إسلام ويب

شرح حديث جبريل في الإسلام والإيمان [2]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإسلام هو الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء به الأنبياء السابقون كذلك ولكن لما دخل التحريف الملل السابقة واستحال الوصول إلى الحق منها، كان لابد من بعث رسول يأتي بتجديدها, فلا دين حينئذ يستحق وصف الإسلام في الأرض كما يريده الله إلا ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم, وسؤال جبريل هو عن أصل الأصول وكلي الكليات وهو الإسلام, وما يأتي من أحكام فهي تبع لذلك. فجبريل عليه السلام سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الكليات, وأعظم الكليات اتساعاً وهو الإسلام, ثم ما يدخل بعد ذلك في جزئياته وتفاصيله ومعرفتها من جهة مراتبها

    1.   

    فوائد ودلالات نداء جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم باسمه واستخباره لنفسه

    الملقي: [ ( وقال جبريل عليه السلام: يا محمد ! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ].

    الظهور بهيئة الغريب للاستماع لسؤاله وفهم مراده

    في قول جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد! هنا وجه النداء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم باسمه, والنكتة واللطيفة من ذلك أن جبريل ظهر هنا بصورة الغريب, والغريب عن البلد لا يعرف منازل أهلها ومراتبهم, وكذلك أيضاً كناهم وأوصافهم, لا يعرف تلك الأحوال, فوجه إليه بالخطاب باسمه. وأيضاً فإن الصحابة عليهم رضوان الله إذا أرادوا أن ينادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم توجهوا إليه بأشرف وصف يوصف به وهي الرسالة فيقولون: يا رسول الله أو يا نبي الله.

    وهنا في قوله يا محمد! أراد أن يوغل في الاغتراب عنه، وعدم معرفة نهجهم في نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى تكتمل الصورة في كونه غريباً عن بيئته, فيستمعوا لقوله الذي يريد أن يسأل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفهموا مراده؛ لأنه يريد من هذه الأسئلة التي يسألون بها النبي عليه الصلاة والسلام حتى يفهم السامعون المراد ويتفقهوا وينتفعوا بدين الله سبحانه وتعالى، فقال: ( يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ ). سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخبره باسمه, وكذلك أيضاً في قوله: أخبرني توجه إلى الأمر لإعلام نفسه, وما سأله أن يعلمه وأن يعلم غيره.

    واللطيفة والنكتة في هذا أنه أراد أن يستعلم لنفسه كأنه لا يعلم وهم يعلمون. وهذا أيضاً فيه إمعان في الاغتراب عنهم وعدم معرفة ما يعلمون, أو الأصل في كونهم أنهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمون، وأنا أجهل لكوني بعيداً عنه.

    تأكيد المعلوم لدى الصحابة من الأركان

    وهنا مسألة وهي أن جبريل حينما سأل النبي عليه الصلاة والسلام هذه الأسئلة في علم الله, وأيضاً فيما يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظاهر الأمر في أمر جبريل أنه يعلم أن الصحابة يعلمون هذه المسائل, وهي مسألة الإسلام وأركان الإسلام وأركان الإيمان هذه معلومة ما قبل هذا السؤال.

    إذاً: ما الحكمة من هذا السؤال حتى ترد هذه الإجابة لإعلامهم بشيء يعلمونه قبل ذلك؟ فالصلاة معلومة الزكاة معلومة الصيام معلوم من أركان الإسلام, الحج معلوم, هذه الأشياء معلومة. كذلك أيضاً الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله, وظاهر أن الحديث أنه جاء؛ ولهذا سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإحسان, وسأله عن أشراط الساعة, وهذه الأخبار والأنباء, وأحاديث أشراط الساعة كانت في آخر العهد النبوي في المدينة.

    فالحكمة من سؤال جبريل عليه السلام بالاستخبار لنفسه, وظاهر الأمر في حال أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يعملون، أنه يريد من ذلك تأكيد المعلوم لديه, فالتكرار لذلك يرسخ العلم, وفي هذا إشارة أيضاً أن دين الله سبحانه وتعالى للغريب والقريب أنه وحي, فإذا سأل السائل بدين الله عز وجل عن مسألة وهو من أهل البلد أو كان بعيداً، فدين الله سبحانه وتعالى في ذلك سواء لا يوجد فيه سرية ولا يوجد فيه خفاء، ولا يوجد فيه دقائق, لا يصح إيمان الإنسان إلا بها, وإنما هو دين ظاهر يجاب فيه السائل لسؤاله من أي جهة أو من أي بلد كان.

    كذلك أيضاً فإنه لو سأل جبريل النبي عليه الصلاة والسلام ليعلم الصحابة في هذا نوع من ظاهر الاعتداد بالنفس, وهم يجهلون حال جبريل, وجبريل يعلم, فإنه إنما جاء العلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل وإن كان العلم من الله سبحانه وتعالى.

    إذاً: فـجبريل وهو الواسطة علم قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومع ذلك جبريل سأل العلم لنفسه, وما سأله للصحابة؛ لماذا؟ لأنه ما ظهر بصورة جبريل ظهر بصورة بشر وإنسان, وإذا ظهر بصورة إنسان ينبغي أن يكون الحال والكلام والسؤال مناسباً له؛ حتى لا يخرج خارجاً عنه, فسأل بما يليق ويناسب حاله, لا بما يناسب حاله الحقيقية وهي كونه الملك الذي جعله الله سبحانه وتعالى رسولاً إلى أنبياء الله جل وعلا، ينزل إليهم وحي الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    سؤال جبريل عن الإسلام وما يدل عليه

    الملقي: [ ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله ) ].

    الشيخ: هنا سأل جبريل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإسلام, وهذا أول سؤال توجه به جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان عن الإسلام, فقال: أخبرني عن الإسلام؟ الإسلام هو الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء به الأنبياء السابقون كذلك, ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]. ويقول الله جل وعلا: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85].

    ولكن لما دخل التحريف الملل السابقة واستحال الوصول إلى الحق منها، كان لابد من بعث رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بتجديدها وكذلك الإضافة إليها من الأحكام, فلا دين حينئذ يستحق وصف الإسلام في الأرض كما يريده الله إلا ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم, فهو سأل عن أصل الأصول وكلي الكليات وهو الإسلام, وما يأتي من أحكام فهي تبع لذلك.

    ولهذا في سؤاله الثاني عن الإيمان, قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه. من هو الله؟ الله هو أن تشهد أن لا إله إلا الله هو الواحد الفرد, أن لا معبود بحق إلا هو, بل هو الواحد المعبود بحق, وألا يعبد إلا هو سبحانه وتعالى, وأن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره وبالبعث بعد الموت.

    فهم كليات الدين وعلاقته بفهم جزئياته

    هذه أركان الإيمان قد يقول قائل: ما علاقتها بالإيمان بالله, والإيمان بذات الله سبحانه وتعالى وارتباطها بالإسلام الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام أول ما قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله.

    نقول: الشيء يعرف بحقيقته في ذاته, وبيانه عن غيره, ولهذا إنما ضل الناس في الخلط بين هذه الحقائق, من هم الملائكة؟ هل هم بنات الله, أم ليسوا ببنات الله, أو خلق من خلق الله؟

    بين أن الإيمان لا يكون إلا أن تعرف الله على وجه الحقيقة, وأن تعرف من هم الذين يخلط فيهم هذا الضلال من الجاهلين وأنهم ملائكة, هؤلاء الرسل هل يستحقون العبودية من دون الله عز وجل, أم إنما هم مبلغون عن الله, فتؤمن بالله على الحقيقة, وتؤمن بملائكته ومن هم, وتؤمن برسله ومن هم, وما هو مقدارهم الذي أمر الله عز وجل بأن يجعل لهم. فكل شيء يفهم بذاته, ويفهم كذلك بفهم غيره.

    ولهذا لابد من فهم الكليات من جهة المعنى العام, ولابد من فهم الجزئيات حتى تتمايز فيما بينها؛ ولهذا الضلال إنما دخل في الأمم أنهم فهموا التعظيم بكليته من غير فهم مراتب الجزئيات, مراتب الجزئيات النبي معظم, الملائكة معظمون, الكتب معظمة, أيضاً ما يأتي مما يعظمه الله عز وجل في خلقه, هذا التعظيم إذا وجد في قلبك لهم ولم تميز مراتب التعظيم وأنواعه وأجناسه فإنك تقع في الخلط, فتجعل الملائكة بنات لله سبحانه وتعالى, تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً, تجعل النبي وهو عبد ورسول تجعله رباً وإلهاً فيعبد كما عبد النصارى عيسى ابن مريم فجعلوه إلهاً من دون الله عز وجل.

    ولهذا نقول: إن فهم الكلي العام لا يجعل الإيمان مستقراً في قلب الإنسان, لابد من فهم مراتب التعظيم, وفهم هذه الجزئيات, ولهذا ثمة تلازم بين مسألة الإسلام ومسألة الإيمان وهي في البيان والتفصيل فيها؛ لهذا كان سؤال جبريل أول ما سأل عن الإسلام فقال: أخبرني عن الإسلام؟ يعني: الذي تدعو إليه حتى ألج إلى تفاصيله, ولهذا نقول: إنه ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يتعلم أن يفهم الكليات قبل الجزئيات.

    فجبريل عليه السلام سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الكليات, وأعظم الكليات اتساعاً هو معنى الإسلام, هو المعنى العام له, ثم أراد أن يدخل بعد ذلك إلى جزئياته وتفاصيله ومعرفتها من جهة مراتبها, كما بينها الله سبحانه وتعالى, فسأل جبريل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإسلام فقال: أخبرني عن الإسلام؟

    معنى الإسلام

    الإسلام إنما سمي إسلاماً لأنه استسلام لله سبحانه وتعالى وانقياد له جل وعلا بالطاعة, وخلوص من الشرك, هذا هو حقيقة الإسلام أن يستسلم الإنسان لله سبحانه وتعالى، بعبادته وحده لا شريك له, كذلك أيضاً أن يبرأ من كل ند أو نظير أو شبيه أو مثيل له سبحانه وتعالى في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.

    دخول الإسلام بالشهادتين

    الإسلام قال له النبي عليه الصلاة والسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله, لا يدخل أحد الإسلام إلا بهاتين الكلمتين وإدراك معناهما, وأما النطق بهما من غير إدراك للمعنى فلا يغني الإنسان شيئاً؛ لماذا؟ لأن الإنسان لا يقبل منه القول, ولا يقبل منه الفعل؛ حتى يقول ويفعل مع إدراك لما يقول ويفعل, وإلا يصبح فعل الإنسان كحال المجنون أو النائم أو السكران أو غير ذلك الذين يتحركون من غير إدراك لتلك الحركة.

    كذلك أيضاً في قول الإنسان, الإنسان إذا تكلم بكلام وهو في حال نومه أو في حال جنونه أو في حال سكره، بمثل هذا ولو كان خيراً, هل يؤجر عليه؟ لا يؤجر عليه؛ لماذا؟ لأنه لم يدرك هذا المعنى ولم ينوه, ولهذا نقول: إن إيمان الإنسان وإسلامه لا يتحقق حتى ينطق بالشهادتين.

    المراد من توجيه الخطاب لجبريل في إجابة النبي صلى الله عليه وسلم عليه

    قوله: أن تشهد أن لا إله إلا الله, هذا خطاب بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين جبريل, والمراد به إعلام السامعين, وليس المراد به النبي صلى الله عليه وسلم، وليس المراد به جبريل, وفي هذا إلى أنه يجوز أو يستحب للإنسان أن يظهر الإجابة, والسائل يظهر السؤال، فلا يريد المجيب الإجابة للسائل, ولا يريد السائل السؤال لنفسه ممن يجيب وإنما يريد غيره, وهذا نوع من التمثل أن يتمثل الإنسان بصورة الجاهل, وأن يوجه الإنسان الخطاب لأحد وهو يريد غيره ليعلمه بما يريد إعلامه.

    ولهذا توجه الخطاب بأسلوب الفرد لما سأله عن الإسلام قال: أن تشهد أنت يا جبريل أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    خطاب الملائكة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم

    الشهادة هنا توجهت إلى جبريل, هل جبريل مخاطب برسالة محمد صلى الله عليه وسلم حينما يبين له ذلك؟ جبريل ليس بمخاطب برسالة محمد صلى الله عليه وسلم اتباعاً, وإنما علماً وإيماناً بذلك, ولهذا نقول: إن الملائكة لهم اختيار أو ليس لهم اختيار؟ لهم اختيار, ولهذا حمدهم الله عز وجل وأثنى عليهم سبحانه وتعالى: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] .

    الذي ليس له اختيار وليس له تصرف، ويسير من غير اختيار، لا يحمد إذا بدر منه فعل, كحال الحجر حينما تأتي به الرياح ويسير فلا تحمد الحجارة؛ لأنه سيرها وليس لها اختيار, ولكن إذا كان للإنسان اختيار أن يختار ثم اختار الخير ولم يختر غيره حمد على ذلك, والله جل وعلا جعل للملائكة اختياراً, وجعلهم لا يخرجون سبحانه وتعالى عن أمره, فحمدهم الله سبحانه وتعالى على ذلك.

    ولهذا نقول: إن الملائكة ليسوا بمخاطبين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم من جهة الاتباع, فلا يخاطبون بالصلاة ولا بالصيام ولا بالزكاة ولا بالحج ولا بغير ذلك من الشرائع, ولكن يخاطبهم الله سبحانه وتعالى أمراً بشيء من أجناس ذلك على سبيل المناسبة لا على أصل التشريع.

    مثال ذلك: أن الله عز وجل يأمر الملائكة أن تقاتل مع محمد صلى الله عليه وسلم، إذاً فهو تشريع جهاد, فهل الملائكة حينما قاتلوا مع محمد صلى الله عليه وسلم قاتلوا اتباعاً لأصل التشريع أو أمراً استثنائياً من الله خاصاً؟ أمراً استثنائياً من الله سبحانه وتعالى خاصاً؛ ولهذا نقول: إن في قول جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام أخبرني عن الإسلام, وإجابة النبي عليه الصلاة والسلام له في قوله: أن تشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله, المراد بذلك هو الإيمان والعلم، وليس المراد بذلك هو الاتباع والاقتداء بأمر الرسالة, فالذين يؤمرون باتباع محمد صلى الله عليه وسلم هم الأنس والجن؛ ولهذا يقول الله جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] .

    فما خلق الله عز وجل الإنس والجن وهم الذين تتوجه إليهم خطاب الرسل وخطاب النذر, ويجب عليهم حينئذ أن يتبعوا. ما عداهم من المخلوقات هل هم مخاطبون في ذلك أم لا؟

    نقول: ما عداهم من المخلوقات ممن يخاطب بالتكليف ولديه إدراك هذا لا دليل على دخولهم في هذا, وإن وجد أو دلت بعض الأدلة على وجود من يدرك ويعقل من غير الثقلين, وخلق الله عز وجل لا يعلمهم إلا هو سبحانه وتعالى, ولهذا جاء في حديث سلمان الفارسي وغيره مرفوعاً وموقوفاً: ( أنه ما من رجل يكون في بادية ثم يؤذن لنفسه ويقيم ويصلي إلا صلى خلفه من خلق الله ما لا يرى طرفاه )، من خلق الله, من هم هؤلاء الخلق؟ الله أعلم بهؤلاء.

    ولكن الله سبحانه وتعالى وجه الخطاب في ظاهر النص إلى الثقلين من الجن والإنس, وهناك من مخلوقات الله سبحانه وتعالى ما يقطع بعدم دخولهم في هذا, وذلك لظواهر النصوص في الملائكة عليهم السلام, وأما الجواب هنا في توجيه الخطاب إلى جبريل في قوله: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله المراد بذلك هو العلم والإيمان بهذا.

    وهذا الجواب أراد النبي عليه الصلاة والسلام على ما تقدم إعلام الصحابة.

    1.   

    معنى الشهادتين ومقتضيات دخول الإسلام بهما

    أما الشهادة فهي إخبار بما في القلب, وأن ينطق بما في القلب اللسان, ولهذا يسمى الشاهد شاهداً، أنه شهد بشيء ثابت في قلبه فنطق به بلسانه, فلا يعتبر شاهداً حتى يتكلم, فإذا تكلم فهو أثبت وبين ما في قلبه واستقر وظهر به؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( على مثل هذا فاشهد )، فما سماها شهادة حتى ينطق بها, مع أن العلم بها مستقر قبل ذلك.

    ولهذا الذي يوجد في قلبه إيمان بالله وتصديق برسالته وبنبوة النبي عليه الصلاة والسلام والملائكة؛ لكنه لا ينطق بالشهادتين هل يعد مؤمناً؟ لا يعد مؤمناً؛ لأن الإيمان قول وعمل ونية, ولابد من وجود هذا في الإيمان, ولهذا أصل معنى الشهادة في قوله: أن تشهد أن لا إله إلا الله أن تخبر عما في قلبك وإلا أخذ الحكم من ظاهرك؛ لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى جعل الإيمان قولاً وعملاً, والناس مأمورون بأن يأخذوا بما ظهر من أمور الناس.

    وفي قوله: أن تشهد أن لا إله إلا الله, لا إله إلا الله أي: لا معبود بحق إلا الله, وقد فسر هذا غير واحد من العلماء, وأوائل من فسر هذا هو ابن جرير الطبري رحمه الله, لا إله إلا الله أي: لا معبود بحق إلا الله.

    وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهنا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: وأن محمداً رسول الله يأتي في بعض ألفاظ الحديث: ( وأني رسول الله )، وأظهر في هذا بقوله: أن تشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم, والشهادة للنبي عليه الصلاة والسلام بالرسالة أنه خاتم الأنبياء والمرسلين بعثه الله عز وجل للناس كافة, ختم به سائر الرسالات, وأنزل عليه كتابه الحكيم، القرآن الكريم, وجعله الله سبحانه وتعالى باقياً خالداً إلى أن يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها.

    صحة إيمان من لم يتمكن من النطق بالشهادتين

    وهنا مسألة من المسائل وهي أن الإنسان إذا وقع الإيمان في قلبه وعرفه, ولكنه لم يتمكن من النطق بالشهادتين بلسانه؛ لعدم إدراكه للنطق كالأعجم الذي يدرك ويعلم ويؤمن بأن الله عز وجل واحد ولا معبود إلا هو, وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدرك هذا المعنى, ولكنه لم ينطق بالشهادتين.

    نقول: إن هذا لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أنه استنطق فلم ينطق, أو علم ولو لم يستنطق, علم هو بهذه فلم ينطق بها فنقول حينئذ: لا يثبت إيمانه حتى ينطق به.

    وأما الحالة الثانية: فهو رجل لم يستنطق بالشهادتين ولم يعلم بلفظها, ولكنه علم بمعناها, فإذا سئل: من تعبد؟ قال: الله. وحده؟ قال: نعم. ومن هو نبيك؟ قال: نبيي محمد. هذا مؤداها هو مؤدى أن تشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم, فهل يثبت بذلك إيمانه؟

    نقول: يثبت بذلك إيمانه على الأرجح ما لم يستنطق بالشهادتين فلم ينطق, أو يكون عالماً بها من جهة لفظها ثم لم ينطق بها فنقول حينئذ: هذه لها حالة, ويكون في ضمن هذا بعض المسلمين الذي يكون مثلاً من العجم ففهم بالإسلام وما فيه من معان وأحكام, وكذلك أيضاً من أصول عظام, واقتنع بهذا وقال: أريد أن أدخل في الإسلام, ولهذا يوجد في بعض العجم من يدخل الإسلام ويجهل من حوله أن ينطقه الشهادتين ثم يؤمن بأركان الإسلام والإيمان ويحضر الصلوات مع الناس ثم يموت.

    وقد سئلت في مسألة في رجل من الهند كان وثنياً كعقيدة قومه ثم عرف بالإسلام فعرفه وقال: آمنت, وعرف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وآمن به نبياً، ولكنه لم يستنطق بالشهادتين وأخذ يصلي لمدة أسبوعين مع الناس ولكنه لا يدري ما يقول, إلا أنه تحقق في فهمه وإيمانه المراد من الشهادتين وفسر من حوله بإنطاقه بالشهادتين ثم علم من حوله بإسلامه ولتطرفهم قتلوه, فمات بعد أسبوعين من ذلك.

    ويسألون عن حكمه هل يغسل ويكون من أهل الإسلام ويأخذ أحكامه من جهة الإرث وغير ذلك, أم يكون على ما هو عليه, مع قولهم أنه لم ينطق بالشهادتين إذ أنه لم يستنطق ولم يعلم بالتلفظ بها؟

    فنقول: في مثل هذا أنه في ظاهر الأمر يأخذ حكم الإسلام, وهذا قد نص عليه غير واحد من العلماء كــابن تيمية عليه رحمة الله.

    اشتراط نفي الكفر السابق لمن دخل في الإيمان

    وشهادة أن محمداً رسول الله على ما تقدم أن يخبر الإنسان وأن يخرج ما في قلبه فيشهد فيقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله, وهل كل من كان على غير الإسلام لا يدخل إلا بها أم لا؟

    نقول: جاء في كلام بعض السلف الزيادة على ذلك في أمر النصارى أن يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله وأن أمه صديقة, وذلك لينفي الكفر القائم في ذاته في العقيدة السابقة في مثل هذا.

    وهذا لو أخذنا به من جهة الأصل والمعنى هل يدخل في غيره من العقائد إذا كان الإنسان أراد أن يدخل في عقيدة التوحيد ودين الله عز وجل الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم, هل لابد أن يصرح بالكفر بالنص على ما كان عليه ويعتقد فيما عداه؟

    نقول: هذا هو الأصل ما لم يدرك معنى الشهادتين من جهة الحقيقة، وأنها ملغية ونافية لكل ما عداها مما مضى, وإنما قدم النبي عليه الصلاة والسلام الشهادتين في ذلك؛ لأن الشهادتين هي أول ما يدعى إليه, ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما بعث معاذاً إلى اليمن كما جاء في الصحيحين من حديث أبي معبد عن عبد الله بن عباس قال النبي عليه الصلاة والسلام لــمعاذ بن جبل: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله ) .

    فالشهادتان يختصران معنى التوحيد, ولهذا تسميان بكلمتي التوحيد, ولا إله إلا الله هي كلمة التوحيد, أي: لا معبود بحق إلا الله, ولهذا جاء في رواية البخاري قال: ( فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله )، أي: أن يفردوه بالعبادة سبحانه وتعالى, وهذا يدل على أنه أول ما يدعى إليه يجب أن يكون بتوحيد الله سبحانه وتعالى لا أن يتجاوزه إلى غيره من الفروع, إذ لا يصح من أحد عملاً فرعياً حتى يؤمن بالله وحده وحقه في العبادة وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    أداء الصلاة والحفاظ عليها

    الملقي: [ ( قال صلى الله عليه وسلم: وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ) ].

    الشيخ: هنا ذكر إقامة الصلاة قال: وتقيم الصلاة, أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن تقيم الصلاة, مسألة الصلاة انتقل النبي عليه الصلاة والسلام مما يتعلق بالشهادتين ولازمهما، وما يتعلق بالإخبار بما في القلب إلى عمل الجوارح.

    أهمية الصلاة في الإيمان

    وابتدأ النبي عليه الصلاة والسلام بأعظم أعمال الجوارح وهي الصلاة, وهي آكد الأعمال التي يفعلها الإنسان بجوارحه, وهذا دليل أيضاً على أنه لا يصح إيمان الإنسان إلا بوجود الإيمان القلبي وقول اللسان وعمل الجوارح, أما الإيمان القلبي وقول اللسان فهو على ما تقدم قول أن تشهد أن لا إله إلا الله, أن تخبر عما في قلبك أن الله لا إله إلا هو, وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: فتحقق الإيمان القلبي وقول اللسان ثم جاء بعد ذلك عمل الجوارح, وهو أن تقيم الصلاة, وهي أعظم الأركان العملية وهي الركن الثاني من أركان الإسلام, كما في هذا الحديث وكما في حديث عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, وصوم رمضان, وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً ).

    تقديم الصلاة على غيرها وحكم تاركها

    الأركان أخذها العلماء من هذا الحديث وحديث عبد الله بن عمر وغيره, فسميت أركان الإسلام الخمسة, أخذت على هذا المعنى, كذلك أيضاً فإن النبي عليه الصلاة والسلام إنما قدم الصلاة على غيرها؛ لأن إسلام الإنسان لا يصح إلا بأداء الصلاة على الأرجح, وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أحاديث كثيرة, وهي من الوحي في بيان كفر تارك الصلاة, ومن ذلك ما جاء في الصحيح من حديث جابر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة ), وكذلك أيضاً ما جاء في حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة, فمن تركها فقد كفر ), وغير ذلك.

    وكذلك أيضاً ما جاء في حديث بشر بن المفضل عن الجريري عن عبد الله بن شقيق أنه قال: ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون الشيء من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة, كما جاء عند الترمذي ومحمد بن نصر في كتابه تعظيم قدر الصلاة.

    وقد جاء عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على هذا, على كفر تارك الصلاة, كما جاء عند محمد بن نصر حديث ابن سعد بن أبي وقاص أنه سأل أباه في قول الله عز وجل: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5]، قال: ما المراد بالساهين؟ قال سعد بن أبي وقاص: هو أن يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها, وليس هو الترك, فإنه إن كان تركاً كان كفراً.

    ويتفق العلماء على أن تارك الصلاة كافر, ولكن يختلفون في الكفر, هل هو كفر أكبر أو كفر أصغر؟ كما أشار إلى هذا محمد بن نصر, بعض العلماء يرون أن المقصود في هذه الأحاديث هو الكفر الأكبر المخرج من الملة, وهذا هو المترجح, وقد نص على ذلك الإمام أحمد رحمه الله, أي: نقل عنه ذلك في مواضع عديدة, جاء أيضاً عن الإمام الشافعي قد نقله عنه الطحاوي في كتابه مختصر اختلاف العلماء, وكذلك أيضاً نقله عن الإمام مالك رحمه الله ورواية عنه بكفر تارك الصلاة, وجاء أيضاً عن بعض الأئمة القول بعدم كفر تارك الصلاة, جاء ذلك عن أبي حنيفة عليه رحمة الله.

    ولهذا نقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام إنما قدم هذا الركن العملي على غيره لأهميته ومنزلته وفضله ومن وجوه تأكيده أيضاً وأهميته أنه ما من شرعة من الشرائع إلا وأمر الله عز وجل بالصلاة فيها, فهي تشترك فيها سائر الشرائع, ولكن تختلف من جهة عدد ركعاتها وأوقاتها وهيئاتها, فمنهم من يقول: إن بعض ركعات الشرائع أنها تكون بسجدة واحدة, ومنهم من يقول ركوع بلا سجود, وبعضهم يأخذها في بني إسرائيل كما في قول الله عز وجل لــمـريم: وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران:43] . قالوا: هو ركوع لا يكون عنده سجود, ومنهم من يقول: إن ذكر الركوع لا يلزم من ذلك هو نفي السجود باعتبار أن من ركع سجد.

    ونقول: إن الاختلاف بينهم من جهة الأزمنة, وكذلك أيضاً عدد الركعات أو ربما أيضاً بعض الصفات والأذكار التي تكون في الصلاة, أما الأصل فالصلاة شرعها الله سبحانه وتعالى لسائر أنبيائه وأمر بها الأمم. والشريعة إذا اشتركت بها سائر الشرائع فهذا دليل على أهميتها وجلالة قدرها.

    كذلك أيضاً في هذا الحديث قال: أن تقيم الصلاة, ما قال: أن تؤمن بالصلاة, أن تؤمن أن الله أمرك بالصلوات فقط, وإنما ذكر إقامة الصلاة, إقامة الصلاة أن تؤديها كما أمر الله سبحانه وتعالى, إذاً: الخطاب هنا توجه إلى إقامة الصلاة لا إلى الإيمان بها, فإن الإنسان إذا لم يؤمن بالصلاة, وأنها واجبة, فهو كافر بالله وإن أداها, فلو فرض أنه يوجد شخص يقول: إن الصلاة ليست بواجبة ولكنها مستحبة, وأنا أؤديها؛ لأنها مستحبة فقط فهو كافر بالله ولو أداها, وخير منه من يؤمن بها وجوباً ولا يؤديها, وهو أخف منه باعتبار أن ذاك جاحد وهذا معطل, والجاحد أشد من المعطل.

    ولهذا إنما جاء الأمر بإقام الصلاة في قوله: وأن تقيم الصلاة, يعني: التي أمر الله سبحانه وتعالى بها, ويتفق العلماء على أن المراد بالصلاة هنا هي الصلوات الخمس, وذلك لأنها هي الركن الثاني من أركان الإسلام, وليس المراد بذلك ما يتعلق بالنوافل وما يتعلق بفروض الكفايات كصلاة الاستسقاء والخسوف والكسوف وغيرها مما يشرعه الله سبحانه وتعالى على غير وجه التأكيد والإلزام على الأفراد, وإنما المراد بذلك هي الصلوات الخمس, وهي المرادة في أوامر الله سبحانه وتعالى بقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43], هذا أمر من الله سبحانه وتعالى بالإتيان بالصلوات الخمس.

    والخطاب هنا أن تقيم الصلاة تتوجه إقامتها إلى الإنسان في صور:

    أول هذه الصور: أن يؤديها كما شرع الله سبحانه وتعالى من جهة صورتها الظاهرة والباطنة.

    الثانية: أن يؤديها جماعة, ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، أن تؤدى الصلاة على وجه الحقيقة كما أمر الله, وأن يكون ذلك أيضاً مع الراكعين, لا أن يكون الإنسان منفرداً بأدائه للصلاة.

    1.   

    إيتاء الزكاة

    الملقي: [ ( قال صلى الله عليه وسلم: وتؤتي الزكاة ) ].

    الشيخ: وقوله هنا: تؤتي الزكاة فيها تجانس مع قوله: وأن تقيم الصلاة، ذكر الإقامة مع الصلاة وما قال أن تؤمن بالصلاة, كذلك أيضاً في قوله: أن تؤتي الزكاة, وما قال أن تؤمن بوجوب الزكاة, ذكر الإيتاء يعني: تخرج، لا مجرد الإيمان, وبه نعلم أن الإسلام يتعلق بالأعمال الظاهرة, ولهذا جاء عن غير واحد من السلف قال: إن الإسلام علانية والإيمان السر, يعني: الإيمان يطلق على العمل الباطن في حال اجتماع الاسمين، والإسلام يطلق على العمل الظاهر. فإذا انفردا حمل كل واحد منهما معنى الآخر.

    المقصود بالزكاة وفيما تكون

    وفي قوله هنا: وتؤتي الزكاة، المراد بالزكاة هي إخراج نصاب المال الذي أوجبه الله سبحانه وتعالى في مال الإنسان, والزكاة سميت زكاة من النماء والطهر, ولهذا يقال: فلان زكي، يعني: طاهر القلب, وكأن المال إنما هو ليس بطاهر حتى تخرج الزكاة منه, وإلا يبقى فيه النجس أو غير ذلك, ولهذا نقول: إن الأموال لا تطهر إلا بأداء زكاتها.

    في قوله هنا: أن تؤتي الزكاة, الزكاة تكون في الأموال، يعني: من النقدين من الذهب والفضة, وتكون في عروض التجارة, وتكون في بهيمة الأنعام, وتكون أيضاً في الزروع والثمار, والمراد بذلك هي الزكاة الواجبة, والزكاة الواجبة التي أوجبها الله سبحانه وتعالى في الأموال، منها ما يشترط فيه دوران الحول, ويحمل في ذلك حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى كما في السنن قال: ( ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول ), والمراد بهذا ما يتعلق بالنقدين من الذهب والفضة وما في حكمها, وكذلك أيضاً من بهيمة الأنعام, وكذلك أيضاً عروض التجارة.

    وأما بالنسبة للزروع والثمار فإن الله عز وجل أوجب الزكاة فيها عند حصادها, وذلك أن من الزروع والثمار ما تحصد في العام أكثر من مرة فلها موسمان, ومنها ما له موسم واحد, ومنها ما هو له أكثر من ذلك خاصة مع تطور ما يسمى بأحوال الناس أو البيئات ما يسمى بالبيوت المحمية بحيث توضع لها بيئات، فالأصل في الزروع في الغالب أن تكون لها حولاً واحداً فتخرج في ذلك.

    ولكن تهيأ لبعض أنواع الزروع والثمار بيئات وأجواء، فحينئذ يستطيع الإنسان أن يخرجها في أكثر من عام حينئذ يجب عليه في كل عام, وجعل الله سبحانه وتعالى في ذلك لكل نوع من هذه الأنواع نصاباً يقدره الله جل وعلا تخرج فيه, والكلام على هذا يطول.

    زكاة حلي المرأة

    وهنا جملة من المسائل تتعلق بهذا الباب, في أمور الزكاة, منها ما يتعلق بحلي المرأة الذي تلبسه ولو كان غالي الثمن, اختلف العلماء في إخراج زكاته على قولين: ذهب جمهور العلماء إلى عدم وجوب ذلك, وهذا قول الإمام مالك والشافعي والإمام أحمد, وهو قول أيضاً جماعة من الصحابة, جاء ذلك عن عبد الله بن عمر وأسماء وعائشة وغيرهم إلى أن حلي المرأة ليس فيه زكاة ولو كان غالي الثمن. وجاء عن أبي حنيفة القول بوجوبه.

    والصواب: عدم الوجوب, ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القول بوجوب زكاة حلي المرأة, ولكن نقول: إن ثمة صوراً في حلي المرأة يجب فيه الزكاة, وذلك أن المرأة إذا اشترت ذهباً على صورة الحلي, ولكن ما أرادت به التزين هي أرادت به الادخار لكن صورته أنه حلي وتدخره وتأخذ سنوات لا تلبسه أو ربما ما شرته للبس وإنما أرادت أن تحفظ مالها من الضياع أو الصرف أو غير ذلك فأرادت أن تجعله في ذهب فاشترت ذهباً على صورة حلي حينئذ نقول: إذا اشترته وتريد منه اللبس وقصدت ذلك إذا جاءت مناسبة لبسته فهذا لا يزكى، لو لم تأت المناسبة لسنة أو سنتين أو ثلاث سنوات، فالمناسبة يحكمها الظروف ومشيئة الله عز وجل إذا هيأ ظروفاً في مثل هذا, فإذا لم يهيئ فإنها لا تلبس حينئذ نقول: إنه لا يجب فيه الزكاة.

    أما إذا كان حلياً للادخار ولو كانت صورته حلياً فيجب عليها في ذلك أن تزكيه؛ لأنه مال مكنوز, فيجب عليها حينئذ الزكاة.

    زكاة الدين

    ومن هذه المسائل أيضاً ما يتعلق بالدين الذي يكون على الإنسان, بعض الناس يكون عليه دين أو له دين, وهاتان حالتان: الحالة الأولى: أن يكون على الإنسان دين فهو مدين, فالدين في هذا إذا كان دين الإنسان أكثر من ماله فإنه يخصم الدين الذي عليه وبه يعرف المال الذي لديه, هل المتبقي يكون أكثر مما يجب فيه الزكاة أو أقل, إذا كان دون ذلك فلا يجب عليه الزكاة كالذي مثلاً لديه ألف, وعليه دين ألفين هذا لا يجب عليه الزكاة.

    أو شخص مثلاً عليه دين, وهي مثلاً خمسمائة, ولكن لديه مثلاً ألف, فإنه يزكي خمسمائة, وأما الدين الذي عليه خمسمائة فإنه يسقطها من أصل ماله ويخرج المتبقي في هذا, وهل يدخل في هذا الأقساط والقروض الميسرة, بمعنى أن الإنسان يدفعها قروضاً على مدة خمس سنوات أي: ليست عاجلة.

    نقول: يدخل في هذا أيضاً على الأظهر لاحتمال أن الذمة مشغولة بها, والشريعة تتشوف إلى التعجيل بقضاء الدين ولو كان على التيسير, فلو مات الإنسان قبل قضائها، ولو كانت منجمة لخمس سنوات فإن نفسه تبقى رهينة لذلك, فالشريعة تتشوف إلى قضاء الدين.

    وأما الحالة الثانية: إذا كان للإنسان دين عند الناس, فهل يزكيه أم لا؟ نقول: هذا لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يكون لك مال عند الناس, قد أقرضته أحداً من الناس, وهذا الذي أقرضته غنياً, أو لم يكن غنياً ولكنه قادر على أن يعيد المال, فأقرضته وهو يحفظ المال ولم يستهلكه، كحال الذين يقرضون الناس لأجل أن يتاجر بهذا المال أو يضارب فيه مضاربة أو نحو ذلك, فإذا احتاج إلى هذا المال طلب المال فإنه يعيده إليه في أي وقت فهو رهين بطلبه.

    حينئذ نقول: هذا المال كحال الوديعة ولو كانت بصورة دين, لأنك متى ما طلبته رجع إليك, فيجب عليك أن تزكيه ولو كان عند صاحبك فإذا زكاه الذي أقرضته إياه, فهل تزكيه أم لا؟ نقول: لا تزكه أنت فإنه يكفي الزكاة من طرف واحد.

    أما الحالة الثانية: وهي إذا كان المال عند شخص غير ملئ فلو طلبت مالك لا يعطك إياه, وذلك لفقره أو استهلاكه أو ربما وضعه في تجارة طويلة الأمد لا يستطيع أن يعطيك إياه هذه اللحظة أو هذا الشهر أو الشهرين أو السنة أو نحو ذلك فإنه لا تجب فيه الزكاة.

    ومتى يزكيه؟ يزكيه إذا قبضه لعام واحد, فمثلاً بقي الدين عند الشخص لمدة خمس سنوات أو ثلاث سنوات ثم أعاده إليك, فإذا أعاده إليك تزكيه مرة واحدة التي هي العام المنصرم عند قبضه، ويسقط عنك ذلك بإذن الله تعالى.

    زكاة الثمار والزروع

    وأيضاً من المسائل المهمة في هذا ما يتعلق بالثمار والزروع وذلك أنها أيضاً على حالين, الزروع والثمار في هذا على حالين: ما سقته السماء, بمعنى أنه لم يتكلف فيه الإنسان، تسقيه السماء يقوم الإنسان مثلاً بوضع الحبوب في الأرض أو مثلاً يكون النخيل أو مثلاً الأشجار التي تثمر، يضعها الإنسان ويسقيها الله عز وجل من السماء، أو تشرب من باطن الأرض من غير كلفة من الإنسان، فإذا لم يكن ثمة كلفة من الإنسان فإنه يجب عليه أن يزكي في ذلك العشر, يعني: يخرج من ذلك 10%.

    أما إذا كان في ذلك مشقة عليه يعني: بكلفة, قام باستخراج الماء, يقوم بإخراج المكائن أو حفر آبار أو وضع شبكات ري تقوم بأخذ كلفة عليه في مولدات كهرباء، أو مثلاً بتقطير أو بالسقيا باليد أو عن طريق مثلاً أجهزة أو سيارات أو غير ذلك، يقوم بإسقائها فإنه يخفف عليه في هذا, ويخرج من ذلك نصف العشر, وهو 5% كما جاء في حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى في الصحيحين.

    وأمر النبي عليه الصلاة والسلام هنا في قوله: وتؤتي الزكاة, إيتاء الزكاة كما هو ظاهر ركن من أركان الإسلام, ويأتي من جهة التأكيد والفضل بعد الصلاة, وهو في الواجبات المتعلقة بالمال, والصلاة متعلقة بالبدن, ولهذا نقول: إن أعظم الطاعات المالية هي الزكاة, وأعظم الطاعات العملية هي الصلاة, وإنما تعطف كثيراً الزكاة بالصلاة, وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43], يجعلها الله عز وجل تابعة وتالية للصلاة, وذلك لأهميتها, وأهميتها تكمن في تطهير الإنسان من جهة ذاته, وكذلك بركتها تكون عائدة عليه وفي ماله أيضاً, وفي ذلك أيضاً مدافعة للفقر الذي يكون في الناس, فهي أيضاً من الواجبات المتعدية إلى نفع الناس, فيسد في ذلك حاجة المحتاج.

    الواجب على الإنسان في ماله من الصدقة غير الزكاة

    ومن المسائل أيضاً: ما يتعلق بالواجب على الإنسان في ماله من غير الزكاة, هل يجب على الإنسان شيء في ماله يخرجه لغير ما يجب عليه عيناً من نفقة ذريته ونحو ذلك غير الزكاة, فهل يوجد صدقة واجبة على الإنسان؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين, منهم من قال بوجوب شيء في المال سوى الزكاة, وهي الصدقة لابد أن تتصدق بشيء غير الزكاة بدينار بدرهم، أن يخرج منك شيء.

    من العلماء من قال: أنه لا يجب على الإنسان إلا الزكاة, وما عدا ذلك فيكون مستحباً, هما قولان في هذا, والأظهر في هذا أنه لا يجب على الإنسان في ماله شيء إلا الزكاة, ولو وجب عليه شيء من غير الزكاة لجاء بنص صريح, وأما التأكيد والفضل في هذا فإن النصوص في ذلك كثيرة ومتظافرة, فـ (إن المؤمن في ظل صدقته يوم القيامة ) .

    1.   

    صيام رمضان

    الملقي: [ ( قال صلى الله عليه وسلم: وتصوم رمضان ) ].

    الشيخ: قوله هنا: وتصوم رمضان, ذكر الصيام بعدما ذكر الزكاة وهو أيضاً الركن الرابع من أركان الإسلام.

    تقديم الصيام على الحج

    والأصل في الروايات أن الصيام يقدم على الحج, وهذا هو المشهور في أكثر الطرق في حديث عبد الله بن عمر بقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( بني الإسلام على خمس )، لكن جاء في رواية عند الإمام مسلم رحمه الله في كتابه الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله, وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتصوم رمضان )، فقدم الحج على الصيام.

    ولكن الذي يظهر والله أعلم أن هذه الرواية رويت بالمعنى، وأشهر الطرق وأصحها في ذلك هو تقديم الصيام على الحج, والصيام هو الإمساك، ويسمى صياماً؛ لإمساك الإنسان وامتناعه عن المفطرات وأصلها الأكل والشرب, ويلحق بذلك من أحكام المفطرات ما دل عليه الدليل.

    تعلق ركنية الصيام بشهر رمضان

    قال: وأن تصوم رمضان, وإنما ذكر رمضان ليعلق الركنية والحكم به, فمن صام في غير رمضان لم يكن مؤدياً الركن، كالذي يصوم في شعبان، يصوم في محرم أو يصوم مثلاً في شوال أو غيره، هذا لا يتحقق فيه الحكم وإنما الحكم يتعلق بمن صام رمضان، كحال الصلاة فالمراد بها هي الصلاة المكتوبة, فيجب على الإنسان أن يؤديها كما أمر الله عز وجل, المراد بذلك الصلوات الخمس, ما عدا ذلك فهي نوافل ومستحبات بمقدار ترتيب الشارع فيها, يجب على الإنسان أن يؤديها كما أمر الله سبحانه وتعالى.

    وفي قوله هنا: أن تصوم رمضان، ذكر الصيام كحال ما ذكره في السابق قال: (أن تقيم) (أن تؤتي) (أن تصوم) يعني: لابد في ذلك من عمل, وهذا يؤيد ما تقدم الإشارة إليه وهي أن الإسلام إذا اقترن مع الإيمان فإنه يتعلق بالأعمال الظاهرة، بخلاف الإيمان فإنه إذا اقترن مع الإسلام فإنه يتعلق بالأعمال الباطنة, وإذا انفردا حمل كل واحد منهما معنى الآخر.

    سبب تسمية رمضان بهذا الاسم

    وقوله هنا: رمضان, رمضان إنما سمي بهذا الاسم قيل: لأنه إنما سميت الأشهر عند العرب في زمن الصيف, فكان في شدة حر فسمي به, وهو الشهر التاسع من السنة القمرية, فسمي برمضان، فأطلق عليه هذا الاسم فنزلت الشريعة على ما اصطلح عليه الناس.

    ومن العلماء من يقول: إن رمضان إنما سمي برمضان؛ لأنه يرمض الذنوب ويحرقها؛ وذلك لفضل الصيام فيه, وهذا من كلام بعض العلماء من باب الاستنباط وإلا لا دليل عليه, ولا يثبت أيضاً أن رمضان من أسماء الله سبحانه وتعالى, فقد جاء في بعض الأحاديث كحديث أبي هريرة وقد رواه ابن أبي حاتم في كتابه التفسير أنه قال: لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله, هو حديث منكر قد أنكره علي بن المديني وغيره, وإن كان قال بعض السلف في هذا: إن رمضان اسم من أسماء الله, جاء ذلك عن مجاهد بن جبر وغيره إلا أنه قول لا دليل عليه.

    ولهذا يكره بعض الفقهاء أن يقال رمضان من غير إضافة شهر، فيقال: صام فلان رمضان, بل يقولون: صام فلان شهر رمضان, وكراهة ذلك جاء من بعض الفقهاء من الشافعية, والأرجح في هذا أنه لا يكره إذ لا دليل على أن رمضان هو من أسماء الله سبحانه وتعالى, وإنما هو شهر من الشهور, وأسماء الله عز وجل ما ثبتت في كتابه وأيضاً في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وما عدا ذلك فهي أقوال تحتاج إلى بينة وإلى دليل ظاهر صحيح صريح.

    اختلاف الصيام عن غيره ووجوب النية فيه

    وكذلك أيضاً فإن صيام رمضان يختلف من جهة جنسه عن الصلاة وكذلك أيضاً الزكاة باعتبار أن الصلاة عمل, والزكاة أيضاً عمل في الأموال وتلك بالأبدان, أما الصيام فهو تروك, وهذا يدل على أن الأعمال في الشريعة وكذلك أيضاً في اللغة تطلق على الأفعال والتروك, فالفعل عمل الجوارح يدخل في دائرة الأعمال, وكذلك التروك وهو الإمساك يدخل في دائرة الأعمال.

    فالظاهر من عمل الصائم أنه ما فعل شيئاً, فلم يؤد شيئاً من حركات أو نحو ذلك، إلا أنه امتنع عن شيء يعني: تركه, إذاً: فنقول: الصيام هو أعظم الأعمال التروكية, وأما بالنسبة للصلاة فهي أعظم الأعمال الفعلية البدنية التي يفعلها الإنسان, وأيضاً بالنسبة لعبادات الأفعال والتروك يجب فيها النية, وهذا ظواهر النصوص, بعض الفقهاء من أهل الرأي والقول ينسب أيضاً للأوزاعي أن أفعال التروك وأعمالها لا يجب فيها نية، وإنما الواجبات إنما تكون هي في الأعمال البدنية التي يفعلها الإنسان ولا تكون تروكاً.

    والصواب في ذلك أنه واجب فيها, وهذا ظاهر في قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عمر بن الخطاب: ( إنما الأعمال بالنيات ), بعض من يقول بعدم وجوب النية في التروك يقول: إن الصيام ليس عملاً وإنما تروك, وهذا قول ضعيف, والمشهور عن أبي حنيفة خلافه, ولكن يختلفون في مسألة وجوب النية هل تكون من الليل أو تكون من النهار, وكذلك يفرقون بين الواجب المتعين وبين الواجب غير المتعين, فيوجبونه في الواجب غير المتعين للحاجة إلى تحليله, بخلاف ما كان معيناً, فإن العلم به كاف عن عقد النية هكذا يقولون.

    1.   

    حج البيت

    الملقي: [ ( قال صلى الله عليه وسلم: وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً ) ].

    الشيخ: وقوله هنا: وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً, وهذا فيه على ما تقدم مشابهة ومجانسة لما تقدم من الأعمال لقوله: (أن تشهد) (أن تقيم) (أن تؤتي) (أن تصوم) (أن تحج) فذكر العمل, هذا يدل على أن المراد الأصل من جهة الإسلام أنه يكون متعلقاً بالعمل الظاهر الذي يلزم الإنسان فيه ما يعتقده في باطنه, تعتقد وجوب الحج فوجب عليك أن تعرف.

    معنى الحج وأهميته

    والحج في لغة العرب هو القصد, ويكون بكسر الحاء وفتحها فيقال: حج وحج ولهذا جاء في القراءة الصحيحة في قول الله عز وجل: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97], وجاء حَجُّ البيت, فكلها صحيحة والأصل في ذلك هو قصد البيت الحرام لعمل مخصوص في زمن مخصوص من شخص مخصوص, وهذا وهي على ما تقدم ركن من أركان الإسلام, وقد جاء الدليل في فضله ومنزلته, ويكفي أن الله سبحانه وتعالى قد ألصق فيمن تركه متعمداً وجاحداً لوجوبه بالكفر, ولهذا يقول الله جل وعلا: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ [آل عمران:97]، وهذا ما جعل بعض العلماء يجعل تارك الحج متعمداً أنه كافر, هذا يروى عن بعض السلف, وكذلك أيضاً يقولون: هذا في بقية الأركان جاء هذا عن سعيد بن جبير كما رواه اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة وفي إسناده ضعف عنه, وجاء أيضاً عن الحكم بن عتيبة وجاء أيضاً عن نافع وجاء أيضاً عن ابن حبيب من المالكية ورواية عن الإمام أحمد عليه رحمة الله, وقال به إسحاق بن راهويه، أن من ترك شيئاً من أركان الإسلام فهو كافر بالله سبحانه وتعالى, وجمهور العلماء على أن من ترك الصيام وترك الزكاة وترك الحج فهو مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب ما لم يكن جاحداً بوجوبها, وهو كافر لجحوده الوجوب.

    وأما في قول الله عز وجل: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97], المراد بالكفر هنا هو الجحود, وهذا هو الظاهر أيضاً في حديث عمر بن الخطاب عليه رضوان الله كما جاء في حديث عبد الرحمن بن غنم عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى الآفاق فينظروا من كان عنده جدة فلم يحجوا أن يضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين، هذا الظاهر من حال عمر بن الخطاب عليه رضوان الله أنه لما ظهرت الردة ووقع قتال المرتدين، والناس كانوا في بلدانهم أوزاعاً, فمن الناس من لم يظهر منه شيء أو أظهر الموافقة ولكنه لم يكن من أهل العمل، فأراد أن يبين وأن يختبر أحوالهم في ذلك من جهة الاتباع والاقتداء فجعل ذلك فارقاً جعله أمارة ولم يجعله لذاته. هذا هو الأظهر في فعل عمر بن الخطاب عليه رضوان الله, حمله على هذا بعض الأئمة, وهذا هو الأقرب.

    وجوب الحج على الفور

    وقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله في الحج هل هو واجب على الفور أم هو واجب على التراخي؟ يعني: يجب على الإنسان أن يبادر عند إمكانه للحج, فإذا مر عليه عام وهو قادر على أداء الحج ومستطيع له, والسبيل سهل للوصول إلى الحج فلم يحج أنه آثم في تركه للحج, هذا قول لبعض العلماء, ثمة قول آخر أنه واجب على التخيير, وهذا جاء عن بعض الفقهاء أيضاً.

    ونقول هما قولان للعلماء، الأرجح في هذا أن الحج واجب على الفور, فإذا استطاع الإنسان أن يؤديه أداه, وإذا أخره متعمداً من غير عذر فإنه آثم, وإذا مر عليه حول آخر يأثم بذلك, وإذا مر عليه حول ثالث فإنه يأثم بذلك وهكذا حتى يسقط بذلك الوجوب.

    أما إذا مر عليه الحول والسبيل لم يتيسر له، والطريق لم يكن سهلاً أو تعذر لديه الوصول، كأن لم يجد مثلاً أوراقاً توصله، أو مثلاً لم يجد مالاً يوصله، أو غير ذلك، فيقال حينئذ بأن الإنسان يعذر لذلك, ويجب عليه عند قدرته.

    حكم أداء العمرة

    والعمرة لا تغني عن الحج وليست هي المقصودة في ذلك, فهي لها حكم خاص وقد اختلف العلماء في وجوبها على قولين, والأظهر في ذلك الوجوب, وقد جاء هذا عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وجابر وغيرهم وهو ظاهر صنيع البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح أن العمرة واجبة ولكن وجوبها هو دون وجوب الحج وتأكيده.

    1.   

    معنى قوله: (فعجبنا له يسأله ويصدقه)

    الملقي: [ ( قال: صدقت, قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه ) ].

    الشيخ: هنا في قوله: (قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه), قال: لما أجاب النبي عليه الصلاة والسلام جبريل, جبريل قال له: صدقت, وهذه اللفظة من جبريل في قوله: صدقت محتملة لأمرين:

    الأمر الأول: أن جبريل يعلم الجواب قبل ذلك فطابق الجواب العلم الذي لديه فصدقه فيه.

    الأمر الثاني: أن جبريل يعلم صدق النبي عليه الصلاة والسلام، فصدقه فيه ولو لم يعلم الجواب قبل ذلك, وجبريل يعلم بالجواب قبل ذلك؛ لأنه هو الذي بلغه النبي عليه الصلاة والسلام, فهو الرسول إليه, إذاً: ما المراد من قول جبريل: صدقت لإعلام الصحابة بهذه العبارة؟

    أراد أن يعلمهم بأن النبي عليه الصلاة والسلام صادق في قوله, وأني أسأله وأنا أعلم بصدقه, فلم أسأله مغالطة ولا اختباراً ولا استطلاعاً وإنما إيماناً، فأي جواب يقوله فهو صادق به, ويحتمل أيضاً أنه أراد معنى التصديق العلم الذي وافق عندي. فقوله: صدقت أي: صدقت بما بلغني عنك أنك أخبرت به غيري، فأتيت أسألك عنه فجئت بما يصدق القول المنقول.

    والأظهر والله أعلم أن جبريل في قوله للنبي عليه الصلاة والسلام: صدقت في هذا أنه أراد أن يبين للصحابة استسلامه للجواب، وثقته بصاحبه وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وأن ما يقوله هو الحق, وذلك لينتبه الصحابة لكلام النبي عليه الصلاة والسلام وفيه أيضاً تعظيم للاتباع والانقياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقوله هنا: (فعجبنا له يسأله ويصدقه), وموضع العجب أنك كيف تسأل عن شيء لا تعلمه ثم تصدق من أجابك، فإما أن تكون تعلم قبل ذلك الجواب، فلماذا تسأل؟ فقولك: صدقت بشيء إما أن يكون لديك علم قبل هذا فوافق, فالسؤال ليس في محله إما أن يكون استعلاماً أو استطلاعاً أو من باب التأكد أو إعلام الغير أو غير ذلك, فلعل من مقصد جبريل في قوله: صدقت أن يشد انتباه الصحابة للسؤال الذي يليه, هل سيقول له: صدقت كما قال في الأولى أم لا؟

    ولهذا كان بإمكانه أن يؤخر قوله: صدقت إلى آخر الإجابات, وإنما أراد أن يكون منه كلام يتخلل تلك الإجابة, وهذا أيضاً من السياسة في إفهام السامع، وكذلك شد انتباهه, وكذلك أيضاً فيه من أدب السؤال، أن السائل أو التلميذ إذا سأل عالماً عن مسألة من المسائل وهو يثق بعلمه أن يقول له: صدقت؛ إبداء لإحسان الظن به.

    1.   

    سؤال جبريل عليه السلام عن الإيمان

    الملقي: [ ( قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ) ].

    وجه تقديم السؤال عن الإسلام

    الشيخ: وقوله هنا قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قد على ما تقدم الإسلام هنا على الإيمان, مع أن الإيمان يتضمن معنى الإسلام والإسلام يتضمن معنى الإيمان, كذلك أيضاً فإن تقديم الإسلام على الإيمان من جهة السؤال؛ لأن الإسلام هو دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يسأل عن المعنى الأشهر الذي يسأل عنه, فسأل عن المعنى العام ليدخل بعد ذلك في التفاصيل.

    ويحتمل أيضاً أنه أراد أن يسأل عن العمل الظاهر, ثم يتبعه بالباطن, وهذا من القرائن على أن جبريل إنما سأل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك بعد اشتهار أمر الإسلام وظهوره وجلائه، واكتمال أحكام الدين والملة, فأراد أن يسأل عن الأحكام الظاهرة؛ لتجاوز الناس مسائل الإيمان بالباطن وذلك لاشتهارها واستقرارها, فسأل بعد ذلك عن الإيمان, والإيمان هو التصديق بالقلب, والنطق باللسان, والعمل بالأركان.

    وبعض السلف يعبر عن ذلك ويقول: الإيمان قول وعمل, ويعبر عنه الإيمان قول وعمل ونية, ويعبر عنه بقول: الإيمان قول وعمل واعتقاد, فالإيمان شامل للباطن والظاهر, ولكن نجد أن كلام النبي عليه الصلاة والسلام في إجابته له أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله أن ظاهر الجواب يتعلق بالأمور الباطنة, وأن الإسلام يتعلق بالأمور الظاهرة, ولهذا نوع بين هذا وهذا ليحصل الجواب في ذلك تاماً.

    عقيدة أهل السنة في الإيمان

    وعقيدة أهل السنة في الإيمان أنه قول وعمل, والقلب له عمل وله قول, أما بالنسبة لقوله فإن الإنسان يحتاج بقلبه إلى تصديق، أن يصدق أن ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام حق, وأن الله عز وجل واحد، وهو المستحق للعبودية وحده, وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وغير ذلك من الأمور التي يجب أن تستقر في قلب الإنسان.

    كذلك أيضاً للقلب عمل, وعمل القلب في هذا ما يتعلق بنية الإنسان وإخلاصه لله عز وجل, الإنسان إذا أراد أن يعمل شيئاً لابد من إخلاص، تخلص أن هذا العمل لله سبحانه وتعالى, لا تريد به فلاناً، لا ترائي لا تسمع وغير ذلك, إذاً لابد أن يكون في ذلك ترك, لهذا قد يوجد في قلب الإنسان التصديق لكن لا يوجد فيه العمل, كالذي يؤمن بالله سبحانه وتعالى وحقه جل وعلا في العبادة ثم يؤدي صلاة مرائياً لغير الله سبحانه وتعالى, فهذا ضل بفعله ذلك، وما تحقق فيه الإيمان على الوجه الذي أمر الله سبحانه وتعالى به.

    كذلك أيضاً قول اللسان وتلفظه بالشهادتين وما دونها, الشهادتان هما أعلى ما يتلفظ به, ولا إله إلا الله هي أفضل الذكر وأفضل الدعاء أيضاً، كما جاء في الموطأ وغيره, ولهذا نقول: إن أفضل ذكر وأعظم ما ينطق به الإنسان من الإيمان هي الشهادة، لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, ويليها بعد ذلك من الأعمال بحسب قربها من هذا المعنى, أو ما يتضمن شيئاً من معانيه من وجه من الوجوه كالتسبيح، وكذلك أيضاً الاستغفار والحمد الشكر وغير ذلك من ذكر الله سبحانه وتعالى, لكن أعلاه هو النطق بالشهادتين.

    وبعض العلماء يسمي قول اللسان فعلاً, ويسميه عملاً وهو كذلك, ولهذا يقول الله عز وجل: زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:112], فسماه قولاً ثم سماه فعلاً, وكذلك عمل الجوارح، أعظمها هي الصلاة, فلابد من عمل يأتي به الإنسان يثبت به الإيمان, كما ثمة حاجة إلى قول الإنسان بلسانه وأن يشهد بما في قلبه، كذلك أيضاً بحاجة إلى أن يعمل ليعبر عن الإيمان الذي في قلبه، وإلا لم يكن من أهل الإيمان.

    العمل الذي يثبت به الإيمان

    وما هو العمل الذي لابد من توفره في جوارح الإنسان حتى يثبت الإيمان؟ العمل نقول: الذي جاءت به الشريعة على نوعين:

    النوع الأول: عمل اختصت به شرعة محمد صلى الله عليه وسلم إما أصلاً أو وصفاً. اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أصلاً يعني: شرع هذا العمل من جهة الأصل لا يعلم ولم يذكر فيما عداها من الشرائع. أو وصفاً جاء أصلها في الشريعة، ولكن وصفها انفردت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

    النوع الثاني: هو ما لم تنفرد به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون جاء العمل وجاء في الأمم السابقة, وذلك ككثير من الأعمال بر الوالدين، الصدقة، الإحسان إلى الجار، إكرام الضيف، إماطة الأذى عن الطريق، سقيا الناس سقيا البهائم كسقيا الكلب كحال البغي في حديث بني إسرائيل, حديث أبي هريرة وغير ذلك. هذه أعمال دلت عليها الشرائع السابقة ودلت عليها الفطرة.

    المراد بثبوت الإيمان في الإنسان وتحققه فيه هو النوع الأول، أن يأتي بعمل اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم, وأما النوع الثاني وهو ما يتعلق بما جاءت به الشرائع السابقة، فوافقت شريعة محمد صلى الله عليه وسلم غيرها فهذا لا يثبت به الإيمان وإنما يزيد به الإيمان وينقص، ما لم يجحده كالذي يجحد شريعة بر الوالدين فيكفر بذلك, وأما من جهة العمل فإنها تزيد الإيمان وتنقصه.

    أما من جهة وجود أصل الإيمان فإنه لابد أن يكون بعمل اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ حتى يثبت بذلك إيمان وإسلام, وبهذا نعلم أن الذي يبر والديه ويحسن إلى الجار ويميط الأذى عن الطريق، هل يكفي في هذا للدلالة على إيمانه بالله؟ لا, لأن هذا الأمر تدل عليه الفطرة ولو لم تكن مؤمناً بالله.

    الآن الملحد أو البوذي أو غيره ممن يعبد الكواكب أو يعبد النار، أو يعبدون البقر أو الفأر أو غير ذلك، ألا يحمدون بر الوالدين والإحسان إلى الجار وإماطة الأذى عن الطريق، والصدق في الحديث وكراهة الأفعال المحرمة، من القتل والسرقة أو غيرها، أليست مذمومة عند جميع البشر؟ مذمومة, وهذه الأفعال لو جاء بها الإنسان هل يثبت بها إيمانه؟

    لا يثبت بها إيمانه, لكن لو فعلها معتقداً لها متديناً لله, وهو يشهد أن لا إله لا الله وأن محمداً رسول الله زاد بها إيمانه, وبمقدار تقصيره ينقص بذلك الإيمان. لكن لا يثبت إيمانه إلا بوجود النوع الأول وهو ما اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

    وما هو ما اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم؟ هي ما قال به النبي عليه الصلاة والسلام أن تقيم الصلاة, وأن تؤتي الزكاة, وأن تصوم رمضان, الصيام هل صيام رمضان على صفته هذه خاص بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم أم بسائر الشرائع؟

    الله عز وجل يقول: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183], الصيام أو صيام رمضان؟ الصيام, لا صيام رمضان, الصيام كأصل, لكن رمضان اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم, لهذا نقول: العمل الذي يثبت به الإيمان هو ما اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ حتى يثبت أنك إنما تفعل هذا اتباعاً لمحمد لا استجابة للفطرة السليمة.

    لهذا نجد اليهودي والنصراني وهم أصحاب شرائع مبدلة سابقة وخلطوا باطلاً وحقاً, ولا يميزون هذا من هذا, والملاحدة عباد الأحجار والأشجار والكواكب أيضاً لم نجد من هذه الأعمال التي اشتركت فيها سائر الشرائع؛ لماذا؟ لأنها توافق الفطرة.

    لماذا جيء بالنوع الأول, وهو ما تمتاز به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم؟ للبرهنة على الاتباع، ولو كان الأمر في ذلك لما تدل عليه الفطر السليمة فقط، لم يكن في ذلك مجال للاختبار والامتحان لاتباع النبي عليه الصلاة والسلام, يقول: أنا أستجيب للفطرة لست بحاجة إلى نبي يعلمني أن السرقة حرام, أو القتل حرام, لكن بحاجة إلى نبي يعلمني وجوب الصلاة والصيام والزكاة، وبحاجة إلى نبي يؤكد لي أن القتل والسرقة حرام. أما أصل التحريم فهو مستقر في النفوس, فتأتي الشرائع والأنبياء لتأكيد هذا لا لتأصيله.

    ولهذا ما يأتي من الشرائع بالنهي عن السرقة والنهي عن القتل، هذا تأكيد لشيء مستقر في النفوس على الفطرة التي فطر الله عز وجل الناس عليها.

    كذلك أيضاً توحيد الله جل وعلا, توحيد الله الإيمان بأن الله هو الخالق, تأتي الشرائع تأكيداً للفطرة, ولهذا الله عز وجل يقول: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30], ويقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة, فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )، الأصل أنه مؤمن بوجود خالق واحد متصرف به, لكن لا يعرف الصفات، لا يعرف الأسماء إلا عن طريق الله سبحانه وتعالى بوحيه جل في علاه, وما عدا ذلك يقع الإنسان في الأقيسة, يقيس هذا على هذا, والله عز وجل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] .

    لهذا نقول: إن إيمان الإنسان لا يصح منه حتى يكون بقول وعمل واعتقاد, إذا فهم هذا الأصل فهم ضده وهو الكفر, فإذا علمنا أن الإنسان لا يكون مؤمناً حتى يعتقد ويقول ويعمل, وكذلك أيضاً أن هذه الثلاثة لابد من وجودها حتى يكون الإنسان مؤمناً, لكن لو زالت واحدة بكاملها فالإنسان لا يعمل خيراً أبداً, لكنه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله, لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يحج, ولا يفعل شيئاً من الطاعات التي اختصت به شرعة محمد صلى الله عليه وسلم.

    وأما ما يندر منه من رحمة لابنه ورحمة لأمه وغير ذلك نقول: هذه فطرة وجدت في المخلوقات حتى في البهائم, هذه لا يثبت بها الإيمان, لكنها تزيد وتنقص إذا فعلها إخلاصاً لله سبحانه وتعالى.

    أما ما يثبت به الإيمان ما امتازت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم, لهذا إذا انتفى واحد بتمامه من هذه الثلاثة لا يصح إيمان الإنسان, إذا فهمنا ذلك فهمنا ضد ذلك وهو ما يتعلق بالكفر، أن من بدر فيه كفر اعتقادي أو قولي أو فعلي عملي كفر بالله سبحانه وتعالى؛ لماذا؟ لأن الكفر إذا وجد في أي واحد من هذه الثلاثة ألغى الثلاثة جميعاً كحال صلاة المغرب ثلاث ركعات, الركعة الأولى والثانية والثالثة هذه تسمى صلاة المغرب, القول والعمل والاعتقاد هذه تسمى إيمان.

    إذا انتقض وضوء الإنسان في الركعة الثالثة هل تصح الركعة الأولى والثانية, أم تبطل صلاة المغرب؟ تبطل صلاة المغرب, كذلك أيضاً الذي يكفر بالعمل، ويقول أنا أنطق بالشهادتين ويؤمن بقلبه, هل يصح هذا منه؟ فعل مكفراً، سب الله سجد متعمداً لصنم من الأصنام, ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله يكفر أو لا يكفر؟

    يكفر؛ لأنه جاء الناقض على واحد من هذه الثلاثة فانتقض الإيمان, ولكن لا نكفر إلا بشيء دل الدليل على كونه كفراً, وهل هذا ينفي زيادة الإيمان ونقصانه؟ نقول: لا، يزيد الإيمان ونقصانه, حينما نقول: إن هذه الثلاثة كحال صلاة المغرب، هل يعني أن هذه الثلاثة إذا زال واحد منها بالكلية زالت الثلاثة جميعاً؟ نعم, ولكن لو فعل الإنسان أو اعتقد أن هذه الثلاثة كحال صلاة المغرب وهي الإيمان قول وعمل واعتقاد, يعني: أن هذا الإيمان لا يزيد ولا ينقص؟

    لا, لأننا نقول: أن الإنسان إذا فعل معصية لا يكفر بها؛ لكنها تنقص عمله وإيمانه, كحال الذي يزني أو يسرق, ولكنه مؤمن ويعمل ويؤدي الصلاة ويؤدي شيئاً من الصيام أو نحو ذلك، مقصر في هذا فهو مؤمن.

    كذلك أيضاً ما يتعلق بالصلاة, صلاة المغرب ثلاث ركعات, تبطل بورود مبطل أو ناقض, مبطل للصلاة أو ناقض للوضوء فيه, لكن هل الصلاة تزيد وتنقص من جهة الأجر؟ نعم, تزيد وتنقص من جهة الأجر, إذا زاد خشوعاً زاد أجراً, وإذا ارتكب محظوراً نقص أجراً.

    من المحظورات: الافتراش في الصلاة كافتراش السبع, كذلك أيضاً الإقعاء كإقعاء الكلب, النظر إلى السماء, منهيات, لكنها لا تبطل الصلاة؛ لأنه لا نبطل الصلاة إلا بشيء دل الدليل عليه, لو انتقض وضوءه بطلت الصلاة, نظر إلى السماء, النهي موجود لكن لا تبطل به الصلاة, كحال الذي يزني ويسرق لا يبطل الإيمان, لكن أجره ناقص, وإيمانه ناقص, كذلك أيضاً في مسألة الإيمان قول وعمل واعتقاد.