إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [64]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بدأ الله في المحرمات بذكر حرمة نكاح ما نكح الآباء مع أن ما ذكره بعد ذلك أشد حرمة؛ لأن الجاهلية كانوا يتساهلون في نكاح ما نكح الآباء والجمع بين الأختين ولهذا قال الله تعالى بعد ذكرهما: (إلا ما قد سلف) بخلاف بقية المحرمات فكانوا يجتنبونها كنكاح الأم والأخت ونحو ذلك. فلذا ينبغي للداعية أن يذكر الأمور التي يفرط فيها الناس أولاً وإن كان غيرها أولى منها.

    1.   

    تابع قوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد:

    ففي هذا المجلس في الثامن من جمادى الآخرة عام خمس وثلاثين بعد الأربعمائة والألف نكمل كلامنا على قول الله سبحانه وتعالى: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:22] وقد تكلمنا على شيء من أحكام هذه الآية في المجلس السابق، وتكلمنا على أصل التحريم في هذه الآية أن الله عز وجل إنما حرم النكاح، والمراد بالنكاح هو ما يعقد عليه من الوطء، وهذا هو المقصود من هذه الآية، وهو المقصود عند الإطلاق في كلام الله سبحانه وتعالى، والعلة هنا في بيان المحرمات أن الله سبحانه وتعالى أطلق الحل في أول هذه السورة في قول الله جل وعلا: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3]، لما أطلق الله عز وجل الحل ولم يقيده إلا بالعدد، ولم يقيده بالوصف، فناسب أن يقيد بالوصف بعد ذلك، وذلك في قوله جل وعلا: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22] أول هذه المحرمات، ثم قول الله جل وعلا: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [النساء:23] الآية، وهذا تحريم للأوصاف، وأما العدد فتقدم في أول السورة، وهذا يعضد ويؤكد أن المقصود بالنكاح هنا هو العقد؛ لأن الله عز وجل قال في أول هذه السورة: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3] ثم بين الله عز وجل المستثنيات من ذلك، وأولهن مما بينه الله عز وجل من العدد ما زاد عن أربع، ثم ذكر الله عز وجل الأوصاف بعد ذلك، وأول تلك الأوصاف في قوله جل وعلا: مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22].

    العلة في تقديم ذكر النهي عن نكاح ما نكح الآباء على غير ذلك من المحرمات

    وأشرنا إلى العلة في تقديم تحريم نكاح زوجات الآباء على غيرهن، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يستهينون بنكاح زوجات آبائهم، بل كانوا يعظمون الابن الذي يتزوج امرأة أبيه بعد موته براً به ووفاءً، فكان ذلك أمراً معظماً، ثم جاء النص ببيان خطورة ذلك، والتشنيع على فاعله، وأكد ذلك بجملة من المؤكدات، منها تصدير النهي، ومنها أن الله عز وجل قال بعد ذلك: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء:22] في مقابل التشريع.

    وذكرنا أن في هذه الآية من المعاني أنه ينبغي للمصلح أن يقدم ويصدر في إصلاحه ما فُرِّط فيه من جانب الشريعة ولو كان مفضولاً، وأن ما يهتم به ويحفظه الناس ولو كان فاضلاً يقلل الأمر فيه لحفظ الناس فيه، إلا أنه لا يترك الكلام فيه، فإن الله سبحانه وتعالى قدم تحريم نكاح أمهات الآباء على زوجات الآباء مع أن الله عز وجل عظم نكاح الأم والبنت والأخت، وجعل ذلك من الموبقات.

    وفي هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى وصف نكاح زوجات الآباء وصفاً أعظم وأشد من نكاح الأمهات والبنات، وهذا إلى ما توطنت إليه النفوس، وإشارة إلى أن ما عظم في الطبع يخفف فيه نص الشرع؛ ولهذا ربما تميل بعض النفوس إلى شيء فيشدد ويهدد إذا كانت النفوس تميل إليه، وأما إذا كانت الطباع تنفر منه فيحفظ في تحريمه أن الشريعة قد جاءت بتحريمه إقراراً للفطرة على ذلك، ولهذا نجد أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر المحرمات في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [النساء:23] ذكر لفظ التحريم، وما أردفه بألفاظ التشديد والتخويف التي جاءت في نكاح زوجات الآباء: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء:22] لأنهم كانوا يشرعونه، ما يعني أن اللغة في الإصلاح والإنكار حتى على الأمر المفضول إذا كان الناس يفرطون فيه، فعلى المصلح أن يشدد فيه.

    وقد يقول قائل: لماذا تتكلم في المفضول وتدع الأمر الفاضل؟

    الفاضل محافظ عليه، وأما المفضول فُرط فيه فيشدد الأمر فيه، وعلى هذا كان إحكام الشريعة، لهذا يجب على المصلح عند إصلاحه أن ينظر إلى موضعين:

    الموضع الأول: إلى بعد الناس وقربهم من الحق، وكذلك بعدهم وقربهم من الباطل، فيقرب البعيد، ويأتي بألفاظ تقربه، ويثبت القريب من الحق، ولا يزيده من النص حتى لا يغلو فيه، فيوازن بين الأمرين.

    الأمر الثاني: أن ينظر إلى تفاضل الأحوال والأحكام والحدود بالنسبة للشريعة، فلا يقيم الأحوال والأحكام والأخطاء على أهواء الناس، والشريعة جاءت بأمور متفاضلة، فهذه أفضل من تلك، وهذه أعظم من تلك، والخلل في هذين الموضعين، وتقصير المصلحين بالنظر فيهما هو سبب الخلل في نتائج الإصلاح؛ ولهذا بعض المصلحين يحاول أن يخاطب الناس بما يرغبون، وما يرغبونه حق، فلا يتكلم ولا يصلح إلا ما يحبون أن يصلح أمرهم عليه، وأما ما يقعون فيه من أخطاء ومخالفة أمر الله عز وجل فإنه لا ينكره عليهم لأنه يخالف شهواتهم، فهو ترك حقاً خشية الناس، وتكلم بحق لأن الناس يحبونه، وهذا قد جاء بإصلاح فيما يحبه الناس، لا فيما يحبه الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا الله جل وعلا في حكمته في ... هنا وتشديده شدد في أمر نكاح زوجات الآباء، لأنه أمر عظيم عند الناس في الجاهلية، فالرجل الذي يتزوج زوجة أبيه من بعده بعد وفاته يرون أنه ابن بار، وشهم وكريم ووفي لوالده، فيرعى زوجة أبيه من بعده، ويرون أنه أولى بنكاحها، بل إنهم يرون أن زوجة الأب لا تنكح بعده إلا بعد إذن أبناء زوج ذلك المرأة، فجاءت الشريعة بالتشديد في ذلك، والتهوين فيما الناس قد توطنوا عليه، ولو كان أمراً من جهة التشريع أعظم من ذلك، فالذي يعقد على أمه نكاحاً أعظم عند الله عز وجل بالإجماع، والنص في ذلك ظاهر، سواء كان من جهة النقل أو جهة العقل، وجاء التشديد في ذلك لتفريط الناس؛ ولهذا لا بد من النظر إلى هاتين الجهتين وهذين الموضعين عند الإصلاح.

    الأول: أن يُنظر إلى قرب الناس وبعدهم من الحق والباطل، فإذا كنت في بيئة وترى الناس قد قربوا من هذا الحق لا تكثر من إيراد النصوص عليه، وإنما أورد النصوص بما يحفظهم من هذا القرب، فلا تزد في ذلك حتى لا يغلوا فيه، وإذا كانوا قد بعدوا عن الحق في باب من الأبواب فأكثر من النصوص حتى تقرب البعيد إلى الحق، وربما إذا كنت في بيئة أخرى أو في زمن آخر تغيرت شدة النص ووفرته بحسب الحال الذي كان الناس عليه، الجهة الثانية: أن ينظر إلى تراتيب الأحكام والحدود في الشريعة، فلا يشدد الإنسان في أمر لما يهواه الناس، ربما يرغب الناس في أمر من الأمور أو قضية من القضايا، وهي في ذاتها حق، لكن من جهة حق الشريعة، الشريعة ما جعلتها بهذا المقدار، فتزنها بميزانها الشرعي، وكذلك من جهة ما يكرهه الناس، ربما يكره الناس أمراً من الأمور وشهواتهم على خلافه، وخالفوا أمر الله سبحانه وتعالى فيه، فتسكت عن ذلك ولا تشدد فيه خشية أن ينفر الناس منك، وتشتغل بما يحبه الناس، فتورد من النصوص من الكتاب والسنة ما يحفظ لهم الحق الذي يرغبون ولو كان حقاً، فهذا تقصير في حق الله، والخلل في هذا هو خلل في موازين حق الله، فأنت جعلت الشريعة وحفظتها كما جاءت لكن بتراتيب الناس وإحكامهم لا بإحكام الله عز وجل وتراتيبه.

    الحكمة من ذكر قوله: (إلا ما قد سلف) بعد ذكر ما نكح الآباء وكذلك الجمع بين الأختين

    وتوقفنا عند مسألة من المسائل في قول الله جل وعلا: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء:22] ذكرنا أن الله جل وعلا قال: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:22] لسبب أن أهل الجاهلية من العرب لم يسبق لديهم أن رجلاً تزوج أمه أو بنته أو أخته، ولكن سلف منهم أن رجلاً تزوج زوجة أبيه، فذكر ما سلف.

    وهذا فيه إشارة أنه لو وجد وقد ذكر بعض أهل السير أن من الجاهليين من نكح أخته، وذلك ممن كان من العرب على دين المجوسية، فلم يذكره الله سبحانه وتعالى لندرته وبشاعته، فيطوى ولا يروى؛ لمخالفته للفطرة، فيكتفي بالنص على تحريمه، فذكر الله جل وعلا: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:22] يعني: ما سبق من أموركم مما كان معلوماً من نكاح زوجات أبائكم، كذلك أيضاً في قول الله جل وعلا وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:23] يعني أنهم سلف منهم هذا الأمر عفا الله سبحانه عنه، هل يقتضي ذلك تشريعاً في قوله: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:22] يعني ما سلف من نكاحكم لزوجات آبائكم أن الله عفا عنه فابقوا على ما كنتم عليه؟ ليس المراد هذا، وإنما المراد عفا الله عما وقعتم فيه من مخالفة أمر الله، ويجب عليكم المفارقة، وهنا هل يلزم من هذا أن الله لا يعفو عن من نكح ذات محرم غير امرأة أبيه؟ نقول: لا يلزم من ذلك، لا يلزم من هذا، لماذا؟ لأنه لم يسلف منهم من جهة الأصل نكاح المحرمات من النسب كالأم والبنت والأخت، وكذلك أيضاً العمة وهو الخالة.

    حكم من عقد على ذات محرم

    وفي قول الله جل وعلا: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء:22] من المسائل المهمة أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر نكاح زوجات الآباء وصف الفاعل لذلك بعد ما ذكر المسامحة في ما مضى أراد أن يبين الحكم فيما لحق وتبع ذلك قال: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء:22] فهل من عقد على زوجة أبيه يعد فعل فاحشة أم يعد كافراً؟ هل هذا إشارة إلى أن من عقد على محرم، أو إذا تعاقد اثنان على محرم أن ذلك لا يلزم منه الاستحلال، وذلك أن الله عز وجل ذكر من عقد على امرأة أبيه فقد وصفه بالفحش، وأنه قد ارتكب فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء:22]، ولو كان كافراً على قول بعضهم لما وصفه الله بذلك، واكتفى بوصفه بالكفر؛ لأن الكفر أعظم من وصف الفحش والمقت، وإن كان الكفر يتضمن ذلك، ولكن الفاحشة لا تتضمن الكفر بالضرورة.

    نقول: اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى فيمن عقد على ذات محرم، سواء كان زوجة لأبيه، أو كانت من غير زوجة أبيه مما حرم بالنسب أو حرم بالصهر، اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

    ذهب جمهور العلماء إلى أن من عقد على ذات محرم كزوجة الأب أنه ليس بمستحل حتى يصرح، وأنه يقام عليه حد الزنا، وهو قول أبي حنيفة و مالك و الشافعي، وذهب إلى هذا جماعة من الفقهاء من أصحاب الإمام مالك عليه رحمة الله، ذهب إلى هذا ابن عبد الحكم وأبوه، وذهب إلى هذا ابن القاسم وأشهب، وغيرهم من أئمة المالكية؛ أن من عقد على ذات محرم فإن ذلك لا يدل على الاستحلال.

    وذهب الإمام أحمد رحمه الله، وقال به إسحاق وتبعه الطحاوي و ابن تيمية و ابن كثير أن من عقد على ذات محرم فهو مستحل للنكاح، فمجرد العقد دليل على الاستحلال، وعلى هذا يقام عليه حد الردة، ولا يقام عليه حد الزنا.

    وجمهور العلماء الذين قالوا بأنه يقام عليه حد الزنا لا يقام عليه حد الردة، وذهب إلى هذا بعض الفقهاء قالوا: إلا إذا كان عالماً فإنه يقام عليه، وإذا كان جاهلاً فلا يقام عليه، ومنهم من قال: إنه لا يقام عليه بأي حال؛ للشبهة القائمة في ذلك.

    ويظهر لي والله أعلم أن الخلاف الموجود عند الفقهاء من الأئمة الأربعة وغيرهم في هذه المسألة وغيرها في أبواب العقود أن من عقد على أمر محرم هل يعد مستحلاً له أم لا؟

    القضية ليست استحلالاً عندهم، وإنما هل العقد يعد دليلاً بيناً على الاستحلال أم لا مع اتفاقهم على أن من قامت بينة على استحلاله للمحرم القطعي فهو مرتد وكافر بالله سبحانه وتعالى، ولا خلاف عندهم في ذلك، أن من حرم ما أحل الله، أو حلل ما حرم الله مما حرمه بالدليل القطعي والدلالة القطعية في كتابه وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كافر بالله جل وعلا، ومحل الخلاف عندهم هنا في هذه المسألة وأشباهها، ويأتي الكلام على بعض نظائرها أن العقد لا يدل دلالة قطعية على الاستحلال.

    وتظهر الصور في ذلك: أن بعض من يتعاقد على أمر محرم كالذي يتعاقد على الربا، يوقع صفقة فيها ربا بين ما حرمه الله عز وجل من ربا الجاهلية أو غيره مما يدخل في النص، فهل المتعاقدان في ذلك يوصفان بالكفر أم لا يوصفان بالكفر؟ فهؤلاء قد تعاقدا على أمر محرم، الإمام أحمد رحمه الله ومن تبعه على قوله ذلك قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجلاً قد عرس بامرأة أبيه، كما جاء في المسند، والسنن، جاء من حديث البراء بن عازب عليه رضوان الله تعالى، قال: ( لقيت خالي )، وفي رواية: ( عمي، وقد عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم لواءً أن يقتل رجلاً قد عقد دخل أو عرس بامرأة أبيه )، وهذا الحديث قد رواه عن البراء عدي بن ثابت وأبو الجهم، وقد أخرج هذا الحديث بألفاظ متعددة أهل السنن من حديث البراء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث صحيح قد صححه جماعة من العلماء كـالعقيلي وغيره، هنا النبي عليه الصلاة والسلام أرسل رجلاً، إلى أن يقتل رجلاً عرس أو عقد بامرأة أبيه، وهل القتل هنا هو للتعزير أم للاستحلال؟

    ظاهر ذلك أنه للاستحلال، فالنبي صلى الله عليه وسلم عد عقده على امرأة أبيه استحلالاً، فهل يقع هذا على كل عقد تعاقد فيه رجلان على أمر محرم فيكونا قد استحلا؟

    نقول: لا، وتحرير هذه المسألة أولاً: اتفق العلماء على أن من حرم ما أحل الله، أو أحل ما حرم الله وظهرت بينة على ذلك، أنه كافر بالله سبحانه وتعالى، وأن من جعل في أحد من الناس حقاً أن يحكم ويشرع للناس تحريماً وتحليلاً ولو خالف أمر الله سبحانه وتعالى فهو كافر بالله جل وعلا، الجاعل والمجعول له، وأن هذا هو من اتخاذ أولئك أرباباً من دون الله جل وعلا، كما في قوله سبحانه وتعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31] وقد روى الترمذي و ابن جرير الطبري من حديث عدي بن حاتم عليه رضوان الله قال: ( أتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته يقرأ قول الله جل وعلا: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]، قال: فقلت: يا رسول الله، إنا لا نعبدهم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوليس إذا حرموا ما أحل الله حرمتموه، وإذا أحلوا ما حرم الله أحللتموه؟ قال: نعم. قال: فتلك عبادتهم )، وهذا شرك التشريع، وهو مما لا خلاف فيه، وهو من أسباب الكفر الذي وقع فيه بنو إسرائيل في أحبارهم ورهبانهم، كما في قول الله جل وعلا: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:64] يعني: لا تتخذونا مشرعين، ولا نتخذكم مشرعين أيضاً من دون الله عز وجل، وإنما يقضي الله جل وعلا بيننا وبينكم، ويقضي لنا ولكم، فمن جعل شيئاً من ذلك لغير الله جل وعلا أو جعله لنفسه فهو كافر بالله سبحانه وتعالى، وهذا مما لا خلاف فيه عند العلماء، وإنما الاختلاف عندهم العلماء في الدلالة على الاستحلال، والدلالة على التشريع.

    في الدلالة على الاستحلال، وهل العقود التي تكون بين المتعاقدين على أمر محرم دليل على التشريع أم لا؟ وما توجيه حديث البراء في هذا الباب؟ نقول: إن من حمل حديث البراء في هذا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام عليه القتل، وحد الردة، فقطعاً أنه يحمل ذلك على أن العاقد بعينه قد استحل، فهل يحمل هذا على جميع العقود أم لا؟

    الإمام أحمد رحمه الله على ما تقدم ومن تبعه كـإسحاق حملوه على الاستحلال، والاستحلال لا بد أن يسبقه العلم، وقد جاء في مسائل عبد الله أنه قال: سألت أبي عن حديث البراء في الرجل الذي أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتله لما عرس بامرأة أبيه، فقال: أراه استحل ذلك. يعني: فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتله، وجمهور العلماء لم يروا العقد استحلالاً، ولو قامت البينة على أنه استحلال ما قالوا بذلك.

    إذاً: الخلاف عند العلماء هل العقد بين المتعاقدين استحلال أو لا يكون استحلالاً؟ وهذا مرده إلى القرائن، وعلى هذا نقول: إن الإمام أحمد وجمهور العلماء لا خلاف عندهم أن من عقد على أمر محرم مستحلاً له وأراد بذلك الاستحلال، أنه كافر بالله سبحانه وتعالى، ولو قام فيه هذا الأمر وتجويزه ولو لم يباشر ذلك الأمر فهو كافر بالله جل وعلا، وإنما ضعفت القرينة عند الجمهور وقويت عند الإمام أحمد رحمه الله فيمن تعاقد على أمر محرم، والمحرمات في ذلك تتباين، والقرائن في المتعاقدين تتباين؛ لأن هناك من المتعاقدين من يتعاقد على أمر محرم وتقوم البينة على أنه ما أراد استحلالاً، فإنه على هذا لا يكفر ولا يقام عليه حد الردة، وكيف تكون هذه القرائن التي تعرف فيها حال المتعاقدين أنه ما أراد الاستحلال؟ من القرائن: أن يكون دافعه الشهوة، فلا يحصل عليها إلا بالعقد، وكيف تكون الشهوة؟ رجل يريد أن يبحث عن صفقة ربا، فذهب إلى السوق، وبحث عن مراب يعطيه مالاً بالربا، فما وجد إلا من يريد أن يضمن حقه بعقد وشهود، فهل هذا يكفر أو لا يكفر؟ لا يكفر؛ لأن القرينة قد قامت على أنه أخذ المال شهوة لا استحلالاً؛ لأن شهوة المال لو تحققت له بلا عقد لأخذ المال، ومثله الزنا لو أن رجلاً أراد ذات محرم أن يفجر بها، فلم يجد سبيلاً إلا بالعقد عليها، فهذه قرينة على أنه ما استحل، والأصل أن من عقد على ذات محرم من النساء أنه مستحل، وهذا هو الغالب؛ لأن مثل هذا النكاح يقتضي الديمومة لا قضاء الوطر، بخلاف العقود في البيوع، فالبيوع الانتفاع، لمرة يأخذ الإنسان ذلك المال أو نحو ذلك، ثم ينصرف، هذا يلزم منه قضاء الوطر، وديمومة النكاح والذرية، وإنما أقام النبي عليه الصلاة والسلام حد الردة على من عرس على امرأة أبيه؛ لأنه سلك طريق الجاهلية في استحلال امرأة الأب وأن يفخر بذلك عند قومه، فقامت القرينة في كونه مستحلاً، وربما لو كان في غيره ما كان مستحلاً؛ ولهذا قد تجد بعض الناس في بعض البلدان يعقد على ذات محرم كامرأة أبيه، ويظهر فيه الجهل، ونجد أن بعض البلدان كجنوب السودان، يوجد نكاح زوجات الآباء موجوداً إلى اليوم، وهذا يغلب على كثير منهم الجهل، وهذا إذا علم التحريم ثم عقد وأراد الديمومة، فهذا قرينة على أنه استحل، ولا نطلق القول في كل متعاقدين على محرم أنهما استحلا، حتى تقوم القرينة.

    وعلى هذا نقول: لا خلاف بين الأئمة عليهم رحمة الله تعالى في ذلك، وإنما الخلاف في العقد هل هو دلالة على الاستحلال تقوم في ذات المتعاقدين أم لا؟

    فإذا كانت في ذات المتعاقدين فإن ذلك يكون مستحلاً، ويؤيد هذا التوجيه أن النبي صلى لله عليه وسلم أمر بقتل من عرس بامرأة أبيه ولم يأمر بقتل المرأة ولا بقتل من شهدا على نكاحها؛ لأن أمر الاستحلال قام في الزوج أكثر من غيره.

    وبهذا نعلم ونقول: إن العقود على الأمور المحرمة بين المتعاقدين لا يلزم منها الاستحلال، وإنما مرد ذلك إلى القرينة، وهنا أمر من الأمور الذي ينبغي الالتفات إليه وهو من شرع العقود وسنها للناس أن يتعاقدوا على الأمر المحرم، فهل يدخل في باب الاستحلال، فيكون تشريعه لتلك العقود تشريعاً من دون الله، فيكون بذلك مرتداً أم يدخل في حال المتعاقدين، وفرق بين من شرع وسن العقود، وبين من تعاقد على الأمر المحرم؛ لأن القرينة في عدم إرادة من سن وشرع العقود أنه لا يريد الاستحلال أضعف من المتعاقدين؛ لأن الشهوة لا تقوم فيه كحال المتعاقدين، فالذي يتعاقد بالربا فإن الشهوة فيه أنه يريد تحصيل المال، الذي يتعاقد على الزنا الشهوة فيه ظاهرة، أما من يسن ويشرع ذلك فإن الشهوة فيه ضعيفة، والقرينة فيه أقوى.

    ولهذا نقول: إن الأصل فيمن شرع وسن العقود التي تحل الحلال وتحرم الحرام أنه كافر بالله سبحانه وتعالى، وهذا على قول أحمد من باب أولى، ويظهر ذلك أن الناس يتباينون في استعماله، فمنهم من يعقد على ذات محرم شهوة، ومنهم من يريد نكاحاً وطول أمد وولادة، ومنهم من يعقد الأمر على الربا شهوة بالمال، ومنهم من يريد من يراه تشريعاً، ومنهم يعقد أو يضع العقود بينه وبين أحدٍ لشراء الخمر كحال الرجل في بلد من البلدان يريد أن يشتري خمراً، ولكنه لا يجد أحداً يبيعه الخمر إلا بعقد، وشرب الخمر معلوم أنه فسق، وهو يريد أن يشرب، ثم ذهب إلى السوق، وأراد الخمر، وقالوا له: لا نبيعك حتى بالعقد، هذا النظام، إذا تعاقدا على شراء الخمر هل هو في مثل هذه الصورة فاسق أم كافر؟

    فاسق، ولكن من شرع العقود لكل متعاقد هو كافر؛ لأن الناس يتباينون في شراء الخمر، منهم المستحل وغير المستحل، فهذا لم يفرق بين الجميع فجعله تشريعاً للجميع، فضعفت القرينة فيه، فكان العقد فيمن شرع العقود التي تحرم الحلال وتحل الحرام القطعية الدالة في الكتاب والسنة أنه قد فعل أمراً يكفر به، وهذا من باب أولى؛ ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية قوله جل وعلا: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء:22] لعدم تمحض الكفر بين المتعاقدين.

    وأما من شرع العقود فهو داخل في قول الله جل وعلا: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]، وفي قول الله جل وعلا: وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:64].

    نتوقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.