إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [62]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأمور التي كانت الجاهلية تسقط بها الميراث عن الزوجة أن تأتي المرأة بفاحشة. فذكر الله أمر الفاحشة بعد الميراث وذكر عقوبتها ولم يذكر أنها تؤثر على الميراث. ثم ذكر الله تعالى تحريم أخذ أموال الزوجة سواء كان بالعضل أو غيره، لكن إذا أرادت فراق زوجها بمال تفتدي به فلا حرج. ثم أمر الله بحسن العشرة، وإن رأى الزوج ما يكره فعسى أن يكون ما يكرهه فيه خير كثير، وفي هذا الحث على إمساك النساء وعدم التسرع في مفارقتهن.

    1.   

    الأحكام المتعلقة بأبواب المواريث مما كان عليه أهل الجاهلية

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    ففي هذا المجلس في العاشر من شهر جمادى الأولى من عام خمسة وثلاثين بعد الأربعمائة والألف، نتكلم على بعض الأحكام المتعلقة بأبواب المواريث مما كان عليه أهل الجاهلية.

    بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى المواريث مما يتعلق بإرث الأولاد وكذلك الأبوين وإرث الإخوة للأم، وكذلك ذكر الله عز وجل ميراث الزوجين من بعضهما، وذكر الله سبحانه وتعالى أمر الوصية والدين، وذكر الله عز وجل أحكام الإضرار بأنواعه سواء كان في الوصية أو كان في الدين أو كان ذلك في التركة, وهو من الأمور المحرمة على ما تقدم الكلام عليه.

    ثم ذكر الله سبحانه وتعالى أمر الفاحشة وهي الزنا، وتقدم أن الله سبحانه وتعالى إنما شدد فيها في ابتداء الأمر ثم تحول ذلك إلى شيء من التخفيف، وأن العلة في ذلك: أن الله سبحانه وتعالى أراد بيان قبح هذا الفعل وهو الفاحشة وجرمها، وأراد تهديد فاعلها، وكذلك تنفير أصحابها منها.

    طريقة الشرع في تحريم شيء توطنت النفوس على فعله

    ثم أيضاً من مقاصد القرآن: أن النفوس إذا توطنت على شيء أو على فعل أو أحبت شيئاً من الأشياء المستقبحة, وأراد الشارع أن يبين جرم ذلك الفعل وعقوبته عنده، أن الله جل وعلا يبدأ بالحكم الأعلى, ثم يخففه لتتوطن النفوس عليه، وهذا ظهر في حكم الله عز وجل في أمر الفاحشة, أن الله جل وعلا أمر بحبس من أتى الفاحشة, وذلك حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله عز وجل لهن سبيلاً.

    هذا كان في ابتداء الأمر، ثم لم يطل ذلك ثم نسخه الله عز وجل إلى أمر الحدود، ولا شك أن هذا الحكم هو أشد وأعظم مما جاء في أمر الحدود، وذلك أن هذا الحكم لم يفرق بين البكر وبين الثيب، فهو من جهة العقوبة على حد سواء، فالله عز وجل أمر بالحكم الأعلى ثم نسخه إلى الأدنى؛ لتستخف النفوس العقاب الأدنى، فلا يكون عليها حينئذ ثقيلاً.

    وهذا تقدم معنا في سورة البقرة، ذكرنا أن الله سبحانه وتعالى حرم في ابتداء الأمر على الرجال إتيان النساء في رمضان ليلاً ونهاراً, ثم لم يطل الأمر ونسخ فوراً إلى الأدنى, وهو أنه يحرم إتيان المرأة نهاراً، وأنه لو كان تحريم الإتيان نهاراً ابتداء لاستثقل، ولكن لما حرم ليلاً ونهاراً ثم نسخه الله إلى النهار أصبح أخف، وهذا من حكم الشريعة في توطين بعض الأحكام للنفوس، ولأخذ بعض أحكام الله جل وعلا.

    وهذا من نظائرها: أن الله سبحانه وتعالى بدأ بحكم لم ينزل على أحد من جهة العقوبة، وإنما أنزله الله جل وعلا للنفوس حتى تستبشع هذا الفعل وتستعظم تلك العقوبة، ولو استثقلتها ثم قضى الله عز وجل بعد ذلك بحكم آخر فلم يلبث ذلك الحكم طويلاً حتى نسخ الله عز وجل حبس الزاني حتى الموت إلى التخفيف، إذا كانت بكراً وكان بكراً فالجلد مائة وتغريب عام، وإذا كان محصناً فالتشديد في ذلك بالإتيان بأربعة شهداء أو البينة أو الحبل، فيكون في ذلك الرجم والجلد، وعلى خلاف عند العلماء في اقتران الجلد مع الرجم, وهي أقوال يأتي الكلام عليه بإذن الله عز وجل في سورة النور.

    وهذا نظير ذلك أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر الفاحشة ذكر الله عز وجل الناسخ لها ولم يطل ذلك، بل ذكرنا أن هذه العقوبة لم تنزل على أحد، وإنما أراد الله عز وجل بها جملة من المنافع والمصالح والحكم الدقيقة, منها استبشاع هذا الجرم والتنفير منه، وكذلك استثقال الحكم ليتوطن على ما دونه بأنه لو ورد ما دونه لكان الاستثقال على مرتبة واحدة، فأراد المشرع الحكيم في ذلك التوطين.

    سقوط الإرث بإتيان المرأة الفاحشة

    ذكر الله سبحانه وتعالى أمر الفاحشة بعدما ذكر أمر المواريث، ذكر أمر المواريث وجعل آخر المواريث ما يتعلق بالصلة بين الزوجين من جهة الميراث، ثم ذكر الله عز وجل هذا الأمر الذي يكون بين أحد الزوجين وأمر آخر خارج الميثاق الذي جعله الله عز وجل بينهما، وهو أمر الفاحشة، وهل موجب لإسقاط الإرث كما كان بعض الجاهلية يفعلونه ويرون أن المرأة إذا وقعت في فاحشة أن ذلك مسقط للإرث وموجب للإضرار بها، فكان ذلك تسلسلاً حكيماً في ترتيب معاني القرآن، فذكر الله سبحانه وتعالى أمر الفاحشة والعقوبة، وما ذكر الله جل وعلا أثر ذلك على الميراث.

    ثم ذكر الله سبحانه وتعالى بعدما ذكر أمر الزنا, وأن العقوبة التي جعلها الله عز وجل للزانيين على هذا المقدار، ذكر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك ما يجب بين الزوجين عند ورود الفاحشة، هل تؤثر؟ فدخل إلى هذا المعنى تخصيصاً، ونبه الله سبحانه وتعالى إلى حرمة الإضرار بالزوجة لأخذ مالها، فيقول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا [النساء:19] .

    والمراد بذلك: أن الميراث السابق ميراث مشروع, أراد الله عز وجل أن يبين الميراث الممنوع الذي كان عليه أهل الجاهلية حتى لا يلتبس الأمر المشروع بالأمر الممنوع، وكان أهل الجاهلية في ابتداء الأمر أن الرجل إذا أراد أن يرث زوجته قام بإضرارها، فيكسب من مالها من جهتين:

    إما أن يستعجل موتها بأذية أو بحبس أو نحو ذلك.

    أو أن يضر بها فتريد الطلاق فتفدي نفسها بمالها، فإن فدت نفسها بمالها استعجل من المال شيئاً، وإن ماتت قبل ذلك ورثها، فنهى الله سبحانه وتعالى عن أخذ المال الذي يكون بين أيدي النساء بهذه السبل المحرمة، سواء كان ذلك في حياة المرأة أو بعد مماتها، ووصف الله عز وجل الإرث ذلك بكونه كرهاً، يعني: من غير طيب نفس منهن.

    1.   

    قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنو لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً)

    أقوال العلماء في نسخ قوله تعالى: (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً)

    ولهذا يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا [النساء:19]، بعض العلماء قال: إن هذه الآية تابعة للآيات السابقة النازلة في أمر الفاحشة وهي منسوخة أيضاً كهن، لأن هذه الآيات قد نسخت بآية الحدود في سورة النور.

    ذهب إلى هذا عطاء وتبعه على ذلك الشافعي رحمه الله إلى أن هذه الآية منسوخة، وأنه كان في ابتداء الأمر أهل الجاهلية يعضلون المرأة ليأخذوا شيئاً من مالها، وأن الله سبحانه وتعالى أبقى الأمر على ما هو عليه، وأنه كان في ابتداء الأمر إذا زنت المرأة أو لمس الرجل منها سوء خلق أو وقوعاً في فاحشة أنه يجوز له أن يُضر بها ليأخذ مالها, ثم نسخ الله جل وعلا ذلك، والإضرار في ذلك إما أن يكون بحبسها, وإما أن يكون بأذيتها حتى تفدي نفسها.

    والذي عليه عامة السلف وصح ذلك عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله أن هذه الآية محكمة وهو الصواب، أن هذه الآية محكمة وهي بيان لحال كان عليه العرب في الجاهلية أنهم إذا أردوا أن يرثوا المرأة كرهاً من غير وجه مشروع أضروا بها في حياتها حتى تفدي نفسها بمالها, أو استعجلوا وفاتها بحبسها أو بقتلها, ثم يرثوا مالها مما تركته, وخاصة إذا كانت المرأة غنية. وهذا أراد الله عز وجل أن يبين حرمته.

    وعلى هذا القول فإن هذه الآية من المحكمات, وهذا الذي عليه أكثر المفسرين، وقد رواه البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله.

    التحذير من أخذ مال المرأة بالإضرار ونحوه

    يقول الله جل وعلا: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء:19] ، ذكر الله سبحانه وتعالى أمر الميراث وهو التركة، وذكر الله عز وجل المهر, بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء:19]، يعني: من مهر، أو مما ملكتموهن إياه من مال من غير مهر، إما من العطية أو الهبة أو غير ذلك مما يعطيه الرجل زوجه ويملكها إياه، كأن يملكها ثوباً أو يملكها آلة أو يملكها مركباً من دابة أو يملكها داراً أو نحو ذلك، فيملكها إياه في حياتها من غير مهر، ثم يريد الإضرار بها لينتزع ذلك المال.

    فهذه الآية نزلت في حفظ مال المرأة من جهتين: من جهة الميراث، ومن جهة ما كان موهوباً في حال الحياة، وذلك أن الميراث يكون بعد موتها، فكل تسبب واستعجال لموت المرأة مما كان عليه الجاهلية فهو أمر محرم، وأن الإضرار بها في حال حياتها لأخذ شيء من مالها أن ذلك محرم أيضاً.

    والعلماء عليهم رحمة الله تعالى عليهم لا يختلفون في هذا, والنفوس والفطر السليمة تتوجه إلى هذا, ولكن الله جل وعلا أراد أن يبين حرمة ذلك وبطلان ما كان عليه أهل الجاهلية؛ دفعاً لتوطن النفوس على فعل والقرآن ينزل، فإذا كان القرآن ينزل على فعل من الأفعال ولم يحرم فإن هذا أمارة تقرير، فرفعت الشريعة من الكتاب والسنة ما كان من أفعال محرمة, وأبقت ما كان من الأمور المباحة.

    وهذا دليل على أن ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مسكوتاً عليه من الأقوال والأفعال والعادات أن الأصل فيه الإباحة، ولهذا كان يقول غير واحد من الصحابة عليهم رضوان الله: كنا نفعل كذا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام والقرآن ينزل, يعني: أنه ينزل حوالينا من جهة الأفعال ولا ينزل على ذلك الفعل، وهذا دليل على الإباحة. فرفعت الشريعة ما كان من أمور محرمة، وأبقت ما تتطبع عليه الناس من أمور حلال.

    ولهذا نقول: إن ما تدل عليه بعض الفطر من نفور ونحو ذلك فإن هذا لا يدل على جوازه، وهذا يُشار إلى معنى قد تقدم الكلام عليه مراراً: أن الشريعة من جهة النصوص نزلت بالأعيان على ما توطنت عليه النفوس من باطل في زمن النبوة، وأن ما تتوطن عليه النفوس من الباطل مما لم يرد دليل في الشريعة على تحريمه بعينه أنه لا يستدل على جوازه بعدم ورود النص عليه؛ لأن الشريعة إنما نزلت على أحوال كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم, فلما انقطع الوحي كان الاستدلال بالأصول العامة كافياً في رفع الأفعال المحرمة بأعيانها، أو كذلك الأقوال.

    ولهذا نجد في أفعال المتأخرين تتوطن بعض النفوس على حرام, وتريد دليلاً خاصاً من الوحي، والنفوس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ما كانت توطنت عليه حتى ترفعه بخصوصه، فحينئذ يستدل بالعام على الأفعال المخصوصة، وذلك بالقواعد العامة التي دلت عليها الشريعة بالجملة من القواعد بــ( لا ضرر ولا ضرار)، أو (دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح) أو (تحقيق المصالح وتكميلها) أو (دفع المفاسد وتقليلها)، وغير ذلك من القواعد العامة كالضرورات تبيح المحظورات، وغير ذلك مما دل الدليل عليه, سواء كان ذلك في أمور الحظر أو كان ذلك في أمور الإباحة.

    وهنا في قوله جل وعلا: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء:19] ، ما آتاه الرجل للمرأة هو مهرها، ولهذا تقدم في أوائل هذه السورة في قول الله جل وعلا: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَة [النساء:4] ، فالذي يؤتى للمرأة عند عقدها هو مهرها على أي صفة كان، وما تؤتى بعد عقدها فإنه يكون من الهبة والنفقة والعطية، أو يكون بين الزوجين من العقود كالقروض وغير ذلك.

    فالله سبحانه وتعالى حرم على الزوج أن يأخذ من مال زوجه شيئاً إلا بطيب نفس منها، وتقدم معنا تقرير هذا الحكم، وهذه الآية تتضمن ذلك المعنى، أن الله سبحانه وتعالى نهى الزوج أن يأخذ من مال زوجته شيئاً على سبيل الإكراه وعلى سبيل العضل، والمراد بالعضل هنا: أن الرجل يُكره الزوجة بقوله أو بهجره أو بفعله حتى تنفر منه وتفدي نفسها ليأخذ ماله الذي أعطاها، ومعلوم أن النشوز يقع من الزوجين جميعاً أو من أحدهما.

    أنواع النشوز من حيث صدوره

    والنشوز من جهة صدوره له ثلاث جهات:

    الجهة الأولى: أن يصدر من الزوج وحده.

    الجهة الثانية: أن يصدر من الزوجة وحدها.

    الجهة الثالثة: أن يصدر من الزوجين جميعاً.

    إذا صدر من الزوجة وحدها ولا يصدر من الزوج فيجوز عند العلماء أن يخلع الرجل زوجته بالاتفاق، إذا رغبت المرأة عن زوجها ولا تريده ولكنه يريدها ولم ينقصها من حقها مما أمره الله عز وجل بالإحسان إليها من النفقة والكسوة والمعاشرة، فبذل إليها حقها ولكنها لا تريده، فحينئذ يجوز أن يختلعها مما آتاها, وهذا محل اتفاق عند العلماء، ولا خلاف عندهم في ذلك.

    وإذا وقع النشوز من الزوجين جميعاً, فكل واحد منهما كره الآخر وما رغب المقام معه مع إتيان كل واحد منهما لما أوجب الله عز وجل عليه من حقوق ومن غير تقصير، فاتفقا على الفصال والفراق, فهل لهما أن يتفقا على المفارقة بالعوض فيكون خلعاً أم يحرم ذلك على الزوج فلا بد أن يكون طلاقاً؟

    نقول في مثل هذه الحال: إذا تحقق النشوز من الزوجة ولو شاركها الرجل جاز للرجل أن يخلع زوجته بماله الذي أعطاها, وذلك أنه يختلف إذا كان النشوز من الزوج وحده، أو من الزوجة معه أن الزوجة ربما إذا كرهت زوجها مع كرهه لها، أن كرهها له قد تسبب بكرهه لها، فحينئذ لا يحرم عليه أن يخالعها ما شاركته حينئذ النشوز، فإذا نشزت الزوجة مع زوجها في الكره فحينئذ يجوز للزوج أن يأخذ المهر من زوجته بالمقدار الذي يتفقان عليه.

    فعلى هذا نقول: إن الأصل في جواز الخلع وأخذ العوض من الزوجة وجود النشوز منها من غير إكراه أو عضل من الزوج.

    وأما الجهة الثالثة: إذا كان النشوز من الزوج وحده, فهل يجوز للزوج أن يأخذ أو يكره زوجته على أن تعطيه المهر الذي أعطاها؟

    نقول: لا يجوز ذلك بظاهر الدليل، وحكي الاتفاق على أنه لا يجوز للزوج إذا كان النشوز من قبله ولم تقصر في حقه أن يأخذ مما أعطاها شيئاً.

    وهذا ظاهر الدليل في قول الله سبحانه وتعالى: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء:19] ، يعني: أن الإنسان إذا كره زوجته وهي تريده ماذا يفعل؟

    يقوم بالإضرار بها وعضلها, وذلك إما بهجرها وإساءة خلقه معها، أو بإساءة القول أو الفعل أو عدم النفقة أو نحو ذلك؛ حتى تطلب الطلاق من نفسها وتنشز, فتريد أن تخرج من أذيته بالعوض، فهذا يحرم بالدليل.

    وكذلك في ظاهر امرأة ثابت بن قيس بن شماس كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عباس وغيره، فإنها لما كرهته أجاز النبي صلى الله عليه وسلم له أن يطلقها بعد أن تعيد ذلك المال، وهذا القول هو الذي عليه الإجماع.

    ثمة قولان في هذه المسالة لإمامين خلاف ذلك وعُد من أقوال الشذوذ:

    قد روى عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك رحمه الله قال: إذا أعطت المرأة بطيب نفس منها لزوجها ولو كان النشوز منه، قال: يجوز ذلك، وهذا القول روي عن أبي حنيفة عليه رحمة الله قد ذكره عنه ابن المنذر , وهو مخالف لظاهر الدليل ولما عليه عامة السلف.

    وأما ما جاء عن أبي حنيفة رحمه الله في هذه الرواية، فنقول: إنها مخالفة للدليل، وكذلك هي قريبة من الشذوذ.

    وأما ما جاء عن الإمام مالك رحمه الله في رواية عبد الرحمن بن القاسم عنه نقول: إن ما جاء عن الإمام مالك في مسألة التراضي بين الزوجين, فنقول: إذا كان التراضي من الزوجة بعد عضل الزوج وإضراره لزوجته فأخرجت ذلك بطيب نفس منها بعد إضرار فهذا يحرم، لأن معرفة طيب النفس في ذلك شاقة، خاصة أنه سبقه في ذلك إضرار, فيسأل الزوج: أنت لا تريد الزوجة, وهي قد أعطتك المال قد أضريت بها، عضلتها، أسأت إليها في قول أو فعل، بحيث تسبب ذلك أن تريد أن تعطيك المال، إذا أشار إلى شيء من ذلك فهو يحرم ولو ظهر منها طيب النفس.

    ولهذا إذا جاء الزوج والزوجة عند القاضي وقال: إن النشوز مني وأريد أن أطلق أو نحو ذلك، وقالت: أريد أن أخرج هذا عوضاً عن طلاقه، يقال: إذا كانت المرأة تريد البقاء حرم عليه أن يأخذ ذلك المال؛ لأن هذا من العضل، ولكن إذا لم يشترط وبادر بالطلاق ثم أعطته المال فإن هذا المال خارج عن أمر الخلع؛ لأن من النساء من تريد حسن العهد، فتريد حسن العهد مع زوجها، فتقول: خذ هذا المال وإن طلقتني أنت، أو تريد أن تكون يدها العليا على زوجها، فتقول: خذ هذا المال.

    فنقول: إذا كان ذلك من غير مشارطة أو من غير عضل كان ذلك من جملة الهبة, وربما يحمل على قول الإمام مالك رحمه الله في رواية عبد الرحمن بن القاسم عنه, وهذا هو الأظهر أقرب من رد قول الإمام مالك رحمه الله وضربه بالأدلة الصحيحة الصريحة.

    وهنا في قوله سبحانه وتعالى: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء:19] ، هنا ذكر بعضاً يعني: هل التحريم في ذلك الشيء ولو كان يسيراً, أم إشارة إلى دلالة المفهوم أن الرجل إذا أراد أن يخلع زوجته أنه يجوز له أن يأخذ ما دون المهر الذي أعطاها؟

    مخالعة الرجل زوجته بأكثر مما أعطاها من المهر

    تقدم معنا في سورة البقرة الإشارة إلى مسألة الخلع، إذا أراد الرجل أن يخالع زوجته فهل يجوز له أن يأخذ أكثر مما أعطاها من مهرها, فإذا أعطاها ألف دينار, وأراد أن يخالعها, فهل يجوز له أن يأخذ أكثر من الألف دينار أم لا؟

    اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

    ذهب جمهور العلماء إلى جواز ذلك, وهذا هو قول المالكية والشافعية، وذهب إلى هذا جماعة من الفقهاء من الحنابلة إلى أنه يجوز للرجل أن يأخذ ما زاد على المهر الذي أعطاها، فإذا أعطاها مائة دينار فتراضيا أن يختلعا على ألفين أو ثلاثة أو نحو ذلك، فيقال بجواز هذا على قولهم.

    وقالوا: إن ما جاء في الكتاب جواز الخلع، ولم يضبط ذلك بمقدار، وكذلك لا دليل على النهي, فإن الأصل في ذلك أنه مما أباحه الله سبحانه وتعالى.

    القول الثاني: قالوا بالكراهة مع الجواز, وعللوا ذلك قالوا: إن الله سبحانه وتعالى أمر بإمساك النساء بمعروف أو تسريحهن بإحسان، وهذا ليس من الإحسان أن يأخذ الرجل من زوجه أكثر مما أعطاها، فإذا أعطاها ألفاً وأراد أن يخالعها فيأخذ منها الألف الذي أعطاها, ولا يزيد عن ذلك، والزيادة عن ذلك مع أن المعاشرة بينهم بالمعروف قبل ذلك، فالزيادة عن ذلك هي زيادة عن عوض لم يعطها إياه، فلم يكن ذلك معروفاً.

    والقول الثالث: قالوا بعدم الجواز وعدم الصحة، وأنه يحرم عليه أن يأخذ ما زاد على ذلك، وهذا هو المشهور عن الإمام أحمد رحمه الله، قال بعدم جواز ذلك، قال: لأن الله سبحانه وتعالى إنما رخص له أن يأخذ مما آتاهن, وهذا لم يعطها إياه فهو أخذ من مالها من حر ماله، والله عز وجل إنما رخص للرجل عند الخلع أن يأخذ مما آتاهن.

    وكذلك في حديث عبد الله بن عباس في قصة امرأة ثابت بن قيس بن شماس لما جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ( يا رسول الله! إني لا أكره فيه ديناً ولا خلقاً ولكني أكره الكفر )، يعني: تريد بذلك كفران العشير، ( فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: طلقها تطليقة ) .

    وفي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عباس، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لها: ( أتردين عليه حديقته؟ )، يعني: هي التي أمهرها إياه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك هو الحق الذي تعطى إياه.

    قال الإمام أحمد رحمه الله ومن أخذ بقوله تعليلاً في عدم جواز أخذ ما زاد على ذلك، قال: إن الله سبحانه وتعالى جعل العقد بين الزوجين يستباح بالمهر، وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَة [النساء:19] ، فإذا كان الإنسان لا يجوز له أن يأخذ من مهر المرأة من غير طيب نفس منها ولو ديناراً أو درهماً في حال حياتها، وأنها إذا جاز لها أن تعطيه غير مهرها في حال العقد والتراضي بينهما جاز.

    وأما الخلع فهو إلغاء لما انعقد عليه أمر النكاح، وما زاد عن ذلك هو خارج ذلك العقد، والرجل يريد بالخلع المفارقة، والمفارقة إنما عقدت ابتداءً بمهر, والزيادة على ذلك زيادة عما أوجبه الله سبحانه وتعالى.

    وهذا نقول: إنه يفتقر إلى نص, والأصل في أمثال هذه الأمور البيان.

    والأظهر في الأقوال الجواز مع الكراهة، ولم يثبت عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه منع أن يأخذ الرجل عند خلعه من زوجته إذا كان النشوز منها أكثر مما أعطاها، وثبت عن عبد الله بن عمر جواز ذلك عند الإمام مالك في كتابه الموطأ من حديث نافع عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله، ولا أعلم له مخالفاً.

    نعم قد جاء عن بعض الصحابة كـــعلي بن أبي طالب , ولكن الإسناد في ذلك إليه ضعيف في المنع بالأخذ بالزيادة.

    والأدلة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك عموم الأدلة بالإطلاق، وإن جاء هنا الأخذ بالبعض، فنقول: الشريعة تتشوف إلى الإكرام، وتتشوف إلى الإحسان وعدم المشاحة في أمر العطية وما كان بين الزوجين، وأن ما زاد عن ذلك مسكوت عنه، فيبقى على الإباحة.

    ومن قال: إن الأمر مكروه، إنما كره لأنه ينافي المعاشرة بالمعروف, وذلك أن المنفعة بين الزوجين متبادلة, وهو حظ في ذلك مشترك، فإذا أخذ منها أكثر من ذلك لم يكن في ذلك إحسان، ولم يكن في ذلك معروف.

    وهنا في قوله: لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء:19] ، إشارة إلى أن أخذ الشيء اليسير من المرأة عن طريق العضل أن هذا محرم ولو كان شيئاً يسيراً، فإذا أخذ ديناراً من ألف دينار عند عضلها حرم عليه ذلك الدينار، ولهذا قال الله جل وعلا: لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء:19] ، فكيف بالكل وهو من أكل أموال الناس بالباطل؟

    المراد بالفاحشة في قوله تعالى: (إلا أن يأتين بفاحشة)

    وهنا في قوله: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ [النساء:19] الفاحشة اختلف في معناها: ما الفاحشة التي تجيز للرجل أن يعضل زوجته حتى يأخذ ما أعطاها من مهرها؟

    ذهب جماهير السلف إلى أن المراد بالفاحشة جميع أنواع ما يستقبح من الأقوال والأفعال، وأنه ليس المراد بذلك فاحشة الزنا وتقييدها بذلك.

    وهذا القول قد جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله، وقال به سعيد بن جبير و قتادة وجماعة، وهذا هو الصواب: أن المراد بالفاحشة هنا خلاف المراد بالفاحشة في أول الآية، وهذا يؤيد أن الآية ليست منسوخة, بل هي محكمة خلافاً لقول عطاء والإمام الشافعي رحمه الله، وأن ما ذهب إليه عامة السلف وهو قول عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى أن هذه الآية آية محكمة.

    والقول الثاني: أن الفاحشة هي الزنا، وهذا القول مروي عن أبي قلابة ، و محمد بن سيرين ، ولا أعلم من وافقهم من الصحابة ولا من التابعين على هذا التأويل، وقد انفرد في ذلك، والذي عليه عامة المفسرين على أن الفاحشة هي بذاءة اللسان, وذلك بالسب والتعيير أو التقبيح أو اللعن أو الشتم، أو ما فاق ذلك من أمور القبح، كأن تكون المرأة لا ترد يد لامس، أو تقع في شيء من الفاحشة من ضعف القلب والميل إلى غيره، فضلاً عن الوقوع مما هو أعظم من ذلك من الفاحشة المحرمة، فهي تبدأ من اللسان وتنتهي إلى الفاحشة المغلظة.

    فإذا بدر من الزوجة فاحشة جاز للزوج أن يعضلها ليأخذ مهره منها، ولو كان النشوز منه لا منها، ولو كانت المرأة تريد البقاء، تقول: أريدك زوجاً ولكنها ناشز، بسلاطة لسانه تلعن وتسب وتعير، ويقع منها من الحرام من النظر المحرم، أو من الفاحشة، أو غير ذلك مما حرمه الله عز وجل. فهذه فاحشة تجيز للرجل أن يعضل زوجه حتى تعطيه المهر.

    وعلى هذا نقول: إن هذا النوع يجيز للرجل أن يأخذ من المهر ولو كان النشوز منه.

    وتقدم أن الأصل إذا كان النشوز من الزوج فقط أنه لا يجوز له أن يأخذ من مال المرأة عند الخلع شيئاً، وأنه يجب عليه أن يسرحها بمعروف وهو الطلاق.

    ولكن إذا كانت المرأة على فاحشة من القول أو الفعل وهي تريد البقاء عنده ولا تريد المفارقة وهو يريد فراقها جاز له العضل، أو وقعت في فاحشة مغلظة وأراد سترها أو أراد ستر ذريته منها, فأراد أن يعضلها ليأخذ ماله منها لأنه لا يريد لعانها ولا مفارقتها بهذه العلة، فإنه يجوز له حينئذ العضل أن يقول لها: لا أطلقك إلا بكذا، ثم يهجرها أو يسيء إليها حتى تدفع ذلك المال لأنها فرطت في حقه معها، وكذلك في عصمته وقوامته وولايته عليها، وهذا يوافق ما عليه عامة السلف عليهم رحمة الله في أن هذه الآية محكمة.

    قال: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء:19] . هذا فيه إشارة إلى دفع الظنون والأخذ بالتوهم، وأن الشرائع لا تجعل الصلة التي تكون بين الزوجين على الظن أو الشك أو الريبة، وأن الله عز وجل حينما حرم عضل المرأة وشدد في ذلك في أمر مالها ما جعل الانتقال عن هذا الحكم البين الظاهر لمجرد الظن أو الريبة أو الشك أو القرينة التي تنقدح في قلب الإنسان، فكثيراً ما يظن الإنسان شيئاً في أحد من الناس ثم يبين الأمر خلاف ذلك، ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى البينة على ذلك، قال: بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء:19] .

    وهذا من جهة الأقوال: أن يكون اللفظ في ذلك بيناً, أن تكون المرأة تتكلم بكلام بذيء ويكون هذا الكلام ظاهراً في البذاءة ولا يكون من الكلام المحتمل مما يدرج عادة على كلام الناس عند الغضب، وميزان ذلك الشرع والعرف، والشرع غالب في ذلك، ولو تعارف الناس على بعض الألفاظ من السب أو التعيير أو اللعن أو غير ذلك وأجازوه عندهم، وتعارفوا عليه بين الأزواج، فنقول: إن هذا الحكم مرده في ذلك إلى الشرع.

    وأما ما أجازه الشرع أو لم يجعله الشرع من الكبائر والموبقات أو لم يدرج في أمور الفاحشة أو نحو ذلك، ولكن الأعراف تستثقل أمثال هذه الأقوال إذا خرجت من الزوجة على زوجها، فإنه يجرى في هذا عرف الناس، ولهذا نقول: يجب أن لا يكون العضل من الزوج لزوجه إلا ببينة ظاهرة.

    المراد بالمعاشرة بالمعروف

    ثم أمر الله سبحانه وتعالى أيضاً بالمعاشرة بالمعروف، قال: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] ، تقدم معنا أمر المعاشرة بالمعروف والحث عليه, ومعنى المعاشرة والمراد بذلك، منهم من قال: المعاشرة في ذلك هي النفقة، ومنهم من قال: هي النفقة والسكنى، ومنهم من قال: إنها النفقة والسكنى والمبيت وغير ذلك، والأظهر والله أعلم أنها شاملة جميع هذه المعاني.

    المقصود بالكراهة في قوله: (فإن كرهتموهن فعسى...)

    قال: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19]. وهنا في ذكر الكراهة: أن المراد بالكراهة إما الكراهة النفسية التي تقع من الإنسان من كره الزوج لزوجه، فإذا كان الكره نفسياً من غير وجود شيء شرعي، وذلك بعض الناس ينفر من زوجه أو ينفر من أحد من الناس من غير أن يجد سبباً شرعياً، في هذا نفي للاحتجاج والاعتبار بهذا أن نفور الطبائع لا يدل على وجود موجب لها، ولهذا قال: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19] ، يعني: على خلاف ما تريدون.

    وإما أن تكون الكراهة في ذلك هي كراهة شرعية لا كراهة نفسية، أن كرهتها لسبب من الأسباب, فالله عز وجل قد يجعل فيها خيراً لك إذا صبرت عليها، أو خيراً لغيرك إذا طلقتها.

    وهذا فيه إشارة إلى أن الشريعة تتشوف إلى الإمساك بعصمة المرأة واستصلاحها, وذلك كما جاء في حديث الضلع الأعوج، وكذلك في حديث الرجل الذي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: ( إن امرأتي لا ترد يد لامس، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: استمتع بها )، إلى غير ذلك من الأحاديث التي تدعو إلى استصلاح المرأة وعدم المفارقة إلا بأمر بين.

    ومن هذا إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى ربما يجعل المرأة عند أحد على وجه لا يصلح بها، وعند غيره يصلح بها، وفي هذا إشارة إلى معنى وتنبيه: أن الرجل إذا كره المرأة أن لا يسيء إليها عند الناس، فربما ما صلحت معه، ولكنها مع غيره تصلح وتسعد ويسعد بها، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر ) .

    يعني: لا يبغض الرجل المرأة لخلق واحد، فربما لا تصلحه، وهذا من الناس من طبعه الصبر على تحمل الأقوال أو نحو ذلك، والمرأة قد أوتيت حدة في الطبع مع دين واستقامة أو صبر وحسن تبعل أو نحو ذلك، فيتحمل منها ذلك الأمر، ولكنها لو كانت عند غيره ما أطاق ذلك، فالله عز وجل يفطر الناس ويركبهم سبحانه وتعالى على ما يصلح شخصاً ويفسد به الآخر، فإذا كره الإنسان من امرأة خلقاً فلا يسيء إليها عند غيره، فربما كانت صالحة لغيره، قال: وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19].

    1.   

    قوله تعالى: (وإن أردتم استبدال زوج..)

    الآية الثانية: في قوله سبحانه وتعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء:20-21] .

    في هذه الآية إشارة إلى الطلاق، قال: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ [النساء:20].

    هذا فيه دليل على أن الأصل في الطلاق الإباحة، وأن تعليق الإرادة بالاستبدال مباح، أن يفارق الرجل زوجه لأجل أن يبدلها بغيرها، والإبدال في ذلك إما أن الرجل ليس بقادر على الإنفاق ويريد زوجاً غيره ليحصن نفسه بغيرها، فهذا جائز، أو يكون الرجل عنده أربع, ويريد أن يطلق الرابعة ليأخذ بدل الرابعة أخرى، فهذا الأصل فيه الجواز.

    حكم الطلاق

    اختلف العلماء رحمهم الله في الطلاق، هل الأصل فيه الجواز أم الأصل فيه التحريم؟

    جمهور العلماء على أن الأصل في الطلاق الإباحة، ولكنه ينقل عن هذا الأصل بحسب الحال، وهذه الآية ظاهرة في جواز ذلك، قال: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا [النساء:20]، فعلق الحكم بالمهر. أما الاستبدال في ذاته فهذا جائز.

    ذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أن الأصل في الطلاق التحريم إذا استقام أمر الزوجين، فيحرم عليه أن يطلقها، وإذا لم يستقم فبمقدار عدم الاستقامة ينزل الأمر إلى الكراهة وإلى الجواز، وإذا كان في ذلك ضرر على الزوجين ربما يكون في ذلك إلى الوجوب.

    ويستدل أبو حنيفة رحمه الله ومن ذهب معه إلى هذا القول بجملة من الأدلة العامة، ومنها: القواعد العامة أن الشريعة تتشوف إلى الإبقاء، وأن الشريعة نهت عن الطلاق في بعض الأحاديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إن الله يبغض الرجل المطلاق )، وهذا حديث ضعيف.

    وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في المسند والسنن، قال: ( أبغض الحلال إلى الله الطلاق )، وهذا حديث من العلماء من صححه بمجموع طرقه، معناه صحيح ولكن إسناده معلول.

    أخذ مهر المرأة عند الرغبة عنها

    وهنا في قوله: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا [النساء:20]، يعني: عند الطلاق، ليس للإنسان أن يأخذ من مال زوجته شيئاً، وهذا ما تقدم الإشارة إليه، أنه إذا رغب الرجل من ذاته أن يطلق زوجه فكان النشوز منه والرغبة منه أن يأخذ من مال زوجته مما آتاها ولو درهماً واحداً، ولهذا قال: فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء:20].

    ولهذا قال غير واحد من العلماء: إن أخذ مهر المرأة عند نشوز الرجل وحده مع رغبتها البقاء عنده، أن ذلك من السحت وهو من كبائر الذنوب, وهو من أكل أموال الناس بالباطل، ولهذا قال: أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا [النساء:20]، والبهتان هو الذنب العظيم، قال: وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء:20].

    قال: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ [النساء:21] .

    يعني: أنك أخذت منها وأخذت منك، وعاشرتك وعاشرتها.

    وأخذ المهر لا يكون إلا عند رغبتها هي؛ لأن المهر في حوزتها, فتريد أن تسترده، قال: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ [النساء:21]، وهنا هذا استفهام استنكاري، وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء:21]، ما هو الميثاق الغليظ؟

    الميثاق الغليظ هو قول الله جل وعلا: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَة [النساء:4] ، يعني: فرضاً، فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:4] ، يعني: ملكتها مالها بميثاق عند عقدها فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، فلا تظن أنه مالك لمجرد أنك أخذت ذلك.

    كذلك ما كان بين الزوج والزوجة من أمر المعاشرة، والإحسان.

    ويدخل في هذا الباب ما كان بعد المهر من الهدية والنفقة وغير ذلك, فليس له أن يأخذ منها شيئاً، قال: وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء:21].

    نتوقف عند هذا القدر، والمحرمات من النكاح مترابطة, ونؤجل الكلام على النكاح إلى المجلس القادم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.