إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [17]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله عز وجل بإتمام الحج والعمرة، والإتمام هو الإقامة، وقيل هو عدم نقض النسك بعد الشروع فيه، وقد تنازع العلماء في حكم العمرة، فقيل: واجبة لهذه الآية، وقيل مستحبة، وقد تنازع العلماء في أفضل أنساك الحج، والصواب أن فضل النسك يختلف باختلاف الأحوال، وقد شرع الله عز وجل لمن أحصر أن يفدى ويحل بعد أن يبلغ الهدى محله.

    1.   

    قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله..)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    تكلمنا على شيء من أحكام الجهاد، وكذلك الإنفاق في سبيل الله، وذلك في قول الله عز وجل: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا [البقرة:195].

    مناسبة قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة) بعد ذكر القتال في الأشهر الحرم

    وقلنا: في قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، نرجئ الكلام فيها إلى هذا المجلس، ومناسبة إيراد هذه الآية وهي قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، بعد أن ذكر الله عز وجل الجهاد وأحكامه، وذكر الله عز وجل ما يجب فيه من الإنفاق في سبيل الله، وحذر الله عز وجل ضمناً من قطيعة المجاهدين بالمال، وذلك أن الله سبحانه وتعالى إنما شرع الجهاد والقتال في سبيله في الأشهر الحرم، حتى يصل المسلمون إلى المسجد الحرام قاصدين لأداء العمرة وأداء الحج، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا في المدينة، وكانوا يريدون الوصول إلى المسجد الحرام، ولما كان الكفار يعيقون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصول إلى المسجد الحرام كانت الحاجة ماسة إلى بيان أحكام القتال، وذلك في الأشهر الحرم باعتبار أن الحج إنما يكون في الأشهر الحرم، وكذلك فإن العمرة تكون في الأشهر الحرم وغيرها، فكانت المناسبة في بيان أحكام القتال مع الكفار، لأن المسلمين قد يواجهون المشركين، ويقوم المشركون بصدهم عن الدخول إلى المسجد الحرام، فبيّن الله عز وجل شيئاً من أحكام الجهاد، وبيّن الله عز وجل أحكام قتال الكفار في الأشهر الحرم، وبيّن الله عز وجل أحكام العدوان، يعني: إذا اعتدى المشركون على المؤمنين فأن العدوان يكون عليهم على حدٍ سواء، فبيّن الله عز وجل تلك الأحكام؛ لأنه لا يمكن للمسلمين أن يصلوا إلى المسجد الحرام إلا بواسطة تلك المعرفة، فقال الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، يعني: بعد أن اتضحت هذه الأحكام في مواجهة المشركين، والعوائق التي تكون بينكم وبين المسجد الحرام مما يفعله ويختلقه المشركون، فإن ذلك مهماً لبيان أحكام الحج، فقال الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196].

    المراد بالإتمام في قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله)

    الإتمام هنا المراد به هو ضد الإنقاص، والمراد بالإتمام في كلام بعض المفسرين من السلف هو الإقامة، يعني: أقيموا الحج والعمرة لله، وهذا جاء عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله، كما رواه ابن جرير الطبري و ابن أبي حاتم من حديث إبراهيم عن علقمة أنه قال في قراءة عبد الله بن مسعود : وأتموا الحج والعمرة لله، قال: وأقيموا الحج والعمرة لله نحو البيت، يعني: أدوها إلى هذا، يقول إبراهيم النخعي : فسألت سعيد بن جبير عن هذا، فقال: هذا، هو قول عبد الله بن عباس ، يعني: أن المعنى في قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] يعني: أقيموها نحو البيت.

    وحمل بعض العلماء الأمر في قوله جل وعلا: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، على أن المراد بذلك أن يقوم الإنسان بإتمامها بعد الدخول فيها، وأنه لا يجوز له أن يرجع عن إحرامه، وهذا وإن كان محل اتفاق عند العلماء على أن الإنسان إذا دخل في النسك فإنه يحرم عليه أن يدعه حتى يتم الأنساك، وهذا قد جاء عن جماعة من المفسرين، وروي هذا أيضاً عن عبد الله بن عباس ، وكذلك جاء عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله، وقال به قتادة ، وغيرهم من المفسرين، وعلى هذا نقول: إن قول الله عز وجل هو من ألفاظ العموم: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] يحمل على عدة أوجه، لكن هناك بعض العلماء يستدل بهذه الآية على وجوب العمرة، كما أوجب الله الحج، وهذا مروي عن عبد الله بن عباس .

    ولهذا يقول عبد الله بن عباس عليه رضوان الله: والله إنها لقرينة الحج في كتاب الله، يعني: أن العمرة قرينة الحج.

    حكم العمرة

    واختلف العلماء عليهم رحمة الله في وجوب العمرة على قولين: فذهب جمهور العلماء وهو قول عامة السلف إلى أن العمرة واجبة، صح هذا عن عبد الله بن عمر ، و عبد الله بن عباس ، و جابر و زيد بن ثابت وغيرهم، والذي يظهر أنه لا يعرف خلاف عن الصحابة عليهم رضوان الله في هذا، وقد جاء عن محمد بن سيرين أنه قال: لا أعلمهم يختلفون أن العمرة واجبة، و محمد بن سيرين قد أدرك جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الذي ذهب إليه الجمهور هو الأرجح، وهو قول الإمام أحمد رحمه الله، وذهب إليه الإمام الشافعي و داود وغيرهم من الأئمة.

    وذهب بعض العلماء إلى أن العمرة ليست بواجبة، وأن هذه الآية في الإتمام، أي: أن الإنسان إذا شرع في الدخول في نسك العمرة فإنه يجب عليه أن يتمها، وإذا قطعها فإنه آثم، وأما ابتداءً فإنها لا تجب عليه، وهذا ذهب إليه جماعة من الفقهاء من أهل الرأي من أهل الكوفة وغيرهم، والراجح في هذا هو القول بالوجوب، وذلك أن السلف الصالح من الصحابة لا يعلم عنهم الخلاف في هذا، ولهذا قد جاء عند البيهقي وغيره من حديث نافع عن عبد الله بن عمر قال: ( ما من أحدٍ إلا وعليه عمرة وحجة واجبة في العمر مرة )، وروي نحوه عن جابر بن عبد الله ، وكذلك أيضاً عن زيد بن ثابت ولا يعرف لهم مخالف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا ما مال إليه بعض المحدثين كالإمام البخاري رحمه الله، فقد نص على وجوب العمرة في كتابه الصحيح، فقال: أبواب وجوب العمرة، ويكون وجوبها في العمر مرة، وهذا مما لا خلاف فيه أيضاً عند العلماء، وإنما يختلفون في الزمن الذي يستحب للإنسان أن يتابع فيه بين الحج والعمرة، هل يعتمر كل عام؟ أم ينوع بين هذا وهذا؟ ولكن الذي يشكل على الاستدلال بهذه الآية أن قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] أن هذه الآية نزلت في السنة السادسة من الهجرة، ولا يختلف العلماء في ذلك، وإذا قلنا: إنها نزلت في السنة السادسة فإن الحج حينئذٍ لم يجب بعد، وإذا قلنا: بوجوب العمرة، فيلزم من ذلك أن الحج قد وجب قبل قول الله عز وجل: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، والعلماء متفقون على أن الحج لم يفرض إلا بعد ذلك، فلو قلنا: إن هذه الآية فيها دلالة على وجوب العمرة، فمن باب أولى أن يكون ذلك في الحج؛ لأن الحج قدم على العمرة في هذه الآية، في قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، فإذا لم يجب الحج بهذه الآية، فمن باب أولى أن العمرة لا تجب، ولكن نقول: إن الله عز وجل حينما قرن العمرة بالحج، وأوجب الله عز وجل الحج بعد ذلك، ثم اتفق السلف الصالح عليهم رحمة الله من الصحابة والتابعين على وجوب العمرة، كان ذلك من مواضع الإحكام الذي استدل به السلف الصالح على الاشتراك في الأحكام من جهة الوجوب بين الحج والعمرة.

    ومن العلماء من حمل قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] على أن المراد بذلك هو الإحرام بكل واحدة منهما على سبيل الاستقلال، أي: أنه يجعل العمرة بسفر، والحج بسفر مستقل، وذهب إلى هذا جماعة كـعلي بن أبي طالب عليه رضوان الله، وكذلك أيضاً روي عن عمر بن الخطاب ، فقد رواه ابن جرير الطبري و البيهقي ، و الدارقطني من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي بن أبي طالب أنه قال في قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، قال: أن تحرم بها من دويرة أهلك، يعني: أن تأتي بالعمرة من بيتك مستقلاً، ثم تأتي بالحج مستقلاً منشئاً لذلك، وليس المراد بذلك أن الإنسان يحرم من بيته، ولو كان قبل المواقيت، ولكن المراد بقول علي بن أبي طالب : أن تحرم بها من دويرة أهلك، أي: أن تكون قاصداً بسفر مستقل إلى المسجد الحرام لأجل العمرة، ثم تأتي أيضاً بالحج على هذا.

    أفضل الأنساك

    ولهذا نقول: إن ظاهر أقوال السلف، وكذلك العمل عندهم أن الأفضل أن يأتي الإنسان بعمرة منفردة منفصلة عن سفرة الحج، وأن الإفراد في الحج مع عمرة سابقة له أفضل من التمتع بلا عمرة، وهذا الذي ذهب إليه جماعة من الأئمة، وحكي اتفاق الأئمة الأربعة على هذا، حكى اتفاقهم غير واحدٍ من العلماء كـابن تيمية رحمه الله، أي: أن الإنسان إذا أراد أن يفاضل بين الأنساك: التمتع والقران والإفراد فنقول: إن الإفراد أفضل في أحوال، وهي الحالة التي ينفرد بها الإنسان بالإتيان بالنسك، فإذا جاء بها كانت هذه الحال أفضل، وأما ما كان بعد ذلك إذا كان الإنسان لا يستطيع الإتيان إلا مرة واحدة فنقول: الأفضل في هذا التمتع إلا إذا ساق الإنسان الهدي، فإنه إذا ساق الهدي فإن الأفضل له أن يكون قارناً، وذلك لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه بقي على ما كان عليه.

    وفي قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] على من حمل هذا القول على الإتيان بسفرة مستقلة، حمل بعض العلماء هذا المعنى أن الأفضل في العمرة أن تكون في غير أشهر الحج، وذلك لأنه يفردها بسفر، وبعض السلف يجعل العمرة التي تكون في الحج غير تامة، فلا يسمونها عمرة تامة فإذا كانت في أشهر الحج، وهذا قد جاء عن قتادة ، و القاسم بن محمد وغيرهم أنه قال: لا يسمون العمرة في أشهر الحج تامة حتى تكون في غيرها، يعني: ينشئها بسفرٍ مستقل، وهو محل اتفاق الأئمة الأربعة.

    ومن مواضع خطأ من يتكلم على مسألة الأنساك الثلاثة، وهي الإفراد والقران والتمتع، ثم يريد أن يفاضل بينها على الإطلاق على اختلاف الحالات، فهذا من مواضع الخطأ، إذ لا نستطيع أن نقول: إن الإفراد أفضل، ولا نستطيع أن نقول: إن التمتع أفضل، ولا أن نقول: إن القران أفضل، بل نقول: إن القران أفضل لمن ساق الهدي، وإذا لم يسق الهدي، وليس له الإتيان إلى المسجد الحرام إلا سفرة واحدة فالتمتع في حقه أفضل.

    وقد يقول قائل: إذا كان ليس له إلا سفرة واحدة، فلماذا نقول: التمتع في حقه أفضل مع إمكانه أن يأتي بالحج في هذه السفرة مفرداً، ثم بعد ذلك يأتي بالعمرة كحال عائشة عليها رضوان الله حينما كانت حائضاً، ومنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطواف في البيت، فكانت في ذلك قارنة ثم جاءت بالعمرة بعد ذلك.

    فنقول: العلماء يتفقون على أن من جاء بالعمرة والحج في سفر واحد، ثم جاء بالحج مفرداً، ثم جاء بالعمرة بعد قضاء مناسك الحج نقول: إنه ليس بمتمتع وليس بقارن باتفاقهم، وإنما هو مدرك لفضل الإتيان بالعمرة في أشهر الحج على من قال بفضل العمرة في أشهر الحج في الحج، وعلى هذا مما تقدم في مسألة الإتيان بالمناسك نقول: إن الأنساك تتباين بحسب الحال، فلا يوجد فضل لنسك على آخر بإطلاق، وإنما على اختلاف الأحوال.

    إذاً: ما هي المسألة التي اشتهرت عند الفقهاء في فضل التمتع على غيرهم، نقول: لما استفاض إتيان الناس إلى العمرة وأداء العمرة بسفر، ثم أدى الحج بسفر، ما الذي يستقر عليه هذه الحال، وغالب الناس أتوا بعمرة بسفر والحج بسفر، يأتون في الخوض على مسألة التمتع وأنه أفضل الأنساك في مثل هذه الحالة، باعتبار أن أكثر الناس قد جاءوا بالحج والعمرة منفرداً.

    وكذلك أيضاً فإن أكثر الناس من المغتربين لا يستطيعون الإتيان إلى المسجد الحرام إلا مرة واحدة، فإذاً: هو لا يستطيع أن يأتي بسفرتين بعمرة أو حجة فقالوا: يدخل في مسألة التفضيل، ويكون في ذلك التمتع أفضل من غيره، ولهذا نقول: إن الإنسان الذي لا يستطيع الإتيان إلى المسجد الحرام إلا مرة واحدة، نقول: التمتع له أفضل من أن يأتي بالحج ثم يأتي بالعمرة بعد ذلك، ولا ينحر الهدي، وكذلك الإنسان إذا جاء بحج منفرد، وبعمرة أيضاً منفصلة عن أشهر الحج بسفرة مستقلة، نقول: هذا أفضل، وإذا كان بعد ذلك، فالتمتع في حقه أفضل؛ لأنه أتى بحكم الله عز وجل على سبيل الانفراد.

    وأما الحكم الذي يريد أن يسحبه الإنسان حتى على عبادة التطوع، وهو أن بعض الناس مثلاً يحج كل عام، أي الأنساك أفضل في حقه أن يأتي بعمرة من كل عام، ثم يأتي بتمتع في ذلك العام أم يأتي منفرداً؟ فالذي يظهر لي والله أعلم أن الأفضل في حقه إذا كان يأتي بعمرة في ذات العام أن يأتي بالحج مفرداً وهو الأتم والأفضل، وذلك أن حكم الحج إنما جعله الله عز وجل في الحول مرة، فإذا جاء الإنسان في كل حول بعمرة وحج فالأفضل في حقه أن يكون مفرداً، وإذا كان الإنسان لم يأت بعمرة في سنته هذه التي حج فيها، فالأفضل في حقه أن يكون متمتعاً.

    وفي قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] موضع إجماع، وموضع الإجماع في ذلك أن الإنسان إذا دخل في النسك فإنه يحرم عليه أن ينقضه.

    كيفية حجة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يفرض عليه الحج

    وموضع الخلاف هو مسألة وجوب العمرة، ففي قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] إذا قلنا: إن هذه الآية نزلت في السنة السادسة بالإجماع، ولا خلاف عندهم في ذلك، والحج لم يفرض بعد، بل لم تنزل فيه شريعة، فما هو الحج الواجب حينئذٍ، والله عز وجل ما أنزل تفصيله على محمد عليه الصلاة والسلام، فنقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أنه حج قبل هجرته، وقبل أن يفرض الحج، وما هي الحجة التي حجها النبي عليه الصلاة والسلام التي كانت قبل هجرته إلى المدينة؟ وهل كانت على تشريع جديد أو كانت على الحنفية السابقة؟ نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان على علم بما كانت عليه الحنفية، وكان عارفاً عليه الصلاة والسلام بما أدخله المشركون من تبديل مناسك الحج، فأتى النبي عليه الصلاة والسلام بالحج على ما يعلمه من بقايا الحنفية السمحاء، ولهذا جاء في البخاري من حديث محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أنه قال: ( أظللت بعيراً لي في الجاهلية، يعني: في جاهليته، قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً بعرفة، فرأيته فقلت: إن هذا من الحمس )، والحمس: هم أهل مكة من قريش وغيرهم الذين شددوا على أنفسهم، وجعلوا لهم أحكاماً تختلف عن غيرهم، فيرون أنهم لا يخرجون من حدود الحرم، فيقفون في أطراف المشعر الحرام، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام وقف مع بقية العرب بعرفة وهذه الحجة التي حجها النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت في ذلك خبر أن النبي صلى الله عليه وسلم حج غيرها، قد جاء في ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام حج ثلاثاً، حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر، ولا يثبت أنه حج حجتين، وإنما الثابت في البخاري أنه حج حجة واحدة، ثم الحجة التي أوجبها الله عز وجل عليه بعد ذلك.

    مفاد الأمر في قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله)

    وأما الأمر هنا في قوله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] فهو بيان أن الحج مشروع على هذه الأمة ولم يفرضه الله عز وجل بعد، وكانت العرب تعلم الحج، ولكن أحكام الحج كانت قاصرة على العرب فمنهم من بدل، ومنهم من بقي، وأكثر الناس تبديلاً كفار قريش، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أحكام الحج ويعلم ما أدخله كفار قريش على الحج.

    ومن العلماء من يقول: إن في قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] أي: أن الحج والعمرة يشرعان في زمن واحد على خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية الذين يحذرون من الإتيان بالعمرة في أشهر الحج، فكانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج محرمة، بل يرون أنها كبيرة من كبائر الذنوب، ولهذا كانت مضر تجعل رجب موضعاً للعمرة، تقصد فيه المسجد الحرام، وأما بالنسبة لأشهر الحج فيرون الإتيان بالعمرة فيها من المحرمات ومن الكبائر، قالوا: وفي هذه الآية دلالة اشتراك أن العمرة والحج جعلها الله عز وجل في موضع واحد، ويتداخلان زمناً كما يتداخلان مكاناً وأفعالاً، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( دخلت العمرة في الحج إلى قيام الساعة )، يعني: دخلت من جهة الزمن، ودخلت أيضاً من جهة العمل، ودخلت أيضاً من جهة المكان، فهي موضع واحد.

    نقض النسك بعد الدخول فيه

    ومن أراد أن ينقض نسكه بعد الدخول فيه، فهل يجوز له ذلك أم لا؟ نقول: إذا كان الإنسان قد دخل في نسك العمرة أو الحج فإنه يحرم عليه أن ينقضه لظاهر الآية، ولهذا قال الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ [البقرة:196]، فذكر الله عز وجل الإحصار يعني: أنه لا يجوز له أن يقطع التمام الذي أمره الله به إلا بواسطة الإحصار، والإحصار هنا اتفق العلماء على أنه إحصار العدو واختلفوا فيما عداه.

    وفي اتفاقهم في مسألة العدو يدخل في ذلك العدو من الإنس، أو ما يخشاه الإنسان أيضاً من البهائم، من السباع، والذئاب، أو غيرها التي ربما تتسلط على الإنسان، وتقطع عليه طريقه، فإذا كان طريقه مثلاً فيه السباع، وأخبر بذلك، وخشي أن يحال بينه وبين الوصول إلى مكة، فهذا نوع من أنواع الإحصار، فإذا وجد الإنسان مانعاً من ذلك فهو عدو، واختلفوا فيما عدا ذلك من المرض، أو العجز الذي يكون بين المؤمنين، فهل يكون ذلك من مواضع الإحصار أم لا؟ وإذا اختلفوا في مسألة الإحصار فإنهم اختلفوا أيضاً فيما يتعلق باشتراط الإنسان من غير غلبة ظن بوجود سبب يمنع الإنسان من الوصول إلى مكة، هل يشرع له الاشتراط أم لا؟ فمن قال: إن المرض ليس بإحصار، وأن ما غير العدو ليس بإحصار، فإنه لا يجيز الاشتراط إلا في العدو.

    والعلماء عليهم رحمة الله اختلفوا في مسألة الاشتراط، والاشتراط أن الإنسان ينوي النسك ويقيد إتمامه به بألا يحبسه حابس، وفائدة الاشتراط في ذلك: أن الإنسان إذا اشترط وحبسه حابس أنه لا يجب عليه دم، وذلك نوع من التيسير أي: أنه إذا أحصر في موضعه الذي هو فيه لا يجب عليه دم، وإنما يحلق من مكانه ثم يمضي.

    أما بالنسبة لمن أحصر ولم يشترط ومعه الهدي، فهديه في ذلك على حالين:

    الحالة الأولى: إذا كان يستطيع أن يوصله إلى مكة كحال الإنسان حينما أقبل على مكة حبسه حابس، ولم يشترط، فإذا وجد أحداً من الناس يستطيع الذهاب هناك، نقول: يأخذ بهديه إلى هناك، وينحره في يوم النحر وجوباً، ولا يحلق حتى ينحر في يوم النحر، ثم بعد ذلك يحل.

    الأمر الثاني: إذا لم يستطع الدخول لا هو ولا هديه، فحينئذٍ يقوم بنحره في موضعه الذي هو فيه، ويتحلل في موضعه كذلك.

    وأما إذا لم يكن معه الهدي ولم يستطع حينئذٍ أيضاً أن ينحر هديه، فنقول: إن الله عز وجل ذكر هنا ما استيسر من الهدي في قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] فأشار إلى التيسير في مسألة الهدي، مما كان قريباً من الإنسان، إما أن يكون من الغنم، وإما أن يكون من الإبل، وإما أن يكون من البقر، أو يكون شركاً من بقرٍ وإبل، كأن يتشارك الناس مجموعة في هذا وأحصر، ويتشاركوا في شيء من ذلك، والبقرة والناقة عن سبعة على الأرجح في الإبل، وهي عن سبعة في البقر قولاً واحداً عند السلف، أما الإبل فهي على قولين: من العلماء من قال: إنها عن سبعة فيشترك فيها سبعة، ومنهم من قال: يشترك فيها عشرة، فإذا اشتركوا في ذلك وأحصروا فإنه حينئذٍ يحلقون في موضعهم إذا كان ذبحهم في ذلك الموضع.

    وإذا كان الإنسان مشترطاً فإنه لا يجب عليه دم، وإذا كان غير مشترط فإنه يجب عليه في ذلك الدم، ومن لم يجد الدم في ذلك فالله عز وجل جعل له فدية سيأتي الكلام عليها بإذن الله.

    وفي قول الله عز وجل: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196] المراد بهذا الهدي هو هدي الإحصار، أي: أن الإنسان إذا أحصر فما استيسر من الهدي، ولكن يجب عليه ألا يحلق شيئاً من شعره، أو أن يتناول شيئاً من محظورات الإحرام حتى يبلغ الهدي محله.

    ذكر الحلق دون التقصير في قوله تعالى: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ...)

    وفي قول الله عز وجل: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196] ذكر هنا الحلق، لاشتماله ضمناً على التقصير، وقد يقال: إن الحلق هو أعم من التقصير، فكل محلق مقصر، وليس كل مقصر محلق، ولهذا ذكر الله عز وجل الحلق؛ لأن الإنسان إذا أزال شيئاً من شعره فهو في حكم المحلق، وكذلك أيضاً في قول الله عز وجل: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ [البقرة:196] إشارة إلى أن الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن من تمام نسكه هو الحلق فهو مقدم على التقصير، وذلك أن الله عز وجل قال: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] فذكر الله عز وجل وجوه التمام في هذه الآية، ومن وجوه هذا التمام هنا أن يقدم الإنسان الحلق على التقصير.

    تخصيص شعر الرأس بالذكر دون شعر غيره من الجسد

    وقوله: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196] أشار هنا إلى مسألة الرأس، فهل بقية شعر الإنسان من محظورات الإحرام أم لا؟ ولماذا قيد الحلق بالرأس؟ فنقول: إن الأصل فيما يتناوله الإنسان من شعره هو شعر رأسه، ولم يكن معهوداً عند العرب أن يتناولوا شعر اللحى بحلق لا عند المؤمنين، ولا عند المشركين، وعلى هذا نقول: إن النص إنما تعلق بالأغلب، وما يذهب إليه أهل الظاهر من أن مس الشعر في غير شعر الرأس أن ذلك ليس من محظورات الإحرام، وذلك كشعر اليد أو شعر الساق، أو شعر جسد الإنسان، أو نحو ذلك قالوا: إن ذلك ليس من محظورات الإحرام، فنقول: هذا مردود؛ لأن الأمر إنما يتعلق بالأغلب.

    بل قالوا أيضاً: إن الأظفار ليست من محظورات الإحرام باعتبار عدم وجود نص في ذلك، ونقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أم سلمة في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( من أراد منكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا بشره )، وجاء في رواية: ( ولا ظفره شيئاً ) ما يدل على أن الأمر في ذلك عام.

    وعامة العلماء على أن الشعر من أي موضع من مواضع جسد الإنسان من محظورات الإحرام، وإنما ربما يخففون في بعض الشعر تيسيراً في مسألة الشعرة إذا أزالها الإنسان مما يؤذيه وهي واحدة من جسده أو نحو ذلك فيقولون: إن هذا مما يعفى عنه، باعتبار أنه لا يطلق عليه شعر، وإنما هي شعرة.

    ثم أيضاً: إن الحكمة في عدم حلق الإنسان شعر رأسه هو ظهور التفث والشعث في الإنسان، فإزالة شعرة واحدة ليس هذا مما يجعل الإنسان يترفه في حال حجه، فلا يدخل في ذلك الترف ولا التنعم وغير ذلك، بل تبقى على بذاذته، فالشعرة الواحدة مما لا يتأذى به الإنسان، ولهذا الله عز وجل يقول: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ [البقرة:196]، فربط الحلق بالرأس، وما ربطه بالشعر؛ لأن الأمر إنما يتعلق بالمحل، وإنما ذكر الرأس لأن إزالة شعر الرأس يظهر فيه التنعم، فذكر الله عز وجل أمر الرأس، ولهذا المترجح أن إزالة الشعرة والشعرتين والثلاث وما في حكمها أن هذا ليس من محظورات الإحرام، فإذا تناول الإنسان شيئاً من شعره أو جذبه، أو ربما حمل شيئاً على عاتقه، أو تساقط شيء من شعره، ولو كان ذلك عن طريق العمد فإذا كان يسيراً فنقول: إن هذا ليس محظوراً؛ لأن الله عز وجل قال في هذه الآية: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196] فأشار إلى الرأس وهو محل منابت الشعر، وما أشار إلى الشعر بعينه، باعتبار أنه لو أطلق الشعر في قوله: (ولا تحلقوا الشعر) لعم ذلك جميع أنواعه، وإنما أشار إلى الرأس، فإزالة شعرة أو شعرتين وما في حكمها ليس حلقاً للرأس، وإنما هو إزالة لشعرة وشعرتين.

    ثم أيضاً: إننا نطرد في ذلك أن من أخذ شعرة أو شعرتين عند التحلل، فهذا ليس بمتحلل، والغريب أن بعض الفقهاء يتناقض في هذا، فيجعل الحلق في قوله: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ [البقرة:196] يقول: إن أخذ شعرة أو شعرتين يجب فيها الفدية، وعند النحر إذا أخذ شعرة أو شعرتين يقول: لا يجزئ، مع أن النص واحد، وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ [البقرة:196] وهذا في النهي، وفي الأخذ قوله تعالى: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27]، فينبغي أن يكون الحكم على السواء، ولهذا الإنسان الذي يأخذ شعرة من شعره، أو يتناول مثلاً بأصبعه شيئاً من شعره، ثم يقوم بالمقص ويتناوله، نقول: إنه لا يتحلل بهذا على الصحيح من أقوال العلماء، وأما من قال: بأنه يتحلل بذلك، فإنه يلزمه أن يجعل ذلك من محظورات الإحرام أيضاً؛ لأن النهي جاء في سياق واحد.

    المراد بمحل الهدي

    ومن المواضع أيضاً في قول الله عز وجل: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196] هنا في قوله جل وعلا: مَحِلَّهُ [البقرة:196] المراد بذلك هو يوم النحر بمنى، أي: أن من استطاع أن يدفع هديه إلى المسجد الحرام وأحصر، فإنه لا يحلق رأسه حتى يبلغ الهدي محله، ثم ينحر، ثم يحل هو، يعني: في ذلك الزمن، وإذا استشكل عليه هل ذبح الهدي أو لم يذبح، فإنه حينئذٍ يتحلل في ذلك ولا حرج عليه.

    ما يلزم من فعل محظوراً أو ترك واجباً

    ثم قال تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ [البقرة:196] نقول: إن وقوع الإنسان في محظورات الإحرام يختلف عن تركه الواجبات، فترك الواجب على قول أكثر العلماء يجب فيه دم، ولا يخير فيه الإنسان، وأما بالنسبة لارتكاب الإنسان محظوراً من محظورات الإحرام قالوا: فيجب في ذلك ما خير الله عز وجل فيه الإنسان، فيجب عليه: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196]، فهذا ما يجب على الإنسان في تركه لمحظورات الإحرام.

    وأما التسوية بين ذلك فغير صحيحة، والعمدة في ذلك ما جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله من حديث أيوب عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس قال: من ترك شيئاً من نسكه، أو نسيه فعليه دم قالوا: هذا في ترك الواجبات، وأما بالنسبة لفعل المحظورات فهو في هذه الآية، ولهذا نقول: إن الإنسان إذا ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام فينبغي أن يخير بين هذه الأشياء، وبعض المفتين حينما يسأل عما يجب على من ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام فيجيب مباشرة ويقول: عليك دم، وهذا ليس بصحيح، بل نقول: إن الواجب عليه في ذلك هو التخيير بين هذه الثلاثة، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196].

    أما بالنسبة للصيام، فهو صيامه ثلاثة أيام، وهذا الذي جاء عن جماهير المفسرين، فجاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله، كما رواه ابن جرير الطبري من حديث علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس ، وجاء أيضاً عن مجاهد بن جبر كما روى ابن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر ، وجاء أيضاً عن قتادة كما رواه معمر عن قتادة ، وعن غيرهم، أي: أن الصيام يكون ثلاثة أيام، وإذا أراد الإنسان أن يطعم مساكين، فنقول: هذا أيضاً من جهة العدد هو من مواضع الخلاف، والأشهر في ذلك وهو قول جماهير العلماء، وروي أيضاً عن جماعة عن عبد الله بن عباس و مجاهد و قتادة و سعيد بن جبير وغيرهم، أن الإطعام يكون لستة مساكين مدين مدين، فيعطي كل واحدٍ مدين أو نصف صاعٍ، وهذا هو الذي عليه جماهير المفسرين.

    وكل إطعام جاء في كلام الله عز وجل فمقداره نصف صاع، كما قال ذلك مجاهد بن جبر فيما رواه ابن جرير الطبري وغيره، سواء كان في مثل هذا الموضع بالإطعام، أو كان ذلك في كفارة اليمين، أو كان ذلك في كفارة الظهار، أو غير ذلك من الأحكام، فنقول: إن الإطعام في ذلك هو لكل مسكين نصف صاع.

    قال الله جل وعلا: أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196]، والمراد بالنسك هي النسيكة، وهي الذبيح، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162]، وهو النحر الذي قرنه الله عز وجل في قوله جل وعلا: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:1-2] أي: أن النحر هو الذي قرنه الله عز وجل مع الصلاة، وهو النسيكة، وقيل: إن النسيكة مشتقة من النسك، وقيل: إنها مشتقة من السبيكة، ثم قلبت في ذلك وأصبحت نسكاً، ونسيكة، والنسك في ذلك على ما تقدم من بهائم الأنعام إما أن يكون من الغنم أو يكون شركاً أو تاماً من الإبل والبقر، وهذا محل اتفاق عند العلماء، ولا يعلم من خالف في ذلك إلا ما جاء عن بلال ، فإنه أجاز أن يكون الهدي أو الأضحية أن يكون بالطير، وإسناده عنه صحيح، ولا أعلم من قال بذلك لا من الصحابة ولا من التابعين.

    أعلى الهدي وأدناه

    وجاء بغير إسنادٍ عن أبي هريرة أيضاً، وليس له أصل، وأظنه أيضاً عن الحسن وليس له إسناد أيضاً، وفي قول الله عز وجل: فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] ذكر هنا مسألة الهدي بالنسبة للمتمتع، وهنا أراد بذلك بيان الوجوب، قال: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196]، وذلك على الأنواع، أي: أن الإنسان إذا أراد أن يأتي بالهدي تاماً، أو يأتي بأدناه، وتمامه لا حد له في ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم حينما كان في حجة الوداع جاء علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى بمائة من الإبل، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين بيده، وأعطى علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى فنحر ما غبر، يعني: ما بقي من تلك الإبل، وفي هذا إشارة إلى أنه يستحب للإنسان أن يباشر نحر هديه بنفسه، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر ثلاثاً وستين وفي هذا من الكلفة ما فيه، فإن الإنسان حينما ينحر مثل هذا العدد إشارة إلى تقصد ذلك.

    ولهذا قد ذكر بعض الفقهاء إنه يستحب للإنسان أن ينحر كل عامٍ نسيكة، قالوا وذلك للنبي صلى الله عليه وسلم عمره ثلاث وستون، فنحر ثلاثاً وستين بيده عليه الصلاة والسلام، وترك الباقي لـعلي بن أبي طالب عليه رضوان الله، وهذا من القرائن التي قال بها بعض الأئمة، وذلك له وجهه.

    ولعل النبي صلى الله عليه وسلم يعلم عمره، إلا أن تحديد ذلك العمر بيوم لم يكن يعلمه النبي عليه الصلاة والسلام فذلك من علم الله عز وجل، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم تقريب عمره ودنو أجله، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: ( لعلي لا ألقاكم بعد يومي هذا )، وأنزل الله عز وجل عليه سورة النصر نعياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الأجل قد دنا، فبين النبي عليه الصلاة والسلام الأحكام، وأتم الله عز وجل عليه ما أراد من أحكام الشريعة أصولاً وفروعاً، ثم قبضه الله سبحانه وتعالى.

    الحالة التي يتمنى الإنسان فيها الموت

    في هذا إشارة، ومعنى لطيف إلى أنه ينبغي للإنسان إذا استفرغ وسعه في القيام بأمر الله سبحانه وتعالى، وبذل ما لديه سواء كان من عمل الدنيا أو كان من عمل الدين، ينبغي له أن يسأل الله اللحاق بالصالحين، كما فعل يوسف عليه السلام، وكذلك حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أتم الله له الدين قبضه عليه؛ لأن بقاء الإنسان واستدامته على التمام محال، لا في ذاته، وإنما في من حوله، وذلك أن الإنسان إذا بلغ التمام ينبغي له أن يسأل الله عز وجل التعجيل بلقائه؛ لكي يلقى الله على تمام لا أن يلقاه بعد فتنة وانحدار، وهذا حال الإنسان إذا كان مثلاً اكتمل ورأى أنه قد نضج من جهة العمر، وبذل ما لديه من العلم، واستفرغ وسعه ونحو ذلك، ورأى أنه بلغ طاقته في ذلك ينبغي أن يسأل الله عز وجل التعجيل لأنه ينبغي أن يختم له بهذه الحال، لا أن يختم له بغيرها؛ لأنه يرى أنه وصل مثل هذا الأمر، ولهذا حال الأنبياء يسألون الله عز وجل اللقاء في حالين:

    الحالة الأولى: في حال العجز أنهم عجزوا عن الوصول إلى ما يريدون.

    الحالة الثانية: إذا بلغوا مرتبة الكمال من جهة أداء الرسالة وتبليغها سألوا الله عز وجل اللقاء.

    ثم أيضاً من مواضع الشهوة الخفية أن يستديم الإنسان على التمام؛ لأنه كان في سعيه للوصول إلى التمام ووصوله إلى الغاية كان مجاهداً مناضلاً، فإذا جاء التمام واستقر الأمر بدأت النفس بغير تلك المجاهدة، فتحتاج إلى مجاهدة نفسها حتى لا تعمل لحضوتها؛ لأنه لا يوجد خصوم وتم الأمر حينئذٍ فيبقى نظر الإنسان إلى متع النفس وشهواتها، ولهذا نقول: إن الإنسان إذا بذل وسعه واستفرغ ما لديه من جهد وكذلك عمل، وتم الله عز وجل له ما أراد، ووفقه ونفع به ونشر الخير، ورأى أنه قد بلغ الغاية فليسأل الله عز وجل القبض عليها قبل أن يقبض على غيرها، ومن نظر إلى حال الأنبياء وحال رسولنا صلى الله عليه وسلم وجد ذلك ظاهراً.

    حكم الهدي

    والهدي بالنسبة للمتمتع واجب، ولا خلاف في ذلك، وكذلك القارن، وأما بالنسبة للمفرد فإنه سنة، وكذلك المعتمر إذا اعتمر من غير حج فهو سنة أيضاً، وسنة أيضاً لغير الحاج والمعتمر أن يبعث بهديه إلى مكة، ولو كان مقيماً بعيداً عنها فيبعثه مع أي أحدٍ من الحجاج كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، كما جاء في الصحيح من حديث عائشة عليها رضوان الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث بهديه إلى مكة، ولا يمسك عما يمسك عنه الحاج.

    حكم الصيام لمن لم يجد الهدي وكيفية ذلك

    قال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ [البقرة:196]، الصيام لمن لم يجد الهدي هو فدية تلك الفدية التي يؤديها الإنسان لعمله، فإن الإنسان إذا كان متمتعاً فإنه يجب عليه هدي، والهدي الذي يجب على الإنسان يشترط فيه ما يشترط في الأضحية، والنصوص التي جاءت في شروط الأضحية أظهر من شروط الهدي، باعتبار أن أحكام الأضحية قد فرضت وشرعت قبل أن يفرض الله عز وجل الحج وأحكامه.

    ثم ما يتعلق بهذا الصيام واجب كوجوب الهدي على المتمتع والقارن، وإذا لم يستطع الإنسان أن يصوم الأيام الثلاثة في الحج فيقال: إنه يجب عليه أن يصوم العشرة بعد ذلك.

    والسنة في ذلك أن يأتي بهذه الأيام الثلاثة قبل يوم عرفة؛ لأن الصيام يوم عرفة لا يستحب للحاج، وهذا الذي عليه جماهير الصحابة.

    وذهب بعض العلماء إلى مشروعية الصيام يوم عرفة في عرفة، وممن ذهب إلى هذا جماعة من السلف من الصحابة كـعائشة عليها رضوان الله، كما جاء في البخاري من حديث القاسم عن عائشة عليها رضوان الله، أنها كانت تصوم.

    وذهب إلى هذا أيضاً جماعة من الفقهاء من المدينة وجماهير العلماء على أن صيام عرفة إنما يشرع لغير الحاج، وأما بالنسبة للحاج فلا يشرع له ذلك؛ لأنه ينبغي له أن يتفرغ للدعاء، وذلك أن الإنسان إنما يريد الصيام لينال الأجر، والدعاء في هذا اليوم للحاج أكثر أجراً.

    فإذا صام فإنه يفتر خاصة إذا كان في حر شديد، والإنسان يتنقل من موضع إلى موضع، فإنه يفتر عن الإتيان بهذه العبادة، فدعوة يسعد بها الإنسان وينجو خير من صيام يجعل الإنسان يفتر عن الذكر والدعاء، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم في هذا اليوم، وكذلك عامة أصحابه ممن كان معه، وكذلك أيضاً من كان حاجاً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكونوا يصومون إلا اليسير كـعائشة عليها رضوان الله، وذلك للإنشغال في هذا اليوم بالذكر والدعاء قدر وسع الإنسان وطاقته، وأما بالنسبة للدعاء في يوم عرفة فإن الإنسان يشرع له أن يدعو من بعد زوال الشمس إلى غروبها، فإذا سقط قرص الشمس وتحقق من غروبها فإنه حينئذٍ يدفع الإنسان من عرفة إلى مزدلفة، ويأتي مزيد تفصيل في هذا بإذن الله تعالى.

    وآخر صيام هذه الأيام الثلاثة أن يكون في اليوم الثامن من ذي الحجة، ولو صام يوم عرفة وتأخر فيها فنقول: لا حرج عليه، جاء ذلك عن جماعة من الصحابة عليهم رضوان الله، فروي هذا عن علي بن أبي طالب و عبد الله بن عمر عليه رضوان الله، قال: يصوم ثلاثة أيام في الحج آخرها يوم عرفة.

    وإذا أراد أن يصوم بعد ذلك فنقول: يحرم عليه أن يصوم يوم النحر بالاتفاق، وأما إذا أراد أن يجعل هذه الثلاثة الأيام بعد يوم النحر فيصوم الحادي عشر وما بعده من أيام التشريق، فنقول: لا بأس بذلك، روي هذا أيضاً عن جماعة من السلف، فروي عن عبد الله بن عمر أيضاً، وقال به جماعة من الفقها كالإمام أحمد رحمه الله، وغيره.

    وبعضهم نهى عن صيام أيام التشريق باعتبار أنها أيام أكل وشرب، وإذا لم يستطع الصيام في أيام الحج فإنه يصوم العشرة حال رجوعه إلى أهله، وإذا أراد أن يصوم السبعة في طريقه فنقول حينئذٍ: لا حرج عليه إلا أنه يتأكد في حقه ألا يصومها في حدود الحرم؛ لأن تحقق الرجوع لا يكون إلا إذا خرج من الحرم.

    وفي هذا دلالة أيضاً على أنه يستحب للإنسان إذا قضى نسكه أن يبادر بالإنصراف إلى أهله، وألا يطيل البقاء بمكة، وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة عليه رضوان الله.

    وفي قول الله عز وجل: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة:196] إشارة إلى أن الله عز وجل إنما أوجب العدد، وأن ذلك التفصيل هو على سبيل التأكيد لا على سبيل الإلزام، وأن الله عز وجل إنما ألزم بالإتيان بهذه العشرة تامة سواءً جاء بها على التقسيم السابق، أو جاء بها مفرقة.

    وأما بالنسبة للتتابع في هذه الأيام فلا أعلم أحداً من المفسرين من السلف قال بوجوب المتابعة فيها، ولو تتابع فيها فهو أولى؛ لأنه أبرأ للذمة.

    وقوله: لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:196]، في هذا التقييد فيما أوجب الله عز وجل على من لم يجد الهدي في صيام هذه الأيام العشرة؛ لأن من كان حاضراً المسجد الحرام لا يجب عليه عمرة أصلاً، فلا يجب في حقه حينئذٍ التمتع، وإذا لم يجب عليه التمتع، فإنه حينئذٍ لا يشرع له هدي التمتع، وإنما ما كان في حق المكي أن يكون مفرداً للحج، بل ذهب بعض السلف إلى أن المكي لا تشرع له العمرة على الإطلاق، وإنما الذي يشرع له الطواف.

    جاء ذلك عن عبد الله بن عباس فيما روى ابن أبي شيبة وكذلك البيهقي من حديث عطاء عن عبد الله بن عباس قال: ليس على أهل مكة عمرة إنما عليهم الطواف.

    وجاء هذا أيضاً عن عطاء بن أبي رباح ، و طاوس بن كيسان وقال به الإمام مالك رحمه الله وغيره من الفقهاء، وهو قول الإمام الشافعي رحمه الله.

    ولهذا نقول: إن الإنسان إذا لم يكن من أهل المسجد الحرام فإن حكمه على هذا الأمر، ولكن قد يقول بعض المفسرين: إن النبي صلى الله عليه وسلم ما نهى عن العمرة مع وجود بعض من آمن في مكة أو بقي فيها، وكذلك الصحابة عليهم رضوان الله تعالى من الخلفاء الراشدين لم يثبت عنهم ذلك، فنقول: إن هذا أيضاً أمارة على استقرار الأمر، فاستقرار الأمر عند السلف قرينة على عدم الحاجة إلى النص، ولهذا كثير من الأحكام المستقرة المستفيضة لا تكثر وروداً في أقوال الفقهاء من الصحابة وغيرهم؛ لأن العمل عليها، وهذا كثير، لهذا تجد كثيراً من الجزئيات التي فيها خلاف، أو من الدقائق التي تجهلها العامة تجد أن أقوال الفقهاء فيها أكثر وأشهر من غيرها، أو ربما ترد بأسانيد أكثر وأتم، وهذا معلوم.

    وأما ما كان من الأصول أو ما يحتاج إليه، أو تتداعى الهمم على نقله ولم ينقل، فإن هذا من قرائن عدم وجوده.

    نقول أيضاً: ثمة قرينة تواجه تلك القرينة، أن ما كان مستقراً فإن نقل النص فيه تكلف، ولهذا تجد العلماء والفقهاء، وكذلك أيضاً المحدثين، والوعاظ لا يتحدثون مثلاً عن عدد ركعات الصلوات، كصلاة الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء باعتبار أنها مستفيضة، بل إن الإنسان ربما يمر عليه عام وعامان وثلاثة لم يسمع أن أحداً تكلم على أن صلاة الظهر أربعاً باعتبار أنها عمل مستفيض، وإنما يتكلمون عن القدر الزائد عنها، وهي الإتيان بها بخشوع، والإتيان بواجباتها وشروطها، والتبكير إليها، وغير ذلك من الأحكام التي يقع فيه القصور.

    فإذا كان الأمر مستفيضاً ومستقراً فإن إيراد النص فيه، والتقاطه من أفواه الفقهاء قليل، ثم لا ينقله إلا قليل العلم، وهذا أيضاً له أثر حتى في أبواب الفقه، وله أثر في أبواب العلل، فإذا وجدت مجموعة من الطرق على مسألة مستفيضة، فإن هذا من قرائن الإعلال، وهذه ينبغي ألا ترد أصلاً كما أن ورودها بأكثر من طريق وهي من الأمور المستفيضة المتقررة في الدين أن العلماء لا يتكلفون بإيراد الطرق لها.

    الحكمة من ختم بعض آيات الأوامر بالوعيد

    قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة:196]، تقدم معنا أن الأمر إذا جاء في كلام الله سبحانه وتعالى، ثم أعقبه بشيء من الوعيد، أن الوعيد في ذلك متعلق بالتقصير في الإتيان بذلك المأمور، وذلك أن الله عز وجل قد ابتدأ هذه الآية بقوله جل وعلا: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، ثم ختم الله عز وجل ذلك بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة:196]، فأمر بتقواه بعد أن أمر بإتمام الحج والعمرة لله، وما تبع ذلك من أحكام، ثم بيّن شدة عقابه على من فرط بهذه الأحكام متعمداً.

    ولهذا ينبغي للإنسان أن يعلم أن حدود الله، وأن شعائر الله ينبغي للإنسان أن يحفظها تديناً لله، وأن يقيمها عملاً كما أمر الله عز وجل بها، فإن التقصير في ذلك، وخاصة مما يقتدى به يعني: سقوط شيء من الدين يتداعى الناس على أخذه عنه حتى يتساهل الناس في أمثال هذه المسائل.

    ثم أيضاً: إن في قول الله عز وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة:196]، إشارة إلى أن أحكام الحج والعمرة ينبغي ألا يميل الإنسان إلى التساهل فيها، وفيما يتعلق الخلاف أن يميل الإنسان إلى الخلاف والتيسير فيها، فالله عز وجل ذكر الوعيد في هذه الآية بعد أن ذكر تلك الأحكام أي: أنه ينبغي للإنسان أن يحتاط في ذلك، فلا يقال للإنسان: خذ ما تيسر من هذه الأقوال في مسائل الخلاف خاصة عند ظهور الدليل ووضوح الأمر، فإن مثل هذا يدفع الناس إلى التساهل بأحكام الحج والعمرة، حتى بلغ في كثير من الناس التفريط بأركان الحج وواجباته، وذلك لأنهم يتعلقون بنص أو نصين قد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتيسير، فجعلوها عامة وهي خاصة في بعض المواضع أو بعض الأعمال، ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى حينما ذكر شدة العقاب هنا مع أن الحج لم يجب حينئذٍ، وهذه الآية إنما نزلت في السنة السادسة، ولم يفرض الحج، وإنما كان مشروعاً فقط.

    ثم بيّن الله عز وجل شدة عقابه وأمر بتقواه، إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يحتاط في هذه الأحكام، ولو لم تكن واجبة، ثم كيف لو كان الحال بعد إيجاب الله عز وجل لها بقول الله عز وجل: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97]، فإنه ينبغي للإنسان أن يأخذ الأمر على الامتثال، وألا يفرط فيما أمر الله عز وجل به.

    وكذلك أيضاً أن يحث العامة على الاحتياط والاحتراز وحماية شعائر الله من التبديل والتغيير، ومن نظر إلى حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في احتياطه لهذه المناسك، وتأخير الحج مع فرضه عليه، وبعث رسول الله لـأبي بكر و أبي هريرة ، وغيرهم أن يسبقوه بالحج قبل حجه بعام، وأن ينادوا عند البيت ألا يطوف بعد هذا العام عريان، وألا يحج بعد هذا العام مشرك إشارة إلى حياطة الدين.

    كذلك أيضاً: فإن الإنسان لا يكون غنياً إلا عند إضافة فضل شيء على قوله، أو حكمه، أو تفريط أحدٍ في حكم كلف به غيره، ولهذا الله عز وجل بيّن بعد بيان حكم الحج فإن الله غني عن العالمين، يعني: أن من فرط أو زاد، فإن الله عز وجل غني عن الإتيان به، كذلك فإن الله لا يكافئ عن شيء أحدثه الإنسان مما أضافه إلى حكم الشريعة وظنه منها، وهو ابتداع وإحداث، وحياطة الدين أعظم من حياطة الدنيا.

    أسأل الله عز وجل أن يوفقني وإياكم لمرضاته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.