إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الطهارة [1]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما كان هذا الشرع هو خاتم الأديان تكفل الله عز وجل بحفظه؛ حتى يستمر الدين الصحيح إلى قيام الساعة. ومن حفظ هذا الشرع حفظ السنة ومعرفتها رواية ودراية، ومما ينبغي لطالب العلم معرفته في ذلك معرفة كتب السنة، وأدلة أصحاب المذاهب الفقهية، ومراتب الصحة والضعف في الحديث حتى يستطيع أن يرجح بين الأقوال، وأن يعبد الله على بصيرة، وألا يكون نظره إلى الحديث قاصراً، بحيث إذا رأى علة في الحديث تركه، فقد يكون لهذا الحديث قرائن احتفت به فأزالت تلك العلة وجعلته صحيحاً للعمل.

    1.   

    حفظ الله للكتاب والسنة وأهمية العناية بهما

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فليس بخاف أن الله سبحانه وتعالى قد جعل الأمة على بينة وعلى صراط مستقيم، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ كتابه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن تبدل تبديلاً، لأن الله جل وعلا قد جعل وحيه على رسوله عليه الصلاة والسلام خاتماً لسائر ما سلف من الكتب؛ وذلك لكي تبقى ويبقى الناس على شريعة وبينة واضحة إلى قيام الساعة, وقد خص الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام بجملة من الخصائص:

    منها: أنه عليه الصلاة والسلام مبعوث إلى الناس كافة، ولهذا قال الله جل وعلا: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ:28].

    ومنها أنه صلى الله عليه وسلم قد جعله الله جل وعلا خاتماً للأنبياء والمرسلين، فلا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولهذا ناسب أن يكون خاتمة الأشياء وخاتمة الأعمال والأقوال هي أفضلها، ولهذا فقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث سهل قال: ( إنما الأعمال بالخواتيم )، يعني: ... كما أنها في ذوات الأشخاص فهي كذلك في الأقوال والأعمال وفي الأزمنة, وأن الإنسان يختم الله جل وعلا له على خير، فيبعث على ذلك الخير وإن كان قد أسرف قبل ذلك، وهذا هو سبب تأخير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، مع أن الله جل وعلا قد جعله سيد الأنبياء والمرسلين، وهو سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام.

    ولما كان ذلك كذلك عُلم أن العناية بحفظ كلام الله وحفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضائل المهمة التي يتسابق ويتنافس فيها الناس؛ لتحقيق الأجر وحفظ الدين، ومعلوم أن حفظ دين الله جل وعلا قد تكفل الله سبحانه وتعالى به، ولكن الله جل وعلا يهيئ لذلك الأسباب، والأسباب إن لم تكن بفلان فهي بفلان، وإن لم تكن في البلد الفلاني ففي البلد الفلاني، ولهذا يتنقل الدين من جهة حفظه من بلد إلى بلد، وكذلك من شخص إلى شخص، وإلا فهو محفوظ باق إلى قيام الساعة، ولهذا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحق ظاهر إلى قيام الساعة مع طائفة؛ كما جاء في الصحيح من حديث معاوية أن رسول الله صلى الله عليه قال: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق, لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة )، فالحق قد قام بطائفة, وهذه الطائفة لم تعين، ولم يعين بلدها، ولم يعين جنسها وعرقها ولغتها، ولكن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ كتابه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولئك الناس من تلك الطائفة من الذكور والإناث، فلهذا لما كانت هذه الخصيصة هي من خصائص أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي امتازت بها عن غيرها، ناسب أن تكون تلك الخصيصة هي من فضائل الأعمال وآكدها، ولهذا كان من اللائق والمهم أن يبين أن خصائص أمة محمد عليه الصلاة والسلام من سلكها وانتظم في عقدها فقد تحقق فيه أعظم الأعمال، ووقع في أجر عظيم قد خصه الله جل وعلا به.

    1.   

    من أهم الأصول التي ينبغي العناية بها في طلب العلم الشرعي

    العناية بالسنة رواية ودراية

    ومن المهمات في ذلك أن يعلم أن من أصول طلب العلم أن يعتني طالب العلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظاً وفهماً, دراية ورواية، وأن يكون طالب العلم من أهل البصيرة والنظر بمعرفة مراتب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة الصحة، فهي على مراتب، وكذلك أيضاً في أبواب الضعف فإنها على مراتب متباينة، وبين ذلك مراتب دقيقة يعرفها أهل الحذق والدراية في ذلك.

    فلهذا ينبغي لطالب العلم أن يكون من أهل البصر والبصيرة والنظر في أبواب العلل، ومعرفة قواعد الحديث ومصطلحه، وأن يأخذ ذلك على عالم متمرس بذلك، حتى يسلم له الطريق، وتصح وتخلص له النتيجة من كل شائبة تدله أو تصرفه عن طريق الحق إلى طريق الخطأ والوهم والغلط، سواء كان ذلك عن قصد أو عن غير قصد.

    معرفة الكتب المؤلفة في السنة

    وينبغي أن يعلم أن المصنفات في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي دواوين كثيرة جداً؛ منها ما مجموعها قد اتفق الأئمة على صحته، وتلقت الأمة تلك المصنفات بالقبول كالصحيحين وأشباهها، ومنها ما فيها الصحيح والضعيف ويكثر فيها الصحيح كالسنن الأربع ومسند الإمام أحمد ، ومنها ما يكثر فيها الضعيف، ومنها ما يختلط فيها هذا وهذا، ويكون ذلك على التساوي، وهذا يختلف من مصنف إلى مصنف، ومنها ما يعتني بالمرفوع، ومنها ما يعتني بالموقوف, وكلٌ له درجة من جهة الاحتجاج والقوة, فلهذا ينبغي لطالب العلم أن يكون على بصيرة في معرفة الكتب.

    وما سنتكلم فيه بإذن الله عز وجل في المجالس القادمة هو في باب من أبواب قواعد الحديث، وهي الأحاديث المعلة في أبواب الأحكام، وقد أنهينا جملة من الكتب في هذا الباب, ونأتي بإذن الله عز وجل في مجالس متنوعة على أحاديث الأحكام كلها ونبين المعلول مما يدور عليه الخلاف عند الأئمة الأربعة، سواء كان ذلك الدليل ظاهراً عند الأئمة بذواتهم، أو عند من أخذ بمذهبهم من أصحابهم, وسواء كانوا ممن تلقى عنهم الفقه مباشرة من أصحابهم أو كان من المحققين ومحرري المذاهب الأربعة.

    معرفة أدلة أصحاب المذاهب الفقهية

    لهذا ينبغي لطالب العلم أن يكون بصيراً بأدلة المذاهب الأربعة من جهة صحتها وضعفها، ومع ضعفها أن يكون على بينة بمعرفة مواضع الضعف، وإلا من عرف الصحيح أنه صحيح ولم يعرف وجه الصحة، وكذلك من عرف الضعيف ولم يعرف وجه الضعف لم يكن من أهل الاختصاص والدقة في هذا الباب، ولم يكن أهلاً للمناظرة والمحاججة، والترجيح بين المسائل المختلفة في أبواب قواعد الحديث ومصطلحه، والأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وترجيح بعضها على بعض.

    معرفة درجات الحديث من حيث الصحة والضعف

    فالأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن.

    والحسن على مراتب دقيقة من علوها، وكذلك دنوها, منها ما يقرب إلى الصحيح، ومنها ما يدنو إلى الضعيف، ومنها ما هو ضعيف يحتج به، ومنها ضعيف لا يحتج به، ومنها ما هو ضعيف لا تصح روايته إلا على سبيل بيانه, وذلك مما كان من أبواب المتروك، والمكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما ظهر فيه الوضع ولو صح إسناده، فيجب في ذلك بيانه وألا يعتمد على صحة الإسناد، فإن الإسناد قد يصح في خبر من الأخبار ولكن المتن يظهر فيه الضعف، وعلى هذا فينظر إلى الأصول العامة الواردة في كلام الله جل وعلا، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن صحت الموافقة في ذلك الخبر فإنه يحمل ذلك الخبر إن كان قد رواه من الرواة من هو متوسط أو فيه ضعف يسير، أو فيه ضعف شديد يقال: إنه يجوز في ذلك الرواية بصيغة التمريض, من غير الاحتجاج به على سبيل الاستقلال، وإنما يقدم بذلك الأصل الظاهر من كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    معرفة قواعد الاحتجاج بالحديث الضعيف

    والقواعد في أبواب الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة مما ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها؛ وهو أن يعلم أن العلماء قد أجمعوا على أنه لا يجوز أن يحتج بالمروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الضعيفة في أبواب الأحكام، وهذا محل اتفاق عند العلماء ولا خلاف عند العلماء في ذلك إلا في مسائل يسيرة, قد روي ذلك عن بعض العلماء كما جاء عن الإمام أحمد عليه رحمه الله، كما نقله عنه بعض الأئمة من الحنابلة كـابن مفلح عليه رحمة الله حيث قال: إن الإمام أحمد يحتج بالحديث الضعيف يسير الضعف في أبواب الاحتياط، وذلك ما كان من أمور كراهة ... مما لا يستلزم من ذلك عمل. والعمل الذي دل عليه الحديث الضعيف ذلك يقين بصحة العمل الذي جاء به الخبر، وكذلك العمل بهذا الحديث لا يقتضي تعبداً بذاته، وإنما يقتضي احتياطاً لدين الإنسان. فينبغي للإنسان أن يعرف مراتب الاحتياج في ذلك، ومواضع إجماع العلماء.

    وأما ما كان من غير أبواب الأحكام؛ كأبواب السير والمغازي والتفسير والفتن والملاحم والتاريخ، وكذلك ما يتعلق بفضائل الأشخاص والبلدان وغيرها، فإن هذا مما يجوز للإنسان أن يروي فيه الحديث الضعيف ولا حرج في ذلك، وبعض العلماء يقيد جوازه بأن يكون الضعف في ذلك يسيراً, وأن يرويه بصيغه التمريض، وهذا له وجه.

    ومن العلماء من قال: إن الحديث الضعيف لا يروى، ولا يجوز حكايته على الإطلاق, سواء كان في أبواب الفضائل أو في أبواب الأحكام, وهذا فيه نظر.

    ومن نظر إلى طرائق الأئمة الأوائل وأئمة النقد والرواية؛ كـشعبة بن الحجاج و عبد الرحمن بن مهدي و يحيى بن سعيد والإمام أحمد ، و علي بن المديني و يحيى بن معين وغيرهم يجد أنهم يحتجون بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال إذا كان الضعف في ذلك يسيراً، فإذا كان الضعف يسيراً جاز للمحدث أن يحتج بذلك الحديث في الأبواب المتقدمة؛ وهي أبواب التفسير والفتن والملاحم والتاريخ وأشراط الساعة، وكذلك ما يتعلق بأبواب الفضائل؛ كفضائل الأعمال، وفضائل الأشخاص, وفضائل البلدان, وغير ذلك مما يدخل في أبواب الفضائل، فإن الأمر في ذلك يسير.

    وقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على عدم جواز الاحتجاج بالحديث الضعيف, ولا أعلم من خالف في ذلك إلا ما جاء عن بعض الفقهاء من المتأخرين الذين قالوا: بجواز الاحتجاج بالحديث الضعيف على الإطلاق في أبواب الأحكام, وهذا فيه نظر، بل هو قول باطل لا يعول عليه، ولم يقل بذلك أحد من أهل التحقيق والدراية والنظر والديانة من سائر المذاهب الأربعة، وإنما جاء عن بعض الفقهاء من الحنفية وغيرهم، وهذا قول لا يعول عليه كما تقدم، بل إن بعض العلماء قال: إنه لا يجوز الاحتجاج بالحديث الضعيف مطلقاً حتى في أبواب الفضائل، وهو قول مردود أيضاً؛ لأنه قد استقر عمل الأوائل على ذلك، وأن العمل بالحديث الضعيف في تلك الأبواب أمر يسير.

    ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يعرف المواضع التي يحتج بها، والمواضع التي لا يحتج بها؛ حتى يميز بين المسائل فلا يضطرب، ولهذا قد يجد بعض طلاب العلم عند العلماء الاحتجاج ببعض الأحاديث في باب وفي بعض الأبواب يردها، فيختلف عنده ذلك النظر، وربما اتهم بعض العلماء بالاضطراب وذلك تتباين الموضع والمأخذ.

    أما ما كان من الأصول العظيمة فينبغي أن يشدد فيه وألا يقبل الحديث ولو كان ظاهر إسناده الصحة، فإن العلماء يشددون في ذلك فيما كان من أصول الديانة، وما كان أيضاً من الأمور العظيمة من المسائل الكليات وقواعد الدين، وكذلك أيضاً ما كان من أعلام المسائل ومشهورها, فإنه لا بد من أسانيد قوية في ذلك، وأن يرويها الأصحاب الكبار من أهل الرواية لكل راوي، فإذا روى راو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا بد أن يروي ذلك الأصل العظيم أحد أصحابه الكبار، ويرويه عنه أحد أصحابه الكبار الأعلام، وألا ينفرد بذلك من كان دونه, وهذا فيما يتعلق بالأصول العامة، وثمة أبواب يسيرة تخرج عن ذلك يأتي الكلام عليها بإذن الله عز وجل في موضعها من هذه المجالس.

    فوائد معرفة أحاديث الأحكام المعلة

    وإنما قصرنا الكلام على الأحاديث المعلة لأنه ينبغي لطالب العلم مع عنايته بالأحاديث الصحيحة من جهة العمل والتعبد والاحتجاج أن يعتني بالحديث الضعيف؛ وذلك لفوائد عديدة:

    أولها: أن يكون على بصيرة بهذه الأحاديث فلا يحدث بها إلا مع بيان علتها، وألا يحتج بها ظاناً صحتها في موضع المناظرة, فيرد عليه أن تلك الأحاديث ضعيفة.

    الثانية: أن يعرف الراجح من المرجوح من أقوال العلماء.

    الثالث: ألا يغتر بالمرويات في بعض الأبواب فيظن أنها صحيحة يعضد بعضها بعضاً؛ لأنه إذا جهل مراتب تلك الأحاديث فإنه ربما يغتر بعدد المروي في ذلك الباب أن هذا الحديث يعضد الآخر، وكلها في الحقيقة واهية ومطروحة، فمع عناية طالب العلم بالحديث الضعيف ينبغي أن يعرف درجة ضعفه والراوي الذي أعل بسببه، أو تلك العلة التي هي فيه ومرتبتها؛ حتى يسلم من الخطأ والزلل في ذلك.

    الرابعة: ما يتعلق بجانب التعبد, وهو الذب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما تقدم أن من أعظم الأعمال وأجلها أن يعتني بذلك طالب العلم.

    ولا يمكن أن يوصف طالب العلم بالتحقيق والدراية والعناية في أبواب الفقه ومسائل الدين على سبيل العموم إلا وقد عرف الأحاديث الصحيحة والضعيفة، وميز بعضها عن بعض مع بيان ومعرفة وجوه التمييز وأسبابها، وأما من ميز بينها من غير معرفة أسباب التمييز ووجوهه فإنه يقع في الوهم والغلط في لازم ذلك الجهل.

    ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يعتني بمعرفة الأحاديث المعلولة في كل باب من أبواب الدين: في مسائل العقائد، ومسائل الحلال والحرم، ومسائل الفضائل، وفي أبواب السير والمغازي والتاريخ، وكذلك في أبواب التفسير، فما من باب من تلك الأبواب إلا وفيه من الأحاديث المطروحة التي لا يحتج بها، ومنها ما تتباين مع أبواب أخرى لكنها في ذلك الباب مما يقبله العلماء على سبيل التخصيص ولا ينتقل في غيره، وهذا ليس محل بحثه فإن الكلام في هذه المسائل مما يطول جداً، ويرجع فيه إلى مظانه بالكلام على مواضع هذه المسائل في كتب المصطلح وكذلك أيضاً قواعده.

    أهم ما ينبغي علمه في الأحاديث المعلة

    وينبغي لطالب العلم قبل أن نلج في بيان الأحاديث المعلة في الطهارة أن يعلم أن النظر في الأحاديث المعلولة من الأمور السهلة اليسيرة، أن يجد الإنسان وأن يقف على علة حديث في باب من أبواب الأحكام فهذا من الأمور اليسيرة، ولكن أن يدفع تلك العلة بدافع آخر من الأمور التي لا تحقق إلا عند أهل النقد، فالعلة وإن ظهرت فإن الذي يدفعها القرينة, فإذا قويت القرينة أتت على تلك العلة.

    1.   

    الطرق التي يسلكها من يحكم على الأحاديث

    وعامة الطرق التي يسلكها الذين يتكلمون على الأحاديث هو أن يقف على العلة لا أن يدفع تلك العلة.

    فأول طريقة يسلكها طالب العلم في حكمه على الأحاديث وهي الطريقة الأولى: أن يبحث عن علة في هذا الحديث، فإن رواة الأخبار الأصل فيهم البراءة، والبراءة أنهم من أهل الإسلام، ولا يقال بذلك: إن الأصل فيهم العدالة, ولكن يقال: إن الأصل فيهم البراءة، فيلتمس في ذلك العلة في هذا الحديث، فإذا كانت العلة إسنادية أو متنية فيلتمس بعد ذلك -وهي المرتبة الثانية- القرينة التي تدفع تلك العلة, وهو حينئذ لا يريد بذلك أن يرد الأحاديث المروية المنسوبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مجردة, فيغلبه الورع بدفع السنن وشدة الاحتياط، ولا يغلبه جانب آخر وهو أن يحفظ الدين من أن يرد مما ينبغي أن يؤخذ على سبيل الاحتجاج في أبواب الأحكام.

    فلهذا ينبغي لطالب العلم أن يجعل قاعدة في ذهنه أن هدر السنة وتضييعها هو كحال الإنسان الذي لا يأبه بالسنة، فإن الإنسان ربما يهدر السنة من جهة النظر بعلة ثم يطرح الحديث مباشرة من غير التماس قرينة تحفظ ذلك الدليل المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبهذا نعلم أنه ما كل حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم معلول يكون مردوداً ولا يجوز الاحتجاج به، بل قد يكون الحديث معلولاً وثمة قرينة تدفعه؛ ومثال ذلك: أن الحديث قد يكون فيه علة إسنادية, وهذه العلة قد تكون في أبواب الانقطاع أو الجهالة, فهذه علة إذا أثبتناها فلا نكتفي بذلك.

    فالطريقة القاصرة: أن يسلك كثير من طلاب العلم في بيان العلة ثم يكتفي ويرفع يده عن النظر في هذا الحديث ثم ينصرف إلى غيره ويطرح العمل بهذا الحديث, ويترك الطريقة الأخرى المكلمة لهذه، وهي: البحث عما يدفع هذه العلة إن وجدت، والذي يدفع هذه العلة هي القرائن المحتفة بها، فقد يوجد من الرواة من هو في ذاته مجهول ولكن قد احتف به من القرائن ما ترفع تلك العلة حتى يستقيم الخبر وتدفع حينئذ، فإنه قد تكون في أبدان الناس علة تطرحهم ولكن ثمة قرائن قد تحتف بتلك العلة فترفعها عن الإنسان وتجعله لا يتأثر بتلك العلة, وقد توجد ذات العلة بعينها في شخص آخر ولا يوجد فيه قرائن تدفع تلك العلة فتطرح الإنسان ولا تقيمه، وقد يتشابه اثنان في علة جسدية ولكن ذاك لديه مناعة رفعت ذلك المرض عنه، وذلك الآخر ليس لديه مناعة فطرحته ولم يقم.

    فلهذا ينبغي لطالب العلم أن يكون نظره في السنة كنظر الطبيب في الأبدان، إذا وجد علة أن ينظر فيما يدفعها؛ فإن الطبيب إذا أتاه مريض وبه علة, سواء في دمه أو في رأسه أو في معدته ونحو ذلك, فإن ثمة قرائن لدى أهل الطب؛ وهو أن يكون لدى المريض مناعة تدفع ذلك المرض من تلقاء نفسه، فإذا كان لديه مناعة كأن يكون مثلاً قوي البنية, أو لديه قوة مثلاً أو كثرة أو وفرة في كريات الدم مثل البيضاء والحمراء ونحو ذلك فتجد بعض الأطباء يحجم عن وضع علاج له، ويقول: إنك ستشفى بإذن الله عز وجل في خلال يوم أو يومين، ويأتيه رجل هزيل البنية وليس لديه مناعة وفيه تلك العلة ذاتها فيعطيه الدواء، ولو أعطاه الأول لزاده مرضاً؛ لأن لديه من الدواء ما يدفع تلك العلة، فإذا أعطاه دافعاً آخر أمرضه، ولهذا ينبغي لطالب العلم في نظره لعلل الحديث أن ينظر إلى القرائن التي تدفع تلك العلل، فثمة قرائن في ذات الحديث تدفع تلك العلة عن الحديث حتى يقوى.

    فنجد مثلاً بعض الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إسنادها انقطاع, وهذه علة، لكن لا ينبغي لنا أن نتوقف عند هذا الحد, بل ننظر إلى ذلك الانقطاع فقد يكون احتف ذلك الإسناد بقرينة دفعت تلك العلة فقوي الإسناد وعُمل به؛ كأن يكون مثلاً ذلك الانقطاع قد سقط فيه راو والراوي هذا يدور بين ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو عشرة أو أهل بيت؛ كرواية الرجل عن أبيه, أو أن يروي عن رجل قد بين واسطته في مواضع عديدة، أو قال: إن الواسطة في ذلك هي فلان وفلان وفلان ولا تخرج عنهم, ثم يرويه عنه بغير بيان الواسطة، فلو أننا وقفنا على ذلك على سبيل الانفراد فإنه يكون ذلك الخبر معلولاً، ولهذا ينبغي لنا أن ننظر في أبواب القرائن لدفع تلك العلل.

    كذلك أيضاً ما يتعلق بأبواب الجهالة، فقد يكون الراوي مجهولاً ولكن ثمة أوصاف قد وجدت فيه دفعت تلك العلة وهي الجهالة فيه، كأن يكون مثلاً الراوي مجهولاً من طبقة متقدمة من التابعين، أو يكون من المدنيين، أو يروي عنه ثقة، وهذا الراوي مجهول ولكنه يروي عن أبيه ونحو ذلك, فتلك من الأوصاف التي تدفع العلة في الإسناد.

    أهمية معرفة العلة في الحديث والقرائن التي تحتف بها

    لهذا ينبغي لطالب العلم أن يعرف مراتب الإعلال، وكذلك القرائن التي تحتف بها, فكل علة لها قرائن عديدة، فالانقطاع له قرائن تختلف عن الجهالة، والجهالة لها قرائن عديدة تختلف عن الانقطاع، وكذلك أيضاً ضعف الراوي له قرائن عديدة تختلف عن الانقطاع والجهالة، كذلك أيضاً ثمة قرائن في أبواب الموقوفات تختلف عن المرفوعات، وفي أبواب المرسل تختلف عن الموصول، وتختلف القرائن بحسب البلدان، والمتون المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمتون المروية في أبواب الأصول تختلف عن المتون المروية في أبواب فروع الدين، فقد يكون الإسناد واحداً، ولكنه يرد في متن ولا يقبل، ويرد في متن آخر فيقبل.

    فثمة قرائن عديدة ينبغي لطالب العلم أن يكون من أهل الدراية والحذق بذلك، وطول المراس يعطي طالب العلم تمكناً في هذا الباب وإيجاد وفرة من القرائن مما لم ينبه عليه كثير من العلماء، ونحن في زمن قل فيه تقييد القرائن والاتكال على القسم الأول من أبواب الإعلال، وهو النظر في إيجاد علة الحديث والاكتفاء بذلك.

    أما المرحلة الثانية وهي النظر إلى القرائن التي تدفع تلك العلة إن وجدت, فإن هذا من الأمور المهمة التي يغفل عنها أكثر طلاب العلم, بل المعتنين في هذا الباب، فلهذا ينبغي لطالب العلم أن يكون على بينة وبصيرة, ونحن في هذا المسلك في الحكم على كثير من الأحاديث، سنتكلم عليها بإذن الله عز وجل, ونبين مناسبات العلل؛ حتى تقرب تلك المسائل إلى أفهام طلاب العلم, فتتضح هذه التقعيدات، ويسهل النظر فيها.

    أهمية تطبيق قواعد مصطلح الحديث وممارستها

    وينبغي أن يعلم أيضاً أن طالب العلم الذي يأخذ القواعد نظرياً ولا يمارس ذلك بنفسه فإنه في الأغلب لا يستفيد فائدة مرجوة، ولا يتحقق فيه وصف التحقيق والدراية, فينبغي له أن يكثر من النظر والحكم على الأحاديث على سبيل الانفراد, وأن يعرضها على أهل الاختصاص حتى يكون من أهل الدراية.

    منهجية دراسة الأحاديث المعلة

    وفي هذا الباب الذي نتكلم عليه بإذن الله عز وجل وهو الأحاديث المعلة في الطهارة، ما يدخل في بابنا هي الأحاديث التي عليها مدار الدليل في بابها, في أي باب من أبواب الأحكام، ونحن هنا في باب الطهارة نبتدئ بإذن الله عز وجل بما كان عليه المدار عند الأئمة فنبينه، وما كان فيه علة قادحة أو غير قادحة نورده إذا كان هو الأصل في الباب، وما كان معلولاً في أحاديث الطهارة، ولكن ليس هو العمدة في بابه فإننا لا نورده وإن كان معلولاً؛ لأن ثمة أحاديث في الباب تغني عنه، ولو دخلنا في هذا الباب فإن هذا يطول جداً.

    وكذلك أيضاً فقد يكون الحديث معلولاً وفي الباب حديث غيره صحيح, ولكن الفقهاء لقلة عناية بعضهم بمعرفة علل الحديث يظهرون الحديث المعلول ويغفلون الحديث الصحيح، فنحن نبين حينئذ ذلك الحديث المعلول، ونبين أن ثمة ما يغني عنه في ذلك الباب، ولهذا ينبغي أن يعلم أنه لا يستدرك علينا في ذلك الأحاديث الضعيفة إذا كان هناك ما يغني عنها في أبواب الأحكام.

    كذلك أيضاً ما يتعلق بالموقوفات؛ المرويات عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ينبغي أن يعلم أنها لا تدخل في بابنا باعتبار أن العلماء مجمعون على أنها ليست من الوحي، ونحن هنا نتكلم على ما يتعلق بمسائل الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, ونستثني من ذلك صوراً:

    الصورة الأولى: إذا كان الحديث قد روي على وجهين: موقوف، ومرفوع، وإن كان الراجح الموقوف فإننا نورد المرفوع ونبين العلة، ثم نرجح الراجح في ذلك، سواء كان المرفوع أو كان الموقوف.

    الصورة الثانية: إذا كان الموقوف فرداً في الباب ويستدل به الأئمة من الفقهاء، وهو مشهور في بابه ولا يوجد من المرفوعات شيء في ذلك وهو معلول, فنبينه ونبين تلك العلة.

    ومعلوم أن العلماء عليهم رحمة الله تعالى في أبواب الأحكام قد يستدلون بالحديث الموقوف على صحابي إذا لم يوجد في الباب حديث مرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم يوردون في ذلك الموقوف على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الغالب أنهم لا يعتمدون على الحديث الموقوف على سبيل الاستقلال إلا إذا احتف ذلك بجملة من القرائن التي تعضده؛ ومن تلك القرائن: أن يكون قد اعتضد بالأصول العامة كالقياس, سواء بقياس الأولى أو قياس المثل أو غيرها من أبواب قياس الظن، أو اعتضد بعمل الناس فيما بعد ذلك الصحابي، فإنهم يوردون حديث الصحابي باعتبار أنه هو الأصل، أو دل على معناه فحوى ومجموع معاني الشريعة، ولكنه جاء في هذه المسألة على سبيل التخصيص.

    ولهذا ينبغي لطالب العلم في حال نظره في كتب الفقه ودواوين الفقهاء من المذاهب الأربعة أن يكون على بصيرة بأبواب الاستدلال بالموقوفات على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأن يلتمس الأصل الذي قد استدلوا به، فقد يكون ضعيفاً ولكن العمدة في ذلك غير هذا الأصل.

    وهذا كما أنه في الموقوف فهو كذلك في المرفوع, فقد يوردون في الباب مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن ذلك المرفوع ضعيف وهو فرد في الباب فيوردونه في أبواب ولكن إنما أوردوه لأنه قد عضدته الأصول وأجمعت الأمة عليه، وقد يخالف في ذلك الفرد أو الواحد والاثنين ولكن لا يعتدون بذلك.

    وقد وجد الاحتجاج بالموقوفات بل والمقطوعات عند غير واحد من العلماء, فقد وجد في كلام الإمام أحمد عليه رحمة الله، ومالك والشافعي , حيث يستدلون بكثير من الأحاديث الموقوفة والمقطوعة وذلك إذا احتفت بقرائن، كما تقدمت الإشارة إليه، والقرائن في أبواب الفقه والاستنباط في مما يطول ذكره جداً ويرجع فيها إلى مظانها، ومن رجع إلى ذلك تبين له المراد.

    1.   

    حديث: (إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء..)

    ونشرع بإذن الله عز وجل في أحاديث الطهارة.

    أولها: ما يتعلق بأبواب المياه، والحديث الأول في ذلك: حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن البحر فقيل له عليه الصلاة والسلام: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإذا توضئنا منه عطشنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه الحل ميتته ).

    هذا الحديث رواه الإمام مالك في كتابه الموطأ, ورواه عنه الإمام أحمد و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجه , وكذلك ابن خزيمة و ابن حبان و الدارقطني و الدارمي وغيرهم, كلهم عن مالك بن أنس عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى، وتوبع الإمام مالك عليه رحمة الله كما رواه الحاكم في كتابه المستدرك.

    ورواه الدارقطني من حديث عبد الرحمن بن إسحاق و إسحاق بن إبراهيم عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وجاء هذا الحديث أيضاً من وجوه عدة لا تخلوا من ضعف؛ كما رواه الحاكم ، والدارقطني من حديث محمد بن غزوان عن الأوزاعي عن الأعمش عن أبي سلمة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك رواه الدارقطني في كتابه السنن من حديث إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والطريق الأول معول بـمحمد بن غزوان ؛ فإنه قد تفرد به من هذا الوجه ولا يصح حديثه.

    وأما الطريق الثاني الذي رواه الدارقطني من حديث إبراهيم بن سعد ، فإنه قد تفرد به عبد الله بن محمد القدامي عن إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك جاء الخبر من حديث سعيد بن سلمة و المغيرة بن أبي بردة من وجوه متعددة, فقد جاء من حديث يحيى بن سعيد عن المغيرة بن أبي بردة عن رجل من بني مدلج.

    وجاء أيضاً من حديث يحيى بن سعيد عن المغيرة بن أبي بردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وجاء من حديث الليث بن سعد عن يزيد بن حبيب عن المغيرة بن أبي بردة به.

    وجاء من حديث الليث بن سعد عن الجلاح أبي كثير عن المغيرة بن أبي بردة به.

    وجاء أيضاً من غير هذا الوجه كما ذكر ذلك الترمذي عليه رحمة الله تعالى في كتابه السنن, فقال: إنه جاء في الباب من حديث جابر بن عبد الله وابن الفراسي ، فأما حديث جابر بن عبد الله فإنه قد رواه ابن ماجه في كتابه السنن من حديث إسحاق بن حازم عن عبيد الله بن مقسم عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه سئل عن البحر، فقال: هو الطهور ماؤه, الحل ميتته ).

    وأما حديث ابن الفراسي فإنه قد رواه ابن ماجه أيضاً في كتابه السنن من حديث بكر بن سوادة عن مسلم عن ابن الفراسي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, و ابن الفراسي تارة يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وتارة يرويه عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    و مسلم لم يسمع من الفراسي فهذا الخبر معلول، والصواب في ذلك أنه يرويه عن الفراسي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر كما رواه الإمام أحمد في كتابه السنن من حديث حماد بن سلمة عن أبي التياح يزيد بن حميد عن موسى بن سلمة عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن البحر, فقال: هو الطهور ماؤه, الحل ميتته ). فهذا الحديث قد جاء بجملة من الطرق كما تقدم، وأصحها ما رواه الإمام مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا هو أصح هذه الطرق.

    وجاء في بعض الأسانيد اضطراب في ذلك كما جاء في رواية الليث ، وبعض الطرق في رواية يحيى بن سعيد الأنصاري .

    خلاصة الحكم على حديث: (إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء ...)

    فالخلاصة أن هذا الحديث صحيح، وإن كان في ظاهره الإعلال، وعلنه سعيد بن سلمة و المغيرة بن أبي بردة ؛ وذلك أن سعيد بن سلمة قال غير واحد من العلماء: إنه مجهول من المتأخرين, و سعيد بن سلمة يروي عنه صفوان بن سليم، و صفوان بن سليم قد تابعه على ذلك بعض الرواة.

    و الجلاح أبو كثير عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد وثقه غير واحد من العلماء؛ كما وثقه النسائي و ابن حبان .

    وأما المغيرة بن أبي بردة فقد قال: بجهالته بعض المتأخرين، وقال بعض الأئمة: إنه راو معرف؛ كما قال ذلك أبو داود عليه رحمة الله تعالى، وكذلك قد وثقه غير واحد كـالنسائي و ابن حبان و الحاكم ، وهؤلاء الرواة المجاهيل في هذا الحديث وهما: سعيد بن سلمة و المغيرة بن أبي بردة على قول من قال بجهالتهم.

    أوجه تصحيح حديث: (إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل...)

    لم يعل بهم الحديث لم يعل هذا الحديث مع كون أصح الطرق رواية الإمام مالك عليه رحمة الله, وذلك من وجوه متعددة:

    الوجه الأول: كون هذا الحديث من أحاديث المدنيين، وذلك أن مالك بن أنس يرويه عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة ، والجهالة في المدنيين أهون من الجهالة في غيرهم؛ وذلك أن أهل الحجاز على سبيل العموم سواء كانوا مكيين أو مدنيين -في الطبقات الأولى- الجهالة فيهم أهون من الجهالة في غيرهم؛ وذلك لأن الكذب لم يكن معروفاً في المدينة في زمن التابعين وفي أوائل طبقة أتباع التابعين، وإنما هو نزر يسير، ويوجد في طبقة التابعين في غير المدنيين بكثرة، في العراقيين والشاميين والمصريين والخراسانيين واليمنيين، بخلاف الحجازيين فإنه نادر في أبواب التابعين، بل قال بعض العلماء: إنه معدوم، كما أشار إلى هذا غير واحد من العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله.

    الوجه الثاني: أن الإمام مالك عليه رحمة الله تعالى أعلم الناس بأحاديث المدنيين، وقد روى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لا يروي إلا عن الثقات، وكلما يوجد في كتابه الموطأ من الأسانيد التي يرويها فهم ثقات عنده، كما نص على ذلك هو بنفسه كما روى الإمام مسلم عليه رحمة الله في كتابه المقدمة: أن الإمام مالك عليه رحمة الله تعالى سئل عن راو فقال: تجده في كتابي؟ قال: لا، قال: فليس بثقة، يعني: أن ما كان يرويه الإمام مالك عليه رحمة الله تعالى في كتابه فالأصل فيه العدالة والثقة، والإمام مالك عليه رحمة الله كان شديد الاحتياط, وخاصة في أبواب الأحكام، فلا يكاد يروي متناً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وله أصل ثابت، أو عليه العمل، ولا يروي خبراً عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو مستقر عنده، ولو لم يصح إسناداً إلا أن ثمة قرائن تعضده من جهة الثبوت، باعتبار أن أصحابه يعملون به؛ وهذا كثير من المرويات التي يرويها مثلاً عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى وكذلك عثمان بن عفان وفي أسانيدها ضعف, وذلك لأن أهل المدينة في الأغلب يعملون بذلك.

    الوجه الثالث: أن الأئمة قد تلقت هذا الخبر بالقبول، ومعلوم أن الأئمة يحتاطون في أبواب نقد الأسانيد؛ وذلك للاحتياط في أبواب العمل، فإن الناقد والناظر في الأحاديث للبحث عن عللها ينظر في الحديث على سبيل الاحتياط؛ لكي لا يتعبد به على سبيل الخطأ فيظن أنه خبر صحيح، ولكن لما وجد العمل به قبل ذلك ضعف جانب الاحتياط، ولهذا تساهل العلماء في الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول.

    وقد نص غير واحد من العلماء على أن هذا الحديث مما تلقته الأمة بالقبول فعلى ذلك يصححونه, وممن نص على هذا ابن عبد البر عليه رحمة الله, فإنه قال: إن هذا الحديث روي بإسناد لا يصحح الأئمة مثله، ولكن قد تلقته الأمة بالقبول، وقد صححه لتلقي الأمة له بالقبول جماعة من الأئمة عليهم رحمة الله؛ كـابن عبد الهادي وغيرهم, وممن صححه البخاري كما نقله عنه الترمذي , وصححه أيضاً الإمام الترمذي في كتابه السنن، و ابن خزيمة و ابن حبان ، وصححه جماهير المتأخرين، وعامة الأئمة من المتقدمين على صحته، ولم يعله -فيما أعلم- من الأئمة المتقدمين أحد معتبر, وقد أعله جماعة من المتأخرين كـابن القطان الفاسي , وأعله بتلك العلل: الجهالة في الإسناد، وهذا فيه نظر, وربما يعله البعض بوجود بعض المخالفة في مضمون هذا الحديث المروي في ذلك عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما جاء عن عبد الله بن عمرو و عبد الله بن عمر وسيأتي الكلام عليه بإذن الله تعالى.

    الوجه الرابع: أن هذا الحديث مما تعضده الأصول؛ وذلك أن الأصل في المياه الطهارة، ومياه البحر أنزلها الله جل وعلا من السماء، والله سبحانه وتعالى يقول: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، فما أنزله الله سبحانه وتعالى من السماء فهو طاهر, فلا يتحول عن صفته التي أنزلها الله جل وعلا عليه إلا بمتغير، والمتغيرات في ذلك مما يأتي الكلام عليه بإذن الله جل وعلا, وهي تغير أحد أوصافه الثلاثة: اللون والطعم والرائحة، على خلاف عند العلماء في التغير بذلك هل هو بالمخالطة أو المجاورة، وعامة العلماء على أنه لا فرق بين المخالطة والمجاورة إذا تحقق التغير في ذلك، بل حكي الإجماع في ذلك, على خلاف عند بعض الفقهاء من المالكية كما هو قول ابن الماجشون . ولهذا الأمر كان الأئمة عليهم رحمة الله تعالى على صحة هذا الحديث، ولم يلتفتوا إلى تلك العلل فيه، ودفعوا تلك الجهالة بقرائن أقوى منها.

    الوجه الخامس: عمل الأئمة المستفيض, فإنهم كانوا ممن يركب البحر، وأحل الله جل وعلا صيد البحر، وسماه: لَحْمًا طَرِيًّا [النحل:14]، وهذا دليل على أنه منغمس في طاهر, ولم يأمرنا الشارع بتنقيته من ممازجته لماء البحر، وإن كان الأئمة عليهم رحمة الله تعالى لا يقولون: بنجاسة ماء البحر حتى من قال: بعدم التطهر منه، وإنما يقولون: إنه قد تغير بممازج وهو الملح، فحينئذ قالوا: لا يجوز التطهر به، وعلى هذا فإنه لا يدخل على قولهم مياه الأنهار المستفيضة, والقول بعدم طهورية ماء البحر قول مهجور, قد قال به بعض الصحابة، وعلى هذا اعتضد قول من قال بذلك لعدم ورود الإجماع, فمن قال بعلة الحديث من جهة الإسناد, قال: إن الأئمة لم تتلقاه بالقبول باعتبار أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى روي عنهم عدم العمل به، وممن روي عنه ذلك عبد الله بن عمرو كما روى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث هشام عن قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال: ماء البحر لا يجزي من وضوء ولا جنابة, إن تحت الماء نار، وتحت النار ماء، ثم ذكر سبعة أبحر، وسبعة نيران, وهذا الحديث إسناده صحيح عن عبد الله بن عمرو.

    وكذلك أيضاً ما جاء عن عبد الله بن عمر كما روى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث قتادة عن عقبة بن صهبان عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى قال: التيمم أحب إلي من الوضوء من ماء البحر، فإذا قال ذلك فإن الأصل أن من عدل عن الماء إلى التيمم -مع أنه لا يجوز استعمال التراب في حال وجود الماء للصحيح- دليل على أنه لا يرى الإجزاء، وهذا إسناد صحيح عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى.

    وروي عن بعض العلماء القول بالكراهة؛ كما جاء هذا عن سعيد بن المسيب ، كما رواه عنه قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: الماء العذب أحب إلي منه، وقال عليه رحمة الله: إن ألجئت إليه فلا بأس، وجاء هذا أيضاً عن إبراهيم النخعي كما رواه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث الزبير بن عدي عن إبراهيم النخعي عليه رحمة الله أنه قال في ماء البحر: الماء العذب أحب إلي منه، وهذا من باب التفضيل والكراهة، وليس من باب عدم الإجزاء.

    وجاء في ذلك أيضاً ما رواه ابن أبي شيبة من حديث أبي جعفر عن الربيع عن أبي العالية رفيع بن مهران الرياحي عليه رضوان الله تعالى, وهو من علية ومتقدمي التابعين عليهم رضوان الله تعالى أنه قال: إنه توضأ بنبيذ لما ركب البحر ولم يتوضأ بماء البحر، وإسناده عنه ضعيف. وهذا الحديث وإن كان فيه علل فقد دفعتها القرائن كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.

    1.   

    حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب..)

    الحديث الثاني: ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه و البيهقي من حديث مروان بن محمد عن رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه )، وهذا الحديث قد تفرد بروايته على هذا الوجه مروان بن محمد ، واختلف عليه فيه، فرواه العباس بن الوليد عن مروان بن محمد , وتابعه على ذلك أبو الأزهر كما رواه البيهقي في كتابه السنن عن مروان بن محمد عن رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فجعله من مسند أبي أمامة , واختلف عليه في ذلك، فرواه عيسى عن مروان بن محمد وجعله من حديث ثوبان ، وتوبع عليه مروان بن محمد , فإنه قد رواه محمد بن يوسف عن رشدين بن سعد عن معاذ بن صالح وجعله من حديث أبي أمامة , وهذا هو الصواب.

    والحديث فيه رشدين بن سعد وقد ضعفه غير واحد من الأئمة، فقد ضعفه الإمام أحمد , والنسائي و أبو حاتم , وقال الإمام أحمد : يقبل حديثه في الرقاق.

    وتفرده بهذا الحديث هو من حديث ثوبان ، وكذلك أيضاً حديث أبي أمامة ولا يحتج به, إلا أن هذا المعنى الذي تضمنه هذا الحديث قد حكي الإجماع على العمل به, فقد حكى الإجماع على ذلك النووي عليه رحمة الله تعالى في كتابه المجموع.

    وتوبع على هذا الحديث كما رواه البيهقي في كتابه السنن من حديث عطية بن بقية بن الوليد عن أبيه وذكره.

    وهذا الحديث قد صححه بعض العلماء من المتأخرين، والصواب فيه أنه معلول، وتوبع عليه أيضاً من حديث حفص بن عمر ، وحديث حفص بن عمر لا يحتج به.

    وهذا الحديث من جهة الرواية لا يحتج به؛ وذلك لتفرد رشدين بن سعد به.

    وقد ورد في هذا الحديث اختلاف على وجوه متنوعة، فبعض الرواة يجعله من قول راشد بن سعد , وبعض الرواة يجعله من حديث راشد بن سعد مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك كما رواه عبد الرزاق في كتابه المصنف من حديث إبراهيم عن الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتابع إبراهيم على حديثه هذا في روايته عن الأحوص عن راشد بن سعد مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة، كما رواه الدارقطني والبيهقي في كتابه السنن, فتابعة على ذلك أبو عيسى , وكذلك أيضاً أبو إسماعيل المؤدب , كلهم رووه عن الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وبعض الرواة يجعله من حديث راشد بن سعد من قوله؛ كما رواه الدارقطني في كتابه السنن من حديث الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد من قوله.

    والصواب في ذلك أنه مرسل، وعلى كلٍ فلا يثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكن يعضد هذا الحديث حديث أبي سعيد الخدري فيما رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وصححه الإمام أحمد و يحيى بن معين وغيرهم, في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الماء طهور لا ينجسه شيء )، وهذه الزيادة في هذا الحديث في حديث أبي أمامة : ( إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه بنجاسة تحدث فيه )، هذه هي المعلولة، وإلا فحديث أبي سعيد الخدري عليه رضوان الله تعالى حديث صحيح لا غبار عليه بإذن الله تعالى.

    والعمل على حديث أبي أمامة , وهذا محل إجماع, ولا أعلم في ذلك من خالف من العلماء أن الماء إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة بنجاسة حدثت فيه فإنه نجس، وسواء كانت النجاسة بممازجة أو بمجاورة، ومعنى مجاورة: أنها تسللت إما من الأرض أو كانت الريح يأتي بها إلى الماء حتى تغيرت رائحته؛ ككثير من رائحة الجيف التي تكون مجاورة ... والأنهار فإنها ربما تغير ذلك الماء من جهة طعمه, فلا يكون ذلك بالمخالطة.

    وجاء عن ابن الماجشون من المالكية أنه لم يعتبر المجاورة, قال: باعتبار أنها ليست مخالطة، لظاهر قوله: (بنجاسة تحدث فيه)، ولكن يقال: إنه ولو كان بمجاورة فالنجاسة قد حدثت فيه باعتبار أنها قد نقلها الريح فاستقرت فيه, سواء كان ذلك عن طريق المجاورة أو كان ذلك عن طريق المخالطة.

    1.   

    حديث: (...تمرة طيبة وماء طهور)

    الحديث الثالث: حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى؛ وذلك ( أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فكان معه إداوة فيها نبيذ, فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته فقال: ما الذي معك؟ فقال: نبيذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تمرة طيبة وماء طهور )، هذا الحديث منكر، وذلك أنه يرويه أبو فزارة عن أبي زيد عن عبد الله بن مسعود، رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن من هذا الوجه, وقد تفرد فيه أبو زيد وهو مجهول، ولم يسمع من عبد الله بن مسعود كما قال ذلك غير واحد من الأئمة؛ كالإمام البخاري عليه رحمة الله.

    وقد أنكر هذا الخبر الإمام البخاري والترمذي و أبو حاتم وجماعة من النقاد, فأنكروه على أبي زيد , بل قال بعض العلماء: إنه قد روى خبراً منكراً مخالفاً للأصول من الكتاب والسنة والإجماع والقياس والنظر، كما نص عليه ابن حبان عليه رحمة الله تعالى في كتابه المجروحين، وذلك أنه قد توضأ بشيء ليس من الماء بإجماع العلماء، فإنه قد سماه نبيذاً، وظاهر من النص أنه قد أقر أن فيه تمراً فقال: ( تمرة طيبة وماء طهور )، فكأنه قد توضأ بعصير خالص، وهو مخالف للأصول الواردة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث معلول بعلل وهي:

    الأولى: تفرد أبي زيد بروايته من هذا الوجه عن عبد الله بن مسعود وهو مجهول.

    الثانية: أن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى لم يكن مع النبي عليه الصلاة والسلام ليلة الجن، كما رواه الإمام مسلم في كتابه الصحيح من حديث علقمة أنه قال: ( سألت عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى: هل كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد )، يعني أن النبي عليه الصلاة والسلام ذهب إلى لقاء الجن ووعظهم وتذكيرهم وإنذارهم ولم يكن معه عليه الصلاة والسلام أحد.

    ولكن هذا الخبر قد جاء من طرق متعددة من غير طريق أبي زيد ، من ذلك ما رواه البيهقي في كتابه السنن من حديث عبد الله بن لهيعة عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن عبد الله بن عباس عن عبد الله بن مسعود بهذا الخبر، وقد تفرد به عبد الله بن لهيعة من هذا الوجه، وقد أعله بذلك جماعة؛ كما أعله الدارقطني , والبزار وغيرهم.

    وقد جاء من طريق آخر كما رواه الدارقطني في كتابه السنن من حديث محمد بن عيسى عن الحسن بن قتيبة عن يونس بن إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن الأحوص و عبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى فذكره بمثله، وهذا الخبر معلول بـمحمد بن عيسى , و الحسن , فإنهما ضعيفان كما ذكر ذلك الدارقطني في كتابه السنن.

    علة حديث: (...تمرة طيبة وماء طهور)

    وقد جاء هذا الحديث من غير هذا الوجه كما رواه الدارقطني في كتابه السنن من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي رافع عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الخبر معلول بعدة علل:

    الأولى: أنه لم يروه الثقات من أصحاب حماد بن سلمة , وكذلك ليس في مصنفاته؛ كما أشار إلى هذا الدارقطني عليه رحمة الله.

    الثانية: أنه قد رواه علي بن زيد بن جدعان وهو معروف بالوهم واللين.

    وكذلك أيضاً فإنه يرويه أبو رافع عن عبد الله بن مسعود ، ولم يعرف لـأبي رافع عن عبد الله بن مسعود سماع، وبه نعلم أن هذا الحديث معلول مخالف للأصول.

    ولكن قد جاء في روايات أخرى في الوضوء بالنبيذ على سبيل الإجمال من غير ذكر التمر في بعض الروايات؛ من ذلك من رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم هانئ كذلك مرفوعاً، وقد تكلم فيه بعض العلماء، وجاء في ذلك أيضاً بعض الموقوفات، وبعض المقطوعات وأكثرها معلول.

    وما جاء فيه من أحاديث صحيحة فيقال: إن المقصود بذلك هو أنه بقي في بعض الإناء أثر تمر، أو أثر زبيب، أو أثر عنب، أو أثر دقيق ونحو ذلك، ولم يكن من المتغير الخالص بمخالطة دائمة، وما بقي فيه أثر فإن الأمر خارج عن هذه المسألة.

    أهمية معرفة المصطلحات في زمن النبوة في فهم الحديث والحكم عليه

    وينبغي لطالب العلم أن يعلم أن معرفته لاصطلاح العلماء والمصطلحات في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم حال نزول النص مما ييسر عليه فهم الدليل، ويساعده على عدم إعلال الأحاديث بنكارة المتن مباشرة إذا فهم النص، وقد يكون الإنسان من أهل العربية ومن أهل الفصاحة والحذق والدراية إلا أنه ليس من أهل المعرفة بالمصطلحات المقصودة بلسان العرب من أهل المدينة عند نزول النص، ونعلم أنه قد يهم ويغلط حتى المتقدم لجهله بالمصطلح، ومن ذلك ما جاء في البخاري من حديث عدي ويرويه عنه عامر بن شراحيل الشعبي أنه قال: ( لما نزل قول الله عز وجل وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، قال: عمدت إلى حبلين أو عقالين: أبيض وأسود، فوضعتهما تحت وسادتي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس كذلك, إنما هو بياض النهار وسواد الليل ).

    فهذا المصطلح من جهة اللغة صحيح، فإنك إذا قلت: خيط أبيض وخيط أسود؛ فإن هذا لغة صحيح أن الإنسان يعمد إلى هذا، ولكن لخروج ذلك اللفظ عن المصطلح الذي اصطلح عليه أهل المدينة وقع الخطاء عند عدي بن حاتم عليه رضوان الله تعالى، فبين له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا الذين لم يبين لهم فهم النص خلق كثير, سواء كانوا من التابعين وأتباع التابعين أو غيرهم، عمدوا إلى بعض تفاسير اللغة، فإذا كان هذا في صحابي عربي صحيح الفصاحة كـعدي عليه رضوان الله تعالى فإنه فيمن جاء بعده من أهل الديانة والفصاحة وحسن السليقة والمنطق من باب أولى، ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يعتني بأقوال الصحابة ومعرفة كلام العرب وأشعارهم، وحتى يسلم له الدليل ويفهم النص.

    ومن نظر إلى كلمة النبيذ في كلام السلف فإنهم يشيرون إلى ما اختلط بشيء من الممازج ولو كان يسيراً، سواء كان من التمر أو كان من العنب ونحو ذلك، ولو تغير فيه الطعم، ومعلوم أن تغير الطعم بشيء من الطاهر بما لم يسلب الماء اللون فإن هذا أمر يخفف فيه العلماء، بخلاف الماء المتغير بشيء من المتغيرات من غير الأشياء الطاهرة من النجاسات أو من غير جنس الأرض.

    نكتفي بهذا القدر، وأسأل الله عز وجل أن يوفقني وإياكم لمرضاته.

    1.   

    الأسئلة

    أفضل المراجع في كتب العلل

    السؤال: ما هي أفضل المراجع في كتب العلل؟

    الجواب: لا إشكال أن الأئمة عليهم رحمة الله تعالى قد اعتنوا بأبواب العلل، وصنفوا في ذلك مصنفات متعددة جليلة القدر، ومن هذه المصنفات العلل لـابن أبي حاتم , والعلل لـابن المديني , وكتاب التاريخ للإمام البخاري ، والعلل للإمام الترمذي ، والعلل للإمام أحمد برواياته المنثورة، وكذلك أيضاً العلل المنثورة في كتب الأئمة التي لم تصنف على سبيل الاستقلال وإنما في ثناياها، كمسند البزار ، فإنه مليء بالعلل، وكذلك معاجم الدارقطني مليئة بنوع من العلل في هذا، وكذلك أيضاً كلام الترمذي عليه رحمة الله في كتابه السنن، والنسائي ، وغيرهم من الأئمة، وكذلك أيضاً المسائل المروية عن يحيى بن معين , وعن أبي خيثمة وجماعة من العلماء في هذا.

    ولكن الإشكال في هذه المصنفات أنها عالية اللفظ, بعيدة المقصد، فمقاصد الأئمة لا يكاد يفهمها على وجهها التام إلا من أطال المراس، وهذا يحتاج طول ممارسة ونظر، وتتبع لطريقة الأئمة, فلهم مصطلحات قد بعد عنها كثير من المتأخرين لسبب؛ وذلك السبب هو: أن الأئمة من المتأخرين بسطوا كثيراً من قواعد المصطلح وعلوم الحديث بمصطلحات وعبارات جديدة، فيجد الإنسان ثمة بوناً بين هذه المصطلحات وبين كلام الأئمة، ولو فهم تلك على مقاصد الأئمة تيسر له المعنى على الوجه التام، وكذلك على مراد الأئمة، ولهذا الأنسب في هاتين الطريقتين ألا يغفل طالب العلم النظر في كتب الأئمة الأوائل، وأن يكون صاحب مراس بذاته، فينظر في كلام الأئمة ويمارس حتى يتبين له المقصد، فالأئمة قد يتكلمون فيقولون: هذا خبر منكر، ويريدون بذلك المطروح والواهي، وقد يريدون بذلك الغرابة، وكذلك أيضاً في بعض الألفاظ التي يطلقونها على بعض الأحاديث التي في كتب العلل، وتتباين في وضع المتأخرين.

    وكذلك أيضاً الجمع بينها وبين كتب المتأخرين التي اعتنت في أبواب التخريج؛ ككتاب التلخيص الحبير للحافظ ابن حجر والبدر المنير لـابن الملقن ونصب الراية للزيلعي وغيرها.

    الحكم على حديث أبي سعيد: (إن الماء طهور..)

    السؤال: حديث ( إن الماء طهور ) هل هو صحيح؟

    الجواب: حديث أبي سعيد الخدري صحيح بدون زيادة الزيادة هي المعلولة ويعضدها العمل.

    مستند حديث أبي أمامة: (إلا ما غلب على ريحه وطعمه...)

    السؤال: في حديث أبي أمامة في قولنا: إن الأئمة قد أجمعوا على ما في هذا الحديث، مع أن الإجماع لا بد أن يكون له مستند، فهل هذا مستند ذلك الحديث؟

    الجواب: يقال: إن الإجماع له مستند أعلى من ذلك؛ وذلك أن الله عز وجل قد بين طهورية الماء، والماء له وصف معروف عرفاً, ولو لم يثبت نصاً، وما لم يكن على هذا الوصف فليس هو الماء الطهور الذي أطلق الله عز وجل عليه الطهورية، ولهذا قد يقال: إنه لا حاجة إلى هذا المعنى، ولكن إيراده والتدليل عليه بصيغة التمريض لا حرج في ذلك ولا بأس.

    الوضوء بماء الورد والزعفران

    السؤال: هل يصح التوضؤ بماء الورد وماء الزعفران؟

    الجواب: لا يصح؛ لأنه لا يسمى ماءً على سبيل الاستقلال, وإنما يسمى ماءً بالإضافة, فيقال: ماء ورد، وماء زعفران، فلا يسمى ماء، الماء الذي تغير بممازج ولكن لم يسلبه الوصف؛ مثال ذلك: ماء الغدران، تلطخ بالأتربة والغبار فوجد فيه نوع صفرة، فإنك لا تستطيع أن تسمية باسم غير الماء؟ فلا تقول ماء طين، ولكن ماء الورد لا تسميه ماء، فتقول: ماء ورد، أو ماء زعفران ونحو ذلك.

    نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.