إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [18]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحج شرعاً هو قصد المكان المخصوص في الوقت المخصوص بأعمال مخصوصة، وقد وصف الله عز وجل أشهر الحج بكونها معلومات وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة على الصحيح. وقد ذكر الله عز وجل بعض ما يفسد الحج أو ينقصه فذكر من ذلك: الرفث وهو الجماع ووسائله، وكذلك الفسوق وهو: مخالفة أمر الله بارتكاب أحد المحظورات، والجدال.

    1.   

    قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    تقدم معنا في المجلس السابق الكلام على قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، وسنتكلم اليوم على قول الله عز وجل: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197].

    معنى الحج

    تقدم الكلام معنا على أن الحج المراد به القصد، وهو أن يقصد الإنسان البيت الحرام في زمن مخصوص لأعمال مخصوصة، ويكون العمل من فرد أو من شخص مخصوص، فأصبح هذا المصطلح غالباً على تلك العبادة، والعرب هي التي تعرف مناسك الحج بخلاف غيرها حتى من كان يتدين بالحنيفية السمحة وطرأ عليها شيء من التبديل، فإنهم لا يطلقون أمثال هذا المصطلح على أعمال المناسك.

    بيان أشهر الحج

    وقول الله جل وعلا: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197] الأشهر هي جمع شهر، وإنما سمي شهراً؛ لأنه يشهر عند دخوله، وذلك برفع الصوت، وذكر هنا الجمع بالأشهر، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن أشهر الحج إنما هي: شوال وذو القعدة وذو الحجة فجعلوها ثلاثاً، قالوا: وذلك هو أدنى الجمع على قولهم.

    ومن العلماء من قال: إن الله عز وجل إنما جعل الأشهر جمعاً وذلك أن العرب تذكر الكل وتريد به البعض.

    وذهب جمهور العلماء إلى أن أشهر الحج إنما هي: شوال وذو القعدة والعشر الأول من ذي الحجة، وهو قول عبد الله بن مسعود كما رواه ابن جرير الطبري وكذلك ابن أبي شيبة من حديث أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله أنه قال: أشهر الحج هي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.

    وجاء هذا أيضاً عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله، كما رواه عنه مقسم ، وجاء أيضاً عن عبد الله بن عمر كما رواه البيهقي وغيره من حديث نافع عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله، وجاء هذا عن جمع من السلف، فروي عن مجاهد بن جبر و طاوس بن كيسان وغيرهم، وذهب إلى هذا من الأئمة الأربعة الإمام أحمد و أبو حنيفة والإمام الشافعي .

    وقد اختلف قول الإمام الشافعي في ذلك، فتارة يقول: إن عشر ذي الحجة هو بليلتها بخلاف يومها يعني: أن يوم النحر ليس من أشهر الحج، وإنما ليلة النحر، خلافاً لقول أحمد ، و أبي حنيفة .

    وذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أن أشهر الحج، هي: شوال وذو القعدة وذو الحجة تاماً، ويستدل بهذا العموم في قول الله عز وجل: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ [البقرة:197]. قالوا: وذلك أنه جاء على صيغة الجمع.

    ولكن العرب تطلق الكل وتريد به البعض، ووجه ذلك أن الإنسان يقول لأحدٍ: رأيتك في شهر كذا وفي يوم كذا، أو في سنة كذا، ولم يره في العام كله، ولكن رآه في بعضه، وربما رآه في أول العام ولم يره بعد ذلك، فهو يطلق الكل ويريد به البعض، يعني: رأيتك في بعض سنة كذا، أو في ساعة من عام كذا، وكذلك في الأيام والليالي، وأيضاً الأشهر.

    إذاً: فإطلاق قول الله عز وجل: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197] على أنه يراد بها شهر شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة سائغ.

    كذلك فإن الخلاف في أقل الجمع معلوم، وهي على كلا الوجهين سائغة.

    ومن وجوه الترجيح: أن بعض إطلاقات المفسرين في قولهم: إن أشهر الحج هي شوال وذو القعدة وذو الحجة تاماً ولا يفصلون، نقول: إن في إطلاقهم ذلك لأنه معلوم مستقر في الأذهان أن ذي الحجة ليس بتام، وإنما هو عشر منه، فلما كان مستقراً أطلقوا هذا، وهذا الإطلاق جاء عن عطاء بن أبي رباح و طاوس بن كيسان ، و عامر بن شراحيل الشعبي و مجاهد بن جبر وغيره.

    ويؤيد هذا ويؤكده أن مجاهد بن جبر وهو من أئمة التفسير جاء عنه مرة أنه قال: عشر ذي الحجة، ومرة قال: ذي الحجة يعني: تاماً، فجعلها الأشهر الثلاثة مما يدل على أنه يطلق تارة ويقيد أخرى، وأن بعض الإطلاقات في كلام بعض المفسرين فإنهم لا يريدون بذلك الشهر تاماً.

    ثم أيضاً: إن الحج بعد فوات عرفة لا يمكن أن يستدرك بخلاف غيره، فالإنسان إذا فاته اليوم التاسع لا يمكن أن يكون له حج، أما بالنسبة لأعمال النحر فالإنسان يستطيع أن يؤخر الذبح إلى اليوم الحادي عشر أو إلى الثاني عشر أو إلى الثالث عشر، أما بالنسبة للوقوف بعرفة فإنه ينتهي بذلك العمل، فلا يجوز التقديم، ولا يجوز في ذلك التأخير، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الحج عرفة )، يعني: أن الإنسان إذا فاته ذلك اليوم لم يكن مؤدياً للنسك، ولا قاضياً له، ولهذا العلماء يقولون: إن أشهر الحج تنتهي بعشر ذي الحجة، ولا يكون ذي الحجة تاماً.

    كذلك فإن من يقول بأن ذي الحجة تاماً، فإنه يلزمه في ذلك أن يجعل من يأتي بالعمرة بعد الوقوف بعرفة متمتعاً، ولو كان بسفرة واحدة، ولا يقول به أحد والمترجح عند عامة العلماء ولا يعلم في ذلك خلافاً عند السلف، أن من جاء بالعمرة بعد الحج ولو كان بسفرة واحدة فإنه لا يجب عليه هدي التمتع، ولا يسمى متمتعاً، ولا يسمى قارناً، وإنما جاء بالعمرة بعد الحج، وهي منفصلة عنه، والمتمتع هو الذي يأتي بالعمرة قبل الحج.

    فإذا قلنا: إن أشهر الحج منها ذو الحجة تاماً، فيلزم من ذلك أن من جاء بالعمرة بعد يوم عرفة، فإنه متمتع ويجب عليه الهدي، ولكن الذين يقولون بتمام شهر ذي الحجة لا يقولون بهذا القول، ولا يلتزمون به، والالتزام به في بعض الصور من جهة تعظيم الأعمال، كذلك إرجاء بعض العبادات وتأخيرها، وقالوا: إنه يكون قد أخرها إلى آخر أيام الحج وأشهره، وذلك في مسألة طواف الإفاضة والهدي، من العلماء من يقول: إنه يتأكد في أيام الذبح وهي أيام التشريق، ولكن إذا أخرها عن أيام الحج وهو قول الإمام مالك إلى ما بعد شهر ذي الحجة، فإنه في ذلك قد ارتكب محظوراً ويجب عليه دم آخر.

    وكذلك بالنسبة لطواف الإفاضة فإنه يقول: إذا أخره إلى ما بعد شهر ذي الحجة تاماً، فإنه يجب عليه في ذلك الدم، والذي عليه جماهير العلماء أن التأخير في ذلك لا شيء عليه باعتبار أن الدم أصلاً في يوم النحر لم يكن في أشهر الحج على سبيل الوجوب، وذلك أن يوم النحر هو آخر أيام الحج، فإذا أخره إلى اليوم الحادي عشر أو الثاني عشر كان خارجاً عنه وهو جائز وليس عليه شيء، فإن أيام التشريق هي أيام أكل وشرب.

    ومن نظر في كلام المفسرين من الصحابة والتابعين يجد أن أقوالهم تتفق وتتقارب على هذه المسألة، وأن ما جاء من إطلاق في قول بعضهم: إن شهر ذي الحجة تاماً، أن هذا الإطلاق إنما يحمل على التجوز في العبارة، وهو سائغ في لغة العرب، وللعلم في الأذهان أيضاً..

    ثم في قول الله عز وجل: أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197]، ما ذكر الله عز وجل الأشهر بأسمائها، وإنما أحال إلى كونها معلومات، وفي هذا إشارة إلى شيء من البلاغة، وهو أن ما كان معلوماً مستقراً في الأذهان لا تثقل المسامع بذكره، وإنما يحال إليه، فإذا أمن من ذلك اللبس، وكذلك ما استقر عليه الناس قولاً واعتقاداً وعملوا به، ولم يكن في غلبة الظن أن يطرأ عليه لبس، فإن الإنسان يحيل إليه فلا يثقل المسامع بذكره، وهذا من إحكام القرآن وبلاغته، وهذا معلوم حتى في أساليب العرب وطرائقهم، فإنهم لا يذكرون ما كان معلوماً مستقراً مشتهراً، فأحال الله عز وجل إلى علم الناس بها.

    و(معلومات) صفة للأشهر، وأحال إلى هذه الصفة من غير ذكر العدد.

    لزوم البر بالشروع فيه

    ثم قال الله عز وجل: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ [البقرة:197] الفرض هو الإيجاب، ولكن الإيجاب هنا يكون من الشخص على نفسه، فهو إلزام من الإنسان على نفسه، وهذا الإلزام يكون بالدخول في النسك، وقد جاء تفسير ذلك عن غير واحد من المفسرين، كـعبد الله بن مسعود عليه رضوان الله و عبد الله بن عباس ، وروي عن مجاهد بن جبر و سعيد بن جبير و قتادة أنهم قالوا إن معنى: (فرض) أي: أحرم أو أهل، وجاء هذا عن جماعة من الفقهاء كـسفيان الثوري وغيره.

    فالمراد بالفرض هنا أن يدخل الإنسان في النسك، فإذا دخل في النسك ليس له أن يختار الرجوع وينقض النسك من تلقاء نفسه، ولهذا نقول: إن ما كان من أعمال البر وأنشأه الإنسان فإنه لا يكون له الحق في نقضه، لقيام قائم الوجوب والإتمام، ولأن الله عز وجل قال في الآية السابقة: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] يعني: أن الإنسان إذا أنشأ الحج والعمرة ودخل فيهما وجب عليه الإتمام؛ لأن الإتمام هنا لا بد أن يكون بعد بداية، فتقول للإنسان: أتم العمل يعني: أنه قد بدأ به قبل ذلك، فإذا بدأ به فإنه يؤمر بالإتمام بعده.

    وفي قول الله عز وجل: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]، أي: أوجب الحج على نفسه بدخوله فيه، ويلحق بهذا من أوجب على نفسه الحج بالنذر، كأن ينذر الإنسان بأن يحج في عام كذا، وكان قد أدى فريضة الإسلام.

    وعلى هذا نقول: إن الواجبات أو المحظورات تترتب على بعض أعمال النوافل، فيلزم من فعل الطاعة النافلة، وكذلك بعض الأمور المباحة قد يلزم شيء فيأثم الإنسان بتركه، وذلك إذا ألزم الإنسان نفسه بنذر أو دخل الإنسان في عبادة فيحرم عليه أن ينقضها مع أن دخوله عليها ابتداءً مباح، ولكن لما دخل فيها وجب عليه أن يحفظ حقها، وهذا على قول جماعة من العلماء في بعض أحوال العبادة، وذلك كمسألة الصلاة، فإذا دخل الإنسان في نافلة فقال بعض الفقهاء: إنه يحرم عليه أن يخرج منها إلا لعلة، ولو كانت نافلة ابتداءً باعتبار أنه دخل فيها، وليست الصلاة دون الحج من جهة التعظيم.

    وكذلك بالنسبة للحج والعمرة فإذا أحرم الإنسان بالعمرة، ثم أراد أن يفسخ إحرامه من غير سبب فنقول: لا يجوز له ذلك؛ لأنه ألزم نفسه بالإتمام بمجرد الدخول، وهذا ظاهر في قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، وهذا كما تقدمت الإشارة إليه، لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يذهب إلى البيت الحرام لأداء العمرة وخشي من كفار قريش أن يمنعوه، بيّن الله عز وجل له ذلك، وبيّن أن المنع بذاته لا يحل إحرامه إلا بأن ينحر هديه في موضعه، ثم يتحلل بعد ذلك، وأن مجرد المنع ليس مجوزاً للإنسان أن يفسخ إحرامه، وتقدم معنا هذا الكلام في قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، ولهذا نعلم أنما أوجبه الله سبحانه وتعالى على الناس من أعمال الحج وكذلك أيضاً من المحظورات أنه يحرم على الإنسان أن يدعها أو يرتكب شيئاً من المحظورات بمجرد اختياره، ولهذا جعل الله عز وجل دخول الإنسان في النسك فرضاً عليه أن يتمه، وأن نقض ذلك من الأمور المحرمة، وما كان من محظورات الإحرام يجب إدراكه.

    المقصود بالرفث وتأثيره على الحج

    ولهذا أجمله الله عز وجل بقوله: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]، وهذه جاءت مجملة على مراتب فبين أغلظها في ذلك فقال: فَلا رَفَثَ [البقرة:197]، والمراد بالرفث هو الجماع، وهو آكد محظورات الإحرام، وقد نص غير واحد من العلماء على أنه لا يفسد الحج بشيء من محظورات الإحرام إلا بالجماع، نص على الإجماع في ذلك غير واحد كـابن المنذر رحمه الله، و ابن عبد البر وغيرهم، وذكر غير واحد أنه لا يعرف خلاف في هذا، ولا أعلم من خالف في هذه المسألة في القرون المفضلة على أنه لا يفسد حج الإنسان ويبطله إلا الجماع على خلاف عندهم في موضع الجماع الذي يبطل الحج.

    وهنا في مسألة الحج كذلك أيضاً في مسألة العمرة، فمن قال بسنية السعي فإنه يقول: إن الإنسان إذا جامع بعد طوافه فإن عمرته صحيحة، باعتبار أنه ما بقي عليه إلا السنة، وقد جاء بركن العمرة.

    كذلك أيضاً بالنسبة للإتيان ببعض الأعمال في الحج.

    اختلف العلماء في ذلك فيمن وطأ امرأته بعد الوقوف بعرفة، وقبل رمي جمرة العقبة، فذهب جمهور العلماء إلى بطلان حجه إذا لم يتحلل تحلله الأول.

    وذهب أبو حنيفة إلى أن الإنسان إذا جامع امرأته بعد الوقوف بعرفة فإن حجه في ذلك صحيح، ولا يرفعون عنه الفدية، والمترجح في ذلك أن الإنسان إذا وطأ امرأته قبل تحلله الأول فإنه يجب عليه في ذلك دم، وهذا قول جماهير العلماء وقول الإمام مالك و أحمد والإمام الشافعي ، وهو مروي عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذه المسألة وهي مسألة فساد الحج بالجماع من اكتفى بظاهر الآية في قول الله عز وجل: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ [البقرة:197]، قال: إن الله عز وجل قد نهى عن الرفث في الحج، والرفث في ذلك الجماع، ولما صدره الله عز وجل في ذلك وجعله أغلظ الأفعال في الحج دل على أن الفعل يفسد الحج، ولكن نقول: إن مجرد النهي في ذلك لا يفسد الحج باعتبار أن الله عز وجل قد نهى عن أفعال غيره، وذلك مثل الفسوق وهي لا تفسد الحج، والأرجح في هذا أن الله عز وجل إنما ذكر الرفث هنا لمجرد النهي، وأما بالنسبة لفساد الحج فالذي عليه الإجماع، وكذلك أيضاً عمل الصحابة عليهم رضوان الله أن الحج فاسد، فنقول: إننا أخذنا فساد الحج بدليل زائد عن ظاهر الآية؛ لأننا لو قلنا بمجرد فساد الحج بهذا للزمنا فساد الحج بالباقي، وإن كانت دلالة العطف والإقتران هنا في قول الله عز وجل: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ [البقرة:197]، هي دلالة ضعيفة تخالف ما عليه عمل السلف، وكذلك أقوال المفسرين فقد جاء عن عبد الله بن عمر ، و عبد الله بن عمرو و أبي هريرة ، وروي عن عبد الله بن عباس : أن الجماع في الحج يفسده إذا كان قبل تحلله الأول، ولا يعلم له مخالف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلحق بالرفث ما كان من المنهيات من مقدمات الجماع.

    واختلف العلماء في مباشرة الرجل امرأته من غير جماع في فرجها، فمن العلماء من قيّد ذلك بالإنزال، وهذا قول الإمام أحمد رحمه الله، ومنهم من لم يقيده بالإنزال، وإنما جعل ذلك بمجرد تحقق الجماع الذي يقام فيه الحد لو كان في حرام، قالوا: وحينئذٍ يجب عليه إعادة الحج إذا كان قبل تحلله الأول، وإذا جامع امرأته فعلى الاتفاق كما سبق أنه يجب عليه الإعادة على الحد الذي تقدمت الإشارة إليه، وإذا كان الجماع بعد تحلله الأول فحجه في ذلك صحيح، ويجزئه إن شاء الله عن حجة الإسلام، ويمضي في بقية حجه في الحالين، يعني: أنه إذا جامع قبل تحلله الأول أو بعده، وهذا قول الأئمة الأربعة خلافاً لما ذهب إليه أهل الظاهر.

    ثمة قول لبعض المتأخرين من أهل الظاهر، وهو قول للصنعاني والشوكاني وذهب إليه بعض أتباعهم في هذا إلى أن الجماع لا يفسد الحج باعتبار عدم وجود دليل مرفوع في ذلك، وهذا من الأقوال الحادثة الشاذة، فإذا استقر الإجماع وظهر العمل والفتية عن الصحابة عليهم رضوان الله في مسألة من المسائل فينبغي ألا يصار إلى غيره، وأنه مما استقر العمل عليه من أقوال الصحابة وكذلك أيضاً أقوال التابعين، وأطبقوا عليه أيضاً من جهة الفتيا، فعدم ورود النص فيه ربما لاشتهاره واستقراره، فإذا استقر فإن الهمم لا تتداعى على نقل الأدلة في المستقرات في الأذهان عملاً بما لا يطرأ عليه خلاف، ومن يتشبث بالدليل المرفوع مجرداً من غير نظر إلى عمل السلف فإن هذا يقع في كثير من الشذوذ، وهذا ظاهر في طريقة أهل الظاهر.

    أهمية معرفة إجماع الصحابة

    ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يتبصر بقواعد الإجماع ومواضع الصحابة عليهم رضوان الله التي أجمعوا فيها، وإجماعات الصحابة هي من المواضيع المهمة التي يغفل عنها كثير من طلاب العلم، بل يعتنون بإجماعات غيرهم ممن يحكي الإجماع كإجماعات بعض الأئمة كـابن عبد البر و ابن المنذر و القرطبي وغيرهم، ويغفلون عن إجماعات الصحابة، وهي أعلى مراتب الإجماع.

    ولهذا يقول الإمام أحمد رحمه الله: الإجماع إجماع الصحابة، ومن بعدهم تبع لهم، يعني: إذا أجمعوا على أمر فلا يسوع للإنسان أن يورد خلافاً بعده، ومواضع إجماع الصحابة تلتمس عند أهل السبر والعناية والمعرفة بالأثر، وكذلك عند كبار الفقهاء والعلية من التابعين الذين يعرفون أعمال الصحابة، وذلك يوجد في كتب المصنفات كـابن أبي شيبة و عبد الرزاق و البيهقي و ابن المنذر و ابن عبد البر وموطأ الإمام مالك ، وغيرها من هذه المصنفات التي تشير إلى عمل الصحابة، وكذلك أيضاً في مدونات التفسير التي تعتني بعمل الصحابة، وذلك كتفسير ابن جرير و عبد بن حميد وتفسير ابن المنذر ، وأضرابها التي تعتني بذكر فقه أولئك، خاصة على آي الأحكام.

    والعناية بذلك وجمعه مع أهميته مما يفقد، ولا أعلم كتاباً قد جمع فيه إجماعات الصحابة عليهم رضوان الله إلى يومنا، مع العناية بإجماعات التابعين، والعناية بإجماعات أتباع التابعين وهي ميسورة، وقد تيسر لي بعون الله عز وجل وتوفيقه جمع حوالي ثلاثمائة إجماع للصحابة عليهم رضوان الله في أبواب الفقه، منها ما يحكيها تابعون، ومنها ما يحكيها أتباع التابعين، ومنها ما يحكيه بعض الأئمة ممن له عناية بالأثر، وهي تتباين من جهة قوتها وضعفها، من جهة تحقق صدق الناقل وتحريره لها، فمنها ما يكون دقيقاً وهو الأغلب، ومنها ما يكون دون ذلك.

    لهذا نقول: إن طالب العلم إذا أراد أن يلتمس مواضع الإجماع، وأن يكون أيضاً متبصراً بمواضع الخلاف الذي يصار إليه، والخلاف الشاذ، أن يكون من أهل التبصر بمواضع الإجماع على الترتيب، فمع تبصره بالنص يتبصر أيضاً بأقوال الصحابة إجماعاً، وكذلك التابعين وأتباع التابعين، ثم ينظر في ذلك مواضع الخلاف، فيعرف المواضع الشاذة من غيرها، وثمة إجماعات للصحابة عليهم رضوان الله في مسائل لم يحك فيها إجماع، فنشأ خلاف بعدها عن غير علم بها، وهذا يوجد في بعض المسائل، وذلك كإجماعهم على استحباب الترديد خلف المؤذن، وكذلك الصلاة في المقابر على الجنازة، فهذا موضع إجماع عندهم، والخلاف إنما طرأ بعد ذلك، ثم تشعب وأصبح المتأخرون يحكون الخلاف، ويقولون: في المسألة قولان: وإنما فيها قول واحد لهم، وأما ما يحكيه الفقهاء مثلاً في مسألة الترديد خلف المؤذن وأنه على الوجوب أو على الاستحباب فهذا قول حادث.

    كذلك أيضاً في مسألة النهي عن الصلاة في المقابر هذا من الأقوال الحادثة، ومن سبر أحواله يجد أن المسألة من مسائل الإجماع.

    وإذا نظر الإنسان في أقوال الصحابة، ثم في أقوال التابعين، ثم في أقوال من جاء بعدهم على سبيل التدرج، فإن ذلك يعطيه هيبة لأقوال من سبق، ويضعف أقوال من تأخر عنده، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل الهيبة والخيرية في القرون الأولى، كما قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح من حديث عمران ، قال: ( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ).

    حكم عقد الحج قبل أشهر الحج

    ثم في قول الله عز وجل: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ [البقرة:197]، هنا قال (فيهن) أي: أن الإنسان عقد الحج فيهن، وهل الإنسان إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج كالذي يحرم في رمضان، أو في شعبان؟ ثم ينتظر حتى تأتي أشهر الحج؟ هل حجه في ذلك صحيح أم لا؟

    اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال، وقد نقول: إنها على قولين، وأحد هذه الأقوال ينقسم إلى قولين:

    أول هذه الأقوال: قالوا إن إحرامه في ذلك ليس بصحيح وينقلب إلى عمرة، فالذي يأتي في رمضان، أو يأتي مثلاً في شعبان، ويحرم بالحج فرض على نفسه الحج، ثم أراد أن ينتظر محرماً حتى تأتي أشهر الحج، ثم يبدأ بأعمال الحج.

    ومن العلماء من قال: إن الإحرام ينقلب إلى عمرة ولا يكون حجاً باعتبار عدم انعقاده فيه لمخالفته لظاهر الآية في قول الله عز وجل: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197] ، وهنا كرر في قوله: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ [البقرة:197]، وأعاد بعد ذلك في الحج يعني: أن الحج لا يكون متحققاً إلا في هذه الأشهر، وهذا قول الإمام الشافعي ، وقال به عطاء بن أبي رباح ، وذهب وهو القول الثاني قالوا: إن إحرامه في ذلك صحيح، شريطة ألا يقع شيء من أعمال الحج إلا في أشهره، وعللوا ذلك فقالوا: إن الله عز وجل يقول: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ [البقرة:197] ، فإذا قلنا: بأن المنهيات ترتبط بأشهر الحج، فعلى هذا أن من أحرم في غير أشهر الحج وانقلب إحرامه إلى عمرة أنه يسوغ له أن يقع في شيء من المحظورات، وهذا لا يقولون به هم أيضاً، ولكن ينقلون عمله من حج إلى عمرة.

    والذي يظهر والله أعلم: أن الإنسان إذا عقد إحرامه قبل أشهر الحج فإن إحرامه ينقلب إلى عمرة، ثم بعد ذلك إذا دخلت أشهر الحج ينشئ إحراماً جديداً لحجه.

    المراد بالرفث والفسوق في الحج

    قال الله عز وجل هنا: فَلا رَفَثَ [البقرة:197]، تقدمت الإشارة إلى أن الرفث المراد به الجماع هنا باتفاق المفسرين على اختلاف عباراتهم، منهم من يدخل في الرفث غير الجماع، ولكن يتفقون على أن أولى ما يدخل في هذا المعنى هو الجماع، ومنهم من يدخل فيه غيره، وهذا ليس من خلاف التضاد، وإنما هو من خلاف التنوع بمعنى: أن من يتكلم في الرفث ويقول: هو مقدمات الجماع، أو مداعبة الرجل لزوجته، أو مباشرة الرجل لزوجته، فإنه يدخل ابتداءً من باب أولى الجماع، فهو أدخله ثم أدخل غيره، وغيره حينما يدخل الرفث لا يعني أنه يسقط غيره، ولكن من أدخل غيره في الرفث قد توسع في هذا المعنى، وذاك اقتصر على بعض معانيه، ومنهم من يجعل الفسوق هو مقدمات الجماع، ويجعل الرفث هو الجماع، وجاء ذلك عن عامة المفسرين من الصحابة عليهم رضوان الله وغيرهم أن الرفث هو الجماع، فروى هذا عن عبد الله بن عباس و عبد الله بن عمر ، و عبد الله بن مسعود ، و عبد الله بن عمرو وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المراد بذلك هو الجماع.

    وأما بالنسبة لمقدماته فهو مداعبة الرجل لزوجته، كذلك أيضاً تحدث الرجل برغبته في زوجته فهذا من محظورات الإحرام، جاء عن بعض السلف التفريق بين حديث الرجل عند زوجته بمقدمات الجماع، بما يثير الشهوة، وبحديثه عن مقدمات الجماع عند غيرها، فرق بين هذا وهذا عبد الله بن عباس عليه رضوان الله، كما جاء عند ابن جرير الطبري من حديث أبي حصير بن قيس عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله أنه فرق بين هذا وهذا، وجاء عنه من غير وجه هذا المعنى، وروي هذا أيضاً عن جماعة من المفسرين، ومنهم من لم يفرق بين هذا المعنى، بين مقدمات الجماع والحديث والغزل بالنساء سواءً كان عند زوجته أو عند غيرها، فجعلوا ذلك من محظورات الإحرام.

    والذي يظهر والله أعلم أن الإنسان إذا كان يتحدث بذلك عند زوجه فهذا من المحظورات، وإذا كان عند غيرها فهذا ليس من المحظورات.

    وفي قول الله عز وجل: وَلا فُسُوقَ [البقرة:197]، الفسوق في لغة العرب هو: الخروج عن الشيء، فسق الإنسان إذا خرج إما عن طاعة أو عن غيرها، أو عن الحدود التي ضبطت عليه، ولهذا يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، والنواة إذا خرجت من الثمرة، ثم غلب في استعمال ذلك على المصطلح الشرعي، فأصبح الفاسق هو الذي يسرف على نفسه بالمعاصي، وأما بالنسبة للفسق فيطلق على العمل، ولا يسمى الإنسان فاسقاً إلا إذا كان مصراً على صغيرة أو فعل كبيرة.

    ومن العلماء من قال: إن المراد بالفسوق هنا هو مخالفة أمر الله عز وجل بارتكاب المحظورات التي نهى الله عز وجل المحرم عنها، والمحظورات في الحج منها، والمحرمات هنا في قوله: وَلا فُسُوقَ [البقرة:197]، منها محرمات أبدية، ومنها محرمات أمدية، يعني: محرمات إلى الأبد تحرم على الإنسان في هذا الموضع وفي غيره، فإذا فعلها الإنسان فقد خرم حجه في ذلك، وذلك كالكذب والغيبة والنميمة، وشهادة الزور وغير ذلك، فهذا من الفسوق، ولكنه يتأكد هنا ويحرم عليه زيادة.

    وأما بالنسبة للمحرمات إلى أمد، يعني: إلى مدة معينة، وهو ما لم يتحلل الإنسان، وذلك مثل الصيد وأن يتناول الإنسان من شعره وبشره، ولبس المخيط، وتغطية الرأس، وتغطية الوجه على قول بعض الفقهاء، وغير ذلك من محظورات الإحرام، ولبس المرأة نقابها وكذلك قفازيها، وغير ذلك من محظورات الإحرام، فهذه محرمات على المحرم إلى أمد محدود، وكلها داخلة في الفسوق الذي نهى الله عز وجل عنه في هذا الموضع، وإنما نهى الله عز وجل عن الفسوق هنا بلفظ الإجمال؛ لأن عبادة الحج من أكثر العبادات تأثراً بالمعصية فيها، فالمعصية فيها تخدشها وتخرمها، وهذا يدخل في ذلك كل ما كان أعلى منها.

    المفاضلة بين ركني الصيام والحج

    وهنا مسألة اختلف فيها العلماء: وهي هل مرتبة الحج تأتي بعد الصيام أو أن الصيام قبل ذلك؟

    جاء في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين وغيرهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت )، وفي رواية: ( وحج البيت وصوم رمضان )، وهي في الصحيح أيضاً، فقدم الحج على الصيام، والأشهر في ذلك هو تقديم الصيام على الحج، والذي عليه أكثر العلماء على أن الصيام آكد من الحج في الشريعة، وهذا لعدة قرائن منها تقريباً في الروايات الأشهر والأصح في ذلك، ومنها أيضاً أنه جاء في روايات لم يقع فيها اضطراب، وذلك كحديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمر في قول النبي عليه الصلاة والسلام لما سأله جبريل عن الإسلام فقال: ( تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمصان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً ) فجاءت على الترتيب في سائر الروايات.

    وكذلك أيضاً قالوا: إن العبادة كلما أمر بها الشارع أكثر من غيرها عملاً وأداءً في الزمن، فإنها أعظم من غيرها، فرمضان أكثر، فإنه يجب على الإنسان في كل حول، أما بالنسبة للحج فيجب على الإنسان في عمره مرة، والصلاة دون ذلك تجب على الإنسان في كل يوم، وهذا من قرائن تفضيل وتأكيد الصيام على الحج.

    ونقول: كل شيء جاء بتهييب المعصية فيه فإنه يكون من باب أولى ما هو أفضل منه، ولم يأت ذلك في أمر الصلاة باعتبار أن الصلاة لست من مواضع العمل، وإنما هي من مواضع العبادة فيحرم على الإنسان أن يتصرف وأن يتحدث فيها، فكان تحريمها من التكبير سياج أن يتحدث الإنسان أو يقول شيئاً، ولهذا لم ترد أدلة كثيرة في ذلك بخرم الإنسان لها، وإنما بتحريم ما يفسدها من غير سبب.

    وكذلك أيضاً في مسألة الصيام، وذلك ما جاء في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه )، وغير ذلك من الأدلة التي تدل على تأكيد ترك أعمال السوء في الصيام، مع أنه يحرم على الإنسان أن يشهد الزور، وأن يجهل، وأن يعمل عمل الباطل، وغير ذلك في غير رمضان، ولكنه فيه من باب أولى حتى لا يخرم الإنسان صيامه.

    ولهذا يقول إبراهيم النخعي كما جاء عند ابن أبي شيبة : كانوا يقولون إن الغيبة تفطر الصائم، وكذلك جاء عند ابن حزم في المحلى من حديث أنس بن مالك أنه قال: الغيبة تفطر الصائم، يعني: أنها محرمة كلما استكثر منها الإنسان خرم صيامه حتى يصبح بلا صوم.

    ولهذا كلما جاءت العبادة متأكدة ينبغي للإنسان أن يبتعد عن المحظورات فيها، ولهذا لما نهى الله عز وجل عن الفسوق أردفه بالنهي عن الجدال؛ لأنه يفضي إليه، وهذا نوع من الورع، وهو أن يبتعد الإنسان عما لا بأس به خشية أن يقع الإنسان فيما به بأس، ولهذا نهى الله عز وجل عن الجدال وهو: أن يخاصم الإنسان غيره، ولو كانت خصومة أصلها مباح، ولكنه يفضي إلى الغضب، وما أفضى إلى الغضب فهو الجدال، وقد فسره بذلك غير واحد من المفسرين، كما جاء ذلك عن عبد الله بن مسعود ، وجاء أيضاً عن عبد الله بن عباس قال: أن يخاصم صاحبه حتى يغضبه، فإذا أغضبه جاء من ذلك السباب والشتم واللعن، وانتقل من الجدال إلى الفسوق.

    كون الوقوع في المحظورات من الفسوق

    وهنا في قول الله عز وجل: وَلا فُسُوقَ [البقرة:197]، وقفة وهي ما يتعلق بمحظورات الإحرام أنه يشتهر عند كثير ممن يتكلم في مناسك الحج، أو يصنف فيها خاصة في الرسائل المختصرة ونحو ذلك يتكلم عن المحظورات، ويوجد لها بدائل، أو ما أوجبه الله عز وجل على الحج من أعمال، ما يوجبه الله عز وجل من المبيت بمنى أو رمي الجمار، أو غيرها، فتجد أنه يقول: يجب عليك في ذلك دم، وكأنه جعل ذلك بديلاً له، نقول: هذا ليس بديلاً له، بل لو فعله لفسق ولم يكن الحج في ذلك مبروراً، والعلماء في الحج غير المبرور يفسرونه أنه ما فعل فيه الإنسان ذنباً، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: ( والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ).

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: ( من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه )، ولم يرفث ولم يفسق، يعني: أن تعليق أمر كفارة الذنوب وأثره لا بد أن يكون مرتبطاً بتمام العبادة حتى تقوى على محو الذنب، فإذا كان ثمة شيء من الفسوق لم تقو العبادة على محو الذنب؛ لأنها ليست قائمة بذاتها، وإنما خرمها الإنسان.

    ولهذا نقول: إن محظورات الإحرام التي يرتكبها الإنسان هذا نوع من الفسوق، وإن إتيان الإنسان بشيء من الكفارة هذا لا يجزئه إلا إذا كان يقع في المحظور معذوراً، كمن به مثلاً أذى برأسه، مثل كعب بن عجرة ونحو ذلك فاضطر للحلق، أو به حكة في جسده فيلبس ثيابه أو نحو ذلك، والحكة تؤذيه، أو غير ذلك من الأمور التي يحتاج إليها الإنسان، أو كمن يغطي رأسه محتاجاً، أو يخشى مثلاً من نزول بردٍ أو نحو ذلك، فهذا من الأمور الجائزة التي لو فعلها الإنسان مضطراً لا حرج عليه، ولكن أن تجعل الفدية والكفارة في ذلك أنها من البدائل فهذا من مواضع القصور، فيقال: إنه لو فعل ذلك فهو آثم، وأما بالنسبة للفدية والدم في ذلك فإنما هي جبر لذلك المتروك لا رفعاً للإثم عنه، ولهذا الإنسان يقع في المحرمات العامة، ويقع في فعله لمحظورات الله عز وجل التي خص بها المحرم، فهو واقع في الفسوق.

    وأما تفسير الفسوق بالمعاصي المجردة التي حرمت على الإنسان قبل إتيانه للحج فهذا تفسير لأحد معانيها، بل إن الإنسان لو فعل محظوراً من المحظورات ربما كان أعظم ذنباً وجرماً مما لو فعل معصية خارج النسك، وذلك أنه كلما ضاق زمن التحريم عظم المحرم، وذلك أنما حرمه الله عز وجل على الإنسان في حجه هو في زمن معدود يحرم على الإنسان إذا أتى على الحج، والحج لا يجب على الإنسان إلا مرة في عمره، وما اتسع من أمر المحرمات زمناً فإنه يضيق، وما عظمت به البلوى فإنه يضيق، ولهذا تجد في الشريعة أن ما عظم به البلوى وسع فيه الشارع، وذلك من الأمور اليسيرة مما يقع فيه الإنسان من غير قصد، فلا يقع الإثم على الإنسان كنظرته الواحدة ثم يصرفها في الأمر الحرام أو نحو ذلك، وكذلك تفريق بعض العلماء بين السماع والاستماع في الغناء، ونحوه.

    أثر المحظورات على الحج إذا ارتكبت بعد انقضائه

    وقوله تعالى: وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197] ، هل هذه المحرمات التي حرمها الله عز وجل أو ما كان محرماً ثم غلظه، إذا فعله الإنسان بعد أشهر الحج، هل يسقط عن حجه وصف البر، فلا يكون الحج مبروراً، كما لو فعل محرماً بعد يوم النحر.

    نقول: هنا قال الله عز وجل: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]، فقيد هذه الأمور بأشهر الحج، وهذه الأشهر على قول جماهير العلماء وهو الأرجح على ما تقدم أن نهايتها هو عشر ذي الحجة، فإذا وقع في محرم بعد ذلك من المحرمات العامة، كالكذب والغيبة والنميمة ونحو ذلك، هل أسقط عن حجه وصف البر أم لا؟

    نقول: بحث هذه المسائل مما يطلق الألسن في المحرمات، فتجد الإنسان يقول: انتهينا من عشر ذي الحجة، ونترخص بالجدال، ولهذا تجد بعض العلماء لا يتكلمون بتمييز الذنوب وبيان عظيمها مع ما دونه إلا في أضيق السبل، ولهذا بعض العلماء يكره تسمية الصغائر بعينها، فيقول: الذنب الفلاني صغير، أو الذنب الفلاني صغير، أو هذا الذنب ذاك أعظم من ذاك حتى لا يجرئ الناس عليه، فتجد العلماء يصنفون في الكبائر، ولا يصنفون في الصغائر؛ لأنه لو صنف في الصغائر أخذ الإنسان الكتاب ثم أخذ يتساءل فيه، فيقول هذه صغيرة، والصلوات الخمس كفارة لما بينها، والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، فيقوم بإحصائها عداً، وإحصائها عملاً، وليست هذه من المباحث عند العلماء.

    المبادرة إلى فعل الطاعة وعدم الاقتصار على ترك المعصية

    قال: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة:197]، هنا ذكر الخير وعلم الله عز وجل بما يفعله العباد، وهذه إشارة إلى الأليق في حال الإنسان في نسكه أنه ينبغي للإنسان في النسك أن يتجاوز أمر المنهيات، وأن يكون من السابقين إلى عمل البر، وأن يشغل نفسه في أعمال الطاعات، ولهذا قال الله عز وجل: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة:197]، ثم ذكر الله عز وجل ما ينبغي للإنسان أن يترقى فيه.

    فقال: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197]، فذكر الله عز وجل الخير على سبيل العموم، ثم ذكر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك أفضل الخير، وهو تقوى الله عز وجل وأنه كلما صعد الإنسان في هذا الباب كان أكمل وأولى، ثم ذكر الله عز وجل هنا صفة المخاطبين، وهم أولو الألباب، وهم أولو العقول، والحجى والعقل الراجح، وما ذكر الله عز وجل ذلك هنا إلا لمعنى لطيف، وهو أنه لما كان الخطاب في معرفة مراتب الخير فيما بينها توجه الخطاب إلى أهل العقل، وذلك أن تمييز الخطأ من الصواب يدركه كل أحد، ولهذا يقع الناس فيه عن عمدٍ فيسرق السارق وهو متعمد، ويعلم أنه خطأ، ويزني الزاني ويعلم أنه خطأ؛ لأنه لا يرضاه لنفسه، فهم يعلمون تمييز ذلك، ولكن الله عز وجل أرشد عباده إلى البحث في أمور الخير، والتفاضل فيما بينها.

    ولهذا العلماء وأهل العقل بحثهم في المتفاضلات، وأهل الشر بحثهم في دركات الشر؛ لأنهم ينظرون في التفاضل فيها، وكلما كان بحث الإنسان في المتفاضلات كان من أهل العقل والرجاحة، وإذا كان بحث الإنسان في أن يقول: شر أهون من شر فإنه يدفع بذلك شراً ويقع في شرٍ، وإذا أوغل في ذلك وقع في شرٍ محض، وليس له مرجح، ولهذا إشغال الناس بالمتفاضلات من أمور الخير يصرفهم عن مقارنة أمر الطاعة مع أمر الشر، فللخير درجات وللشر دركات، وهذا من أعظم وجوه السياسة الشرعية، وهو أن الإنسان يضبط درجات الخير فيما بينها، ومقياسه في ذلك في الشريعة، ثم ينظر في دركات الشر فيما بينها أيها أعظم؟ فإذا وجد شراً دون شرٍ فيستطيع أن يميز ويقدم هذا على هذا، ثم يفرقه في داخل الشر بين شر لازم وشر عارض، وشر فرد وشر جماعة، وشر الفرد الأعظم أهون من شر جماعة دائم ولو كان صغيراً، ثم ينظر أيضاً في تزاحم الأمرين بين درجة خير ودركة شر إذا اجتمعا، أين مرتبة هذا الخير من هذا الشر، فهل له أن يحقق خيراً عظيماً بالتماس شرٍ قليل معه ينظر في أمور المتراتبات، ثم ينظر إذا كان في دركة الشر تلك السيئة في آخره، ويرى أن مرتبة الخير هي في آخره، فلا يمكن أن يجعل تحقيق الخير في شرٍ عظيم، ولهذا المسألة عكسية في أمر الخير، كلما كان أمر الخير في أعلاه، وأمر الشر في أدناه جاز للإنسان أن يتحقق، وأعظم الأمور المشكلة هي مسألة الوسط أن الإنسان يريد أن يحقق الخير في حق متوسطٍ مع شرٍ متوسط، أو حق عظيم مع شر عظيم، أو حقٍ ضئيل مع شر ضئيل، وهذه هي من مواضع التي يلتمس فيها جوانب أخرى، وهي جوانب الدوام، أو العموم، ومعنى الدوام في ذلك هل يدوم المنكر أو لا يدوم؟ يعني: هل الخير في ذلك مستديم والشر عارض؟ قد يرتكب الإنسان شراً عارضاً لخير مستديم دونه؛ لأن الشر عارضٍ ثم يزول، وليس للإنسان أن يحقق مصلحة عارضة بارتكاب شرٍ دونه مرتبة، وهذا الشر يدوم، وذلك الخير عارض.

    ولهذا نقول: كلما تجرد الإنسان بمعرفة مراتب الخير ودركات الشر أصاب الحق ودفع حظوظ النفس، ولهذا كثير من الناس يخطئون ويقعون في الخلل في مسائل المقارنات وارتكاب الخير مع الشر، وأيهما أولى؟ فيقوم بحظ نفسه، ويسير إلى أمر الله؛ لأن الشر الذي يريد أن يرتكبه هو في ذاته يرجع إلى نفسه، لا يرجع إلى الأمة.

    ولهذا انظر إلى قول الله عز وجل قال: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197] ذكر أمر الخير على سبيل العموم، ثم ذكر المراتب التي ينبغي البحث فيها، وتزودوا فإن خير يعني: أفضل هذه الأعمال هو تقوى الله، والخطاب يتوجه إلى أولي الألباب، وهم أصحاب العقول، ولهذا نقول دائماً: إن أهل العلم مباحثهم هي في معرفة مراتب الخير، وتمييز بعضها عن بعض من جهة التفاضل، وكذلك أيضاً الشر.

    وكلما كان الإنسان ضيقاً في إدراكه نظر إلى سيئة متجردة، ولم ينظر إلى ما يقابلها من أمر آخر، وإذا كان الإنسان نظره ضيق نظر إلى باب خير، ولم ينظر إلى ما يجلبه ذلك الخير من مفاسد، ولهذا نقول: كلما كان الإنسان بصيراً بمعرفة الغايات كان أكثر الناس حكمة، فمن نظر إلى أحوال الإنسان تجد حتى أمورهم الدنيوية، إذا انشغل الإنسان بشيء، وأشغل باله وحسه كثيراً تجد أنه من أهل الحكمة في دنياه، فتدخل في بعض بيوت الناس تجد أنه نمق منزله تنميقاً عجيباً، ووضعها في مواضع بتناسق عجيب، ولكن دينه ومنطقه ضائع، وحكمته وضعها في الحيطان، ولو نقل هذه الحكمة إلى دينه لأصبح من أحكم الناس وأعلمهم، ولهذا معرفة المواضع أن يضعها الإنسان يضعها في سياقها، لهذا تجد الإنسان مثلاً يضع الأشياء في بيته، ويضع مثلاً شيئاً معيناً هو في ذاته ترى أنه نشاز، لا إرادياً تقول: هذه تصلح هناك، وربما بعض الناس يقول: هذه لا تصلح هنا؛ لأنه يرى مثلاً هذه القطعة قطعة أثرية، وهذا المكان هو مكان أصلي لا يناسبه، من يريد أن يخبط خبط عشوائي، وهذا موجود في أحوال الناس فهو نظر إليها في دائرة هي صحيحة في ذاتها، ولكن كلما اتسعت الدائرة يعرف الخلل، ولهذا إذا أتيت شخصاً ووضعت دائرة على علامة قد وضعها مثلاً في بيتها أو نحو ذلك ما رأيك في هذه التحفة؟ يقول: جميلة، ثم وسّع الدائرة سيقول الذي وضعها هنا رجل قبيح؛ لأنه اتسع نظره، إذاً: هذا هو الحكمة، الحكمة في أنه توسع نظره فأدرك موضعها لأنه ما نظر إليها بذاتها، وهذا ما نعاني منه في كثيراً من القضايا أنه ينظر إلى التحفة وما نظر إلى السبر كله، وما نظر إلى النسق كله، ولهذا بعض الأشياء هي حسنة في ذاتها، وإفهام الإنسان ومناقشته فيها يدور فيها حولها، ولكن ما يستطيع الإنسان أن يمد بصره لأن عقله ضيق، لهذا كلما أدرك الإنسان مراتب الخير وتوسع فيها أدرك ذلك، ولو اهتم الناس بأمر دينهم كما اهتموا بأمر دنياهم لكفوا كثيراً من أمور الشرور التي فتحها الناس على الأمة بتسويغات أو نظر إلى أشياء ضيقة، ولهذا نقول: الله عز وجل يقول: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ [البقرة:269] إلا هؤلاء الذين خاطبهم الله عز وجل هنا، وهذا دليل على أن الخطاب هنا لأولي الألباب أصحاب الحجى الذين يعرفون أين يضعون المواضع.

    فينبغي لك أيها الحاج إذا غادرت الأهل والأوطان ألا تفكر بالفسوق والفجور، بل عليك أن تفكر بما هو أولى من ذلك، وهذا لا يمكن أن يتحقق للإنسان إلا بإحصاء الخير، فيسعى إلى ما هو أولى منه، ولهذا العلماء يفوقون غيرهم بالثواب عند الله والمنزلة؛ لأنهم يعرفون العمل العظيم بالشيء اليسير؛ وهذا ملموس لهذا تجد بعض الناس يندفع إلى بعض الأعمال وتجده ربما يميل إلى شيء من العاطفة، فالأمور لا تتعلق بالعاطفة، إنما تتعلق بالمردود، إما على الأمة أو على ذات الإنسان في آخرته لا في دنياه.

    وفقني الله عز وجل وإياكم إلى رضاه، والله الهادي والمعين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.