إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [1]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم على هذه الأمة نعمة منه وفضلاً, وجعل فيه الأحكام الظاهرة فيما يصلح شأن العباد في دينهم ودنياهم, فإذا تمسكت به الأمة نجت, وسددت وألهمت الرشاد, وإن حادت عنه فبقدر حيدتها عنه يكون اختلال نظامها, ويحق عليها غضب الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    فضل الله على الأمة بإنزال كتابه عليها

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فالله سبحانه وتعالى قد أكرم هذه الأمة وأنعم عليها بهذا الكتاب العظيم, وقد فصل الله عز وجل فيه الآيات, وجعل فيه الأحكام الظاهرة فيما يصلح شأن العباد في دينهم ودنياهم, من تمسك به نجا, وقد سماه الله جل وعلا حبله المتين, قال الله سبحانه وتعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103], فسر ذلك غير واحد من السلف, وسمى الله جل وعلا كتابه (الفضل) على هذه الأمة, والتكرم من الله سبحانه وتعالى, وجاء معنى ذلك في قول الله جل وعلا: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس:58], حيث قالوا: إن المراد بفضل الله عز وجل القرآن, ورحمته الإسلام, وهذا جاء تفسيره عن غير واحد كما رواه ابن جرير الطبري في التفسير, من حديث مجاهد بن جبر عن عبد الله بن عباس , وجاء ذلك عن مجاهد , وجاء أيضاً عن قتادة وغيرهم من المفسرين, فالله سبحانه وتعالى قد أكرم هذه الأمة بهذا الكتاب, وجعل فيه حكمه بيناً ظاهراً؛ وروى الترمذي من حديث الحارث عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الله: ( فيه نبأ من قبلكم, وخبر من بعدكم, وحكم ما بينكم, هو الجد ليس بالهزل, من تمسك به نجا, من تركه من جبار قصمه الله ), فهذا الكتاب إذا تمسكت به الأمة نجت, وسددت وألهمت الرشاد, وإن حادت عنه فبقدر حيدتها عنه يكون اختلال نظامها, ويحق عليها غضب الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    التحذير من الميل عن حكم الله لشهوة ونحوها

    والله جل وعلا قد جعل أمور الناس منها ما هو ظاهر ومنها ما هو باطن, فما كان من الأمور الباطنة من عقائد الناس في الله جل وعلا وفي غيره, فهذا من الأمور الباطنة التي مردها إلى الله جل وعلا ومآلها إليه, وأما ما كان من الأمور الظاهرة من أعمال الجوارح, فإن الحكم في ذلك يكون لله جل وعلا ولعباده؛ ولهذا أمر الله جل وعلا أنبياءه أن يحكموا بين الناس بما أنزل الله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:49], وحذر الله عز وجل من ضد ذلك: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [الشورى:15], وهذا الخطاب إذا توجه لنبي فإنه من باب أولى يتوجه إلى غيره, فقد حذر الله عز وجل أنبياءه من أن يخالفوا أمره سبحانه وتعالى, فأمرهم بالحكم بما أنزل الله, وهو كلام الله جل وعلا, وحذرهم من الأهواء, وهذا التحذير يفهم منه أن الله عز وجل ما حذر أنبياءه من أهوائهم إلا لقوة الشبهة فيها, وهذه الشبهة التي ترد على أذهان بعض الأنبياء لولا تثبيت الله عز وجل لهم ربما أخذوها بحسن قصد, ولكن الله عز وجل حذرهم من ذلك جملة وتفصيلاً, وإذا توجه هذا الخطاب إلى أنبياء الله عز وجل فإنه يتوجه إلى أولياء الله والحكام في الأرض أن يأخذوا بما أمر الله عز وجل به, وأن يجتنبوا الأهواء, سواء كانت أهواء الأنفس أو كانت أهواء الغير, وسواء كان ذلك بحسن قصد أو بسوء قصد, ما كان بحسن قصد من أهل الإيمان مما يبدر منهم من رأي ونحو ذلك, وما كان بسوء قصد كأن يكون ذلك من خصوم الإسلام من الكفار والمنافقين والفساق وأهل الأهواء وغير ذلك.

    فحذر الله عز وجل من اتباع الأهواء جملة, وحذر نبيه عليه الصلاة والسلام وخاطبه بخطاب تحذير في قوله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1], وهذا تحذير من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم من أن يلتفت إلى شيء من أقوال الكفرة والمنافقين, وحينما يتوجه الخطاب إلى عال فإنه يدخل تحته من باب أولى من كان دونه؛ ولهذا يظهر في القرآن أن الله سبحانه وتعالى يخص نبيه بخطاب هام؛ ليدخل فيه من تحته ممن يظن ألا يدخل في خطاب العامة من الجبابرة والكبراء ونحو ذلك؛ ولهذا نجد أن ما خص الله عز وجل به النبي صلى الله عليه وسلم هو من الأمور العظيمة, حتى يدفع الظن أن الخطاب لا يتوجه إلى الكبراء والعظماء في الأرض.

    1.   

    المواضيع التي عليها مدار القرآن

    وكلام الله سبحانه وتعالى القرآن إذا أردنا أن ننظر في معناه, وأن نتأمل فيما جعله الله عز وجل فيه من حكم وأحكام؛ نجد أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    الموضوع الأول: التوحيد

    القسم الأول: توحيد الله عز وجل بجميع أنواعه, سواء كان ذلك من الغايات, أو كان من الوسائل, فما كان من الغايات ما يتعلق بتوحيد الله عز وجل في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته, وأما ما كان من الوسائل الموصلة إلى تحقيقها فهي داخلة فيها.

    كذلك ما كان في ضد هذا الباب من أبواب الإشراك مع الله عز وجل بأنواعه, فيدخل فيه أصل هذا النوع, وهو ضد التوحيد, وكذلك وسائله الموصلة إليه، وهي ما يسميها العلماء بالشرك الأصغر, وهذا القسم موجود في كلام الله عز وجل, وقد اتفق العلماء على أن ما ذكره الله عز وجل في كتابه عن نبي من أنبيائه فإنه يشركه فيه نبينا عليه الصلاة والسلام, فإن الأنبياء دينهم واحد, والمراد في هذا هو توحيد الله عز وجل؛ ولهذا لا يسوغ لأحد إذا وجد شيئاً من العقائد مما ذكره الله عز وجل لنبي من أنبيائه أن يقول: إن هذا ليس في شرعتنا, بل إن هذا من الأمور العامة.

    وما لا ينسخ من الشريعة ثلاثة:

    الأول: التوحيد, الثاني: الآداب والأخلاق, الثالث: الأخبار, فهذه لا تنسخ على الإطلاق, فإذا ثبت النص فيها من كلام الله عز وجل في زمن من الأزمنة فإن ذلك ثابت إلى قيام الساعة, فلا يسوغ أن يبين الله عز وجل خلقاً من الأخلاق أو أدباً من الآداب لأمة ثم لا يكون أدباً وخلقاً حسناً لقوم آخرين, كذلك الأخبار فإن نسخها يدل على تكذيب المخبر بها، تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً؛ لهذا نقول: إن هذه الثلاثة لا تنسخ, وثمة خلاف في بعض الصور هل تلحق بهذه الثلاثة أم لا, فنقول: إن الإشكال فيها ليس في كونها من هذه الثلاثة, وإنما في خلاف العلماء في ذلك.

    الموضوع الثاني: القصص

    القسم الثاني من أقسام القرآن: القصص, والقصص هو ما يحكيه الله عز وجل من أحوال الأمم السابقة, التي غربت ومضت, سواء كان من قصص الأنبياء أو أحوال الأمم, أو ما يخبر الله عز وجل به من أحداث الكون, وكذلك أطوار الإنسان وتقلباته, وكذلك أخبار السماء من أحوال الملائكة ونحو ذلك, فهذا شيء من القصص الذي لا يتعلق به حض للإنسان أن يبادر بعمل, وإنما يراد به جملة من المعاني, من هذه المعاني التي يقصدها الله عز وجل من إيراد القصص في كتابه العظيم: تثبيت النبي عليه الصلاة والسلام, وأتباعه من أمته, وكذلك غير أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ممن يتوجه إليهم الخطاب ممن لم يؤمنوا أن يتعظوا وأن يعتبروا؛ ولهذا فالله عز وجل قص في كتابه العظيم قصص الأنبياء لنبيه عليه الصلاة والسلام؛ لينظر في حالهم وصبرهم وثباتهم على أمر الله عز وجل, وقص الله عز وجل أحوال الأمم لتتعظ هذه الأمة, فكان ذلك الاعتبار متنوعاً, منه ما يلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم, ومنه ما يلحق بعوام الناس من المسلمين, ومنه ما يلحق بالكفرة المعاندين إذا عرفوا شيئاً من كلام الله سبحانه وتعالى, ومن الحكم في ذلك أن في كتب اليهود والنصارى من القصص الذي لم يحرف ما بين الله عز وجل شبيهاً له في هذا الكتاب, فكان الاعتبار في كلام الله عز وجل متنوعاً بحسب من يتوجه إليه الخطاب, فخطاب يتعظ به النبي, وخطاب يتعظ به آحاد المسلمين, وخطاب يتعظ به الكفرة المعاندون المخالفون لأمر الله سبحانه وتعالى.

    الموضوع الثالث: الحلال والحرام

    القسم الثالث من أقسام معاني القرآن: الحلال والحرام مما أمر الله عز وجل بالعمل به أو نهى عنه, ومما يتعلق بأمور الحلال والحرام: ما يدخل في أبواب الأحكام التكليفية من الواجب والمندوب, والمحرم والمكروه, وكذلك ما كان الأصل فيه الإباحة, ويدخل في هذا الباب جميع ما يثاب عليه الإنسان ويعاقب مما خرج من الأمور السابقة, ويدخل في هذا الباب ما يتعلق بأمور الآداب والسلوك, باعتبار أنها من المستحبات, ولهذا ترجم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقه على القرآن؛ كما جاء في حديث عائشة في الصحيح.

    1.   

    مقدمة في الحديث عن آيات الأحكام

    ونحن في هذا المجلس إنما نريد الكلام على القسم الثالث؛ وهو ما يتعلق بتفسير آيات الأحكام من كلام الله سبحانه وتعالى.

    أهمية دراسة آيات الأحكام

    أكثر المفسرون من الكلام على معاني القصص مما يرد في كلام الله سبحانه وتعالى, وكذلك ما يتعلق بآيات التوحيد ودلالتها عليه في مصنفات كثيرة جداً, إلا أن ما يتعلق بأمور الحلال والحرام فهو الذي ينبغي أن يعتني به المسلم؛ ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد جعل أصول أحكام الدين في كلامه جل وعلا, فما من شيء من فروع الشريعة مما جاء في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وأصله متقرر في القرآن؛ ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى كتابه مفصلاً ومبيناً ومحكماً, كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1], ونسبه إلى اسمين من أسمائه وهما الحكيم والخبير, إشارة إلى أن الله عز وجل أتقن إحكامه بخبرة وعلم لا يمكن أن يصل إليه مخلوق.

    أحكام الشرع جاءت لتصلح المجتمع والفرد معاً

    وينبغي أن نشير إلى أن أحكام الله سبحانه وتعالى إنما جعلها لتصلح بها البشرية جمعاء, لا أن يصلح بها فرد بعينه, وهذا أمر ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار؛ وذلك أن التشريعات والأحكام الموجودة حتى ما يؤمن به الخلق من الأحكام الوضعية ونحو ذلك, هذه الأحكام التي تنتشر عند الناس ويؤمن بها العقلاء من كل ملة, سواء كانوا على شيء من قبس الوحي أو كان ذلك بمجرد آرائهم, يؤمنون أن ما يضعونه من أحكام عامة وقوانين هي لصلاح العامة لا لصلاح الأفراد, لكن لما كانت الشريعة بإحكام رباني كانت متوجهة إلى العامة والخاصة, ولكن ما يتعلق بالأفراد ينبغي ألا ينظر إليه بخصوصه, فيرجع إلى أصل حكم الله جل وعلا, فينقض الحكم العام بأمر خاص؛ وذلك أن ما جعله الله عز وجل من عقائد، وما جعله من أفكار, إذا أردنا أن ننظر إليها نجد أن لها أعماراً أكثر من أعمار البشر, فإن العقيدة إذا أسسها شخص ووضعها في الناس فإنه يموت وتبقى هذه العقيدة؛ ولهذا لما كان عقل الإنسان حينما يؤسس لعقيدة أو يؤسس لفكرة أو لقانون وضعي يؤسسه على ما يرى من حواسه من مسموع أو مبصر بحسب أحوال الطبيعة, وبهذا يجدد الناس في القوانين الوضعية زمناً بعد زمن؛ وذلك لأن الذي وضع ذلك القانون قد وضعه لما يصلح به زمانه وعمره الذي قضاه الله عز وجل عليه, فجاء جيل فرأى أنه لا يصلح له؛ ولهذا كانت قوانين الوضع في البشر فاسدة؛ لأن الذي وضعها قاصر, ولكن الله جل وعلا نظر إلى أحوال البشر وإلى القرون نظرة واحدة أعظم من نظرة المقنن لقانونه الذي ينظر فيه ليومه, فجعل الله عز وجل صلاح البشرية بأحكامها للقرن الأول وما يليه إلى قيام الساعة؛ لهذا أمر الله سبحانه وتعالى بحكمه وحذر من مخالفة أمره, كما في قول الله عز وجل لنبيه: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:49], وهذا خطاب موجه إلى النبي, أي: لا تحكم بمجرد الرأي وما تستحسنه من نفسك, أو ما ينظر به هؤلاء مما يوحون به إليك, وهذا دليل على أنه لا أكمل للبشرية من حكم الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا شدد الله عز وجل في أمر الحكم في كتابه العظيم؛ كما في آيات كثيرة, منها قول الله عز وجل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65], وكذلك قول الله جل وعلا: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45], وهذه إشارة متعددة إلى شدة أمر الله سبحانه وتعالى, أي: أنه لا يحق لأحد أن يضع نظاماً للبشرية وهو يرى شيئاً ثم يلزم به جيلاً آخر؛ لأن أحكام الشريعة جاءت صالحة للأجيال كلها؛ لأن الذي وضعها الخالق سبحانه وتعالى, وكثير ممن يضعون القوانين البشرية في الأرض لو تعاملوا -تعالى الله عز وجل- مع القرآن على أنه من مخلوق مُعَمَّر في الأرض جعله الله عز وجل منذ أن خلق الخليقة إلى يومنا هذا لسلموا له؛ لأنه صاحب خبرة قد تقلب الزمان عليه وهو مدرك لذلك, فكيف ذلك من خالق سبحانه وتعالى للبشرية؟ وجعل هذا القانون صالحاً للبشرية إلى قيام الساعة, وأمرهم بالاتباع, وحذرهم من وجود الشك والريب في كلام الله سبحانه وتعالى وأن ذلك لا يصلح لفرد ولا يصلح لبيئة, وإنما ذلك بحسب أفهامهم.

    وكلام الله سبحانه وتعالى من جهة معناه يغلب فيه العموم والغائية, والمراد بالغائية هي: أقصى الغايات التي تخطر في بال الإنسان؛ ولهذا يقول العلماء كما يذكر الشاطبي يقول: كلام الله جل وعلا غائي, والمراد بذلك هو أقصى ما يرد في المعنى الملفوظ أراد الله عز وجل به غايته, والسنة تفصل ذلك, أو يفسر ذلك القرآن في موضع آخر يبين كلام الله عز وجل ومراده في هذا الموضع, ولهذا القرآن يفسر بعضه, والسنة تفسر القرآن, وعمل السلف يفسر القرآن, ولغة العرب تفسره, فهي تضبط ذلك العموم على معنى يصلح به حال الناس في ذلك الزمن, وإذا ما كان ذلك العموم في كلام الله جل وعلا؛ لأن الخطاب كلما توجه إلى عدد أكثر من غيرهم لزم من ذلك أن يكون عاماً, فحينما توجه الخطاب إلى ابنك فإن خطابك إلى ابن منفرد يختلف عن غيره, فإنك توجه إليه بمعنى محدود, وإذا توجت بالخطاب إلى ابنين وثلاثة فإنه يختلف عن الابن, وإذا توجهت إلى أناس يختلفون في النوع كأن توجه الخطاب إلى ابن وبنت وزوجة وأخ وأخت وأم؛ فإن الخطاب حينئذ يعم, وهذا يجده الإنسان في كلامه, ولما كان كلام الله عز وجل يتوجه إلى البشرية جمعاء جاءت الصيغة في ذلك عامة؛ ولهذا كلما ارتفع الإنسان وعم خطابه وجب حينئذ أن يستحضر العموم, وكلما يتوجه خطابه إلى أفراد بعينهم وجب عليه أن يخص الأفراد, وهذا أمر مطرد, وهذا كما أنه في معاني كلام الله عز وجل, فهو في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً وفي كلام العلماء, فمن العلماء من يتوجه كلامه إلى أفراد, ومنه ما يتوجه إلى عامة, ومنه ما يتوجه إلى الأمة كلها, وهذا ينبغي استحضاره, وهذا من الحكمة والعقل؛ ولهذا روى سعيد بن منصور في كتاب التفسير يقول: سمعت سفيان يقول: كلام الله سبحانه وتعالى عام ليس فيه اختلاف, وإنما يراد به هذا وهذا.

    يعني: أنه ما يأتي من كلام المفسرين من الصحابة وكذلك التابعين في آية واحدة على أكثر من قول, فإن الله عز وجل أراد في ذلك الجميع, إلا ما ندر في بعض الخلاف الذي يدخل فيه الاجتهاد, والكلام في ذلك مما يطول جداً في تفسير كلام السلف لكلام الله عز وجل وأقسام ذلك التفسير, وقد تكلمنا على ذلك بما لا مزيد عليه في كتاب التقرير في علم أسانيد التفسير, وأشرنا إلى أقسام التفسير في كلام الله جل وعلا, وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكذلك في المأثور, وكذلك أيضاً في لغة العرب والتعامل مع ذلك التفسير.

    المراد بآيات الأحكام

    وأما ما يتعلق بهذه المجالس التي نتكلم فيها بإذن الله عز وجل على التفسير، فنحن نتكلم عن القسم الثالث من أقسام التفسير وهو تفسير آيات الأحكام, وآيات الأحكام وهي: ما يتعلق بالأحكام التكليفية كما تقدم الإشارة إليه, هي التي نقصدها في كلام الله سبحانه وتعالى, وأردنا بهذا تبيان ما قصده الله عز وجل من أمره لنبيه وأنبيائه عموماً من الحكم بما أنزل الله؛ وذلك أن الحكم لا بد أن يكون فيه حاكم ومحكوم, ولا بد أن يكون فيه طرفان, بخلاف القصص, فإن القصص توجه إلى فرد بعينه, كذلك ما يتعلق بأمر التوحيد إنما هو عبادة بين العبد وربه, وأما ما كان من أمور البشر فغالبه يدور على أمر الأحكام, وهذا ما يتعلق به أمر الناس؛ ولهذا نجد أن ما يذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم من علامات آي الأحكام أنها تكون بين أطراف عمل, فإذا كان فيها تفاعل بين طرفين فإنها في كثير من الأحيان متعلقة بآيات الأحكام, قد تكلم العلماء على آيات الأحكام, منهم من جمعها, ومنهم من تكلم على مسائل معينة, وجمع من كلام الله عز وجل, ومنهم من قصد آي الأحكام في مصنفات منفردة, من أول القرآن إلى آخره على حسب اجتهاده.

    أسباب عدم إدراك الصواب في آيات الأحكام

    حيث إن آي الأحكام ترجع إلى اجتهاد الإنسان, الحقيقة في ذاتها في العقل والنقل واحدة, ولكن الإنسان يجتهد فيها فإن أصابها فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد؛ كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين, قال: ( إذا اجتهد الحاكم وأصاب فله أجران, وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ), والمعتزلة يقولون: إن الحقيقة تتعدد, والصواب في ذلك أن الحقيقة واحدة, وكون الإنسان يؤجر على خطأ بعد اجتهاده لا يعني ذلك أن الحقيقة تتعدد, وإنما يضعف الإنسان في إدراك الحقيقة لأسباب, من أظهر هذه الأسباب:

    أولاً: ضعف علمه, وضعف العلم هو قريب من ضعف النظر, فحال الإنسان حينما ينظر إلى شيء أمامه فإنه يدرك شيئاً سراباً, والحقيقة في ذاتها إذا جاءها واحدة, فإذا نظر هل هو شجر أو حجر أو مدر أو نحو ذلك فهي في ذاتها واحدة, ولكنها أصبحت لديه عامة, يخمن هذا ويأخذه بالظن, وإذا قرب منها اتضح؛ كذلك نظر الناس في الحقائق منهم من يتجلى له النظر لحدة علمه وإدراكه, ومنهم من لا يتجلى له؛ ولهذا يقول الله جل وعلا في وصف أقسام القرآن: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران:7], وهي أصل الكتاب؛ لأن هذا مقتضى الإحكام, وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7], هي متشابهات في نظر العالم وأما في حقيقتها فهي بينة, ومن ذلك ما جاء في حديث النعمان بن بشير كما في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( الحلال بين, والحرام بين, وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ), وما بين الشيئين يترك في الغالب لأن قصده قليل, فيقال: ما بين مكة والمدينة, ويقصد به ما يكون في مكة والمدينة من أناس يعيشون فيهما، أما الأماكن التي بينهما فلا تقصد, وإنما تكون بعبور, فالحاجة إليها يسيرة, لهذا ما كان بين الحلال البين والحرام البين في الغالب أنه من الفروع الدقيقة, والأصول الكلية العامة ظاهرة محكمة، وهي التي جعلها الله عز وجل حلالاً بيناً وحراماً بيناً في كتابه العظيم, وهي أم الكتاب, أي: أصله, والمقصودة من إنزاله, والتي لو تركها الإنسان لجحد القرآن وكفر به؛ لهذا نقول: لا بد من معرفة أقسام القرآن, وأن ضعف الإنسان في ذلك يلحق بضعف علمه.

    وأسباب ضعف العلم متنوعة, منها: ضعف في معرفة كلام الله, وضعف في معرفة سنة رسول الله, وضعف في معرفة لغة العرب, وضعف في معرفة الأثر, وضعف في معرفة علوم الآلة مما يتعلق بمعرفة علم الأصول, سواء ما يتعلق بأصول القرآن, أو أصول الفقه, أو ما يتعلق بأصول اللغة ومعرفة أشعار العرب وغير ذلك, فهذه لا بد من توفرها في المفسر والناظر في كلام الله عز وجل, وإلا أصبح مقصراً.

    ثانياً: من الأسباب التي تمنع عن الإنسان إدراك الصواب: العجلة, وإن كان مدركاً للحقيقة, أو يدركها وإن كان صاحب نظر حاد, أو صاحب عقل حاد, فإذا استعجل في الإدراك فإنه يفوته أشياء؛ ولهذا أمر الله عز وجل بالتأمل والتدبر لكتابه كثيراً؛ لأن الحقيقة قد لا تتجلى للإنسان من أول نظرة, فيتأمل ويتأمل فيدرك الشيء, وهذا أمر يتجلى للإنسان كثيراً, فالناظر للشيء بعجلة يدرك من الحقيقة بقدر عجلته فيها, فإذا توفر في عقله قوة الإدراك وفي بصره الحدة أدرك مع العجلة الشيء الكثير مما يختلف عن غيره, وإذا نظر فيها نظرة عابرة فإنه يفوته من الحقيقة ولو كان حاد البصر, لهذا الذي يتأمل على عجل يفوته ما يفوته, كالذي ينظر مثلاً في الهلال, أو ينظر في غريب قادم ونحو ذلك, يظنه رجلاً فيصبح امرأة؛ لأنه نظره كلمح البصر, بخلاف الذي دقق فيه وفيما حوله وفي مشيته ونحو ذلك, والذي ينظر أيضاً في الهلال ويميزه عن النجوم, وكذلك السحب, وكل ما يقع عليه نظر الإنسان, وهذا التأمل يعطي الإنسان حقيقة قاطعة؛ ولهذا نقول: إنه لا بد للإنسان في حال نظره في المدركات أن ينفي عن نفسه العوارض التي تمنعه من فهم الحقيقة, وذلك بالأمور المكتسبة, إذا كان قاصراً في العلم أن يزيد من التعلم حتى يملك الحقيقة, وعليه أيضاً بالتأني, والتأمل, والتدبر, فإن ذلك مما يعين الإنسان.

    المصنفات المؤلفة في تفسير آيات الأحكام

    وما يتعلق بآيات الأحكام صنف فيها العلماء كما تقدم الإشارة إليه, وثمة مصنفات كثيرة على المذاهب الأربعة, حيث صنف الإمام الشافعي رحمه الله في تفسير آيات الأحكام, وصنف في ذلك من الحنابلة القاضي أبو يعلى، وكذلك في مذهب أبي حنيفة تفسير آيات الأحكام للجصاص, وكذلك صنف أبو بكر بن العربي في هذا, وكذلك القرطبي جمع شيئاً كثيراً وافراً في هذا.

    أحوال العلماء في تفسير آيات الأحكام

    ويختلف العلماء في النظر في كلام الله سبحانه وتعالى, وإدراك المعاني المقصودة منه، فقد تتجلى لشخص ولا تتجلى لآخر, ولا يعني أن عالماً أدرك في موضع معنى لم يدركه غيره أنه أعلم من غيره بعموم الشريعة, ولكن لأنه حد البصر في هذا الموضع فأدرك ما لم يدركه غيره لعارض طرأ على الذي نظر في ذلك الموضع إما على عجل، وإما لحجب الله عز وجل عنه ذلك ليبين ضعفه, والله سبحانه وتعالى له حكمة: أنه ما من بشر امتاز بشيء من الأشياء مما وهبه الله عز وجل إياه إلا بين الله له ضعفه فيما دونه؛ ولهذا ينبغي للإنسان إذا رزق علماً أن يكله إلى الله وأن يسأل الله المزيد, وسؤال الله المزيد إشارة إلى الافتقار والضعف, وأنه قد فاته شيء كثير مما عند الله سبحانه وتعالى, وهذا كما في قصة سليمان, فمع ما آتاه الله عز وجل من علم وما آتاه من قوة على الجن؛ جعل لدى حيوان بهيم وهو الهدهد من الإحاطة ما ليس عند سليمان, والمفهوم من هذا: مع ما آتاك الله عز وجل يا سليمان من الإدراك ومن النبوة، إلا أن الله جعل لطائر بهيم من الإدراك ما ليس لك وأنت نبي, وكذلك في قصة موسى مع الخضر وغيرها, وكذلك ما جاء في كثير من كلام السلف الصالح من الصحابة والتابعين في ذلك مما يطول ذكره.

    الحكمة من بيان الله الأحكام دون الحِكَم

    والله سبحانه وتعالى يبين الأحكام في كتابه العظيم في كثير من الأحيان ولا يبين العلل من ورود الحكم, وذلك أن بيان الحكم في كلامه جل وعلا أظهر وأسهل من بيان العلة في عقل الإنسان، لا من جهة سهولة بيانها فكل شيء سهل لله سبحانه وتعالى, والمراد من هذا أن الله عز وجل يأمر عباده بشيء ثم لا يبين علته؛ لأن العلة لا يمكن أن تتضح إلا بتمام سبر للإنسان منذ بدء الخليقة إلى أن يبعث الله عز وجل البشرية يوم القيامة, وأما من نظر إلى يوم وحكم وحده جعله الله على فرد ثم أراد أن يبين فساد حكم أو صحته في كلام الله فهذا من قصور العقل وضعف الإدراك؛ وذلك أن الأحكام العامة لا تبطل بنظرة الأفراد فضلاً عن قضايا أعيان تنزل في البشر؛ ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى لا يبين الأحكام, ولا يبين في الناس بعض الحكم لأن العقل لا يدرك, كما أن البصر لا يدرك لو حد, فإذا جاءه ضوء شديد بهره؛ لهذا منع الله عز وجل موسى من رؤيته؛ فـ قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143], يعني: أنت في خلقتك هذه لا تستطيع أن تراني, كذلك في عقل الإنسان لا يستطيع أن يرى أو أن يدرك كثيراً من أحكام الله سبحانه وتعالى، وحاله كحال الإناء إذا أردت أن تفيض فيه البحر لا يستطيع أن يحويه بل لو أفضت عليه بحراً لضاع في هذا البحر, كذلك حال علم الإنسان إذا أراد أن يعرف علة الشيء من أمر الله سبحانه وتعالى وأراد الجواب عليها, لو بينها الله له لأفاض له من الحكم شيئاً كثيراً فضاع وأصيب بحيرة؛ لهذا يبين الله عز وجل للإنسان حكماً ثم يمسك عن بيان العلة؛ لأن العلة لا يدركها الإنسان.

    1.   

    منهجية الشيخ في تفسير آيات الأحكام

    وما اعتمدنا عليه في النظر في آيات الأحكام من كلام الله هو اعتماد على الله عز وجل, وهو اعتماد فردي على النظر في آيات الأحكام, وقد نظرت في القرآن تأملاً وتدبراً لاستخراج آيات الأحكام, وقد خلص لي من آيات الأحكام سبعمائة وأربعون آية من آي القرآن, منها ما الدلالة فيها صريحة على حكم من الأحكام, ومنها ما الدلالة بغلبة ظن, ومنها ما هو ظن, وهذا نأخذه استئناساً للحجج البينة الظاهرة لترجيح شيء, ويكفي أن ما يأخذه الإنسان ظناً فيما يفهمه من كلام الله أولى من الأقيسة العقلية والنظر البشري المتجرد؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يعتمد على كلام الله سبحانه وتعالى في بيان الأحكام أولاً, وأن يعتمد أيضاً على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ويلحظ التقصير في كثير من المتعلمين وطلاب العلم في العناية بآيات الأحكام وفهمها وإدراكها, ويظهر القصور في الإكثار من الأدلة من السنة, مع أن الدليل في كلام الله ظاهر, وهذا من أوجه القصور؛ ولهذا ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يفهم مسألة أن يترقى في معرفة قوة الأدلة, وأن ينظر في أدلتها من كلام الله, ثم من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم ما يليه بعد ذلك من أدلة عقلية ونقلية, فيأخذ أعلاها صحة ويرقى في ذلك كما كان يفعل أهل العلم وأهل التحقيق، ولهذا في الآيات التي نذكرها لا نعتمد على كتاب معين ولا على كلام أحد من الأئمة عليهم رحمة الله تعالى, وإنما هو نظر مجرد, فإن أصبنا فمن الله عز وجل وتسديده وعونه, وإن أخطأنا فمن أنفسنا والشيطان, ونسأل الله عز وجل المغفرة والتوبة.

    نكتفي بهذا القدر.

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم لمرضاته, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.