إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [45]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين الله عز وجل لعباده حقوقه وحقوق العباد على بعضهم، وهذه الحقوق منها ما يتعلق بالأموال فحرم أخذها بطريقة محرمة كالربا، فجعل الذي يأكل الربا يوم القيامة كالذي يتخبطه الشيطان من المس، وذلك لكونه كالمجنون مزدرى لا يؤبه له وليس له قيمة، فالمرابي لا ينظر الله إليه يوم القيامة ثم ذكر الله عز وجل أن من تاب من الربا فله ما سلف إن كان قد أخذه، أما إذا لم يأخذه فله رأس ماله لا يظلم ولا يظلم، وذكر الله عز وجل أن المرابي محارب لله، ومن حارب الله فقد خاب وخسر.

    1.   

    قوله تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فنتكلم في هذا المجلس بإذن الله تعالى عن آيات الربا، وقد توقفنا عندها، وذلك في قول الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275] .

    بيان الله سبحانه وتعالى حقوقه وحقوق عباده

    الله سبحانه وتعالى بين وفصل حقوقه وفصل حقوق العباد، وبيَّن الله جل وعلا ذلك في مواضع عديدة من كتابه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما ما يتعلق بحقوق العباد فهي المظالم التي تكون بين البشر، وهذه المظالم التي يتلبس بها العباد أعظم عند الله سبحانه وتعالى مما كان من حقه جل وعلا إلا ما يتعلق بالشرك، وذلك أن الشرك هو أعظم الذنوب، والسبب في ذلك: أن الله سبحانه وتعالى لما جعل الذنب جعل كفارةً له، ومعلوم أن ما كان من الذنوب فهو على نوعين: نوع في حق الله سبحانه وتعالى وأعلاه الشرك، ثم تتباين في ذلك من جهة عظمها من الكبائر والموبقات، ومنها ما هي دون ذلك.

    وأما النوع الثاني مما كان في حق العباد فيما بينهم، وذلك من المظالم التي تكون في الأموال، والدماء، والأعراض وغيرها، فهذه يقابلها ويمحوها التوبة، وكذلك الكفارات التي تلحق بها، وذلك من المصائب والهموم، وغير ذلك مما يمحو الله عز وجل به الذنوب، فما كان من الذنوب التي من حق الله عز وجل فصلها الله، وما كان من حق العباد فصله الله، والذنب الذي يدوم ولا يمحى على العبد أعظم من غيره.

    والذنوب التي لا تمحى على نوعين: نوع من حق الله سبحانه وتعالى ومن حق عباده، وهي الشرك، وحقوق الآدميين.

    النوع الثاني: نوع يمحوه الله سبحانه وتعالى لو شاء، وهذا لا يكون إلا في حق الله سبحانه وتعالى، ولهذا عظم الشرك على غيره لأنه لا يمحى إلا بتوبة، يعني: لا تجري عليه بقية المكفرات من الحسنات التي تذهب السيئات، ولا المصائب والهموم، ولا دعوة غير الإنسان له بالتوبة، ولو بعد موته، فإن هذا لا يزيل حقوق العباد، ولهذا يقول سفيان الثوري رحمه الله: إن الذنب الذي يصيبه الإنسان في حق العباد أعظم عند الله من سبعين ذنباً في حق الله؛ لأن حق الله يعفو عنه، وحق العباد لا يعفون عنه.

    وهذا دليل على سعة رحمة الله عز وجل أنه يغفر لعبده ما كان من حقه أكثر من أن يقر العبد ويعذبه على ذنبه ذلك، ولهذا نقول: إن الذنوب التي لا يمحوها الله إلا بمبادرةٍ من الإنسان أعظم من غيرها، وهي الشرك، وهذا أعظم الظلم على الإطلاق، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم على لسان العبد الصالح لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، فالشرك سماه الله عز وجل ظلماً، وجعله لا يُكفر: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ[النساء:48]، وكذلك في قول الله جل وعلا: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، فالظلم المراد بذلك هو الشرك بإجماع المفسرين، إلا ما يروى في ذلك عن حذيفة و علي بن أبي طالب، والأسانيد إليهم لا تصح.

    بهذا نعلم أن الذنب الذي لا يمحوه الله إلا بمبادرة من الإنسان للمكفر أعظم من غيره من السبب الذي يكون في غيره، لهذا عظم الربا على غيره، وعظمت حقوق الآدميين على غيرها، فما كان من الذنوب التي تتعلق في حق الله ولا علاقة للناس بها، وذلك بالتفريط بالواجبات، بتقصير الإنسان بالإتيان بواجبه من حق الله كالصلوات، والتقصير في الصيام، والتفريط في ذلك من حق الله المحض، وتقصير الإنسان في أمر من أمور المحرمات، وذلك بإطلاق بصره، أو من لهو القول، أو الكذب الذي يطلقه الإنسان ولكن لا يذهب من ذلك حق من حقوق الآدميين، فهذا من حق الله عز وجل يغفره لعبده إن شاء.

    ما كان من حقوق الآدميين وذلك بأخذ الأموال، وسلبها، واغتصابها، والضرب، واللطم، وسفك الدم، وغير ذلك هذا حق لآدمي لا يمحوه الله جل وعلا، ولعظم هذا الأمر عداه الله عز وجل إلى غير البشر، حتى في البهائم، فالبهيمة التي تعتدي على بهيمة، فالله جل وعلا يجعل هذا الأمر من الأمور الباقية التي لا بد فيها من العقاب عليها في الآخرة، وهذا كما جاء في حديث أبي هريرة في صحيح الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها، وليقتصن الله من الشاة القرناء للشاة الجماء ).

    إذاً: هذا حتى في البهائم ليست مكلفة، وكيف عاقبها الله سبحانه وتعالى وجازاها وليست من أهل التكليف؟

    نقول: إن التكليف على مراتب: دقيقه ما يستوعب أوامر الله سبحانه وتعالى القليل من جهة حقوق الناس، ولهذا تجد أن الإنسان ولو كان مجنوناً يتهيب الاعتداء على الناس، ولا يحب أن يعتدي عليه الناس، لكن من جهة الأفعال والمبادرة بالتكاليف، بأداء الصلاة وغير ذلك تجد أنه لا يجد من ذلك نفرة، حتى تجد أن المجنون من جهة إطلاق بصره، أو في كلامه، أو في تعريه في إظهار عورته يختلف عن تعديه على الناس، فيتهيب العدوان ولا يحب أن يعتدي عليه أحد، فهذا النوع حدٌ من التكليف يشترك فيه البهائم، ولهذا يعاقب الله سبحانه وتعالى الناس بمقدار إدراكهم، ولهذا تجد من الناس من هو في كمال العقل، ومنهم ما فيه سفه يسير، ومنهم ما هو مجنون، ولهذا نقول: هل الله جل وعلا يعاقب العالم المتبصر المدرك كامل النضج والمعرفة كما يعاقب العامي؟ العالم في ذلك أعظم، ولهذا كلما كان الإنسان بالله أعلم، فإنه أولى بالاتباع والاقتداء، وإذا قصر كانت العقوبة عليه أشد، وتعبده لله أعظم، حتى لا يؤاخذ فقط، وعد الله عز وجل أن الله بصره بأنواع العبادة، فيتبصر بأنواع العبادة والذكر العظيم ما لا يتبصر به غيره، فتجد أنه يعلم ألفاظاً لو قالها آتاه الله مثاقيل الجبال، بينما العامي غافل عنها، فالله أعطاه في باب الحسنات، وفي باب السيئات، وهذا على ما تقدم أن الله عز وجل عداه حتى إلى البهائم؛ لأن هذا نوع من التكليف تدركه حتى البهائم.

    ولهذا الله سبحانه وتعالى جعل في الإنسان وازعين: وازع الطبع ووازع الشرع، فإذا اجتمع الوازعان: وازع الطبع ووازع الشرع عظم التكليف على الإنسان، ما دل عليه وازع الطبع مثل الكذب، تجد أن الكذب الناس تعلم بأنه مذموم حتى الملاحدة لا يحبون أن يكذبوا ولا يحب أن يكذب عليهم، يعلمون أن الصدق محمود، ولو كان لا يؤمن بوجود خالق؛ لأن الله فطره على هذه الفطرة، وأوجدها فيه، ولا يحب أن يُضرب ولا أن يضرب، ولا أن يُقتل ولا أن يقتل، فلا يحب أن يعتدى عليه، هذا وازع طبع، دل الدليل على حرمته، فاجتمع الوازعان، فهذا أعظم من غيره مما يدل عليه وازع الطبع، إلا بدليل ينص على عظم ما دل عليه وازع الشرع على سبيل الخصوص على غيره، ولهذا نجد أن الله سبحانه وتعالى يعذب بعض عباده لوجود وازع الطبع ولو لم يبلغهم الدليل، فهل للإنسان أن يقول: إذا قتل أحداً من الناس وأراق دمه، ولم يبلغه دليل من الكتاب ولا من السنة في حرمة الدماء، هل يؤاخذ على هذا أو لا يؤاخذ؟ يؤاخذ؛ لأن وازع الطبع موجود، ولو قال قائل وكان صادقاً في ذلك: إنه لم يبلغني دليل، لا من الكتاب ولا من السنة على أن الدم حرام، فنقول: إن هذا لا يكفي؛ لأن الله أقام في قلبك وعقلك شاهداً قائماً في ذاتك، ولو لم تكن صاحب دين، ولهذا الله سبحانه وتعالى يؤاخذ الكفار الذين لم تبلغهم الشريعة لتفريطهم في وازع الطبع، ولا يؤاخذهم فيما لم يبلغهم فيه الدليل، ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، وما كان مما يقوم في ذات الإنسان من الأدلة التي تغني في قيام الحجة، ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى إذا كان الذنب يقوم فيه القائمان وهو وازع الطبع ووازع الشرع كان في ذلك أعرف وأعظم ذلك التوحيد، وضده في ذلك الشرك، فينزل الله عز وجل العقوبة على الإنسان.

    أعظم أنواع التوحيد الذي يقوم فيه الطبع وهو توحيد الربوبية، وأما الألوهية فأصله يقوم فيه وازع الطبع، ولكن فروعه وتفاصيله ومعرفة الأنواع لا تقوم بوازع الطبع، كالسجود، وصفة الصلاة، هل الإنسان إذا ولد ونشأ وترعرع وبلغ يعرف أن صلاة الفجر ركعتان، والظهر أربع، والعصر أربع، والمغرب ثلاث، والعشاء أربع، لا يعلم هذا إلا بوازع شرع، ولكنه يعلم أن هذا الخالق يستحق عبادة، وما هي صفتها؟ لا يعلم ما هذه الصفة، فتأتي الرسل فتبلغه بالدليل على أن هذه العبادة هذا نوعها، ولهذا الذين يضلون في أبواب الربوبية يعلمون أنهم مخلوقون، وأن ثمة خالقاً، وحقيقة الخالق إذا لم يبلغهم وحي، منهم من علقه بكوكب، ومنهم من علقه بنجم، ومنهم من علقه بغول، ومنهم من علقه بجن وشيطان من الأمور الغائبة، ومنهم من اضطرب لكثرة هذه الاحتمالات ونفاها كلها، ودخل في دائرة الإلحاد ويبقى في صراع مع نفسه، ولهذا تأتي الشرائع في تحديد الخالق لا في إثبات إيجاده، وفي بيان صفة العبادة لا في أصلية استحقاقها، إلا عند من نفاه، ولهذا لا يكاد يوجد أمة في الأرض تنفي استحقاق المخلوق للعبادة، ولكن يتعبدون بالجهل أو بالطيش أو بالتعامي، فمنهم من يعبد الحجر، ومنهم من يعبد الوثن، ومنهم من يعبد الكوكب، ومنهم من يتخذ وسيلة إلى الخالق.

    خطر أخذ حقوق العباد

    المراد من هذا التأصيل كله: أن الله سبحانه وتعالى جعل ما يتعلق بمظالم العباد حقاً لهم، قضى الله فيه ألا يتدخل الله عز وجل وهو قادر سبحانه وتعالى لو أراد؛ لأن عباده جل وعلا خلق له ويتصرف فيهم كما شاء، قضى وحرم على نفسه جل وعلا ألا يعفو لأحد في حق أحدٍ إلا بإذنه، وهذا كمال العدل، ولهذا يقول الله جل وعلا كما في الحديث القدسي كما في الصحيح: ( يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا )، يعني: أن الله عز وجل إذا كان ثمة مظلمة بين العباد لا يعفو عن الظالم، وإنما يطلب من المظلوم إن سامح وإلا الأصل في ذلك العقوبة، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها، وليقتصن الله )، يعني: لا بد فيها من القصاص، الإنسان يتوب من الزنا، يتوب من شرب الخمر، يتوب من تقصيره وتفريطه في الصلوات، في ترك الصيام، في ترك الزكاة، حقوق بينه وبين الله، ويعفو الله عز وجل عنها، لا يسأل مخلوق عنها، أما ما كان من أمور الآدميين فالله يحيله إلى المخلوق، والمخلوقون في ذلك يريدون حقوقهم ولو كان مثقال ذرة، يريد أن ينجو؛ لأنه لا يعلم ما في الكفتين، يريد أن يستكثر، فيأخذ من كل أحدٍ ما استطاع أن يأخذ ولو كان من أمه وأبيه، وهذا ما يغفل عنه كثير من الناس، يظنون أنه إذا استغفر لمظلمة أو مالٍ أخذها من أحد من الناس ظن أن الله غفر له بتلك التوبة، لو استغفر الإنسان مدى الدهر كله على أن يغفر الله عز وجل له سرقة أخذها من إنسان ما غفر الله له؛ لأن الله قضى هذا الأمر، وذلك الاستغفار يحسب له في ذنوب أخرى، وهذا ما بينه النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة، وظن أنهم يغفلون عن ذلك كما جاء في الصحيح لما قال عليه الصلاة والسلام للصحابة قال: ( ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا: من لا دينار له ولا متاع، قال عليه الصلاة والسلام: المفلس من يأتي يوم القيامة وقد ضرب هذا )، كلها لحق الآدمي: ( ولطم هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن لم يكن لديه حسنات أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه )، من باب المكافئة، ( فيلقى في النار )، فيه إشارة أن هذه الأمور تكون بين الآدميين، ولها مراتب وكلام ليس هذا محل بسطها، منها ما يكون قبل الصراط، ومنها ما يكون بعد الصراط، ما يكون بعد الصراط الذين كتب الله عز وجل عليهم العذاب من أهل الإيمان ثم يخرجون، ثم يكون فيه استيفاء القصاص من الحقوق الدنيوية، ليرفعهم الله عز وجل بها بعد ذلك.

    أهل النار الذين استوجب الله عليهم النار يأخذ الله حقوقهم قبل الصراط؛ لأن هذا يخفف عن هذا، أما ما كان من أهل الجنة فالله يجعلها رفعة، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( يخرج المؤمنون من النار فيوقفون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتصون حقوقاً كانت بينهم )؛ لأن هذه الحقوق لا تستوجب العقاب لأهل الجنة وإنما الرفعة، أما من استوجب النار والخلود فيها، فإن الله عز وجل يعاقبه، والميزان يكون قبل ذلك، وهذا يحتاج فيه مزيد تفصيل، وليس هذا محله.

    وهذه الحقوق التي تكون بين الآدميين وفرع لها الكلام على هذه الآية وهي آية الربا، عظم جانب الأموال، وعظم جانب الدماء؛ لأنها لا تدخل تحت المكفرات على الإطلاق إلا بالتحلل، أو بإعادة الحق إلى أهله، أو القصاص في أمور الدماء وغير ذلك؛ ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح: ( من كان عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها من قبل أن يأتي يوم لا دينار فيه ولا درهم )، يعني: بادر بالتحلل أو بإعادة الحقوق إلى أهلها.

    بعض الناس يظن أن حقوق الآدميين تشترك في أمور الكفارة مع حق الله، وهذا خطأ، ربما يغيب حتى عن بعض الصالحين، فيضرب ويستغفر، يأخذ مالاً ويطلب من الله التوبة، هذا خطأ، الله عز وجل فضله واسع، لكن قضى سبحانه ألا يعفو حتى يعفو صاحب الحق.

    جابر بن عبد الله عليه رضوان الله كما جاء في المسند وأصل الحديث في البخاري معلقاً في أبواب العلم في مسيرة جابر بن عبد الله شهر كامل، يقول: بلغني أن أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يحدث بحديث عن رسول الله في القصاص، يعني: في هذه القضية التي نتكلم عنها؛ فزع جابر، يظن أن الذنوب التي تكون للآدميين وغيرهم أنها تدخل في هذه الدائرة، يقول: فاشتريت بعيراً فركبته مسيرة شهر، حتى طرقت على عبد الله بن أنيس الباب، فخرج إلي مولاه، فقال: من عند الباب؟ قال: فقلت: جابر قال: ابن عبد الله؟ قال: قلت: نعم، قال: ففتح لي ثم أجلسني، فإذا عبد الله بن أنيس فقال: ما الذي أتى بك؟ قال: بلغني أنك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث في القصاص، فقال: آلله ما جاء بك إلا هذا؟ قال: والله ما جاء بي إلا هذا، فقال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( يحشر العباد يوم القيامة حفاةً عراةً غرلاً، فيناديهم الله بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فيقول: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحدٍ من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه )، لأنه ربما يتخفف، وربما يخرج منها، ( ولا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنة أن يدخل الجنة وعليه لأحد من أهل النار حق حتى أقص منه حتى اللطمة، قالوا: يا رسول الله! كيف وإنا نأتي الله عز وجل حفاةً عراة؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: بالحسنات والسيئات )، يعني: حينما سألوا النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: كيف نأتي الله عز وجل حفاةً عراةً؟ يعني: ضرب العصا، وضرب السيف، وضرب الحجارة، ونحن حفاة وليس معنا شيء، يظنون أنه يكون بالقصاص، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( بالحسنات والسيئات )، انتهى الاستيفاء، إنما هو في الدنيا، وأما في الآخرة فلا دينار ولا درهم، وإنما بالحسنات، قيمة هذه الضربة كذا من الحسنات، لم يكن لديه حسنات أخذ من سيئاتهم وطرحت عليه بمقدارها، ثم يكون في ذلك العقاب، وهذا لكمال عدل الله سبحانه وتعالى، ولهذا عظمت حقوق الآدميين ومنها الأموال، ولو كانت ديناراً؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام في الرجل في ابتداء الأمر الذي يموت من أصحابه لا يسأله هل هو زانٍ أو شارب الخمر، وإنما يسأل: هل عليه دين؟ لأن الدين يبقى الإنسان مرهوناً به ولو كان ديناراً، وقد جاء في حديث أبي قتادة لما قال: ( توفي رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلناه وكفناه، ثم أتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أعليه دين؟ قلنا: نعم، عليه ديناران، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صلوا على صاحبكم، يقول أبو قتادة : فقلت: يا رسول الله! هما علي، أشفقت على الميت، أن النبي صلى الله عليه وسلم يترك يعني الصلاة عليه، قال: فقلت: يا رسول الله! هما علي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هما عليك وبرئ منهما الميت؟ قال: نعم يا رسول الله! قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: إن هذه القبور مليئة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بالصلاة علي )، يعني: حتى النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن صلاته تنور القبور، لكنه لا يستطيع أن يجمع بين متناقضين، والمتناقضان هنا هما حق الآدمي ونور النبي عليه الصلاة والسلام الذي يكون في قبره في صلاته، فامتنع النبي عليه الصلاة والسلام، يقول أبو قتادة: ( فلقيني النبي عليه الصلاة والسلام من الغد في بعض سكك المدينة، فقال: ما فعل الديناران؟ قال: فقلت: يا رسول الله! إنما مات الميت بالأمس، قال: فلقيني من بعده، فقال: ما فعل الديناران يا أبا قتادة ؟ قال: قضيتهما يا رسول الله! قال النبي عليه الصلاة والسلام: الآن بردت جلدته )، يعني: اطمأن، يعني: حتى صلاة النبي عليه الصلاة والسلام فيه لا ترد من أمر الله سبحانه وتعالى في هذا الباب، ولماذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: الآن بردت جلدته، مع أنه قال في ابتداء الأمر: ( هما عليك وبرئ منهما الميت )، لماذا؟

    لأن الحوالة لا تقبل إلا برضا صاحب الدين، إذا كان لك دين عند شخص، وذهب الشخص وقال: خذه من ابن عمي، أو من جاري، أو من فلان، هل هذه حوالة صحيحة؟

    ليست صحيحة حتى ترضى أنت بهذا، فيتم القبول حينئذٍ، وبهذا عظمت أمور الأموال ولو كانت يسيرة، وقد جاء في حديث من طرق متعددة وواهية، منهم من يحسنه بمجموعها: ( درهم ربا أشد عند الله من ستٍ وثلاثين )، وجاء في رواية: ( سبعين زنية )، وجاء في رواية: ( درهم ربا أعظم عند الله من ست وثلاثين باباً، أيسرها كأن ينكح الرجل أمه )، لأن هذا حق آدمي مهما عظم عند الله فإنه مبني على المسامحة، وأما ما كان من حق الآدميين فلا بد فيه من القضاء.

    وهذا سر التشديد في الربا ولو كان درهماً، وأمور حقوق الآدميين ولو كانت شيئاً يسيراً؛ لأنه لا بد فيها من القضاء والوفاء الحتمي في الآخرة، ولهذا صوَّر الله سبحانه وتعالى حال أهل الربا بهذه الصورة في قول الله جل وعلا: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ[البقرة:275]، هنا وصف الله سبحانه وتعالى حال المرابي في الآخرة، في قيامه أنه لا يقوم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان، المراد من هذا بيان تحريم الربا بحكاية عاقبة المرابي يوم القيامة، والمراد بتخبطه يقول عبد الله بن عباس كما جاء عند ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قال: يقوم كالمجنون مخنوقاً، يعني: بين الناس لا يعي.

    واختلف كلام المفسرين في ذلك في قيامه، هل يكون ذلك عند النشر أو عند العرض؟

    من العلماء من قال: إن قيامه ذلك عند النشر، حينما ينشر من قبره يقوم كحال المجنون مخنوقاً، ومنهم من يقول: إن المراد به: قيامه يوم القيامة في العرض، بين يدي الله سبحانه وتعالى، وربما يكون الأمر في الحالين، فالخلاف الوارد في ذلك ليس اختلاف تضاد، أي: أن من يقول: إنه يقوم هنا لا ينفي أنه يقوم في الحالة الأخرى، وربما أنه يقوم في الحالين، فعند النشر وعند الحشر والعرض عند الله سبحانه وتعالى.

    وقوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا[البقرة:275]، لماذا ذكر الله عز وجل الأكل وما ذكر غيره أو أخذه، وما قال: الذين يأخذون الربا؛ لأنه من الربا ما لا يؤكل، وذلك كالملبوس والمسكن والمركوب وغير ذلك، لأن أعظم وجوه المنافع هي الأكل والاستمتاع بها، فذكر الله سبحانه وتعالى ذلك.

    ومن الوجوه في هذا: أن الله سبحانه وتعالى ذكر الأكل؛ لأن أصل ذلك هو الإزالة والإتلاف والإهلاك، فما أخذه الإنسان وأتلفه يقال: أكله فلان يعني أفسده، وأهلكه على غيره، فكان هذا عاماً بهذا المعنى على الحالين.

    قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا[البقرة:275]، الربا في لغة العرب هو: الزيادة، فلهذا يقال في الربوة وهي المكان المرتفع من الهضاب والجبال، باعتبار أنها مرتفعة عن غيرها، وسمي الربا رباً لأنه لم يكن على حال المال الذي يأخذه الإنسان وإنما يزاد في ذلك.

    وقوله هنا: لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ[البقرة:275]، هذه فيه حكاية حال أهل الربا يوم القيامة، وإذا كانت هذه حالهم يوم القيامة فما أخذوا بذلك إلا بذنب، وإلا الأصل في هذا استقامة أحوالهم.

    وجه الشبه بين آكل الربا والذي يتخبطه الشيطان من المس

    وهنا في قوله: يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ[البقرة:275]، الأصل في عقوبات الله سبحانه وتعالى في الآخرة أن الجزاء من جنس العمل، فما هو العمل الذي عمله الإنسان حتى يكون حاله كحال الإنسان في الدنيا؟

    فيوم القيامة يكون كحال المجنون الذي يتخبطه الشيطان من المس، وحال الإنسان في الدنيا في أكل الربا، فما هي المشابهة في هذا؟

    ثمة وجوه متعددة في مسألة المشابهة في هذا، منها: الازدراء والاحتقار، وذلك أن الناس يزدرون المجنون والسفيه الذي يسير في الناس، وكذلك لا يدري ما يقول ولا ما يفعل، وأيضاً فإنه لا يلتفت إليه، فيكون من الذي لا ينظر الله إليهم، فالإنسان إذا كان في طريقه ورأى مجنوناً لا يلتفت إليه بخلاف لو رأى رجلاً عاقلاً سوياً التفت إليه بسلام أو ترحيب أو ربما تهيأ له بمقام، أو كلام حسن، بخلاف المجنون فإنه لا ينظر إليه، وأعظم العقوبة عند الله أن الله لا ينظر إلى عبده، فينصرف الله بوجهه إلى عباده المحسنين، ويخص بعض عباده بعدم النظر إليهم، فيكون ذلك كحالهم، والناس الذين لا ينظر إليهم على أنواع ويتباينون في ذلك في عدم نظر الله عز وجل إليهم، والعقوبة المعنوية أعظم في الآخرة من العقوبة الحسية، والنعيم المعنوي أعظم من النعيم الحسي.

    تأثير الجني على الإنس

    وقوله كذلك أيضاً كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ[البقرة:275]، في هذا دليل على تحقق المس، وهو تأثير الجن على الإنس، وهذا في قول عامة العلماء، وهو باتفاق السلف، على خلاف عند بعض المتأخرين، وبعض العلماء يحكي الاتفاق، وقد حكى الاتفاق وإجماع العلماء على ذلك ابن تيمية رحمه الله وابن القيم، من العلماء من يقول بعدم دخول الجن في الإنس، ولكن يثبت تأثيره بالوسواس والخواطر وغير ذلك، وذلك كـابن حزم الأندلسي رحمه الله، فإنه يقول بعدم دخول الجن للإنس، ويذهب إلى هذا المعتزلة وكذلك طوائف من المتكلمين، كـالجبائي و الرازي وغيرهم، وطوائف من متقدمي أهل الكلام سواء من أهل الحديث أو من غيرهم يقولون بإثبات هذا لظواهر الأدلة، كـأبي الحسن الأشعري وغيرهم، يثبتون هذا لظهور الأدلة في ذلك، لهذه الآية، وكذلك لما جاء في حديث صفية وهو في الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكم شيئاً أو قال شراً )، وكذلك ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري وهو في الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا تثاءب أحدكم فليغط فمه، فإن الشيطان يدخل فيه ).

    وفي هذا إشارة إلى إثبات دخول الشيطان، وكذلك ما جاء في مسند الإمام أحمد لما أتي النبي عليه الصلاة والسلام بامرأة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( اخرج عدو الله، اخرج عدو الله فخرج )، وفي هذا أمره بالخروج، ويخرج لأنه في بدن الإنسان، ولو كان خارجاً أنه ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( اخرج )، دليل على أنه تلبس به على وجه الحقيقة، والذين ينفون من أهل الكلام والعقل ويقولون: إن هذا لا يتصور؛ خاصة بلوازمه أنه يقال: إن الجني يتكلم على لسان الإنسي، وهذا ردٌ بالعقل للمحكم من النقل البين الصريح.

    ومعلوم أن العقل له مسلكان: مسلك إثبات ونفي، العقل أصدق في الإثبات من النفي؛ لأنه يثبت المشاهد، أما النفي فينفي الغيب، وإدراكه للغيب قليل، والله عز وجل يقول: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، فليس للإنسان أن ينفي، وإنما له أن يثبت ما لم يخالف في ذلك دليلاً، حينئذٍ نقول: إنه توهم، كحال العقل الذي يثبت وجود الماء، والحقيقة أنه سراب، صدق في إثباته أو كذب؟ كذب، لأنه سراب، إلا بدليل بيَّن في هذا، أما نفي الغيب فإنه يخطئ في النفي أكثر من خطئه في الإثبات، وهنا ينفون غيباً، والأدلة في ذلك ظاهرة، ومعلوم أنه حتى من جهة النظر والعقل أن في بدن الإنسان من الماديات التي تجري في دمه والتي يكتشفها أهل الطب عاماً بعد عام، من المواد ما لا يدركونها في الأعوام السابقة، فكيف ينفون شيئاً لم يعلموه وقد استجد لديهم ولم يكن في الماضين، ولو قيل عند الماضين: إن في بدن الإنسان مقدار كذا من حديد، ومقدار كذا من معدن كذا ومعدن كذا، ربما نفوا هذا الأمر، ولكنه من جهة الحقيقة موجود، وهذا نفيه من جهة العقل كعدم إدراك الإنسان له، هو تجاوز على النقل بعقل قاصر.

    وكذلك من الأدلة في هذا: التجربة والواقع، لأن المس مدرك لدى الناس، فكثير يرى الإنسان ممسوساً ومجنوناً، ويتكلم الجني على هذا.

    ومن الأدلة العقلية في هذا أنك تجد الجني الإنكليزي يتكلم على لسان العربي الذي لا يعرف الإنجليزية أبداً، أو ربما يتكلم الفرنسية، أو الفارسية وهو أعرابي في البادية ما طن في أذنه العجمة إطلاقا،ً ويتكلم بطلاقة الفارسية، أو الإنجليزية، أو غيرها، هذا دليل على مس، والمس في داخله، وقد استدل بهذا الإمام أحمد رحمه الله كما جاء في رواية ابنه عبد الله أنه قال: إن أقواماً ينفون دخول الجن في الإنس، قال: كذبوا، ها هو يتكلم، يعني يتكلم بلسانه بغير حجته وبيانه، ولهذا نقول: حتى من جهة العقل لا يسوغ للإنسان أن ينفي دخول الجني فضلاً عن ثبوت الأدلة التي ليس للإنسان أن يتنكب بها.

    والمس على نوعين: نوع يلزم منه الدخول، ونوع لا يلزم منه الدخول، ما يلزم منه الدخول هو الذي يكون فيه الجنون وغيره، وما لا يلزم منه الدخول مثل خواطر السوء، والأوهام، والخواطر العابرة النفسية التي تطرأ على الإنسان، وكذلك الشر الذي يلحق الإنسان، كما في قول الله عز وجل في أيوب: مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ[ص:41]، مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ[الأعراف:201]، هذا يسمى مساً لكنه ليس مساً يلزم منه دخول الشيطان في بدن الإنسان.

    خطر القياس الفاسد وأنه سبب أول ذنب عصي الله به

    وقوله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا[البقرة:275]، هذا قياس، ومعلوم أن أول ذنب عصي الله عز وجل به كان بسبب القياس الفاسد، وهو قياس إبليس في فضله على آدم، وذلك أنه خلق من نار، وإبليس خلق من طين، فلما كان من ذلك لزم أنه لا يسجد الفاضل للمفضول، ولهذا قد روى الدارمي في كتابه السنن من حديث مطر عن الحسن قال: قاس إبليس فضل، ولهذا نقول: إن الأهواء تمتطي القياس لتصل إلى مآرب فاسدة، والواجب في هذا أن الإنسان إذا وجد دليلاً أن يتوقف عن الأقيسة والأهواء والرأي، حتى لا يقع فيما يخالف أمر الله سبحانه وتعالى، وأكثر ضلال البشرية بالأقيسة الفاسدة، وضرب الأمثلة القاصرة، كما كان كفار قريش في هذه المسألة أو في غيرها من المسائل، وكذلك حينما جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضربوا له مثلاً، وذلك بالعظم حينما فتوه، قالوا: كيف يحيي الله العظام وهي رميم؟ ولكن سبب فسادهم في هذا: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يس:78]، أنا ضربت لك مثالاً قاصراً، في مثال أعلى منه، وهو أنك وجدت من عدم، فالذي أوجدك من عدم أليس يوجدك وموادك موجودة، فلم تكن شيئاً، يعني: عدماً، فأوجدك من عدم، ثم كنت موجوداً، فمادتك الموجودة المنثورة في التراب، إعادتك من هذه المادة أقرب وأسهل من العدم الذي لم تكن موجوداً قبله.

    إذاً: ما من قياس يرد به الدليل إلا ثمة قياس أولى منه ضل عنه الإنسان، ولهذا نقول: إن القياس على مراتب متعددة وخيوط يأخذ الإنسان منها ما ينتقي ليبطل ما دونها من الحق، فيضل الإنسان في هذا الباب.

    الأصل في البيوع والعهود والشروط

    وقوله هنا قوله جل وعلا: قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا[البقرة:275]، في هذا دليل على أن الأصل في البيوع والعهود والعقود والشروط الإباحة، لا الأصل فيها التحريم، وهذا قول عامة العلماء، بل حكى بعضهم الإجماع على هذا كما نص على ذلك ابن رجب رحمه الله في جامع العلوم والحكم.

    من العلماء من يقول: إن الأصل في العهود والعقود والشروط التحريم، حتى يدل الدليل على الحلية، وقد نص على هذا ابن حزم رحمه الله كما في كتابه الإحكام، خلافاً لـداود الظاهري الذي يقول بخلاف هذا القول، والظاهرية في هذا قد انقسموا في هذا الباب، منهم من يقول: بأن الأصل في العهود والعقود الحل، ومنهم من يقول فيها التحريم، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا[البقرة:275]، أي: أن الأصل في ذلك الحل، وأما التحريم فهو استثناء، وهذا يظهر في أشياء كثيرة، في قول الله جل وعلا: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا[البقرة:29]، فما في الأرض من مأكولات وملبوسات، وما يكون من التعاقد عليها، كذلك من ملفوظات، الأصل فيه الحل حتى من المعاد، وكذلك في قول الله عز وجل: أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ[الأنعام:151]، يتلو ما حرم لا يتلو ما أحل، وكذلك في قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ[المائدة:1]، فالأصل في ذلك الوفاء أي عقد كان إلا دليل يدل على خلاف ذلك، وغير ذلك من الأدلة في كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    حكم التعامل بالربا وسبب التشديد في بعض الذنوب

    وقوله جل وعلا: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا[البقرة:275]، الربا من الموبقات المهلكات، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح، أنه قال: ( اجتنبوا السبع الموبقات )، وذكر منها الربا، وذلك على ما تقدم لكونه من حقوق الآدميين، وحق الآدميين لا يمحوه الله سبحانه وتعالى، فلزم من ذلك أن يكون مغلظاً في الدنيا حتى يحترز الإنسان فيه.

    لماذا يشدد الله عز وجل بالتحريم في أمر الدنيا في بعض المحرمات ولا يشدد في بعضها؟ نقول: يشدد في بعض المحرمات لأمرين:

    الأمر الأول: أنه لا يصلح أمر البشرية إلا بهذا، فيشدد الله فيه ويعظم العقاب في الآخرة حتى ينتظم الناس، ولو تراخى الناس في ذلك بسبب عدم التشديد في النص لفسد الناس، ولهذا من أعظم ما يستقيم به حياة الناس في أمورهم أمور الأقوال، لهذا جاءت الشريعة ببيان الأمور المحرمة، والمحرم في الأموال نوعان:

    النوع الأول: ربا، وهو أعظمها.

    النوع الثاني: القمار والميسر، وهو الغرر والجهالة.

    وهذان النوعان يدخل تحتهما ما جاء في النصوص من المحرمات في أمور المعاملات من أمور البيوع، فيدخل فيها الربا بسائر أنواعه، سواءً كان ربا الجاهلية وهو الذي جاء النص عليه، وربا الجاهلية كانوا يأخذون القرض برأس ماله، أو بزيادة عليه، ثم يقول: أخرني وزد علي كذا، كما جاء تفسير ذلك عن سعيد بن جبير، و مجاهد بن جبر أنهم كانوا يقولون: زد في الأجل، وأزيد في المال، ثم يتنامى المال بالزيادة في جانب الأجل، فحرم الله سبحانه وتعالى ذلك.

    وكان الناس على اختلاف أنواعهم من أهل المال يتسامحون في هذا الباب، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في حجة الوداع: ( ألا وإن ربا الجاهلية موضوع )، ربا الجاهلية هو هذا المقصود، زد في الأجل وأزيد في المال، ( وأول رباً أضع ربا عمي العباس )، كان العباس يتعامل في التجارة في هذا الأمر كغيره، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم العباس ؛ لأن القضاء في الأقربين أولى من القضاء في الأبعدين، ولهذا الحاكم اذا أراد العدل في الناس فليطبق الحدود في الأقربين؛ لأنه يتأدب الأبعدون برؤيتهم بعقاب الأقربين؛ لأنهم لا يرون استثناءً، وإذا رؤي استثناء في الأقربين فكل يرجو اللحاق بذلك فيتساهلون، بل ربما يظنون أن التمرد على الحقوق وعلى أمور المظالم والحدود أنها تلحق بهم أوصافاً في حال وصف الكبراء وأهل السيادة وغير ذلك؛ لأنهم يوصفون بالاستثناء في هذا الباب، ولهذا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالأقربين حوله عليه الصلاة والسلام في قوله عليه الصلاة والسلام: ( إن أول رباً أضع ربا عمي العباس، ألا وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دمٍ أضع دم ابن ربيعة بن الحارث )، وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن دماء الجاهلية كثيرة، والربا الذي يبيعونه كثير، ولكن ذكر هؤلاء الأقربين، لأنك: إذا بدأت بالأقربين فليحذر الأبعدون من هذا الأمر، فإنهم أولى بإنزال العقوبة، وذلك أن الإنسان ربما يمتنع عقوبة محاباة مجاملة، في حب لابنه، أو لأخيه، أو لعمه، أو لقريبه، ولكن بالنسبة للأبعدين فلا يوجد بينه وبينه مودة، ومع ذلك أنزله في الأقرب، فإنه يدل على أن الأبعد في ذلك من باب أولى.

    والربا يعزر عليه لو وقع من الإنسان بالجلد أو بالحبس، ولو عاند في ذلك وكابر إلا أن يبيع بالربا، قال بعض السلف بقتله تعزيراً، كما جاء ذلك عن عبد الله بن عباس فيما رواه ابن جرير الطبري عن علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس قال: إن امتنع يقتل، يعني: إن امتنع عن الربا وعزر فيقتل في ذلك تأديباً لغيره من الناس، لعظم شر الربا في الناس، لأنه أخذ لأموال الناس وأكل لها بالباطل.

    المراد بالموعظة في قوله: (فمن جاءه موعظة من ربه)

    وقوله هنا: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ[البقرة:275]، الموعظة: المراد بها القرآن وهو بيان أحكام الله سبحانه وتعالى، ولهذا نقول: كل القرآن موعظة، يدخل في باب الموعظة: العلم والتذكير، العلم الذي يسبقه جهل، والتذكير الذي يسبقه نسيان، ويدخل في ذلك التأكيد الذي يأتي على ذكر ولكنه يكون من باب التأكيد، وكل هذا متضمن لكلمة الموعظة، وموعظة متضمنة لكلام الله سبحانه وتعالى، وغلب عند كثير من الناس المراد بالمواعظ هي الرقائق، وهذا قصر للمعنى الأعم في ذلك، نقول: تطلق على هذا وتطلق على هذا.

    الحكمة من نسبة الموعظة إلى الله في قوله: (موعظة من ربه)

    قال: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ[البقرة:275]، قوله هنا: (موعظة من ربه)، نسب الموعظة إلى الله لعظم المنزلة في هذا الباب والترهيب في جانب الحكم، وأنه ينبغي أن يعلم أن الذي وعظ وذكر وحذر هو الله سبحانه وتعالى لا غيره، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ عن الله، وذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية موعظة من ربه إشارة إلى تعظيم هذا الأمر وجلائه:

    حالات التوبة من الربا

    فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ[البقرة:275]، وقوله هنا: (فله ما سلف) ما المراد بذلك؟ الذي يسلف من أمر الإنسان هل هو داخل في هذا الباب ما سلف قبل التحريم، أو سلف قبل العلم، مع نزول التحريم، أو ما سلف قبل التوبة؟

    هذه أحوال ثلاثة:

    الحالة الأولى: ما سلف قبل التحريم، يعني: لم ينزل التحريم، ثم جاء الحكم لا يؤاخذون في ذلك.

    الحالة الثانية: ما سلف قبل العلم مع نزول التحريم، يعني: أن الإنسان لا يعلم أن الربا محرم لكن في الحقيقة محرم، والدليل في هذا ثابت، لكن كونك لا تعلم أن هذا التعامل محرم، هذا لا يعني عدم تحريمه، فهذه موعظة أو سلف قبل العلم بذلك.

    الحالة الثالثة: ما سلف قبل التوبة مع العلم بالتحريم، يعلم لكنه يعلم أنه على حرام، لكنه ما تاب، ثم تاب، فهل قوله جل وعلا: فَلَهُ مَا سَلَفَ[البقرة:275]، ما سلف في هذه الأحوال الثلاثة:

    الحالة الأولى: محل اتفاق عند العلماء، أن ما سلف قبل التحريم مما في حال نزول القرآن فهو لهم مما كانوا عليه مما قبضوه في حال الجاهلية، ومعلوم أن آية الربا هي من أواخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله قال: آية الربا آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مات رسول الله ولم يبينها فدعوا الربا والريبة، يعني: حرم الربا وبين أمره وخطورته، ولكنه ما فصل أنواعه وأحواله، فدعوا الربا الظاهر الذي كنتم عليه، ونزل عليه النص: ودعوا الريبة التي تحتف به حتى لا تدخلوا في هذا النص.

    ولهذا نقول: من وجوه وأسباب التعظيم والتشديد والتهويل في جانب الربا حتى يحذر ما حوله، فإنك إذا شددت في أمر ابتعد الناس عنه، وهذا أمر معلوم، وذلك لشدة خطر الربا، وكذلك ما حوله، نقول: الحالة الأولى: ما كان قبل ورود الدليل، ما قبل نزول الوحي، فهذا له ما سلف، يعني: مما قبضه واستقر في ملكه، (فله ما سلف) لأنه أخذه والوحي ينزل وهو مسكوت عنه، فهو له؛ لسكوت الوحي عن ذلك، لا لكونه حلالاً، فله ما سلف، وما قال: ما كان عليه من أمره في حال الإباحة، وإنما سلف ولم يذكر في ذلك إباحة؛ لأن الشريعة لا تنص على مثل هذه الأحوال بنص الإباحة، ثم يكون بعد ذلك محرماً، وإنما يكون ذلك في أمور الأحوال، في أمور التعاملات، أو غير ذلك، وما كان من أكسية أو ألبسة أو غير ذلك، ولهذا فإن الربا وبعض المعاملات وما يكون من الخمر لم يأت دليل بأن الخمر حلال، أو الربا حلال، وإنما كان مسكوتاً عنها، والوحي ينزل، فكان هذا الأمر متروكاً لنوعين: إلى فطرة الإنسان الموجودة تأنف أن تظلم، تأنف أن تسكر وتفقد عقلها، فيبقى طوائف في هذا الأمر، ثم نزل النص على سبيل التدرج، وتقدم معنا هذا الكلام أي الخمر، نقول: لماذا تأخر نزول تحريم الربا إلى آخر الأمر؟

    السبب في ذلك: أن الشريعة تؤخر نزول الأحكام في غير الشرك مما يتلبس به الناس ويشق عليه، فكلما كان الأمر أكثر انتشاراً في الناس وتعلقاً فيه تأخر فيه الدليل، حتى يتوطن القرآن في قلوبهم ويعظم الإيمان، ثم ينزل النص؛ لأن النفوس مجبولة على الشح، والمعاملات الربوية منتشرة في الناس، ويتعاملون فيها بكثرة، والمال الذي يتعاملون فيه كثير، فاحتاج إلى البيان متأخراً حتى يعظم الإيمان وتأتي الزكاة، ويضعف الشح الذي يكون في النفوس بالأمر بالصدقة وإخراج الزكاة، فإذا لانت النفوس جاء النص حتى تقبل النفوس هذا الأمر، فتأخر ذلك.

    الحالة الثانية: وهي ما سلف بعد العلم، يعني: نزل النص لكن الإنسان يتعامل بالربا، ثم علم أن هذا الربا حرام، أو هذه الصورة حرام، فهل له ما سلف في هذا الأمر؟ اختلف العلماء في هذا، ولكن الجماهير أن الإنسان إذا كان لا يعلم بالتعامل المحرم في هذا، وكان التعامل برضا الطرفين أنه يكون له ما سلف، كأن يتعامل الإنسان بالعينة ولا يعلم بها، أو يتعامل بالربا ولا يعلم به، ثم ورد إليه الدليل فتوقف في ذلك، فيقال: له ما سلف، وذلك لقرب التشاور في الحال، فإن الحال في حال نزول الربا لا يعني أن الربا كان حلالاً، لأن الفطرة تدل عليه، ولكن لوجود تعلق بعض الناس في التعاملات الربوية ونحو ذلك جعلهم يتمسكون ويتعللون بعدم ورود النص وهو تمسك لا يؤثمهم؛ لسكوت المشرع في هذا.

    وأما الحالة الثالثة وهي ما سلف قبل التوبة، يعني: الإنسان يعلم أن الربا حرام ثم تاب الآن، فهل له ما سلف من المال السابق، يلحق بالحالين أن يجب عليه أن يعيد لعلمه بذلك وعناده، كذلك فإن العقد الذي كان بين المتبايعين كان عقداً عن علم ببطلانه، فكان حينئذٍ محرماً، فهل يقال ببطلان ذلك أم لا؟

    معلوم أن العلماء يفرقون بين ما يفعله الإنسان ويعتقده حلالاً، وبين ما يفعله الإنسان وهو يعلم أنه حرام، ولهذا يفرق العلماء بين العقود التي تكون في النكاح، والتي تفعل على أنها حلال، ثم بان أنها حرام، أنه لا يقام الحد على صاحبها، كأن يتزوج الإنسان من عمته من الرضاع ولا يعلم، ويظن أن الأم تحرم، وكذلك الأخوات، ولا يظن أن هذا يتعدى، ثم ظن أن هذا العقد صحيح، فعقد ثم تزوج، هذا عقد نزل قبل علم ويظنه حلالاً، لا تنزل به العقوبة، ولكن رجل عقد عن علم بالتحريم: هل يعاقب على أنه زانٍ أم بشبهة؟ يعاقب على أنه زانٍ، بل لو قتل لكان صحيحاً، لأن العقد استحلال، وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتل من نكح امرأة أبيه، لأنه يلزم من ذلك العقد الاستحلال، وهذه محل نظر وبحث وتفصيل.

    ومن أخذ الربا وتعامل بالربا وهو يعلم أنه حرام، ثم جاءه الدليل فتقدم الكلام عليه، أما الذي يعلم بالربا ثم تاب فهل له ما سلف؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: قوم قالوا: إنه ليس له شيء من المال الحرام الذي عقده في حال علمه بتحريمه أنه يجب عليه إعادته إلى أهله، وأن قول الله جل وعلا: فَلَهُ مَا سَلَفَ[البقرة:275]، هذا لمن كان قبل نزول الوحي وقبل ورود العلم، أما مع العلم فإنه يعاند في ذلك، وتوبته تلك إلى الله سبحانه وتعالى، وما كان بيديه فيجب أن يعيد الحقوق إلى أهلها، وهذا كحال الإنسان الذي يسرق أو يختلس من الناس ثم يتوب، نقول: لا بد من إعادة الحقوق إلى أهلها، فهذا عالم باطناً ولكنه خالف ظاهراً فيجب عليه أن يعيد.

    القول الثاني: أنه يدخل في حكم الحالتين السابقتين، لأن الشريعة ما عللت الأمر بالعلم، ولكن رفعاً للحرج، وذلك أن الحرج من الناس من يتعامل بالربا مكابراً، فيبقى على هذا عشراً أو عشرين أو ثلاثين أو أربعين، أو ربما نشأ الإنسان على الربا حتى أصبح لديه ثروات طائلة، وكان كل ماله ربا، ولو أزال المال كله لأصبح مفلساً، فالشريعة تتشوف إلى الإقبال على التوبة لا أن تغلق عليه الباب فيستمرئ هذا الأمر.

    وهذا ما ذهب إليه بعض العلماء وهو قول لـابن تيمية رحمه الله، أنه يقول: إن ماله الذي يسلف له، ولو كان عن علم إذا تاب فله ذلك.

    ونستطيع أن نفصل في هذا أن نقول: إن هذه الحالة في مسائل الأموال التي تكون محرمة على حالين:

    الحالة الأولى: مالٌ أخذ بالتراضي، مع العلم بالتحريم فعند التوبة يكون للإنسان فَلَهُ مَا سَلَفَ [البقرة:275].

    الحالة الثانية: أن يأخذ المال من غير تراضٍ، مع العلم بالتحريم، فنقول: إذا كان الإنسان لا يعلم بالتحريم ثم أخذ المال من غير طيب نفسٍ من الإنسان فيجب عليه أن يعيد، ففي هذه الحال من باب أولى، كحال الإنسان الذي يسرق، ويقول: تبت، فيجب عليه أن يعيد ذلك المال، أما إذا كان بتراضٍ بالعقود، ويدخل في هذا أمور الربا، وبعض التعاملات والصور التي يكون فيها الجهالة والغرر، علم بذلك ولكنه تاب، ويكون هذا بالتراضي بين الطرفين، فنقول حينئذٍ: فله ما سلف؛ لأن هذا تشوف إلى إقباله على التوبة، وعدم إغلاق لهذا الباب، وذلك أنا لو أغلقنا هذا الباب وقلنا: لا بد أن تطهر المال، ولهذا نجد أن كثيراً من أهل الربا، الذي نشئوا على الربا، خمسين وستين سنة، وبقي لديه الأموال، ولو قلنا بالتخلص لرجع فقيراً أو مفلساً.

    ثم إن هذا مما يشك يعيده إلى من؟ خاصة ممن يتعاملون بالربا بأموال طائلة، على خمسين أو ستين سنة، يعيدها لمن؟

    من العلماء من يقول: إنه ينفقها في المصالح ولكنه لا يأكلها لكونها حراماً، ومنهم من يقول: تبقى وهذا هو الأرجح.

    يعلل من يقول: إنه يبقى له ما مضى، إن هذا يدفع الناس إلى تأخير التوبة والتسويف، ولا يدفعهم إلى باب القنوط؛ لأنا لو أغلقنا هذا الباب لقنطوا، يقول: أنا الآن لدي عشرة ملايين أو خمسون مليوناً، وكلها رباً، ولو تركتها لأصبحت مفلساً، خرجت من داري، ومن مركبي، ولم يكن لدي شيء، فهل لا بد من توبة وإخراج هذا؟

    نقول: إن ما كان من التراضي تزول فيه الخصومة بين الناس، ولهذا الإنسان تعامل مع شخص في عقد ربا فإنه حينئذ كان بالتراضي، والخصومة انتفت، فبقي التحريم في هذا الباب، فنقول: فَلَهُ مَا سَلَفَ [البقرة:275] لظاهر الآية، والاشتراط في جانب العلة، وانتفاء الخصومة في هذا الأمر، وكذلك ترهيباً للناس بأن يرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى.

    لطف الله بعباده إذا أنابوا إليه

    وقوله جل وعلا: وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275]، يقول: فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ[البقرة:275]، يفوض أمره إلى الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل يرحم عباده، ولطيف بهم، وقوله: وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275]، يعني: من عاد بعد العلم بالتحريم، وهذا دليل على أن المعاند أشد من غير المعاند، فمن كان يعلم بالتحريم فجاءته الموعظة مرة، فهذا أعظم ممن جاءته الموعظة ممن علم بلا موعظة تكررت عليه، وكلما يتكرر العلم فإنه تقوم الحجة ويعظم العناد على الإنسان، فيكون أمره في ذلك أعظم.

    تخليد آكل الربا في النار

    وقول الله سبحانه وتعالى: فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275]، هل يخلد في النار من استمر في أكل الربا معانداً؟

    نقول: إن أكل الربا والتعامل بالربا إذا تضمن استحلالاً لفعله ذلك فهذا كافر بالله سبحانه وتعالى وهو من الخالدين، وتحمل عليه هذه الآية.

    الحالة الثانية: أن الإنسان يأخذ بالتحريم، ولكن غلبه في ذلك الطمع، وهذا كحال الذين يشربون الخمر، أو يقعون في الزنا، يعلمون النصوص ثم غلبتهم في ذلك شهواتهم، فاستمروا على الأمر المحرم، فنقول في ذلك: إنهم من أهل الكبائر ومتوعدون بعذاب الله.

    وقوله هنا: فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275]، التخليد والخلود في كلام العرب هو طول البقاء، ولا يلزم منه الديمومة، ولهذا يسمون المعمر خالداً، ولهذا يتيمنون فيسمون أبناءهم بخالد، فيقولون: خالد، يعني: أنه طويل البقاء وهم يعلمون أنه لا يمكن أن يبقى، ولكن هذا من التيمن، ولهذا نقول: إن هذا فيه وعيد من الله سبحانه وتعالى بطول البقاء في النار.

    1.   

    قوله تعالى: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم)

    وقوله هنا: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:276]، محق الله عز وجل إزهاقه، وإهلاكه، وعدم بركته، ولو كان ظاهراً من جهة الكثرة، نقول: إن بركة المال ونفعه، وأثره على الإنسان ليس بالأرقام، وإنما بالبركة التي تتحقق في الإنسان، ولهذا ربما ينمو الإنسان رقماً ولكن الله عز وجل يذهبه البركة؛ لأن المقصد من طلب المال هو السعادة والراحة، فيذهبها الله منه، وأشد العقوبات هي العقوبة بالنعمة، التي لا يستطيع الإنسان منها هلاك، يعاقبه الله بذرية لا يستطيع أن يقتلهم يتمسك بهم وهم يعذبونه، كذلك في المال، يعطي الله عز وجل الإنسان مالاً ويغنيه ليعذبه به، فلا يستطيع أن ينفك منها، ولو فتح له باب إلى الفقر لما خرج إليه، يحب أن يبقى في هذا ولو تعذب، وهذا هو العذاب بالنعمة، فالعذاب بالنعمة أعظم من العذاب بالمصيبة، لأن العذاب بالمصيبة والنقمة يحب الخلاص منه، فلو كان الإنسان مريضاً أو فقيراً أو مبتلى بهمٍ وحزن، وفتح له باب للخروج منه، يخرج أو لا يخرج؟ يخرج، ولكن لو كان الإنسان غنياً، وابتلاه الله بالغنى، وأخذ في الهم والغم، والخصومات مع الناس، وغير ذلك، وفتح له باب إلى الفقر، يخرج إلى الفقر أو يبقى في الغنى، لا يخرج منه، بإرادته، فالله يعذبه بإرادته، ولهذا نقول: إن العقوبة بالنعمة أعظم من العقوبة بالنقمة، وهذا من المعاني التي يمحق الله عز وجل بها أثر الربا في حال الإنسان، فتراه يتنامى وهو أسوأ الناس حالاً، من جهة عدم الراحة والخصومات والنزاعات، ويسقيه الله في تتبع المال ولو كان قليلاً، ويرحم الله عز وجل غيره بذهاب ماله ولو كان كثيراً.

    وقوله: وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ[البقرة:276]، يعني: ينميها لصاحبها، فيجعله الله عز وجل يسعد ولو كان بمالٍ قليل من راحة البال وسكينة النفس والطمأنينة مما يشقي به أضعافاً مضاعفة غيره من الناس: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:276].

    1.   

    قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين)

    وقوله هنا سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:278]، هذا تأكيد لما تقدم بوجوب الإقلاع عن ذلك.

    الجمع بين قوله تعالى: (فله ما سلف) وقوله: (وذروا ما بقي من الربا)

    وقوله سبحانه وتعالى: مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا[البقرة:278]، هل هذا متضمن لقول الله جل وعلا: (ما سلف)، الله سبحانه وتعالى يقول: (فله ما سلف)، الآن يقول: (ذروا ما بقي من الربا)؟

    نقول: إن ما سلف على حالين: سالف مقبوض، قبضه الإنسان، تعامل بعقد ربوي ثم أخذ المال وانتهى من قبضه، انتهت المعاملة، فهذا على الأحوال السابقة، وسالف غير مقبوض، يعني: تم العقد، وثمة حق باقٍ، هذا السالف ليس بمقبوض، وَذَرُوا مَا بَقِيَ [البقرة:278] ذاك هو الباقي؛ لأن ثمة شيئاً تأخذه، فلا يجوز له أن يأخذ المتبقي مما لم يقبضه باتفاق العلماء، فإذا كان أعطى رجلاً بمائة وعشرين، وتم العقد، وأخذ خمسين منها، فلا يجوز له إلا أن يأخذ خمسين وفاء المائة، وما زاد عن ذلك حرم عليه، وهذا هو المقصود في قول الله عز وجل: وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا[البقرة:278]، ويدخل في هذا من باب أولى ما ينشئه الإنسان مما بقي من تعاملاته، أو نياته، أو ما يعقده أيضاً مما يستقبل في أيام أو وعود، فإنه يحرم عليه أن يفي بها.

    الإيمان ينفي الشح والطمع عن صاحبه

    وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:278]، ذكر الإيمان هنا: (إن كنتم مؤمنين) إشارة إلى أنه لا يجتمع الشح والطمع مع قوة الإيمان، إذا قوي الإيمان زهدت النفس بالمال، فالله سبحانه وتعالى ذكر ذلك: وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:278]، يعني: في قوة الإيمان لا يوجد في ذلك طمع، وأصل التمسك بالربا هو بسبب الطمع والجشع، فالله سبحانه وتعالى حث عباده بالإقلاع، وذكرهم بالإيمان، وأن قوة الإيمان لا تجتمع مع الطمع، وكل ما قوي إيمان الإنسان زهد بالدنيا ومالها، يعني: أنكم إذا وجدتم تعلقاً بمثل هذا فليعلم أن الإيمان في ذلك ضعيف أو زائل.

    1.   

    قوله تعالى: (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله...)

    المرابي محارب لله

    وقوله جل وعلا: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ[البقرة:279]، يعني: فإن لم تفعلوا في امتثال أمر الله باجتناب الربا، وترك ما سلف من المال، مما بقي معلقاً، فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ[البقرة:279]، وهذا دليل على شدة الربا وخطره، وأن الله سبحانه وتعالى ذكر الحرب بينه وبين عبده؛ لأن مثل هذا من يحارب من هو أقوى منه، فكيف من يحارب خالقه سبحانه وتعالى، ولهذا قال عبد الله بن عباس كما جاء في حديث سعيد بن جبير : قال: يعطى سيفه ثم يقال: حارب الله، ثم تلا قول الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275]، فكيف برجل يتخبطه الشيطان كحال المجنون المخنوق ومعه سيف يحارب الخالق سبحانه وتعالى، فهذا فيه صغار وهوان للإنسان، والناس في فزع وهول وخوف من الله سبحانه وتعالى، وهذا مسلوب العقل كحال المجنون، وفي يده سيف، فما نظر الناس إليه.

    والله سبحانه وتعالى ما ذكر في كتابه ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم حربه من عباده إلا في ثلاثة مواضع:

    الموضع الأول: الشرك، وقد جاء في هذا عند الطبراني وغيره.

    الموضع الثاني: الربا هنا.

    الموضع الثالث: ( من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة )، والمعاداة لأولياء الله يتضمن من ذلك موالاة لأعداء الله، وهذا إن لم يدخل به الإنسان الكفر ابتداءً فإنه يتدرج به إلى الكفر، ولهذا يقول الله جل وعلا كما في الحديث القدسي: ( من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ).

    ما يأخذه الإنسان من المال إذا تاب من الربا

    وقوله سبحانه وتعالى: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279]، وقوله هنا في قوله جل وعلا: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ[البقرة:279]، هذا على ما تقدم مما بقي من مال الإنسان له رأس المال، هل مما مضى في حال الإنسان يدخل في هذا الباب أم لا؟

    تقول: هو مقيد بما بقي في قول الله جل وعلا: وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا[البقرة:278]، يعني: للإنسان رأس ماله، وما عدا ذلك فليس له وإنما هو لحقوق الناس، من قال بالحالتين السابقتين، فيقول في الحالة الثالثة على ما تقدم: إن الإنسان إذا تاب وهو على علم بالربا فهل له ما سلف؟

    من أدرج الأحوال الثلاثة كلها بالمنع فيقول في هذه الآية: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ[البقرة:279]، يعني: ليس للإنسان إلا رأس المال حتى لو كان من المقبوض القديم.

    يستدرك بعض العلماء على من يقول بأن للإنسان ما سلف من ماله حتى لو كان عالماً إذا تاب من الربا، يقول: إنه يلزم من هذا القول بحلية المال المغصوب، وكذلك المسروق، وغير ذلك؟ نقول: هذا يختلف؛ لأنه بغير رضا وطيب نفس من الإنسان، وما كان بطيب نفس من الإنسان لو كان حراماً في هذا وتاب الإنسان منه فإن الله عز وجل يتوب عن الإنسان، ويدخل في هذا سائر أنواع الأمور المحرمة.

    هل يدخل في هذا ما يتعلق ببيع الخمور؟ من العلماء من يدخل في هذا الباب بيع الخمر، ومنهم من لا يدخله في هذا الباب.

    وهل هو مخصوص بالربا أم في سائر أنواع المحرمات، كالشخص الذي تكون تجارته كلها من حرام، هل الربا أعظم من بيع الخمر؟

    نقول: نعم، الربا أعظم من بيع الخمر، مع عظم الخمر، وكونه أم الخبائث ومن الكبائر والموبقات، إلا أن الربا أعظم منه، فإذا كان أعظم منه وقلنا بهذا القول فإننا نقول بهذا الأمر ترغيباً بالتوبة والدخول فيها، وحتى لا يدخل الإنسان في دائرة القنوط.

    إقامة الحدود رادع من الوقوع في الظلم

    وفي قول الله: لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279]، أي: أن الله سبحانه وتعالى إنما حرم وبيَّن الحدود في أمور الأموال حتى لا يظلم الإنسان غيره، ولا يظلم في حقه، فالله عز وجل أراد من ذلك العدل يعني: أن الله إذا أمرك أن تعيد حقاً لأصحابك، وأمرك بأن تأخذ رأس مالك، الله لا يريد ظلماً لغيره، ولا يريد ظلماً لك، أن يظلمك الناس في هذا الأمر.

    وفي ذكر الله سبحانه وتعالى للربا، ثم ذكر الله عز وجل بعد ذلك المداينة في آية المداينة، يأتي الكلام عليها بإذن الله تعالى بعدما ذكر الأمر المحرم ذكر الترغيب، إشارة إلى الترغيب فيما هو الحل إذا كان الناس لا يجدون إلا الربا، الحل في ذلك هي المداينة الشرعية، ويأتي الكلام عليها وصورها وأحوالها وفضلها، وربما يبقى لنا مجلس واحد، ثم آيات الأحكام من سورة البقرة.

    نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.