إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [20]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله سبحانه وتعالى بالذكر فيما بعد انقضاء المناسك، والعلة في ذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا جاءوا إلى منى وأدوا أعمال منى قاموا بذكر آبائهم، وذلك أنهم يذكرون ما لآبائهم من مناقب، وما لهم من سيرة حسنة عند الناس، ويكون ذلك من باب المفاخرة، وذكر الآباء في ذاته ليس محرماً، ولكن ينبغي للمؤمن وخاصة مؤدي النسك أن يعظم شعائر الله عز وجل. وقد ذكر الله تعالى الأيام المعدودات والأيام المعلومات، أما الأيام المعدودات فهي: أيام التشريق: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وأما الأيام المعلومات فهي: عشر ذي الحجة، والتعجل في الحج هو أن ينفر في اليوم الثاني عشر، وإذا أراد أن يتأخر فقد أكمل أيام منى.

    1.   

    قوله تعالى: (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فتكلمنا في المجلس السابق على الإفاضة، وشيء من أحكامها، وكذلك أيضاً على شيء من ذكر الله سبحانه وتعالى، وأشرنا إلى استحباب طلب الاستغفار في خاتمة الأعمال، وأن هذا مما يشرع في كل عمل يفعله الإنسان أن يختمه بشيء من الاستغفار، ومثلنا بشيء من ذلك كحال الصلاة وحال المناسك، ثم نبدأ في هذا اليوم في قول الله سبحانه وتعالى: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة:200].

    نقول: إن ذكر الله سبحانه وتعالى من الأمور التي أكد عليها سبحانه وتعالى في مثل هذا الموضع.

    المراد بالمناسك في قوله تعالى: (فإذا قضيتم مناسككم ...)

    وفي قوله جل وعلا: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ [البقرة:200]، قضاء المناسك هو انتهاؤها، والمراد بالمناسك هنا ذبح الهدي، وقد جاء هذا عن غير واحد من المفسرين، فجاء عن مجاهد بن جبر كما رواه ابن جرير الطبري في كتابه التفسير من حديث ابن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أنه قال في قول الله عز وجل: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ [البقرة:200] ، قال: يعني: الذبح، والمراد بذلك هو: ذبح النسيكة، يقال: نسك فلان نسكه، أي: ذبح هديه، وقيل: إن المراد بذلك هو أعمال النحر، وذلك أن الإنسان أول إتيانه إلى منى يقوم برمي جمرة العقبة، ثم يقوم الإنسان بالذبح، ثم يقوم الإنسان بالحلق، ويلبس مخيطه، ويطوف بالبيت طواف الإفاضة، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبادر بأعمال المناسك، وذلك في أول قدومه إلى منى، وهذا ما يستحب لمؤدي النسك أن يقضي مناسك الحج ضحىً من يوم النحر، وذلك أنه جاء في حديث جابر بن عبد الله كما روى الإمام مسلم رحمه الله في كتابه الصحيح: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم إلى منى رمى جمرة العقبة، ثم نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم هديه، ثم حلق رأسه ولبس مخيطه، ثم ذهب النبي عليه الصلاة والسلام وطاف طواف الإفاضة )، بل ما هو أشد من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه بيده، فنحر ثلاثاً وستين، ثم سلخت، ثم طبخت، ثم أكل منها النبي عليه الصلاة والسلام، ثم فعل بقية أعمال يوم النحر، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهراً إلى منى، وهذا يدل على التعجيل، وكثير من الناس يؤخر الأعمال في يوم النحر إلى المساء، وهذا وإن كان جاهزاً إلا أنه خلاف الأولى، والسنة في ذلك أن يأتي الإنسان بما أمره الله جل وعلا به، وذلك بقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لتأخذوا عني مناسككم )، وفعل النبي عليه الصلاة والسلام هو النسك الذي أمرنا الله عز وجل وحثنا على الأخذ به.

    وهنا في قوله: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ [البقرة:200]، هل يعني أن الإنسان إذا قضى فعل الذبح أنه انتهى من المناسك وما بعدها لا يعد من أركان الحج؟

    تقدم معنا أن الإشارة إلى مسألة القضاء أن المراد بذلك هو الانتهاء، وأن النسك المراد بذلك هو الذبح عند أكثر المفسرين من السلف.

    وكذلك تقدم معنا الإشارة إلى أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، وهل يعني هذا الحديث أن الإنسان إذا قضى النسك وذلك بذبح هديه أنه قد انتهى الحج؟ نقول: إن الله عز وجل حينما قال: قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ [البقرة:200] أن المراد بذلك هو الذبح ابتداءً وما يتبعه؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر المناسك هنا، وأول ما يدخل في هذه المناسك هو الذبح؛ لأنه الأظهر، ومعلوم أن الذبح يأتي بعد رمي جمرة العقبة، وذلك أن الإنسان أول ما يأتي من مزدلفة إلى منى يقوم برمي جمرة العقبة، وهي أول جمرة من جهة البيت الحرام، فيقوم برميها، ثم يأتي بعد ذلك بالذبح، مما يدل على أن المراد بذلك هي جميع الأنساك، ولكنه مثّل بواحد منها، وهذا أمر سائغ في لغة العرب.

    الحكمة من الأمر بذكر الله أكثر من ذكر الآباء

    وقول الله جل وعلا: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة:200]، أمر الله سبحانه وتعالى بالذكر فيما بعد انقضاء المناسك، والعلة في ذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا جاءوا إلى منى وأدوا أعمال منى قاموا بذكر آبائهم، وذلك أنهم يذكرون ما لآبائهم من مناقب، وما لهم من سيرة حسنة عند الناس، ويكون ذلك من باب المفاخرة، وهنا في هذه الآية تضمنت الأمر بذكر الله عز وجل، وما تضمنت النهي عن ذكر الآباء، ولهذا قال الله عز وجل: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة:200].

    وما نهاهم الله عز وجل عن ذكر الآباء، وذلك أن ذكر الآباء في ذاته ليس محرماً، ولكن ينبغي للمؤمن وخاصة مؤدي النسك أن يعظم شعائر الله عز وجل، وأن يكون عمله خالصاً لله، لا قاصداً شيئاً من المفاخرة، وهذا نظير قول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما: ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ووالده والناس أجمعين )، يعني: أن الله عز وجل ما نهى الإنسان عن محبة المال والولد والوالد، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام هنا يبيّن أن الإنسان إذا أحب ماله وولده ووالده أكثر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك قدح في إيمانه، وهذا ليس فيه تضمن للنهي عن محبة المال والوالد والولد، وهذا نظيره في أن الله عز وجل أمر بذكره جل وعلا أكثر من ذكر الآباء، وذلك أنهم كانوا يذكرون آباءهم، بل إنهم إذا دعوا الله عز وجل دعوا الله عز وجل بما يعلمون من ذكر آبائهم، حتى إن منهم من إذا كان لأبيه شيء من المال ذكر مال أبيه، وسأل الله عز وجل أن يعطيه كمال أبيه، وكأنه يريد في ذلك أن يفاخر غيره بمال أبيه، وما له من سالفة في الأمر، ثم يدعو الله عز وجل بأن يعطيه ما أعطى الله عز وجل أباه، وهذا موضع النهي أن الإنسان يذكر آباءه في مثل هذا الموضع أكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى، وفي هذا إشارة إلى أن القلوب إذا تعلقت بغير الله عز وجل جرى ذلك على ألسنتها، فالإنسان حينما يذكر الله جل وعلا أكثر من غيره؛ دل على أن القلب تعلق بالله عز وجل أكثر من غيره، وإذا ذكر غير الله أكثر من الله؛ دل على أنه قد تعلق غير الله بقلبه أكثر من الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر معلوم.

    ولهذا الذين يراءون والذين يسمعون يجدون قوة في العبادة عند رؤية الناس، ويحدثون من العبادة ما لا يحدثونه إذا خلوا بينهم وبين الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم عظموا المخلوق أعظم من الخالق، ولهذا نقول هنا: إن هذه الآية تتضمن نهياً، وتتضمن إباحةً، تتضمن إباحة لذكر الآباء، وأن الإنسان لا بأس أن يذكر آباءه من جهة ما يعلمه من تاريخهم وأحوالهم، ويتضمن نهياً أن يكون ذلك الذكر مزاحماً لذكر الله وغالباً له، نقول: إن هذا منهي عنه، بل إنه في مثل هذه المواضع، وهي المواضع المعظمة، وذلك كيوم النحر، نقول: إنه يحرم على الإنسان أن يذكر عيناً من أب أو جد أكثر من ذكره لله جل وعلا، وذلك أن هذا يتضمن نفاقاً، وذلك أن الإنسان الذي ينشغل بذكر آبائه أو ذكر ماله أو نحو ذلك أكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى يتضمن أنه عظم غير الله أكثر من تعظيم الله وهو في حرم الله سبحانه وتعالى.

    الإكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى

    وهذا الحديث أيضاً فيه إشارة إلى أنه ينبغي للمؤمن أن يكثر من ذكر الله جل وعلا أكثر من ذكره لمصالح دنياه، ولو تفرقت، وذلك حتى يعظم الله عز وجل في قلبه، فإذا وجد نفسه قد تعلقت بمال وأكثرت من الحديث عنه، فإنه ينبغي له أن يكثر من ذكر الله عز وجل أكثر من ذلك، وإذا تعلقت نفسه بأحد من أهل الدنيا من الوجاهات من أهل الرئاسة والمال، أو كذلك الحظوة أو غير ذلك، فإنه ينبغي له أن يتعلق بالله عز وجل أكثر ذكراً حتى يوازي بين ذلك وبين القلب.

    والله سبحانه وتعالى إنما شرع لعباده الذكر في مثل هذه المواضع يريد أن يدفع ما بقي من أمر الجاهلية من المبالغة في ذكر الآباء حتى يصل بعضهم إلى سب بعض، حينما يتفاخر بعضهم بأن أباه معروف بالقوة والجلادة، وأنه صاحب سيف، ويضرب الرقاب، وانتصر على قبيلة فلان، وقبيلة فلان لها من يشهد أمثال هذه المواقف، وهذا يزيد من الضغينة والحقد بين الناس، فجاءت الشريعة بمثل هذا حتى يكون كلام الله سبحانه وتعالى فوق ذكر الآباء وعالياً عليها، ومغلقاً أيضاً لتلك الأمور التي تتعلق بها النفوس.

    ثم أيضاً يؤخذ من ذلك حكمة أن ما شاع عند الناس من الأمور المباحة التي أصلها الإباحة، ولكنهم غلوا فيها، ليس من الحكمة أن ينهى عنها جميعاً، فإن الانتقال عنها من الأمور الشاقة، ولكن يبدأ بالموازنة، وذلك أنه يقال: إن المبالغة في ذلك لا تجوز، وينبغي أن يرجع الأمر إلى حقيقته، وحقيقته كذا وكذا، ثم إن الله سبحانه وتعالى هنا في قوله جل وعلا: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة:200]، أمر بذكر الآباء كذكر الله على سبيل التساوي، أو أشد ذكراً هذا يتضمن معنى أن أهل الجاهلية بلغوا من الغلو بذكر آبائهم حداً ما لو أمروا أن يذكروا غيرهم كذكرهم آبائهم يشق عليهم أن يستوعبوا بمعنى: إذا كانوا يذكرون آباءهم ليلاً ونهاراً فإذا قيل لهم: اذكروا الله عز وجل كذكركم آباءكم، فإنهم لا يجدون وقتاً لذكر الله سبحانه وتعالى، وهذا يتضمن إشارة إلى غلوهم في هذا الباب.

    وهنا في قوله جل وعلا: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا [البقرة:200]، هنا ذكر الله سبحانه وتعالى أصنافاً من الناس الذين يسألون الله عز وجل أشياء في مثل هذا الموقف، والمراد بذلك هو يوم النحر، ومن العلماء من قال: إن عادة المشركين عموماً هو المفاخرة بالآباء في كل موقف، أنهم يتفاخرون في عرفة، وذلك لأنهم يقفون ساعات، ويتفاخرون بمزدلفة لأنهم يبيتون، ويتفاخرون في منى وهو يوم النحر، وما جاء بعد ذلك؛ لأنهم يقفون أو يبيتون فيها، وإنما كان الأمر هنا بعد الإفاضة؛ لأن ذكر الآباء والأجداد في منى أظهر من مزدلفة وعرفة، وذلك أن المبيت بمنى لأيام متعددة بخلاف عرفة، فإنه يقف نهاراً نصف النهار، وأما بالنسبة لمزدلفة فيقف شيئاً من الليل، بل إن الضعفة يدفعون قبل ذلك، يعني: بعد منتصف الليل، فيقفون بضع ساعات أو ربما أقل من ذلك، ولما حدد الأمر هنا أنه لو ضبط الأكثر لضبط ما دونه، إذا ضبط الأمر في منى فإنه يضبط ما دونه، وفي هذا أيضاً إشارة إلى أن الله جل وعلا بيّن أن المشركين حتى بعد دخولهم الإسلام لديهم شيء من بقايا الجاهلية، وأن الإنسان حتى لو دخل الإسلام ينبغي أن يوجه إليه الخطاب بلين ورفق، وأن ما بقي عليه من أمر الجاهلية ينبغي أن يتدرج فيه، وهذا هل هو على الآباء والأجداد مجرداً؟ نقول: ليس على الآباء والأجداد مجرداً، بل إن الإنسان إذا انشغل بالمال أيضاً يعاتب بهذه الآية، فإذا انشغل الإنسان مثلاً بالأموال ومتابعتها أو نحو ذلك، أو انشغل مثلاً بالشعر فألهاه الشعر عن ذكر الله عز وجل في مثل هذا اليوم العظيم، يذكر بقول الله عز وجل: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة:200]، وذلك أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يكون ذكره سبحانه وتعالى هو الغالب.

    أصناف الناس الذين يسألون الله عز وجل يوم النحر

    وذكر الله عز وجل هنا أول أصناف الناس الذين يكونون في مثل هذا الموقف، فقال الله جل وعلا: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:200].

    وقوله هنا: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا [البقرة:200] ما ذكر هنا الحسنة في أمر الدنيا، وذلك أن حسنة الدنيا إذا تجردت عن اقترانها بحسنة الآخرة فليست بحسنة، وذلك أنها إمهال ومكر، ولهذا قال: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:200]، يعني: حتى لو سميتوها حسنة فهي استدراج وإمهال وإغواء، ولهذا ما ذكر الله سبحانه وتعالى، وذكر الله عز وجل ما يؤيد هذا في قوله جل وعلا: وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:200]، والمراد بالخلاق هنا هو النصيب، يعني: أنه ما ذكر شيئاً من نصيبه عند الله سبحانه وتعالى، وكأنه جاء بأعمال المناسك للدنيا ما جاء بها لله، وهذا ظاهر ما كان عليه عمل الجاهلية، وذلك أنهم يحجون ليسألوا الله عز وجل الدنيا، ولهذا يقول قتادة : إنهم كانوا يسألون الله فيقولون: اللهم غنماً، اللهم إبلاً، وغير ذلك، فهم جاءوا ليسألوا الله عز وجل المتاع، بل منهم إذا سأل الله سبحانه وتعالى شيئاً من أمر الدنيا قرنها بشيء من المفاخرة بالآباء، فيسأل الله عز وجل دنيا مقترناً ذلك بمفاخرته بآبائه، كما جاء من قول السدي في قول الله عز وجل: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:200]، قال: يقول أحدهم: اللهم إن أبي عظيم الحفنة، عظيم الجفنة، كثير المال، فأعطني مثلما أعطيت أبي.

    فذكر شيئاً من سيرة أبيه، وما آتاه الله عز وجل من خير وقوة، وكرم ضيافة وإحسان، فأراد أن يكون له مثل ما كان لأبيه، فجمع بين الأمرين بين ذكر الآباء والغلو فيهم، وبين ذكر الدنيا وسؤال الله عز وجل لها، وما سأل الله سبحانه وتعالى المغفرة والتوبة، ولهذا ينبغي للمؤمن أن يجعل له من آخرته حظاً وألا ينسى نصيبه من الدنيا، وذلك بسؤال الله عز وجل رزقاً وكفايةً وعافيةً في الدين والدنيا.

    ثم ذكر الله عز وجل الحالة الثانية، أو الطائفة الثانية من الناس، فقال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201] هنا ذكر حسنة الدنيا لما جاءت حسنة الآخرة، وأما في سؤال الدنيا مجرداً فتلك ليست بحسنة؛ لأنه ما قرن معها حسنة الآخرة، وذلك أنه لا يمكن أن يتحقق للإنسان حسنة في الدنيا مجردة عن حسنة الآخرة إلا وهي استدراج وإغواء، فإذا أعطى الله عز وجل أحداً من عباده دنيا وما أعطاه ديناً، فتلك إغواء له، ولهذا الله سبحانه وتعالى ما ذكر الحسنة فيها، وإنما جعلها من أمر الدنيا المحض، ولهذا قال تعالى: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:200].

    قد روى ابن جرير الطبري في كتابه التفسير من حديث ابن وهب عن ابن زيد قال: كان الناس في الموقف ثلاثة: رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، وأهل الكفر وأهل النفاق، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ممن معه، فيقولون: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، وأما أهل الكفر، فإنهم كانوا يقولون: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:200]، وأما المنافقون فهم الذين قال الله عز وجل عنهم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة:204]، فهؤلاء الذين يفعلون الأمر نفاقاً، سواء كانوا في المناسك أو في غيرها، وهذا كما أنه في أيام المناسك، وفي أيام منى فهو أيضاً في غيرها، فلا ينبغي للإنسان أن يكثر من سؤال الله عز وجل الدنيا ويعرض عن أمر الآخرة فلا يسأله إياها، وهذا حاله كحال الذي في الموقف يقول: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:200].

    وهذا أمارة على أن الإنسان إذا وجد من نفسه أنه يسأل الله دنيا ولا يسأله ديناً ولا توفيقاً فهذا علامة على حرمانه، وشرك في قلبه من دون الله سبحانه وتعالى، إما أن يكون من الرياء وهذا أدنى، وإما أن يكون من الشرك الأكبر، يحب شيئاً من الدنيا أعظم من حب الله، ويخاف شيئاً من الدنيا أعظم من خيفة الله سبحانه وتعالى، وهذا أيضاً مما يعرف به الإنسان النفس في مقامها بين النفاق، وكذلك أيضاً الكفر.

    كذلك أيضاً في الإشارة في قول الله عز وجل، وهذا وإن لم يكن داخلاً معنا إلا أنه أحد الأقسام التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في هذا الموضع، وهذ حال المنافقين، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة:204]، أن الإنسان إذا رأى من نفسه أن الناس تعجب بقوله مما يخالف باطنه، وأحب هذا القول من غير تصحيح للباطن، فهذا أمارة على نفاقه؛ لأن الإنسان الذي يحب أن يحمد بما لم يفعل، فهذا فيه نفاق، فعمله نفاق، ولهذا ينبغي للإنسان أن يستعيذ من عمل ينسب إليه ليس له، وأن يتبرأ من فضل يسلب من غيره ويعطى إياه، وألا يلبس ثوباً ليس له؛ لأن هذا من الظلم الذي رضيه.

    المراد بالحسنة في قوله تعالى: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ...)

    وقول الله جل وعلا: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، قيل: إن المراد بحسنة الدنيا هي العلم والعبادة، كما روى ابن جرير من حديث هشام بن الحسن قال: حسنة الدنيا هي العلم والعبادة، وحسنة الآخرة هي الجنة.

    أما حسنة الآخرة فهي الجنة، والقرينة في ذلك أن الله عز وجل قال: وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، وذلك أن الإنسان يسأل الله عز وجل الجنة والنجاة من النار، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201] يعني: كأنه قال: آتنا في الآخرة الجنة، وقنا عذاب النار، وذلك أن الإنسان إذا سأل الله عز وجل الجنة فلا يلزم من دعائه نجاة من النار، وذلك أن الله عز وجل يعذب بعض أهل الإيمان، فإذا سأل الإنسان الله عز وجل فقال: اللهم إني أسألك الجنة، فلا يلزم من ذلك عدم معاقبته في النار، ولكن هنا سأل أعلى مراتب السؤال للنجاة، فقال: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً [البقرة:201]، وهي الجنة، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، فجمع بين الأمرين، أن تكون العاقبة في الجنة، وأن يوقى عذاب النار فيكون ابتداء دخوله للجنة بلا دخول للنار.

    وقيل: إن المراد بحسنة الدنيا العفو والعافية، جاء تفسير ذلك عن جماعة كما جاء عن قتادة فيما روى ابن جرير الطبري أيضاً من حديث معمر عن قتادة أن المراد بحسنة الدنيا هي العفو والعافية، وذلك أن أعظم ما يؤتاه الإنسان في الدنيا هو العافية فيها، وذلك أن الإنسان إذا رزق مالاً أو رزق جاهاً، أو رزق زوجة أو رزق علماً، ثم حرمه الله عز وجل الانتفاع منه بأن سلبه العافية، فإذا سلب العافية كان مريضاً عاجزاً أن يؤدي رسالته، إذا كان عالما ًانشغل بمرضه، وإذا كان صاحب مال عجز عن الاستمتاع بمأكله ومشربه وملبسه وجاهه، والإنشغال بآلامه ومداواتها.

    وهنا أيضاً قال الله عز وجل مبيناً حال أولئك: أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [البقرة:202] يعني: أن من أراد أن يسأل الدنيا فله الدنيا يؤتاها، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ [هود:15]، ولكن الله عز وجل أراد أن يبين لعباده أن الإنسان إذا سأل الدنيا مجردة أن الله لا يمنعه من سؤاله، فلا يعطيه إياه، بل الله عز وجل يعطيه إياه ولكنه محروم.

    المراد بالأيام المعدودات والأيام المعلومات

    ثم ذكر الله سبحانه وتعالى قوله: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203] فذكر الله سبحانه وتعالى في أول هذه الآي في قوله جل وعلا: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة:200]، ذكر هنا من باب المقابلة لذكر الآباء، ولكن هنا جاء مقيداً بذكر الله عز وجل في أيامٍ معدودات.

    ولدينا أيام معدودات وأيام معلومات، أما الأيام المعدودات فهي: أيام التشريق: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، وأما الأيام المعلومات فهي: عشر ذي الحجة، ويدخل معها أيضاً أيام التشريق.

    المفاضلة بين ذكر الله في الأيام المعدودات والأيام المعلومات

    وهنا في أمر الله سبحانه وتعالى بذكره: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203] ذكر الله في أيام التشريق أفضل من ذكر الله عز وجل في أيام العشر؛ لأن الذكر هنا جاء بصيغة الأمر، وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203]، وأما ذكر الله عز وجل في سورة الحج في الأيام المعلومات فجاء بحكاية الحال، (ويذكر الله)، فذكر الله عز وجل في الأيام المعدودات هو أفضل من هذا الوجه.

    الأفضل أيضاً من وجه آخر: أن الذكر إذا جاء مقيداً أفضل من الذكر الذي يأتي موسعاً، فالعبادة التي تأتي مقيدة بيوم بعينه أفضل من العبادة التي تأتي موسعة، مثال ذلك: العبادة المقيدة مثلاً بيوم مثل صيام يوم عرفة، صيام يوم عاشوراء هذا مقيد بيوم، فإذا صام الإنسان الذي قبله أو اليوم الذي بعده ما وقع عليه، وإذا جاء موسعاً مثال ذلك: صيام ثلاثة أيام من كل شهر فهذا موسع ومن ذلك أيضاً صيام ستة أيام من شوال، فالأيام المضيقة المقيدة هي أفضل من الأيام الموسعة؛ لأن التكليف فيها أظهر، وكلما كان التكليف في العبادة أظهر كانت أعظم عند الله عز وجل، ولهذا نقول: إن التكليف بذكر الله عز وجل في الأيام المعدودات هنا أظهر من الأيام المعلومات، وذلك لأن الأيام المعلومات متسعة.

    ثم أيضاً: إن ذكر الله عز وجل في الأيام المعلومات وهي الأيام العشر جاء مطلقاً، وأما الأيام المعدودات فجاء مقيداً ومطلقاً، فجاء مقيداً بأدبار الصلوات ومطلقاً في غيرها، وهذا يكتفى به بورود النص في كلام الله عز وجل.

    كذلك أيضاً فإنه جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في خبر لا يثبت في مسألة الأمر بالذكر في أيام التشريق، ولكن نقول: إن العمل في ذلك مستفيضاً ومحل إجماع، ولا خلاف عند العلماء في ذلك، ثبت هذا عن عبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عباس ، وسلمان الفارسي ، وعلقمة وأبي الأحوص ، والأسود وغيرهم من السلف، كما جاء من حديث عكرمة عن عبد الله بن عباس فيما رواه ابن المنذر في ذكر أيام التشريق، قال: يقول دبر صلاة الصبح من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق: الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً.

    وجاء عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله من حديث أبي وائل ومن حديث إبراهيم ومن حديث علقمة عن عبد الله بن مسعود يقول: الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، واختلفت الرواية في ذلك: هل التكبير ابتداءً ثلاثاً أم مرتين؟ والأمر في ذلك على السعة.

    المفاضلة للحاج بين التكبير والتلبية

    ثم أيضاً: إنه ينبغي أن يعلم أن التكبير للحاج في أيام العشر وكذلك دفعه إلى عرفة ورجوعه منها، نقول: لا حرج عليه أن يجمع أو يفرد التكبير، أو التلبية، أو يجمع بينهما، فيقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، أو يقول: الله أكبر الله أكبر، وقد جاء هذا في حديث أنس بن مالك كما في البخاري قال: ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا المكبر ومنا الملبي، ولا ينكر بعضنا على بعض )، وجاء هذا أيضاً في مسلم من حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله، وهذا خاص بمن كان في المناسك، أما في غير النسك كأن يكون الإنسان في بلده في المدينة، أو في الشام أو غير ذلك، ثم جاءت هذه الأيام أيام العشر فنقول: ليس له أن يلبي بل يكبر، لكن جاء عن عبد الله بن مسعود بإسناد صحيح أنه كان إذا رأى الحاج لبى معهم ولم يكن حاجاً، فيقول: لبيك اللهم لبيك، وهذا إذا قاله الإنسان على سبيل الاعتراض، لكن لا يلتزمه إذا كان غير حاج.

    ونقول: إن ذكر الله عز وجل هنا في قوله: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203] ذكر الله عز وجل له نعم، ولهذا جاء عن الصحابة التكبير والتحميد، والتهليل، والتسبيح، فنقول: إذا ذكر الإنسان الله عز وجل بأي نوع منها أو جمعها فهو أفضل، والتكبير في أيام التشريق يكون أدبار الصلوات، ويبدأ من طلوع الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، والتكبير ليس مرتبطاً بالحج سواء كان الإنسان حاجاً أو ليس بحاج.

    المراد بالتعجل في الحج

    وقوله جل وعلا هنا: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [البقرة:203].

    التعجل في الحج أن يدفع الإنسان، قلنا: إن أيام التشريق: اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، إذا أراد الإنسان أن ينفر في اليوم الثاني عشر فلا حرج عليه، وإذا أراد أن يتأخر فقد أكمل أيام منى، وأيام منى هي أيام التشريق، وهي أيام أكل وشرب، وهي الأيام المعدودات، وقد أطلق المفسرون على أن الأيام المعدودات هي أيام منى وهي أيام التشريق، جاء هذا وصح عن عبد الله بن عباس كما جاء من حديث علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس ، وجاء أيضاً عنه من حديث سعيد و عمرو بن دينار، وجاء عن عطاء و قتادة و سعيد بن جبير و عكرمة وغيرهم من المفسرين: أن المراد بالأيام المعدودات هي أيام التشريق، وهي أيام أكل وشرب.

    صيام أيام التشريق

    ويكره للإنسان أن يصومها، ويحرم عليه أن يصوم يوم النحر؛ لأنه يوم عيد وهو محرم بالاتفاق، وإنما اختلف في أيام التشريق فجمهور العلماء على كراهة الصيام لا على تحريمه، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام بيّن أمر أيام التشريق بقوله: أيام أكل وشرب وذكر لله، وهذا على سبيل الإخبار، قالوا: ومن قرائن النهي عن نوع الكراهة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: أيام أكل وشرب وذكر لله، وذكر الله ليس بواجبٍ في أيام العشر ففي أيام التشريق ليس بواجب، وإن كانت دلالات الاقتران ضعيفة إلا أنها قرينة، فنقول: إنه يكره.

    ومن الأدلة على هذا أيضاً ما جاء عن بعض السلف أن الإنسان إذا أخر صيام الثلاثة أيام، تقدم معنا أن الإنسان إذا لم يجد الهدي فإنه يجب عليه أن يصوم ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة:196]، فإذا لم يصم الثلاثة أيام التي قبل الحج وآخرها يوم عرفة، جاء هذا عن عبد الله بن عمر ، وعائشة ، وابن مسعود وغيرهم، فإذا لم يستطع أن يصوم في هذه الأيام فنقول: يصوم أيام التشريق، وذلك لأنه كفارة وإسقاط لهديه الواجب عليه.

    وجاء عن غير واحد من السلف من الخلفاء الراشدين وغيرهم أنه كان ينهى عن صيام أيام التشريق، ويقوم في الناس، وكما جاء عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى، كما روى مسعود بن الحكم عن أمه قالت: كأني أرى علي بن أبي طالب على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي في الناس ألا تصوموا أيام منى فإنها أيام أكل وشرب وذكر لله.

    التعجل في يومين إذا أراد الإنسان أن ينفر في حجه وذلك في اليوم الثاني عشر يرمي، وله أن يرمي قبل الزوال يوم النفر الأول، أما بالنسبة ليوم الحادي عشر فليس يوم نفرٍ فيرمي بعد الزوال.

    ورخص بالرمي قبل الزوال في يوم النفر الأول أو النفر الثاني، جماعة من السلف، جاء هذا عن عبد الله بن عباس فيما رواه عكرمة عنه وجاء أيضاً عن عطاء ، وقال به الإمام أحمد رحمه الله، وقيدوه بمن أراد أن يتعجل يوم النفر الأول فيرمي، وإذا تأخر الإنسان وغربت عليه الشمس وهو ما يزال في منى، فنقول له: إن الإنسان إذا كان في منى ولم يخرج منها، ولم يكن على راحلته، فإنه يتأكد في حقه، بل يجب عليه المبيت إلى قابل، وهو أنه يتأخر إلى اليوم الذي يليه، وإذا تأخر في اليوم الثالث عشر، فإنه يجوز له أيضاً أن يرمي قبل الزوال، ومن أراد أن يتأخر فإن رميه يوم الثاني عشر يكون بعد الزوال.

    الذي يجوز له التعجل في الحج

    ثم قال تعالى: فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [البقرة:203]، أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين أن الإنسان إذا تعجل أو تأخر الواجب عليه في ذلك ألا يكون فيه إثم ولا قطيعة رحم، وأن يتم الإنسان نسكه كما أراد الله سبحانه وتعالى.

    ومعنى إتمام النسك: أن الإنسان لا يتعجل في اليوم الثاني عشر، وبقي عليه شيء من أعمال الحج، كأن لم يطف أو لم يسع، أو لم ينحر هديه، وأراد أن يتعجل، نقول: إذا بقي من حج الإنسان شيء وذلك كالطواف والسعي، ولا يمكن للإنسان أن يفعله في اليوم الثاني عشر، فيجب عليه أن يبقى إلى اليوم الثالث عشر، ولهذا قيد الله عز وجل ذلك بقوله: لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203]، يعني: أدى ما عليه، ولم يبق عليه إلا المبيت ليلة الثالث عشر، فإنه لا حرج عليه أن يدفع قبل غروب الشمس.

    مناسبة ذكر الحشر إلى الله نهاية آية التعجل في الحج

    ثم قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [البقرة:203]، وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان كما أنه يحشر بنفسه إلى أهله بعد انتهائه من الحج، فهو يساق إلى الله سبحانه وتعالى كذلك، وأن ينبغي للإنسان أن يستحضر تمام العمل، ويستقبل به الله عز وجل، كما يستقبل أهله، ولهذا فيه إشارة أيضاً إلى أن الإنسان ينبغي له أن يستحضر تمام العمل، ولقاء الله سبحانه وتعالى، وفي هذه الآية ربط لحال الإنسان بحاله يوم القيامة، وكذلك أيضاً في حشر الناس إلى لقاء الله سبحانه وتعالى، ولهذا قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [البقرة:203]، أي: كما أن الإنسان يسوق نفسه أو يساق مع قوافل الناس قافلاً حاشراً نفسه إلى أهله أو إلى بلده، فإنه يساق أيضاً إلى لقاء الله سبحانه وتعالى، فينبغي للمؤمن أن يتذكر عظمة الله جل وعلا في كل موضع من مواضع النسك إذا تجرد من المخيط، ولبس الإحرام أن يتذكر كفنه ولقاء الله عز وجل.

    كذلك في حاله كونه في بيداء لا بناء فيها، ولا شيء يستظل به الإنسان أن يتذكر المحشر ووقوفه بين يدي الله سبحانه وتعالى، في عودته إلى أهله أن يتذكر أيضاً سوقه إلى الله سبحانه وتعالى ولقائه ربه جل في علاه.

    أسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد...

    1.   

    الأسئلة

    التكبير الجماعي بعد الصلوات

    السؤال: يقول: التكبير بعد الصلوات هل يكون جماعياً أم لا؟

    الجواب: جاء عند البيهقي عن عمر بن الخطاب بإسناد جيد أنه كان بقبته فيكبر، وترتج منى تكبيراً، بعض العلماء من فقهاء الشافعية والمالكية يقول بهذا، يقول: إن هذا تكبير جماعي، لكن لا يظهر، الإنسان إذا كبر ثم تداعى الناس بهذا التكبير لا يلزم من ذلك أن يكون جماعة، لكن إذا كان يوجد عوام وينشغلون وينصرفون فأراد الإنسان أن يكون معيناً لهم في ذلك، فيقول: كبروا فسمعهم يكبرون على سبيل الاعتراض، أو كبروا بتكبيره، فنقول: إن هذا مما لا بأس به، لكن لا يتخذ هذا الأمر ديدناً، وتعبداً، ولهذا عمر بن الخطاب كان يكبر بقبته، ثم ترتج منى تكبيراً يعني: متابعة له، وهل هو على سبيل الالتزام بتكبيره أنه يكون صوتاً واحداً، أو مختلفاً، هذا من مواضع الخلاف، والذي يظهر أن التكبير يكون متفرقاً، وإن تداعى الناس من جهة الصوت، وبالله التوفيق.