إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [68]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فضل الله عز وجل بعض مخلوقاته على بعض ففضل الرجل على المرأة من حيث الخلقة ومن حيث الاكتساب؛ ولذا جعل له القوامة على المرأة، وأحق رجل بالقوامة هو الزوج. ثم ذكر الله أن المرأة مع الرجل إما أن تكون صالحة قانتة حافظة، وإما أن تكون ناشز، ثم أرشد إلى كيفية التعامل مع الناشز وأن ذلك ثلاث مراحل: الوعظ فإن لم يفد فالهجر في المضاجع، فإن لم يفد فالضرب غير المبرح مع اجتناب الوجه.

    1.   

    قوله تعالى: (ولكل جعلنا موالي ...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    ففي هذا اليوم الرابع عشر من شهر رجب من عام خمس وثلاثين بعد الأربعمائة والألف يوم الثلاثاء, تكلمنا في الثلاثاء الماضي عما يتعلق بالتمني، وذلك في قوله سبحانه وتعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:32], ثم ذكر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك آية متصلة بهذا المعنى، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه العظيم: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ [النساء:33].

    الإرث بالحلف والولاء

    الله سبحانه وتعالى قد قسم المواريث في كتابه على ما قص علينا في سورة النساء، وبين ميراث كل وارث ونصيبه وحده في جميع أحواله.

    لما ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك أراد أن يبين ما كان عليه أهل الجاهلية مما سكت عنه الإسلام، أو ربما أقره في ابتداء الأمر ثم نسخه؛ وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون من غير الأرحام، وذلك أنهم يتوارثون بالحلف، فإذا حالف الرجل رجلًا, أو حالفت القبيلة قبيلة فإنهم يتوارثون فيما بينهم - أعني: المتحالفين-، فيحالف الرجل رجلًا، ويقسم عليه أن يكون أخاً له، وأن يكون سلمه سلمه، وحربه حربه، ويرثه ويرثه، ويعقله ويعقله، فكانوا يجعلون لحلف المؤاخاة السدس في الميراث، فنسخ الله سبحانه وتعالى ذلك على ما قص علينا من مواريث للأولاد وللإخوة وللوالدين. وبين الله سبحانه وتعالى ميراث غيرهم كميراث الزوجين فيما بينهم، وبين الله سبحانه وتعالى حق المورث في أن يجعل نصيباً من ماله لغير الوارثين، وذلك في الوصية.

    الحقوق المتعلقة بمئونة تجهيز الميت

    وتقدم معنا أيضًا الإشارة إلى ما يتعلق بأمر الدين، وأن الله عز وجل قدمه على الوصية؛ وذلك لشغل ذمة الميت به فيجب حينئذ أن يوفى.

    وذكرنا أيضًا الحكم فيما عدا الدين مما يتعلق بنفقة الميت في ذاته، وذلك من تغسيله وتكفينه وحفر قبره ودفنه، فحكم تجهيزه كله يكون من ماله إذا لم يوجد متبرع من ورثته، أو وجد من بيت المال من ينفق عليه، فإنه ينفق عليه من ماله، وتقدم نفقته على الدين كحاله في حياته، فإنه في حياته لا يلزم بسداد الدين إذا كان الرجل لا يجد إلا نفقته ونفقة عياله، فإن نفقته مقدمة على سداد الدين؛ وذلك أنه لا قوام للإنسان إلا بهذا, وأمره أوجب عليه من أمر غيره.

    وهنا في قول الله سبحانه وتعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ [النساء:33]، يعني: لكل ميت يموت جعل الله عز وجل له ورثة، وهؤلاء الورثة قص الله سبحانه وتعالى مواريثهم في كتابه على ما مضى.

    مفهوم المولى

    وقوله جل وعلا: (( مَوَالِيَ ))، يعني: يلون ماله بعد موته.

    والمولى في لغة العرب من الألفاظ المشتركة التي ربما تقع على شيئين متقابلين، فيسمى المعتق مولى والمعتق مولى، العبد مولى وسيده مولى، وكذلك النصير والمعين والظهير يسمى مولى؛ ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الحج:78]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: ( الله مولانا ).

    فالإنسان مولى لغيره إذا ناصره فتولى شيئاً من أمره يسمى كذلك، والعبد مولى عند سيده؛ لأنه يلي شأنه بخدمته فيسمى مولى, والسيد يسمى مولى لفلان وهو من جهة اللغة جائز، فهو من الألفاظ المشتركة التي تقع على شيئين متقابلين, أو تقع على عدة ذوات وإن اختلفوا من جهة المقام.

    معنى قوله تعالى: (ولكل جعلنا موالي)

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ [النساء:33]، يعني: ما من أحد غالباً إلا وله وارث يرثه ويلي أمر ماله، فإذا كان له وارث يلي أمر ماله فقد ذكر الله سبحانه وتعالى ميراثه، وأما ما أراد الله سبحانه وتعالى أن يبينه في هذا الموضع مما كان عليه أهل الجاهلية، وهو الذي عقدت أيمانهم- يعني: عليه من حلف الجاهلية- فإنهم كانوا يتحالفون، ويقسم المتحالفان على الوفاء والعهد، ويجعلون ذلك ميراثًا فيما بينهم، فنسخ الله سبحانه وتعالى ذلك.

    الحلف في الإسلام

    فقوله جل وعلا: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:33] قرئ بـ(عقدت) وقرئ بـ(عقدت أيمانكم)، يعني: ما عقدته من عهود ومواثيق؛ وذلك لتعدد حال العقود التي تكون من الإنسان.

    وقوله سبحانه وتعالى: (( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ))، يعني: من حلفائكم, نسخ الله عز وجل الحلف في الإسلام بعدما آخى بين المهاجرين والأنصار، وجعلهم يتوارثون في ابتداء الأمر على ما كان الناس يتحالفون عليه في الجاهلية، فنسخ الله سبحانه وتعالى ذلك في أحاديث كثيرة، ومنها في هذه الآية, وفي أحاديث كثيرة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن ذلك: ما جاء في حديث عكرمة عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا حلف في الإسلام ). وجاء في هذا الباب أيضًا من حديث أم سلمة، ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

    فالحلف إذا أريد به ما كان عليه أمر الجاهلية من أنهم يتوارثون فيما بينهم، ويعقل بعضهم عن بعض في حال الديات، فإن هذا منسوخ، وأما مما هو باقٍ من أمور العهود فهو أداء الأمانة ووفاء العهد بالنصرة وغير ذلك مما كان بين الناس وتقره الفطر، فأقرته الشريعة وأبقته.

    ميراث الأحلاف

    وأما قول الله جل وعلا: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:33] فإنه منسوخ. قال بعض العلماء: إنه منسوخ في صدر هذه الآية، بقول الله جل وعلا: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ [النساء:33]، أي: هي ناسخة لما بعدها، أي: ليس لهم ميراث, فالذين عقدت أيمانكم فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ [النساء:33]، يعني: من غير الميراث, إن شئت وصية توصي له فالأمر إليك، وإن شئت أن تفي له بعهد وميثاق بنصرة ونصيحة وغير ذلك مما يكون من الوفاء بالعهود فإن ذلك من الأمور المباحة المتأكدة في الشريعة، فإن الله عز وجل أذن بها. وأما الميراث فالله عز وجل نسخه.

    يتفق العلماء عليهم رحمة الله تعالى على أن ميراث الأحلاف منسوخ، ولا خلاف عندهم في ذلك, وإنما اختلفوا في أمرين في هذا الموضع:

    الأمر الأول: اختلفوا في الناسخ في موضعه من القرآن.

    الأمر الثاني: اختلفوا في النصيب في هذه الآية في قول الله عز وجل: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ [النساء:33]، ما المراد بالنصيب؟ هل ثمة نصيب باقٍ لم ينسخ من نصيب الأحلاف, أم نسخ بكامله, فنسخت هذه الآية؟

    ذهب غير واحد من العلماء وهو قول أكثر السلف إلى أن هذه الآية منسوخة، وهي قول الله جل وعلا: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:33]، أن الله عز وجل نسخها في صدر هذه الآية، وهي في قول الله سبحانه وتعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ [النساء:33]. وذهب إلى هذا جماعة من المفسرين من السلف كــعبد الله بن عباس، و مجاهد بن جبر وغيرهم، واختار هذا أبو عبيد القاسم بن سلام.

    وذهب بعضهم إلى أن الناسخ هو قول الله جل وعلا: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الأنفال:75]، فالله عز وجل قد جعل الولاية التي تكون بين الناس في ورثة المال، أنها تكون في ذوي الأرحام، فيرثون بعضًا، وأما من غير الأرحام فهي منسوخة.

    وثمة قول ثالث: أن هذه الآية ليست منسوخة، بل هي آية محكمة.

    المراد بالنصيب في قوله تعالى: (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم)

    وقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ [النساء:33]، أن المراد بالنصيب هنا هو النصيحة والمشورة والعون والنصرة عند العدو، فأبقى الشارع الأحلاف على ما كان عليه الناس من عهود ومواثيق من غير الميراث ومن غير الديات، فإن الله عز وجل قد قضى فيها.

    قالوا: فأبقى الله عز وجل من ذلك نصيبًا، وهو: النصرة والنصيحة والإعانة عند النائبة، فإنه يكون أولى من غيره، وهذا قول لــعبد الله بن عباس عليه رضوان الله, وروي هذا أيضاً عن سعيد بن المسيب وعن ابن شهاب الزهري وبعض فقهاء المدينة، وهو أمر محتمل, ومال إلى أن هذه الآية محكمة وليست منسوخة ابن جرير الطبري رحمه الله.

    ولكن نقول: إذا اتفق العلماء على أن الميراث منسوخ، وأن الديات والعقل منسوخ في الأحلاف، فحينئذ لا ضير في القول بأن هذه الآية ليست منسوخة ما دام ثمة قائل من السلف, كما هنا فيما جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله.

    الحكمة من أحلاف الجاهلية وكيفية تعامل الإسلام معها

    وهنا في قوله سبحانه وتعالى: مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ [النساء:33]، كان أهل الجاهلية على أمر وعلى صورة في حلفهم عند خوفهم من بعضهم، يتحالف الرجل مع رجل يطمئن إليه، والقبيلة إلى قبيلة تطمئن إليها؛ ليعضد بعضهم بعضًا، فيجعل الله سبحانه وتعالى ذلك سبباً في دفع المفاسد والشر عن الناس، وهذا مما أقرته الشريعة ابتداءً، فأجرى النبي صلى الله عليه وسلم أحلاف المهاجرين مع الأنصار على ما كان عليه الناس قبل ذلك، وأجرى الميراث كذلك، حتى نسخ الله عز وجل أمر الميراث بما تقدم من نصوص.

    والإتيان بهذه الآية بعد ذكر آيات المواريث في سورة النساء إشارة إلى إزالة ما كان عليه الناس قبل ذلك.

    ومن هذا يؤخذ إلى أن النسخ التام إذا كان مشكلًا أو ثقيلًا لا حرج أن يسبقه نسخ جزئي، فإن المواريث في الشريعة ما نزلت كاملة مرة واحدة، وإنما جاءت مفصلة مبينة متتالية، ثم جاء بعدها نسخ ميراث الأحلاف الذي كان عليه أهل الجاهلية، وذلك أنه يبقى لأهل الأحلاف باقية من الميراث، فحينئذ لا حرج عليهم أن يتوارثوا حتى يثبت بذلك النسخ.

    وأما من قال بعدم نسخها فيدخل معها الوصية، فمنهم من يقول: إذا تحالف اثنان تأكد لأحدهما أن يوصي للآخر بشيء من ماله، قالوا: وذلك هو المراد من قول الله عز وجل: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ [النساء:33]، فيوصي له بشيء من ماله لا يزيد عن الثلث إذا كان لا يضر ذلك بالورثة. وهذا ذهب إليه بعض السلف كـابن شهاب الزهري وغيره.

    الحكمة من ختم آية الموالي والأحلاف في الجاهلية بقوله: (إن الله كان على كل شيء شهيداً)

    وهنا في قول الله سبحانه تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا [النساء:33]، إشارة إلى معنى وحكمة ربما يغفل عنها السامع عند ورود النسخ لعمل كان عليه، وهذا العمل الذي كان عليه أهل الإسلام في مؤاخاتهم ابتداءً، وما كان عليه أهل الجاهلية في مؤاخاتهم من غير مؤاخاة النبي عليه الصلاة والسلام يستحضرون ما كان بينهم من مودة ونصرة، فكيف يعطى رحم بعيد يؤذي أو يحارب ويقتل, ويمنع حليف يواد ويناصر من عادى ويعقل عند الدية ويقوم بما لم يقم به الأخ؟!

    فربما استثقلوا ذلك، فبين أن الله سبحانه وتعالى كان على كل شهيدًا، يعني: يشهد تلك الأحوال التي عقدتموها, والله يعلمها، وشهدها واحدة واحدة، وما خفي عليه شيء من أمرها، ومع ذلك قضى سبحانه وتعالى بما قضى، وذلك أنه لا يصلح الناس إلا ذلك.

    الفرق بين الشهادة والعلم

    والشهادة تكون على الشيء الحاضر، والعلم يكون على الشيء الحاضر والغائب، فلا تقول: إن الله سبحانه وتعالى شهيد على شيء مستقبلي، ولكن الله سبحانه وتعالى يعلمه سبحانه، فإذا وقع فالله عز وجل شهيد عليه، وما مضى فالله عز وجل شهيد عليه، وما وقع حالًا فالله عز وجل شهيد عليه كذلك؛ ولهذا نجد أنه يستعمل في القرآن ذكر الشهادة لما مضى، فشهد الله عز وجل عليه, وما كان حاضرًا فشهد الله عز وجل عليه، والعلم يطلق على ما لم يقع من الأمور المستقبلية المغيبة.

    والعلم يجوز إطلاقه على ما مضى وعلى ما وقع وعلى المستقبل الذي لم يقع، فلله عز وجل في ذلك العلم الكامل.

    1.   

    قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء ...)

    الرجل الذي له القوامة على المرأة

    وهنا يقول الله عز وجل في الآية الثانية: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:34]، ذكر الله سبحانه وتعالى الرجال وقوامتهم على النساء، وما ذكر جنساً من أجناس الرجال، وذلك أن الرجال أنواع؛ منهم الآباء والإخوة, ومنهم الأزواج ونحو ذلك، وإنما أراد الله سبحانه وتعالى جنس الرجال لتعم الجميع، وذكر جنس النساء ليعم الجميع كذلك.

    وذلك أن الرجال قوامون على النساء وإن اختلفت أحوالهن واختلفت أحوالهم، فلا بد للمرأة من قيم عليها، وقيمها أقرب الناس إليها من أرحامها ما لم يكن لها زوج، فإذا كان لها زوج فقيمها في ذلك زوجها، والرجل الواحد يكون قيماً على جماعة من النساء ولو كثرن؛ ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يكون لخمسين امرأة قيم واحد ).

    أنواع القوامة في الشرعية

    والقوامة في قول الله سبحانه وتعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34]، المراد بها الولاية، والولاية والقوامة في الشريعة على نوعين:

    ولاية عامة، وقوامة عامة.

    وولاية خاصة، وقوامة خاصة.

    أما الولاية العامة والقوامة العامة، فهي التي تكون على شخص لا يملك التصرف بحال, وذلك كالطفل الصغير والمجنون والأسير الذي لا يملك التصرف بنفسه فضلاً عن غيره، فيحتاج إلى قوامة في أمره من جهة تزويجه، والقيام بشأنه بماله وولده وميراثه، وكذلك تجارته ونحو ذلك، فتلك قوامة عامة.

    وأما القوامة والولاية الخاصة، فهي تكون فيمن لا يستطيع التصرف في بعض شأنه. وهذه تكون مثلاً في اليتيم في ماله, أو في السفيه في الحجر عليه أيضاً في ماله. فتلك ولاية وقوامة خاصة.

    والذي ذكره الله سبحانه وتعالى في هذه الآية هي القوامة والولاية الخاصة, وولاية الرجل على المرأة ولاية خاصة لا ولاية عامة، فلها ذمتها من جهة تصرفها بمالها ببيع وشراء، وكذلك تصرفها في شأنها في خاصة أمرها بما أباح الله عز وجل لها من أمر مأكل وملبس ومسكن ومشرب مما لا يخالف أمر الله سبحانه وتعالى في ذلك.

    أنواع التفضيل المذكور في قوله تعالى: (بما فضل الله بعضهم على بعض)

    وهنا في قوله: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:34]، التفضيل الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في هذه الآية نستطيع أن نقول إنه على نوعين:

    النوع الأول: تفضيل فطري.

    والنوع الثاني: تفضيل مكتسب.

    أما التفضيل الفطري: فهو ما فطر الله عز وجل عليه الرجال من بسطة في الجسم، وقوة، وعزيمة، ورباطة جأش، وصبر وتحمل لا يكون في النساء، فهذا شيء قد جعله الله عز وجل في الرجال وليس في النساء، فسماه الله عز وجل فضلًا. والفضل في لغة العرب: الزيادة، فزاد الله عز وجل في فطرة الرجل شيئاً ليس عند المرأة.

    وأما بالنسبة للمكتسب: فهو السعي والضرب في الأرض، فقد جعل الله عز وجل عليه تكليفاً خاصاً أن يقوم بشأن المرأة بالنفقة والتكسب، وهذا أمر اختياري، أما الأول فلا اختيار للإنسان فيه, فطر الله عز وجل الرجل عليه حينما خلقه. وأما الثاني فهو مكتسب، وهو مأمور به شرعاً، فيجب عليه أن يكتسب وأن يسعى لينفق على المرأة.

    وبهذا نعلم أن الله سبحانه وتعالى ما فطر المرأة لتسعى وتضرب في الأرض وتتكسب، وهذا من جهة الأصل، وإنما فطر الرجل للسعي والضرب في الأرض ليتكسب، مع أنه لا يحرم على الرجل ألا يضرب إذا كفي, ولا يحرم على المرأة أن تضرب في الأرض ولو كفيت، وذلك إذا كان لديها بستان تزرعه، أو كان لديها ثمر تجنيه، أو كان لديها تجارة تبيع فيها، فهذا الأصل فيه الإباحة.

    ولكن الله سبحانه وتعالى ما فطر النساء على هذا، بل جعل الله جل وعلا الحكم الشرعي متعلقاً بالفطرة التي فطر عليها الرجل والمرأة، ففطر الله الرجل على السعي، فأمره بالسعي والتكسب، وفطر المرأة على عدم السعي والتكسب فأمرها بالقرار, فقال: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33]، وحث الله عز وجل النساء على عدم الخروج إلا لحاجة؛ كما جاء في الصحيح من حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأمهات المؤمنين: ( قد أذن الله لكن بالخروج لحاجتكن ).

    ودلالة الخطاب في ذلك: أن المرأة لا تخرج إلا لحاجة، وذلك لتبضع لا يقضى لها، وكذلك لزيارة رحمها، وعيادة مريضها، أو زيارة جارتها، أو حضور ما يستحب ويتأكد في ذلك من وليمة نسائها، ونحو ذلك مما أباحه الله سبحانه وتعالى وأحله.

    وأما بالنسبة للضرب في الأرض، والغدو من الصباح، والرواح من العشي، وكذلك الأسفار ونحو ذلك، فقيد الله عز وجل المرأة بأحكام، وأطلق الرجل في هذا ليتناسب الأمر مع فطرته، فكانت الشرعة مناسبة للفطرة ومكملة لها.

    حكم طاعة المرأة الرجل فيما يأمر به

    وقوله جل وعلا: قَوَّامُونَ [النساء:34]، يقول عبد الله بن عباس عليه رضوان الله يعني: أمراء، يأمر الرجل امرأته في طاعة الله، وطاعة الله في هذا يعني ما يرضيه، كما روى ابن جرير الطبري وغيره من حديث علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس، أنه قال في قول الله عز وجل: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34] قال: أمراء عليهن يأمرونهن بطاعة الله.

    وهنا أمر، وهو: إذا أمر الرجل المرأة بغير ما أمر الله سبحانه وتعالى من الطاعات، فهل يتحول المأمور به من مباح إلى واجب لمجرد أمره أم لا؟

    يقول العلماء: إذا كان الأمر في ذلك فيه مصلحة له، ومصلحة لماله وولده وأهله، فإنه يكون واجباً. ومن يقول: إن الأمر إذا كان من الزوج لزوجه لا يجب إلا إذا كان بطاعة الله، فنقول: طاعة الله واجبة لا تحتاج إلى زوج يأمر. فالخصيصة في قول الله: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34]، دليل على مزية وخصيصة دل الدليل عليها.

    الثواب والعقاب المترتب على مسألة التفضيل بين الجنسين

    وهنا فيما ذكر الله عز وجل: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:34]، هل هذا التفضيل له أثر في الثواب والعقاب؟

    تقدم معنا في خواتيم سورة آل عمران في قول الله عز وجل: لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى [آل عمران:195]، تقدم معنا أن الأصل في الجنسين أنهما في أبواب الثواب والعقاب يتساويان، وذلك أن الله جل وعلا قد جعل مقام الحسنات والسيئات مقدرة من غير نظر إلى العاملين بها، وإذا خص الله عز وجل عبداً من عباده بعمل لذاته، فإن مقتضى عدل الله وحكمته أن لا يحرم غيره، وإنما يعوضه بعمل آخر لو قام به لساوى غيره مما خصه الله عز وجل به.

    ونظير هذا الجهاد في سبيل الله فقد فرضه الله على الرجال، وهل حرم الله عز وجل على النساء من عمل يقابله؟

    لا. بل كما جاء في الصحيح من حديث عائشة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج )، وفي رواية: ( الحج والعمرة ). وهذا يدل على أنه ما من عمل من الأعمال يأمر الله عز وجل به جنساً إلا وجعل للجنس الآخر من العمل ما لو قام به ساوى غيره؛ ولهذا حج النساء يوازي جهاد الرجال وهكذا.

    وهل هذا في كل صورة ولو كانت من جنس واحد؟

    نعم، ولو كانت من جنس واحد، فالرجل إذا كان مقعداً أشل لا يستطيع القيام ولا الركوع ولا السجود، فالله سبحانه وتعالى قدر عليه هذا ولا اختيار له فيه، فهل حرمه الله عز وجل من أجر القيام والركوع والسجود؟!

    نقول: لا. بل إن الله عز وجل جعل له ما يقابله مما يستطيعه وهو ما يوازي غيره، فتعظم لديه عبادة اللسان، فتكون أعظم من غيرها، وهذا فضل من الله عز وجل ومنة، وهو مقتضى عدل الله سبحانه وتعالى ورحمته.

    وهنا في قول الله جل وعلا: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:34]، بما فضل الله عز وجل بعضهم على بعض, يعني: بما جعل فيهم من القدر الزائد الذي تعلق به حكم شرعي، فكانت خصيصة للرجال في أحكام امتازت وخصوا بها على النساء، ولا أثر لهذا في مقام العبودية لله سبحانه وتعالى.

    المراد بالنفقة في قوله تعالى: (وبما أنفقوا من أموالهم)

    وهنا حينما ذكر الله سبحانه وتعالى ما فضل به الرجال على النساء, قال الله سبحانه وتعالى: وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34]، ذكر النفقة، يعني: ما جعل الله عز وجل للرجل من قدرة مالية ينفق بها على زوجه. هل هذا من التكرار؟

    الله سبحانه وتعالى قال: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:34]. ذكرنا أن هذا التفضيل يكون بالسعي والنفقة، ثم قال: وَبِمَا أَنفَقُوا [النساء:34]، فهل هذا الإنفاق هو ذاك الإنفاق؟

    نقول: وَبِمَا أَنفَقُوا [النساء:34]، يعني: من المهر قبل وجوب السعي عليه من النفقة على زوجه, قبل وجوب النفقة عليه على زوجه، يعني: بما أنفقوا من مهور النساء مما أمرهم الله عز وجل بدفعه للنساء، وأن يملكوهن إياه، قال: وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34]، يعني: قبل ذلك عند عقد النكاح.

    القوامة على المرأة

    وإنما جعل الله سبحانه وتعالى القوامة للرجل على المرأة في شأنها؛ لأن المرأة بطبعها الضعف, ونجد أن الشريعة تجعل القوامة والولاية في مواضع الضعف لا في مواضع القوة، وأن الضعف في ذلك منه ما هو فطري, ومنه ما يمكن تقويته، ولكن الشريعة لا تتشوف إلى هذا، فتجعل الشريعة الكمال في هذا للرجال فيكملوا ما فات من أمر النساء.

    وذلك أن المرأة إذا أذن لها أن تعقد لنفسها في زواجها ضاع من حقها من مهرها حياء، أو ربما عاطفة، أو ميل الجنسين أفقدها اشتراطها؛ فجعل الله بين الزوجين رجلاً، لا يجد ما تجده المرأة إلى الرجل ليحفظ حقها الذي غاب تحت ستار العاطفة. وهذا ليس تخويناً للرجل بذاته، فربما تصرف الرجل وهو الزوج الخاطب لميله إلى المرأة أو لطمعه من غير أن يقدر الأمور.

    ولهذا فالشريعة حينما جعلت الرجل ولياً على المرأة ليزوجها نجد أنه وليها الآن، ثم عقد عليها، فانتقلت الولاية إلى رجل يحتاج إلى ولي مع هذه المرأة، وهذه السرعة في ذلك، يعني: أنه ضمن الحق فلا خوف عليه حينئذ، فنجد أن الزوج بعد ذلك يدافع عن المرأة أكثر ربما من أبيها بخلاف ما كان قبل العقد.

    وهذه أمور فطرية قدرتها الشريعة، فجعلت جانب الولاية في ذلك حاضراً في الولي ابتداءً وهو الأب والأخ، فإذا تم عقد الزوجية انتقلت من الأب والأخ إلى الزوج.

    أحوال المرأة مع الرجل

    ثم ذكر الله سبحانه وتعالى قوله جل وعلا: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [النساء:34]، إنما ذكر الله سبحانه وتعالى الصالحات القانتات حافظات الغيب، ذكر الله سبحانه وتعالى إياهن قبل ذكر الناشزات, إشارة إلى اختلاف الحقوق, وأن المرأة تكون مع الرجل على حالين:

    الحالة الأولى: صالحة قانتة حافظة، فهذه للرجل أن يكرمها, وأن يحسن إليها.

    فالنوع الأول، هي: المرأة الصالحة القانتة الحافظة, فإن الله سبحانه وتعالى قدمها على غيرها لحقها وفضلها، وجوب الإحسان إليها، وعدم أذيتها بما يذكره الله سبحانه وتعالى بعد ذلك للمرأة الناشر، وذلك أن الله سبحانه وتعالى حث الزوج أن يعظ المرأة الناشز، ثم يهجرها، ثم يضربها على الوصف الذي يأتي الكلام عليه، أن هذا للناشز لا للمرأة الصالحة القانتة.

    وفي هذا أنه ينبغي للزوج أن يقدم حظ الله وحقه على حظ العبد والزوج وحقه؛ ولهذا لما ذكر الله سبحانه وتعالى أمر المرأة الصالحة، قال: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ [النساء:34]، والقنوت المتعلق في جانب الله سبحانه وتعالى، والأصل أن المرأة إذا كانت صالحة في حق الله عز وجل أن تكون صالحة في حق زوجها.

    وقوله: حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [النساء:34]، (حافظات للغيب) يعني: لشأن الزوج في حال غيبته, لا تسرف في ماله، ولا تدخل داره من لا يرضى، فتكون في غيبته كحاله لمشهده.

    بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [النساء:34]، يعني: بما حفظهن الله عز وجل بدينه فحفظن أزواجهن.

    ثم ذكر الله سبحانه وتعالى النوع الثاني من النساء، وهي: المرأة الناشز، قال: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ [النساء:34]. وهنا في ذكر الله عز وجل لخوف النشوز في قوله: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ [النساء:34]، هل يعني ذلك أن الإنسان يتحين أمارة النشوز فيبادر بما أمر الله سبحانه وتعالى به أو ينتظر النشوز؟

    نقول: إذا ظهرت أمارة النشوز أو علامته يبدأ بالوعظ، ويحرم عليه الهجر، وكذلك الضرب من غير نشوز؛ لأن هذا إضرار بالزوجة، فالله سبحانه وتعالى قيد ذلك بنشوزها.

    والنشوز في هذا هو الارتفاع في لغة العرب، نشزت المرأة، يعني: ارتفعت على زوجها، وهذا فيه إشارة إلى المعنى السابق في قوله: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:34]، يعني: أن الله عز وجل جعل هذا القدر للرجل على المرأة، فزاد عليها بسطة في بدنه وبسطة فيما أمر الله عز وجل بالتكسب والسعي في الأرض، فهذا مقدار جعله الله عز وجل عليه.

    أسباب النشوز

    ثم ذكر الله سبحانه وتعالى سبب النشوز أنها رفعت نفسها على زوجها، وبه نعلم أن من أسباب نشوز النساء اختلال جانب الفطرة لديهن, وأن يجعل أمرهن في الضرب والسعي في الأرض كأمر الرجال، وهذا ما أخذته الأمة الإسلامية من الأمم الغربية، فجعلوا المرأة في باب الوظائف كالرجال.

    الله سبحانه وتعالى كما ذكر آدم وحواء وحذرهما من إبليس قال جل وعلا: فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [طه:117]، من الذي يشقى؟ لماذا قال: (( يُخْرِجَنَّكُمَا )) جميعاً آدم وحواء، من الذي يشقى؟ يشقى آدم؛ لماذا أفرد بالخطاب في الشقاء آدم مع أن الخروج للجميع من الجنة إلى الأرض, والشقاء جاء إلى آدم؛ لأنك أنت الذي تضرب، كنت في الجنة مكفياً، تؤتى بالطعام والشراب لك ولزوجك، في الدنيا تشقى أنت, وهي على ما كانت عليه تنتظر منك، بدلًا من أن تكفى من الله عز وجل بما هيأ الله من أسباب الجنة، أنت الآن الذي تسعى فيها، فاختل هذا النظام.

    الآن نظر إلى الجنسين على أنهما سواء. فتقوم المرأة بالسعي والضرب في الأرض كالرجل، وتتوظف كالرجل، ويسعى إلى مساواتها في الوظائف، ويجعل نسب وظيفية لا بد بنسبة كذا من الوظائف النسوية أو في المؤسسات أو في الشركات, هذه نزعة مخالفة للفطرة! ودعوة إلى إخراج المرأة من قرارها, وهو من أعظم أسباب النشوز.

    أسباب النشوز أن ترى المرأة كالرجل فلا يكون حينئذ فضل، كما قال الله عز وجل: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:34]، لا يوجد فضل إذا كانت تضرب في الأرض وتسعى وتفعل ما يفعله الرجال، وهذا من أعظم انتكاسة الفطر، أن يكون في بلدان المسلمين في جوانب العمل وجوانب التوظيف وجوانب البطالة ينظر إلى جانب الرجال وجانب النساء على حد سواء من غير تفريق لجانب الفطرة.

    يجب على الزوج أن يتكسب ولا يجب على المرأة, ولكن لو عملت تعمل باختيارها، وألا يكون هناك دعوة لاستقلالها بعملها، فهذا مخالف للفطرة ومخالف لأصل القوامة، وهذا سبب الكثير من النشوز الذي يقع في المجتمعات.

    الخطوات التي يتعامل بها مع المرأة الناشز

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء:34]، ذكر الله سبحانه وتعالى الوعظ. وقد جاء عن مجاهد بن جبر وغيره قال: هو قوله لها: اتقي الله وخافي الله، يعني: فيما تقع فيه من التفريط في حق زوجها أو في حق الله، سواء كان ذلك من تقصير في عبادتها في أمر ربها أو في حق زوجها في أمر ماله وولده ونفسه، فيأمرها ويعظها.

    وهنا ذكر الله سبحانه وتعالى الوعظ والهجر وما ذكر الله عز وجل الزمان؛ وذلك لاختلاف الأحوال، فكم مدة يعظ ويتربص في حال المرأة اصطلاحاً؟

    نقول: ينظر في ذلك بحسب قدر المخالفة، فمن المخالفة والنشوز ما يقتضي المعاجلة بالفراق، ومنها ما يحتاج إلى صبر، وأحوال الأزواج أيضاً تتباين، فزوج له ذرية، وزوج ليس له من زوجه ذرية.. وهكذا, فالأمر في ذلك يتباين، ويقدر في هذا أهل العقل والحصافة والحكمة والدراية في مثل هذا الأمر.

    قال: فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء:34]، الهجر هو المفارقة، ولكن حده الشارع بحد، كما جاء في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تضرب الوجه، ولا تهجر, ولا تقبح إلا في البيت )، فالهجران يكون في بيتها، يعني: في بيت زوجها.

    وقد جاء عن عبد الله بن عباس فيما رواه علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس قال: يهجرها في فراشه, يعني: لا يواقعها، وإنما يهجرها في معشرها في فراشه.

    ولهذا نقول: إنه ينهى في هجر الناشز المفارقة من الدور؛ لأن هذا يسقط حقها بأمنها, فلا تبقى في مأمن في دارها وولدها أو نحو ذلك، فيجب عليه أن يكون حاضراً في داره عند أهله في ليلهم, ولكن الهجر يكون في الفراش.

    كذلك مقدار الهجر ومدته هو في مثل الجماع، وقد تقدم معنا إشارة إلى هذا في الإيلاء, وأما بالنسبة لأدناه فإنه لا حد له لاختلاف أحوال النساء.

    وذلك أن من النساء من إذا هجرت يوماً اتعظت وعادت ومنها ما تحتاج إلى أسبوع وهكذا لاختلاف أحوالهن, واختلاف مخالفتهن لأمر الله عز وجل؛ ولهذا قيد الله عز وجل الهجر بالمضاجع، فقال: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء:34]، يعني: لا يكون الهجر في بيوت مستقلة، أو في مواضع مستقلة، أو في بلد مستقل أو نحو ذلك.

    ثم قال الله عز وجل: وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34]. اتفق المفسرون من السلف على أن الضرب هو الضرب غير المبرح، يعني: غير المؤذي الموجع، وإنما المؤدب الرادع، كما جاء ذلك عن عبد الله بن عباس وغيره, أنه قال: غير مبرح, رواه عنه علي بن أبي طلحة، و سعيد بن جبير، وكذلك جاء عن عكرمة، وقتادة ومجاهد بن جبر، وعن غيرهم من المفسرين.

    ومن الأمور المهمة: أن يعلم أن الضرب إنما جعله الشارع ثالث المراحل، وذلك بعد الوعظ والهجر يكون في ذلك الضرب. فهل للزوج أن يهجر من غير أن يعظ؟

    نقول: لا. ليس له أن يهجر من غير أن يعظ، بل لا بد من تقديم الوعظ وتذكيرها، فربما تحتاج إلى وعظ ويذكرها بالله فتعود إلى الحق.

    وهل له أن يضربها من غير هجر؟ أن يسبق ذلك هجر؟

    نقول: لا. فلا بد أن يكون قبل ذلك هجر، إلا إذا كان في ذلك تأديب لجانب من حق الله سبحانه وتعالى، وذلك فيمن أصابت حداً من حدود الله, أو انتهكت محرماً من المحرمات ونحو ذلك فتحتاج إلى تأديب، وهذا يقدر بما يقدره الشارع في هذا.

    وأما ما يتعلق بجانب النشوز هنا قال: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ [النساء:34]، في أمر حياة الزوج وصالح حاله.

    وقد جاء عند ابن جرير الطبري وغيره في تفسير ضرب المرأة كما جاء عن عطاء قال: سألت عبد الله بن عباس عن الضرب غير مبرح؟ قال: بالسواك وشبهه, يعني: لا يكون بالعصا أو بالآت موجعة أو نحو ذلك، فيظن أن الشارع إنما رخص بالضرب يعني رخص بالمصارعة، هذا لا يقول به عاقل.

    ما يشترط في ضرب الناشز

    إذاً: ما المراد بالضرب؟

    يقول: الضرب غير المبرح، يقول عبد الله بن عباس كما سأله عطاء من غير طريق قال: هو بالسواك وشبهه.

    قد يقول قائل: ما فائدة السواك؟

    يثبت القوامة؛ لأنه ليس المراد بذلك إيجاع المرأة وجرحها، وإنما المراد القوامة والأمر، وكسر النفس المتعالية، هذا من مقاصد الشريعة، وهذا يتحقق بأدنى أمور الضرب, وقد نهى الشارع بالضرب على الوجه كما جاء في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده في قول النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ولا تضرب الوجه ).

    التحذير من ظلم المرأة

    قال: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء:34]، يعني: فإن خضعن بأي موضع عند الوعظ أو الهجر أو الضرب فلا تبغوا عليهن سبيلاً بإلحاق الأذية بهن، فتستبيحوا أموالهن أو تستبيحوا حقوقهن مما جعله الله عز وجل لكم، فالطاعة في ذلك هي المقصودة من تبيين هذه الأحكام.

    الحكمة من ختم آية: (الرجال قوامون ...) بقوله: (علياً كبيراً)

    قال: فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء:34]. والإتيان بهذين الاسمين في قوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء:34]، إشارة إلى جملة من المعاني العظيمة، وهي: أن الله سبحانه وتعالى علي في أحكامه وتشريعه، ويرى من مصالحكم ما لا تروه، ويبصر ما لا تبصروه.

    وفيه أيضًا: أن الله جل وعلا أكبر منك على زوجك، فإذا تذكر الإنسان قدرة الله عليه عند إيذائه لمن ولاه الله عز وجل عليه، سواء كان من ولد، أو من زوجة، أو من مولى، فليتذكر قدرة الله سبحانه وتعالى عليه، وأن الله عز وجل أكبر من كل شيء، وأقدر من كل شيء، وأن الله عز وجل علياً كبيراً، كان وازعاً للإنسان إلى العدل والتشوق إلى الإنصاف.

    نتوقف في هذا الموضع, وبالله التوفيق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.