت المتأخر بالنسبة لعلم الحديث كحالك حينما تنظر إليهم، لكن بالنسبة للأئمة الأوائل إذا أرادوا أن ينظروا للحديث عاشوا مع الحديث وحفظوه، وضبطوا أعيانه وأفراده، واستطاعوا أن يميزوا بلا دلالة، يعني: لا يستطيع أن يدلل أن هذا دخيل عليهم، كما تميزون أنتم أن هذا دخيل عليكم، أو هذا من الأطراف، أو من الوسط، أو من الشرق أو من الغرب، وهذا ما يسمى بالملكة التي ليس لها قاعدة.

    تسمية أئمة الحديث بالنقاد والصيارفة

    والعلماء يسمون أهل الحفظ وأئمة الحديث بالنقاد لماذا؟ أخذاً من النقدين الذهب والفضة، ويسمون بالصيارفة، من الصرف بمعرفة المزيف عن غيره.

    ولهذا تجد الصيارفة الذين يتعاملون بالنقدين الذهب والفضة ينظر إلى هذه العملة، ثم يقول: هذه العملة مزيفة، مع أنك ترى أنها مطابقة لها، ولهذا كان النقاد الأوائل والصيارفة للذهب والفضة حينما يأتيهم أحد بدينار أو درهم يقوم بوضع الدينار والدرهم على حصاة ثم يسمع طنينه، ولطنينه تمييز، فيقول: هذا مزيف أو غير مزيف، وحينما تأتي أنت تقول: ما الفرق بين هذا الطنين وهذا الطنين هل يستطيع أن يشرح لك؟ لا يستطيع، ولهذا ابن أبي حاتم رحمه الله ذكر عن أبيه وعن أبي زرعة يقول: أتيتهم بعشرين حديثاً، وسألت أبا زرعة عن حاله فيقول: هذا منكر، وهذا لا أصل له، وحينما أقول لهم: لماذا؟ يقول: لا أدري، لكن هل يستطيع أن يدلل؟ لا يستطيع أن يدلل؛ لأن الشاذ لا يمكن أن يدلل عليه، وهذا هو علم العلل؛ أي: أن ينقدح في ذهن الإنسان انقداحاً شديداً أن هذا دخيل وهذا مزيف، فالقاعدة سهل أن الإنسان يدلل عليها.

    حتى في أهل الطب تجد أن الطبيب ينظر إلى ملامح الإنسان ويقول: أنت فيك كذا؟ لأنه عرض عليه ألف أو ألفان أو عشرة آلاف شخص، فعرف أن ملامحهم تشابه ملامح هذا الوصف، ولكن لو جاءه هذا منفرداً ولم يأت أحد قبل هل يعرفه أو لا يعرفه؟ لا يعرفه، كحالك أنت حينما يأتيك حديث منفرد، ولم يمر عليك حديث قبل ذلك تريد أن تطبق عليه قواعد علم الأحاديث فتقوم بتصحيحه وهو ضعيف، أو بتضعيفه وهو صحيح، وتجد أن الأئمة قد خالفوك في ذلك، وتقوم بالجسارة على الأئمة.

    ولهذا نقول: إن علم الحديث هو علم معرفة ما خرج عن علم العلل، وعلم ما خرج عن القواعد، أما هذه القواعد فيسهل على الإنسان أن يعرفها.

    1.   

    سبر أحاديث الرواة

    كما ينبغي أن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث أصحابه بالأحاديث، والصحابة حدثوا بها التابعين، والتابعون حدثوا بها أتباع التابعين، فلما دونت هذه المصنفات وأصبحت في دواوين كان الأئمة قبل ذلك ينشغلون بالرحلة والطلب، فيذهبون من المدينة، ويذهبون من العراق إلى اليمن، وإلى مصر ونحو ذلك، ويرتحلون، ولم يكونوا متفرغين لصناعة هذه القواعد، وإنما لهم كلام في النقد؛ دافعهم في ذلك عدم التقيد بالقواعد، وإنما البحث عن قوة الملكة وتحصيلها، ولهذا لا يستطيع الإنسان إذا ضعفت ملكته من جهة الحفظ أن يحكم على الحديث، أو أن يستوعب وجه العلة التي أعل بها ذلك الإمام تلك العلة في موضع الحديث أن يبصرها.

    ولهذا أنت حينما تخالط شخصاً لمدة عشر سنوات، أو عشرين سنة، ويأتيك شخص آخر ويقول لك: فلان قال كذا، وأنت تعلم بأدب الرجل وعقله وخلقه ماذا تقول؟ تقول: هذا الكلام غير صحيح، فلان لا يقول هذا الكلام، تأكد. لماذا أنت أنكرت هذا؟ هل أنكرت بنظر العقل هكذا، أم بسبر حاله؟ بسبر حاله.

    المراد بالسبر

    والسبر هو إدامة الإنسان للنظر إلى أشياء ليخرج بحكم على شيء واحد، والتدليل على السبر ضعيف، فلا يستطيع أن يقوى عليه الإنسان، وكذلك بالنسبة للأحاديث، فإن الأئمة الأوائل كـسفيان بن عيينة ، و الثوري ، و يحيى بن معين ، و ابن مهدي ، وكيع بن الجراح ، و أحمد بن حنبل و شعبة بن الحجاج وغير هؤلاء من الأئمة الحفاظ، كانوا يحفظون عشرات الآلاف من الأحاديث، فإذا جاء حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام تركيبه لا يجري على ما عندهم يقولون: هذا حديث منكر، وأنت تستغرب وتنكر هذا الأمر، ومن ثم تقوم بتطبيق هذه القواعد التي تدرسها على ذلك الإمام، وتكون حكماً على أهلها، حكماً على يحيى بن معين ، على علي بن المديني الذي لديه ذلك الكم الكبير من الأحاديث.

    الفرق بين علماء العلل وعلماء العقل في إنكار الأحاديث

    هل العلماء عليهم رحمة الله حينما ينكرون حديثاً ينكرونه بالتشهي والنظر العقلي، أم ينكرونه بموجب أحاديث نبوية لديهم؟

    هذا الفرق بين علماء العلل والنقد وعلماء العقل، علماء العقل ينكرون على حسب أذواقهم، وبما يرون من مادة ينكرون هذا الحديث، ولهذا هناك من ينكر مثلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر بالعقل، وينكرون حديث الذبابة بالعقل، وينكرون حديث الدجال بالعقل، وغير ذلك مما يرونه محالاً، فهذا علل الحديث ورد الحديث بالنظر العقلي المجرد، لكن أولئك نظروا إلى سبر النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في عشرات الآلاف من الأحاديث، ثم جاء حديث دخيل عنها، لا من جهة التركيب ولا من جهة المعنى، فيقومون ويقولون: هذا حديث منكر.

    والسبر باب من لم يلجه لا يحسن العلل، ولا يحسن الخوض فيها.

    الأمور التي يتحقق بها السبر

    والسبر لا يتحقق للإنسان إلا بأمور:

    أولاً: الإكثار من حفظ الأحاديث، وكلما أكثر زاد سبره؛ لأنه إذا أخذ من الأحاديث ازداد للسبر، وتكون لديه عينات كثيرة، فيأخذ ويحفظ من الأحاديث، ولهذا نقول: ينبغي للإنسان أن يكثر من حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكلما كان من أهل الإكثار للسنة استطاع أن يكون من أهل الملكة بمعرفة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وعليه أثناء حفظه أن يميز بين الصحيح والضعيف، وبين الموضوع وغيره، حتى لا تلتبس عليه الأشياء.

    ثانياً: أن يكون عارفاً بالرواة، سابراً لأحوالهم، فيعرف أن هؤلاء الرواة مدنيون، وهؤلاء مكيون، وهؤلاء كوفيون، وهؤلاء شاميون، وهؤلاء بغداديون، وهؤلاء يمانيون، وهؤلاء مصريون، وهؤلاء خراسانيون، فيميز أولئك عن غيرهم.

    ثالثاً: أن يكون عالماً بفقه الرواة، فالرواة متعددون، ولهم فقه ولهم مدارس.

    والرواة على نوعين: النوع الأول: رواة لهم رواية ولا دراية لهم، رواية ونقلة. النوع الثاني: رواية وأصحاب دراية وفقه. فلا بد أن نميز؛ لأنه ليس كل الرواة الذين نجدهم في الكتب الستة ومسند أحمد وغيرها، هؤلاء فقهاء، ومنهم حفاظ ومنهم نقلة، فلا بد أن يميز الإنسان هذا عن هذا؛ لأن الإنسان إذا وجد لديه إسناد فإنه لا ينظر إلى ثقة الراوي وعدالته فقط، بل ينظر إلى ما هو أبعد من ذلك، هل هو فقيه أو ليس بفقيه، وإذا كان فقيهاً ففي أي باب من أبواب الفقه، وإذا كان فقيهاً فهل هذا الفقه الذي عنده يوافق الحديث الذي رواه أو لا يوافق، وإذا وافقه وجاء عنه ما يؤيد ذلك، فإن هذا من قرائن التقوية، وإذا خالفه فإن هذا من قرائن الإعلال، وهذا أمر خارج عن تلك القواعد.

    رابعاً: لا بد أن يكون عارفاً ببلدان الرواة، فإذا وجدت إسناداً كبيراً جداً لا بد أن يكون موجوداً في المدينة ومكة، فإن الوحي نزل في مكة والمدينة، فهل بالإمكان أن يأتيك حديث شامل من أوله إلى آخره في مسألة عظيمة جداً من مسائل أعمال اليوم والليلة؟ وهل يمكن أن ينفرد الشاميون أو العراقيون أو المصريون أو الخراسانيون بمسألة من مسائل الأذان عن النبي عليه الصلاة والسلام؟ أو مسألة من مسائل الصلاة؟ لا. فإن الوحي ما نزل عليهم.

    خامساً: تعدد الحديث، فإذا تعدد الرواة نقلة له من بلد إلى بلد، فاجتمع خمسة رواة من خمسة بلدان في حديث واحد، ولا يوجد عند غيرهم، فإن هذا من أمارة الإعلال.

    ولذلك حينما يقوم الكثير بالنظر في الرواة ينظر إليه إلى اسمه وإلى ثقته فقط، والأئمة يعرفون أن هذا ساكن في الكوفة، وشيخه في الأردن، وشيخ شيخه في مصر، وشيخ شيخه في اليمن، ثم رجع إلى خراسان ثم ذهب إلى المدينة، هذا يصح؟ قد تنظر إلى أنهم ثقات، لكن عند العلماء لا يصححونه؛ لأن هذا الحديث دخل البلدان ولم يتلقفه الأئمة، كما يتلقف الناس التجارة، إذا دخلت البلدان وخرج الناس إليها، وحينئذٍ تجدون شعبة و ابن مهدي و وكيع بن الجراح على أبواب البلدان ينتظرون الرواة نقلة الأخبار، وهذا الحديث دخل البلدان كلها، ثم لم يوجد إلا عند أولئك، ولهذا العلماء حينما يحدث راوٍ كوفي عن دمشقي عن مصري عن يماني عن خراساني، مباشرة ينتقلون معه حال ورود الإسناد، ثم يقولون: توقف، فلا حاجة لنا بهذا الحديث، لماذا؟ ما هي علته؟ لا يستطيع أن يحمل واحداً منهم، لكن هذا التركيب منكر، ولهذا يختصرون ذلك بقولهم: هذا حديث منكر.

    وأنت حينما تنظر إلى القواعد تنظر إلى تراجمهم تقول: هؤلاء الرواة ثقات، ولهذا نقول: لا بد من معرفة الرواة، ومعرفة فقههم الذي يقودهم، فإذا كان الإنسان بصيراً بفقههم الذي يروونه كان من أهل السبر.

    سادساً: أن يكون عالماً بأحاديث الباب المروية، كأن يكون الحديث مثلاً في أحكام الصلاة فيكون عارفاً بأحاديث الصلاة كلها، بحيث حديث يرويه كبار في باب من الأبواب، وهذه الرواية التي يرويها الكبار هي في مسألة من المسائل اليسيرة جداً في الفروع، ويرويها رجل ضعيف أو متوسط الرواية مثله يحسن، فالعلماء لا يقبلون مثل هذا، لماذا؟ لأن هذه الرواية رواية كبيرة ينبغي أن يحملها من هو أكبر منه.

    ولهذا نقول: إن المعاني كالمباني لها حملة، وللحملة أبدان ينبغي أن يكونوا أصحاب قوة، فإذا كان هناك رجل ضعيف وهزيل جداً، وأتاك بحجر وزنه مائة كيلو جرام، وقال: أتيتك بهذا الحجر من عمان إلى أربد فماذا تقول له؟ تقول: هذا الكلام ليس بصحيح، فأنت لا تحمل هذا، وكذلك إذا جاءك بمسألة من مسائل الدين والأصول الكبيرة.

    ولنضرب لذلك مثلاً براوٍ متوسط الرواية، وليس له إلا خمسة أحاديث أو ستة أحاديث، ثم جاء بمسألة كبيرة من مسائل الدين، فإننا نقول: هذه ليست لك، أنت ضعيف، نعم أنت صاحب ديانة، لكن الوهم دخلك في هذا الموضع، فأنت لا تحملها، لماذا؟ لأن المعاني والأحاديث لها حملة، كحال الحجارة الكبيرة لا بد أن تكون السلسلة في ذلك قوية، ولكن نقول: أنت لو أتيتنا بحجر يسير الحجم لقبلناه منك، وهذا يقابله عند الراوي لو أتانا مثلاً بفضل التسبيح، فضل التهليل، فضل الوضوء أو شيء من هذا، فإن هذه المسائل من فضائل الأعمال ونحن نقبلها منك، لكن أن تأتينا بمسألة من أعلام مسائل الدين فإننا لا نقبلها منك، ولهذا العلماء ينظرون إلى فقه الراوي والمروي في هذا الباب، وكذلك إلى أحاديث الباب.

    أمثلة تطبيقية لسبر الأحاديث

    وحتى نفهم ونتصور هذه المسألة فإننا نقول: إن الدين إحكام وغاية في الإحكام، الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود:1]، أحكمه الله ثم فصله لرسول الله صلى الله عليه وسلم بياناً وتنزيلاً له عليه الصلاة والسلام.

    ولهذا مثلاً ما جاء في حديث عبد الله بن عمر في الوضوء من ألبان الإبل، والحديث قد يحسنه البعض، لكن إذا كنت بصيراً بالفقه الوارد في هذا، والأحاديث الواردة في الباب فإنك ستقوم بإنكاره، مع أنك تجد من يحسنه، ولماذا أنت تقوم بإنكاره؟ هل الناس تأكل لحم الإبل أكثر أو تشرب اللبن أكثر؟ تشرب اللبن أكثر، خاصة في الزمن الأول.

    وهنا نلاحظ أن اللحم الذي لا يطرأ على الإنسان إلا في الأسبوع أو في الشهر مرة جاءت الأحاديث فيه صحيحة، كحديث جابر و البراء وغيره، أما اللبن الذي تعم به البلوى فقد جاء في حديث دون ذلك في الصحة، وكان ينبغي أن يكون إسناد حديث اللبن أقوى من إسناد حديث اللحم، إذاً أنت أعللت حديثاً بحديث آخر منفك عنه ومنفصل، ولم يخطر في بالك ما لم تكن مستوعباً لأحاديث الباب، فهل هذا نظر صحيح أو ليس بصحيح؟ وهل تجده في قاعدة مدونة: إذا أتتك أحاديث اللبن فإنك لا تصححها حتى يأتيك أحاديث أقوى من أحاديث اللحم، هل يأتي هذا؟ لا يأتي، ومن أين يأتيك؟ يأتي من الملكة، والتي تكون لدى الإنسان كلما كان الإنسان ضابطاً وحافظاً للسنة والأحاديث التي في الباب، فيخطر لديه حديث في هذا الباب، ويقوم بتقويته أو تضعيفه، وربما يجتمع لديه شواهد كثيرة جداً.

    كذلك هل الإنسان ينام أكثر أو يشرب حليب الإبل أكثر؟ يشرب الحليب أكثر، أي: في الصدر الأول كانوا يشربون الحليب أكثر؛ لأنه ينام مرة أو مرتين، ويشرب الحليب في الصباح وفي المساء، وليس لهم إلا هذا، لبن أو تمر، وإذا سافر كان على مثل هذا الحال، ولهذا تستطيع أن تعل حديث الوضوء من اللبن بنكارته؛ لأن أحاديث النوم جاءت أقوى منه.

    وكذلك ما يتعلق بنواقض الوضوء واستحبابها مما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام جاءت بأقوى منه، وهذا أكثر مماسة للناس في هذا الأمر.

    وكذلك ما يتعلق ببعض أدعية النبي عليه الصلاة والسلام أو غير ذلك التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثلاً قنوت الوتر في حديث الترمذي في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( اللهم اهدنا فيمن هديت، وتولنا فيمن توليت )، إلى آخر الخبر، قال: (كان يقوله في وتره)، وبالنظر من جهة إمكانه نقول: لو كان هذا موجوداً لكان الأولى أن ينقل لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأدعية الكثير، لماذا؟ لأن الوتر يفعله الإنسان في كل يوم، والنبي صلى الله عليه وسلم عاش في ذلك زمناً طويلاً، فلماذا لم يعلمه إلا لسبطه الحسين بن علي ، ولهذا نقول: إن مثل هذا ينبغي أن يشتهر ويستفيض، وقد اشتهر واستفاض ما هو دونه عنه عليه الصلاة والسلام، وحفظت أدعيته في هذا الباب.

    فائدة علم السبر فيما يخص حال الرواة

    علم السبر دقيق جداً، وله تفاصيل وأجزاء كثيرة، حتى في علم الرواة في نقلة الأخبار، الراوي إذا روى حديثاً مثلاً في بلد من البلدان تنظر إلى طبقة ذلك الراوي والشيوخ، هل لهم فقه في هذا الباب أو ليس لهم فقه؟ هو يروي، عمن يروي؟ يروي عن شيخه أو لا يروي عن شيخه، هذا الفقه مباشرة، وإذا كان من يروي هذا الحديث مثلاً في الكوفة أو في البصرة، هل يوجد في المدنيين حديث مشابه لهذا؟ فإذا كانت المسألة منفصلة ومنفكة في الشام، ولا توجد في المدينة على الإطلاق فإن هذا يوحي بوجود النكارة، فإن الدين لم ينزل إلا في المدينة ومكة، وشيء يسير في غيرها، وأما ما عدا ذلك فإنه لا بد أن يكون قد خرج منها.

    ولهذا نقول: قد يعل الإنسان حديثاً ظاهره الصحة في بعض البلدان لسببين منفصلين عنها:

    السبب الأول: ألا يوجد في الحجاز فقهاً، لا نريد الحديث كرواية، لا يقول به أهل المدينة، ولا يقول به أهل مكة.

    السبب الثاني: ألا يوجد رواية، يعني: ليس له إسناد لا في مكة ولا في المدينة، هذا من قرائن الإعلال، وهذا يوجد لدى الإنسان إذا كان ضابطاً للمرويات عارفاً أن هذا الحديث موجود عند أولئك أو ليس بموجود عند أولئك.

    ولهذا نقول: أعسر شيء أن يدلل الإنسان على سبره؛ لأنك لا تستطيع أن تبرهن في هذا، وهذا كسائر العلوم كما تقدم الإشارة إليه كعلم النقدين، معرفة الذهب والفضة، فأحياناً الناقد يعرف أن هذا فيه غش يسير من الذهب، ثم تقول له: ما التدليل؟ فلا يستطيع أن يدلل لك، لماذا؟ لأنه قد ميز عشرات الآلاف من الدنانير والدراهم، ثم عرف من أول نظرة أن هذا اللون ليس ذلك اللون، نعم أنت تراها وتقارنها فتقول: هي متساوية، وهو يسمع طنة هذا وطنة هذا، ويرى أنها مفترقة، وأنت ترى أنها متساوية.

    ولهذا نقول: بقدر حذق الإنسان وكثرة استيعابه يعرف ما ند عن القاعدة.

    ونحن في هذا الكتاب عند النظر في علوم القواعد وما يسمى بمصطلح الحديث نجد أن هذا الأمر سهل، لكن ينبغي للإنسان أن يحذر عند التطبيق، فينبغي للإنسان ألا يكون جاسراً في مقابل أولئك الأئمة الذين عرفوا الأحاديث، وعرفوا الفقهيات، وعرفوا الرواة وغير ذلك.

    أحياناً أشياء يسيرة جداً تؤثر على تقوية الحديث عند الأئمة، والغالب في نظر طلاب العلم أنهم إذا أرادوا أن ينظروا في الراوي أن ينظروا في ترجمته، وهل هو ثقة أو ضعيف فقط، وهذا نظر قاصر، فلا بد أن تنظر في حرفته، ماذا يعمل؟ هل هو راوٍ أم مؤذن أم إمام مسجد أو غير ذلك؟ هل هو ممن ذكر في الجهاد أو نحو ذلك؟ فإن هؤلاء يضبطون ما اعتنوا به، ولو كان في ذاته إذا روى حديثاً في غير بابه لعد ضعيفاً، فتجدهم يقولون: فلان بن فلان المؤذن، ويروي حديثاً في الأذان فهذا يعتني بأحاديث بابه، أو وصف بالقضاء، فإنه يعتني بأحاديث القضاء أكثر من غيره، ويكون ضابطاً لها؛ لماذا؟ لأنه يمارسها أكثر من غيره، فيكون لديها تأثير عليه من جهة العناية بها.

    وثمة قرائن أحياناً تكون غائبة حتى التدليل عليها صعب، مثلاً يوجد في الإسناد راوٍ فقيه، وعلى ما تقدم فإن الرواة على نوعين: رواة أصحاب رواية ولا دراية لهم، ورواة لهم رواية ودراية، يعني: لديهم فقه، فإذا كان هذا الراوي لديه فقه، ثم وجدنا الحديث يدل على مسألة هو يقول بخلافها، فالأئمة الأوائل من الرواة لا بد أن يطوعهم الحديث عليهم، وما يتركونه إلا لسبب، وأحياناً لا يوجد لهذا الراوي قول فقه، لكن شيوخ هذا الراوي بجميعهم على خلاف هذا الحديث، فإن هذا قرينة على الضعف، لماذا؟ لأنه لا بد أن يؤثر هذا على الأقل في الشيوخ أن يخبرهم أن لديه هذا الحديث.

    فائدة سبر أزمنة الرواة

    كذلك من وجوه السبر: سبر أزمنة الرواة، يعني: من جهة عمره وتمكنه فيهم، وكذلك من أدرك ومن لم يدرك، ونحو ذلك له أثر في العلل.

    والغالب في قواعد علوم الحديث ينظرون إلى مسألة الإدراك مجردة هل سمع منه أو لم يسمع؟ ونحن نقول: هناك معنى هو أدق من ذلك، وهو مدة الإدراك، أي: الزمن الذي أدرك فيه، وهذا أيضاً من وجوه السبر.

    وحتى تتضح الصورة مثلاً إذا وجد راوٍ يحدث عن راوٍ، ويحدث هذا الراوي عن راوٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلهم ثقات، فإنك تجد الأئمة تارة ينكرون شيئاً في مثل هذا، والتدليل عليه ليس بظاهر، وإنما أثره بالزمن، وما هو أثره بالزمن؟

    لنضرب على ذلك مثلاً بأن يكون أحد الرواة عمره ثمانون سنة، وحدث عنه تلميذ له أدركه في الخمس السنوات الأخيرة، وولد التلميذ قبل وفاة الشيخ بعشرين سنة، أي: أن عمر الشيخ عند ولادة التلميذ ستون سنة، ثم عشر سنوات ليست مرحلة سماع، فتكون مدة تدريس الشيخ سبعين سنة، فهل الحديث لديه ينتظر أن يولد هذا الراوي حتى يحدث به؟ لا. خاصة إذا كان الحديث كبيراً ولديه معنى، وخاصة إذا كان الشيخ الذي عمر إلى ثمانين توفي مبكراً، وأصبح الحديث في جعبته أربعين سنة، فهل ينتظر هذا التلميذ حتى يولد؟ وهل هذا ممكن؟ هذا ضعيف وضئيل جداً، ولهذا تجد الأئمة يقولون: هذا حديث منكر، وما يدللون عليه، وأنت قد تبحث عنه أسبوعاً وأسبوعين وتبحث عن وجه العلة، ثم ينقدح لك أن هذا هو السبب.

    ولهذا تجد في حديث أبي هريرة عليه رضوان الله في إنكار الأئمة لحديثه فيمن ذرعه القيء أو استقاء حال الصيام، وهذا الحديث في السنن يرويه أبو هريرة ، وعن أبي هريرة يرويه ابن سيرين ، وبين وفاة أبي هريرة و محمد بن سيرين عشرات السنوات، فلماذا لم يحدث به محمد بن سيرين إلا لراوٍ واحد؟! هذا قرينة على شيء، إما أنه يكتمه ولا يريد أن يحدث به أحد، لماذا؟ لأنه أحياناً يكون لدى الإنسان خبر، وهو يعلم أن الناس لا تصدقه، وهو متأكد منه، فلا يحدث به أحداً، وفي نفسه منه شيء، ولهذا بعض الرواة يكتم الأحاديث، لماذا؟ وإن كانت أسانيدها عنه يرى أنها صحيحة، ولهذا الأوزاعي يقول في حديث صيام يوم السبت: ما زلت أكتمه حتى اشتهر، فلما اشتهر قام بإخراجه.

    ولهذا نقول: إن علم العلل هو علم دقيق في أبواب السبر يتعلق بوجوه متعددة ذكرنها هنا على سبيل الاختصار.

    ونحن سنأخذ هذه القواعد التي يذكرها المصنف رحمه الله من جهة تقسيم الأحاديث، وبيان الهيكل العام لعلم الحديث، القواعد العامة في ذلك، ولكن الغوص في الاستثناءات هذا من الأمور الصعبة.

    1.   

    الحذر من الحكم على الأحاديث والجسارة على أئمة الحديث

    وينبغي لطالب العلم أن يكون حذراً من الجسارة على الأئمة والحكم على الأحاديث مجرداً لمعرفته بهذه القواعد؛ لأن بضاعة المزجاة من جهة الحفظ ومن جهة معرفة الرواة ومن جهة الفقه ومن جهة فقه الرواة هؤلاء الذين فقهوا ومن جهة فقه البلد الذي هو فيه؛ لأن الحديث إذا كان في بلد من البلدان لا بد أن يؤثر فيها، ولا بد أن يقف وأن يقصد الكلام فيها، فإذا كان الحديث كوفياً من أوله إلى آخره، وقول الكوفيين على خلافه، فهذا أمارة على نكارة هذا الحديث؛ لأنه لا بد أن يحدث انشقاقاً فيه؛ لأنه أئمة فقه وديانة وورع، فكيف يجدون حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقولون به.

    1.   

    طرق الخبر الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم

    قال المصنف رحمه الله: [ الخبر إما أن يكون له طرق بلا عدد معين، أو مع حصر بما فوق الاثنين أو بهما، أو بواحد: فالأول: المتواتر المفيد للعلم اليقيني بشروطه. والثاني: المشهور وهو المستفيض على رأي. والثالث: العزيز، وليس شرطاً للصحيح، خلافاً لمن زعمه. والرابع: الغريب. وكلها سوى الأول آحاد ].

    الخبر هنا شامل للحديث المرفوع والموقوف والمقطوع، وأراد المصنف بذلك على سبيل العموم.

    ثمرة تقسيم طرق الخبر إلى متواتر وآحاد

    وهذه التقسيمات في المتواتر والآحاد إنما جاءت من جهة الأصل من المتكلمين، وأكثر المحدثين تأثراً بهذه المدرسة هم محدثو الشافعية، ومحدثو الشافعية من أكثر الأئمة عناية بقواعد الحديث ومصطلحه، وهذا أمر ظاهر فيهم، ولهم فضل على كثير من المحققين من المتأخرين وغيرهم في هذا الباب، وأكثر المصنفات في علم المصطلح وقواعد الحديث هي لأئمة الشافعية، ويأتي في هذا مصنفات الحافظ ابن حجر رحمه الله، وكذلك ابن الملقن و الهيتمي و الذهبي و ابن كثير وغيرهم من الأئمة، وهؤلاء هم أئمة شافعية وهم أئمة الحديث، وعلم القواعد تأثر ببعض كلام المتكلمين في هذا، وقد ثبتت بعض التقسيمات وطرأت على هذا العلم، ومنها ما يتعلق بالتواتر والآحاد.

    وهذا التقسيم من جهة العلل لا ثمرة له من جهة التطبيق، ولماذا لا ثمرة له؟

    يقولون: إن المتواتر ما أفاد علماً يقينياً، والآحاد ما أفاد علماً ظنياً، ومثل هذا الأمر لا يسلم لهم على سبيل الإطلاق، باعتبار أنه ليس كل آحاد يفيد الظن، وقد يفيد للإنسان يقيناً وهو خبر واحد، فقد يكون خبر واحد راوي كبير أفضل من رواية اثنين دونه، فرواية الكبار كـمالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أقوى من ثلاثة أسانيد للمتوسطين من غيرهم، فذات العدد في ذاته ليس معتبراً في كل حال.

    كذلك: فإن العلماء في حد المتواتر والآحاد مختلفون، وبالأخص المتواتر، أي: ما هو العدد الذي إذا روى بعضهم عن بعضهم استحال تواطؤهم على الكذب؟ هذا موضع خلاف، وإذا كانوا من جهة الأصل مختلفون في ضبطه وتحديده، إذاً على هذا ثمة خلاف داخل علم اليقين.

    وكذلك يقولون: إن علم اليقين ما أفاد علماً ضرورياً، وعلم الظن ما أفاد علماً نظرياً، يعني: يحتاج إلى نظر، وهذا عند المتكلمين كبعض العمليات الحسابية القطعية، وبعض العبارات العامة كأن يقول الإنسان: الكل أكبر من الجزء، والجزء أصغر من الكل، وغير ذلك.

    إذاً العلم المتواتر هو ما أفاد علماً يقينياً، وعلم اليقين هو ما أفاد علماً ضرورياً، يعني: بالضرورة يؤمن به الإنسان. وكذلك ما أفاد علماً ظنياً قالوا: هذا يفيد العلم النظري، يعني: لا بد للإنسان أن ينظر في ذلك.

    ونحن نقول: إن هذا الكلام أيضاً بحاجة إلى نظر؛ لأنهم مختلفون في حد الحديث المتواتر، فمنهم من يقول: ما بلغت الطرق اثنا عشر، ومنهم من يقول: بلغت الأربعين، ومنهم من يقول: الثلاثمائة أو نحو ذلك، وهل هذا يؤمن به الإنسان بداهة أو لا بد من أن ينظر فيه؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يدخل في باب التواتر إلا وأخرج الطرق الضعيفة من الصحيحة، ثم بعد ذلك قام بعدها، وهذا نظر، وليس بضرورة.

    وعلم التواتر على كلامهم هو أقوى من هذا، وما يفيد الإنسان ضرورة أن يعرف أن هذا أكبر من هذا، الكل أكبر من الجزء، والجزء دون ذلك، ويدخلون في هذا بعض المسائل واحد زائد واحد يساوي اثنان.

    ولا يمكن أن يصل الإنسان في علم الحديث إلى المتواتر ومعرفته إلا بعد عد وفرز للصحيح والضعيف، ثم يعلم بذلك إكمال العدد على خلاف عندهم في ذلك.

    أما ما أفاد علماً نظرياً، فهو أن يقول الإنسان: إن عشر نصف العشرة نصف، وهذا يحتاج نوعاً من التأمل والنظر، ثم يخرج بنتيجة تفيد الإنسان علماً لكنه بالنظر، ولا يعني أن نظره في ذلك يعطيه ظناً، بل قد يعطيه بعد ذلك يقيناً أنه عرف مثلاً أن خمس نصف العشرة واحد، وهذا يحتاج أيضاً إلى نظر، ثم إذا نظر بعد ذلك أفاده علماً يقيناً، وقد يكون في النهاية يصل إلى حد اليقين في علم النظر كما يجده في علم الضرورة.

    وخبر الآحاد هو ما ليس بمتواتر، ويعرفونه يقولون: ما أفاد علماً ظنياً، أو يقولون: ما أفاد علماً بالنظر لا بالضرورة، يعني: لا بد أن الإنسان أن يتفحص وأن يسأل عنه، فلا يعطيه علماً بداهة، يعني: هكذا من غير تدليل، فيقولون: الشمس إذا رآها الإنسان لا يحتاج إلى تدليل عليها؛ لأنه لا يستطيع أن يثبتها لوجودها مجردة؛ ولأن كل الدلائل هي أضعف منها، وإذا أراد الإنسان نفيها فلا يستطيع أن يقاوم النفي؛ لأن النفي أضعف من أن يعالج، فإذا أتاك شخص وقال لك: هذه ليست شمساً، هذا كوكب آخر؟ هل تستطيع أن تثبت له أن هذه شمس؟ لماذا؟ لأن هذا الاعتراض أضعف من أن يرد، وحينئذٍ ماذا تفعل مع هذا الرجل؟ قد تحكم عليه بالجنون.

    ولهذا نقول: إن علم التواتر والآحاد على طريقة المتكلمين لا أثر له في أبواب الصحة والضعف، ولكن العلماء يأخذونه من باب التقسيم، وكون الإنسان يسبر الطرق، ثم يعرف القرائن، ولأن أكثر الطرق أقوى من الطريق الواحد، وهذا في الأغلب، وليس على الاطراد، فيستفاد منه من هذا الوجه.

    أثر تقسيم خبر الآحاد

    وقوله: (والثاني: المشهور، وهو المستفيض على رأي. والثالث: العزيز، وليس شرطاً للصحيح خلافاً لمن زعمه، والرابع: الغريب، وكلها سوى الأول آحاد) هذه التقسيمات: المستفيض والمشهور والعزيز والغريب، هي لخبر الآحاد، وهي تعطي الإنسان قرينة، لكنها لا تعطيه قطعاً، لماذا؟ لأننا إذا قلنا: إن المتواتر أصلاً مع قوته في مقابل الآحاد ليس له أثر في أبواب العلل قطعاً، فكذلك تقسيمات الآحاد فيما بينها، مع البون في مسألة التواتر عن الآحاد.

    فالطرق الأربعة في الحديث المشهور أو الحديث المستفيض، ومنهم من يجعلهما واحداً على قول، وكذلك في الحديث العزيز أن يرويه اثنان عن اثنين من أول السند إلى منتهاه، وكذلك في الحديث الغريب أن يرويه واحد عن واحد من أول السند إلى منتهاه، فنقول: إنها في ذاتها لا تعطي قوة لهذا على هذا؛ لأن العدد في ذاته لا يعني القوة، ولكنه قرينة، فقد يأتيك راوٍ من الحفاظ الكبار بما يوازي عشرة من غيره كـمالك بن أنس ، و ابن شهاب الزهري ، وسفيان بن عيينة ، وغير أولئك، هؤلاء تستطيع أن تجعل عشرة أو عشرين من الرواة المتوسطين في كفة وهو في كفة واحدة، ولا يقابلهم إذا اعترضوا.

    إذاً: العدد ليس بمؤثر في ذاته على الإطلاق، ولكنه يعطي قرينة.

    إذاً إدخال مثل هذه في علوم الحديث هو فائدته في السبر مجرداً، لا من جهة الأثر في أبواب القواعد.

    1.   

    المقبول والمردود من الأحاديث

    قال المصنف رحمه الله: [وفيها المقبول والمردود، لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها دون الأول، وقد يقع فيها ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار].

    هنا ذكر المصنف رحمه الله أن الآحاد فيها المقبول والمردود، وما ذكر المتواتر في هذا الباب في القبول والرد، وهذا في حال الاتفاق على التواتر من جهة ضبطه وعدمه، فإذا قلنا بضبط العدد وأن الأمة اتفقت على أن المتواتر ما بلغ عدد كذا لقلنا بهذا، ولكن عند المتكلمين الذين وضعوا هذا التقسيم هم مختلفون في عدد ما يثبت به التواتر، فإذا اختلفوا في ذلك فكيف نأخذ منهم التقسيم على خلاف عندهم في ضبط العدد، ولهذا نقول: قد يكون متواتراً عند قوم، وهو ضعيف عند أقوام؛ لأنهم لا يؤمنون بالعدد الذي آمن به أولئك؛ ولأنهم لا يسلمون بتواتره أصلاً، فإذا اختلت القاعدة الأصلية اختل الفرع تبعاً له.

    وقوله: (وقد يقع فيها ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار) علم القرائن علم لا حد له ولا حصر، والقواعد أيضاً لا تحصر، لكن يمكن للإنسان أن يجمع أكثرها، أما علم القرائن فلا حد له.

    والقاعدة الواحدة قد يحتف بها عشرات أو مئات القرائن، وقد تكون القرينة أقوى من القاعدة، فتغلبها، وقد تكون القاعدة أقوى، وهذا هو الأغلب، ولكن لكثرة القرائن ووفرتها فإنها إذا اجتمعت تقوى على القاعدة، وهذا تجده كثيراً في مسألة الانقطاع، ومسألة الإرسال، ومسألة الراوي الضعيف، والراوي المدلس وغير ذلك.

    1.   

    الغرابة في السند

    قال المصنف رحمه الله: [ثم الغرابة إما أن تكون في أصل السند أو لا. فالأول: الفرد المطلق. والثاني: الفرد النسبي، ويقل إطلاق الفرد عليه].

    الغرابة على نوعين، إما أن تكون في السند كله من أوله إلى منتهاه، وإن اشتهر بعد ذلك، كحديث: ( إنما الأعمال بالنيات )، وقد توجد الغرابة في طبقة من الطبقات، وهي الغرابة النسبية، أي: بالنسبة لذلك الراوي، كالغرابة بالنسبة للصحابي أو بالنسبة للتابعي، أو لتابع التابعي وهكذا.

    1.   

    شروط الحديث الصحيح لذاته

    قال المصنف رحمه الله: [ وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط متصل السند، غير معلل ولا شاذ، هو الصحيح لذاته].

    قوله: (وخبر الآحاد بنقل عدل) ما المراد بالعدالة؟

    هناك فرق بين العدالة والضبط، العدالة الديانة، ولكن ثمة أمور أيضاً خارجة عن مسألة الديانة.

    فنقول: العدل لا يوصف بالعدالة إلا بتوفر شروط:

    الأول: أن يكون مسلماً، وقد يقول قائل: إن الكافر قد يكون عدلاً، نقول: مع الله لا يمكن أن يكون عدلاً؛ لأننا نتكلم هنا في أمور الديانة وأمور السنة وغير ذلك، فليس بعدل في هذا الباب على الإطلاق، قد يعدل في مال أو في شهادة أو غير ذلك، وهذا مبحث آخر.

    الثاني: العقل، ومن سلب العقل لا يمكن أن ينسب للعدالة لرفع التكليف عنه، واختلال آلة الإدراك معه، فلا يميز بين الصحيح والضعيف والصواب والخطأ، والحق والباطل والخير والشر، فيخلط هذا بهذا، ويغلب هذا بهذا، فحينئذٍ لا نقول: إنه عدل.

    الثالث: البلوغ، وهذا أيضاً يحتاج إلى تفصيل في مسألة العدالة، البلوغ هو الذي يجري معه القلم، وله علامات، وهي من مباحث الفقه التي ينظر فيها إلى تباين الرجل والمرأة في هذا.

    ونقول: البلوغ هل هو شرط مطلق في عدالة الراوي في أبواب التحمل والأداء، أم هو شرط للأداء فقط؟ هو شرط للأداء، وليس شرطاً للتحمل، نعم قد يتحمل الإنسان وهو صغير حادثة ويحدث بها بعد ذلك، فنقول حينئذٍ: إنه شرط للأداء وليس شرطاً للتحمل، فإذا حدث الصغير بحديث وهو صغير دون البلوغ، ثم لم يحدث بهذا بعد ذلك نقول: لا نقبله لماذا؟ لانتفاء العدالة؛ لأن الصغير ضعيف الأهلية، ولا يعلم المسئولية بنقل الحديث، سواءً كان ناقصاً أو زائداً، بخلاف لو كان بالغاً، فإذا كان بالغاً فإنه يعرف تبعات التحديث بالحديث، وأثره ونحو ذلك، وإذا كان صغيراً فإنه لا يدري وربما كان فيه زيادة أو نقصان، ولهذا عبد الله بن عباس عليه رضوان الله سمع أكثر مرويه عن النبي عليه الصلاة والسلام في حال الصغر وقبل بلوغه، وقد توفي النبي عليه الصلاة والسلام و عبد الله بن عباس في أول احتلامه، ولهذا جاء في البخاري في حديث عبد الله بن عباس في حجة الوداع قال البخاري رحمه الله في كتاب العلم: باب متى يصح سماع الصغير، وأورد فيه حديث عبد الله بن عباس قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى إلى غير جدار، فأتيت على أتان- يعني: على حمار-، وأنا قد ناهزت الاحتلام)، يعني: قاربته، وحجة الوداع النبي صلى الله عليه وسلم مات بعدها، قال: (فأطلقت الأتان ترتع بين يدي بعض الصف، وصففت معه)، فهذا دليل على أن الحادثة إذا ضبطها الراوي قبل بلوغه ثم حدث بها بعد ذلك أن هذا التحديث صحيح.

    كذلك أن السماع والتحمل يختلف عن الأداء، اسمعها وأنت صغير، ولكن لا تحدث بها إلا وأنت كبير.

    رابعاً: السلامة من الفسق، فقد يكون مسلماً، لكن وجد شيء يفسق به، وأشد وأخطر ما في هذا الباب هو الكذب، لماذا؟ لأننا نحن نبحث عن المصداقية، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلف العلماء فيه، منهم من قال: إنه كفر، وهذا ذهب إليه إمام الحرمين الجويني ، وأيده بعض الفقهاء، وجمهور العلماء على أنه كبيرة من الموبقات، ولا يكفر صاحبه إلا إذا استحله، فيكون الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام الخلاف فيه على قولين.

    ثم يأتي بعد ذلك من المفسقات ما ظهر به ما يطلق على الإنسان وصف الفسق، كالسرقة أو الغيبة، أو الكذب على سبيل العموم ولو كان على غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك من أصاب حداً بزنا أو شرب خمر أو نحو ذلك؛ لأنه من ضعفت ديانته ضعفت أمانته، وضعف تصديقه كذلك، ولهذا نقول: لا بد أن يكون الإنسان سالماً من المفسقات.

    خامساً: أن يكون الإنسان صادقاً، ومعنى أن يكون الإنسان صادقاً أنه لا يحفظ عنه شيء من الكذب، وإن كان هذا قد يدخل في الباب الأول إلا أن العلماء يجعلونه منفصلاً منفكاً عنه؛ لأنه أصل في هذا الباب، ويهتم به على سبيل الانفراد.

    سادساً: السلامة من خوارم المروءة، وخوارم المروءة تتباين، لكن لماذا قلنا: السلامة من خوارم المروءة مع أن الإنسان غالباً لا يأثم لارتكابه لخوارم المروءة؟ الجواب: لأن الإنسان إذا لم يتهيب نقد الناس ضعف وازع الطبع لديه، ونحن لدينا وازعان: وازع طبع ووازع شرع، فلا بد أن يقوى وازع الشرع ووازع الطبع فيه.

    وخوارم المروءة كثيرة، فالإنسان مثلاً الذي يخرج وما عليه إلا ما يستر عورته، هذا لا نستطيع أن نؤثمه، باعتبار أنه ستر العورة، ولكن أن يخرج في ميادين الناس، فإن هذا من خوارم المروءة، يعني: أنه لم يتهيب نقد الناس، ووازع الطبع لديه ضعيف.

    ولهذا نقول: إن المروءة والخوارم من جهة ضبطها وعدها مما يتباين في الأزمنة والعصور، وكذلك البلدان، فمنهم من يتوسع، ففي بعض البلدان يجعلون الأكل ماشياً من خوارم المروءة، يجعلون ركوب بعض الدواب والحيوانات من خوارم المروءة، وربما يجعلون بعض الحرف من خوارم المروءة وغير ذلك، وهذه من الأمور التي لا حد لها، ويرجع في ذلك إلى العرف.

    وبالله التوفيق والسداد والإعانة، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.