إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [66]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المحرمات من النساء على نوعين: محرمة بالعد كالزيادة على أربع، ومحرمة بالوصف وهن ما ذكره الله بقوله: (حرمت عليكم أمهاتكم ...) الآية وقوله: (والمحصنات من النساء). والإحصان في القرآن على معان: الأول: العفاف كقوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات)، الثاني: الزواج كقوله: (والمحصنات من النساء) الثالث: الإسلام كقوله: (فإذا أحصن ..).

    1.   

    قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم ...) الآيتين

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    تكلمنا في المجلس السابق عن المحرمات التي ذكرها الله عز وجل في كتابه، بدأ من قول الله عز وجل: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22].

    المحرمات من النساء على نوعين

    ثم ذكرنا ما ذكره الله عز وجل من المحرمات من الأنساب والأصهار، ثم جاء قول الله سبحانه وتعالى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24]، هذه الآية هي تبع في سياق المحرمات للآيات السابقات، وذلك أن الله سبحانه وتعالى عطف هذه الأوصاف على ما سبق من أوصاف، ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى جعل المحرمات من النساء سبب تحريمهن على نوعين:

    نوع بالعدد وهو ما تقدم في أول سورة النساء مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [فاطر:1]، يعني: ما زاد عن أربع فإن الله عز وجل يحرمه، وتقدم الإشارة إلى هذا.

    ونوع بالوصف: فمن توفر فيه من النساء وصف الأمومة والبنوة والأخوة وكذلك العمومة والأخولة وغير ذلك مما ذكره الله عز وجل في المحرمات من النساء، ويتبع هذا النوع -أعني: الثاني-: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24]، وهنا في ذكر الله عز وجل للمحصنات في هذه الآية: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:24].

    معنى الإحصان في القرآن

    وهل المحصنات من النساء محرمات من جهة نكاحهن؟

    نقول: إن الله سبحانه وتعالى يذكر الإحصان في كتابه ويريد به معانٍ:

    المعنى الأول: يريد به سبحانه وتعالى العفاف، وهو إحصان الفرج سواءً كانت المرأة متزوجة أو غير متزوجة، فالمرأة العفيفة تسمى محصنة، وهذا ظاهر في عدة مواضع من كلام الله عز وجل، كما في قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ [النور:4]، وفي قول الله عز وجل: الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا [التحريم:12]، يعني: عصمته من الوقوع في الفاحشة، فالمرأة المحصنة هي التي تبتعد عن الفاحشة وهي البريئة منها.

    المعنى الثاني: يراد به النكاح، يعني: المرأة المتزوجة، ولهذا جعل الله عز وجل الحد على المرأة المتزوجة يختلف عن المرأة غير المتزوجة، وهذا ذكره الله عز وجل في مواضع، ومنها هذه الآية في قول الله عز وجل: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24]، يعني: المتزوجات، المرأة إذا كانت في عصمة رجل لا يجوز لأحد أن يتقدم إليها بخطبةٍ، فضلاً عن أن ينكحها أو يقوم بالعقد عليها، فقد حرم الله عز وجل ذلك.

    المعنى الثالث: هو الإسلام، فالمرأة المسلمة تسمى محصنة، وهذا يأتي أيضاً في قول الله سبحانه وتعالى في الآية التالية في قول الله عز وجل: فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ [النساء:25] (فإذا أحصن) يعني: دخلن الإسلام، ومعلوم أن الإماء كن قبل سبيهن حرائر، فأصبحن إماءً بالسبي، وسبب السبي الكفر؛ لأنها لو لم تكن كافرة لم تسب، فإذا دخلت الإسلام بعدما كانت في ملك مسلم فإنها تسمى بالمحصنة.

    وعامة العلماء من السلف على أن المراد بالإحصان في قول الله عز وجل: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24] هن المتزوجات، وعلى هذا عامة السلف.

    ثمة قول يسير لبعضهم وهو مروي عن أبي العالية رفيع بن مهران ومروي عن طاوس و عبيدة أن المراد بالإحصان هنا العفاف، وحملوا المعنى في قول الله جل وعلا: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24] على أن المرأة المحصنة تحرم على الإنسان إلا بعقد.

    وهذا التأويل الثاني يعضد ما تقدمت الإشارة إليه أن الله سبحانه وتعالى حينما نهى في قوله: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22] أن المراد بالنكاح هو العقد، وليس المراد بذلك الوطء، وذكرنا الخلاف الوارد عن السلف عليهم رحمة الله تعالى في هذا، وأن الأرجح في هذا على ما تقدم من المعاني أن النهي هنا في قوله: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22]، يعني: بعقد، وأن الوطء من غير عقد يعني: بسفاح أنه لا يحرم على الابن ما نكح أبوه.

    وهذا أيضاً يشير إلى أن المعنى الثاني له من جهة النظر وجاهة، إلا أن عامة السلف على المعنى الأول وهو المحصنات المتزوجات، يعني: المرأة تكون في عصمة رجل فلا يجوز لأحد أن يتقدم إليها فضلاً أن يطأها بعقدٍ أو بغيره.

    معنى الإحصان في قوله تعالى: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ...)

    وقوله سبحانه وتعالى وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24] على المعنى الذي عليه عامة السلف أن المحصنات هن المتزوجات من النساء.

    قال: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24]، في هذا إشارة إلى أن الموالي يجوز للحر أن يتزوجهن من غير عدد؛ لأن الله سبحانه وتعالى استثنى من عموم المحصنات الموالي وما ذكر عدداً، وذكر الله عز وجل العدد في الحرائر، تقدم هذا في قول الله سبحانه وتعالى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3].

    عدم الزيادة على أربع إماء في الزواج

    وهنا في قوله: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24]، يعني: أن يطأ الرجل أمته، ولا حد للوطء في ذلك، وأما إذا أراد أن يتزوج الأمة في ذلك، فحكم الإماء في ذلك في العدد كحكم الحرائر، والمسألة في ذلك محل خلاف، وربما يأتي الإشارة إليه.

    سبب نزول قوله تعالى: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم)

    وهنا في قوله جل وعلا: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24]، سبب نزول هذه الآية هي سبي أوطاس، وذلك أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى وقع في أيديهم من نساء المشركين نساءً كن تحت أزواجهن، فتحرجوا من أن يطئوهن بعد سبيهن، فأنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24]، وقد أخرج ذلك الإمام مسلم رحمه الله في كتابه الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري، يعني: أن نزول هذه الآية إنما كان في نساءِ كن في عصمة أزواج، وهذا يرجح القول الأول أن المراد بالمحصنات يعني: المتزوجات، يعني: لا تتحرجوا من امرأة كانت في عصمة زوج، ثم سبيت، وسبيها في ذلك بسبب كفرها، وأن السبي في ذلك فسخ لنكاحها من زوجها.

    والمرأة تنفك عن زوجها بأسباب، منها: الطلاق، الخلع، والفسخ الذي يفسخه الحاكم، والموت والسبي كأن تكون تحت زوج ثم تسبى، وحكمها قبل ذلك من جهة الشريعة لو دخلت في الإسلام مع زوجها بعد كفرها فإن الشريعة تمضيها على عقدها الماضي، فيكون عقدها في ذلك صحيحاً، فإذا سبيت فإنه ينفسخ نكاحها من زوجها بمجرد ملك يمينه.

    تأثير بيع الأمة على فسخ نكاحها

    وهنا في قوله سبحانه وتعالى: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24]، هل ملك اليمين -يعني: على سبيل الدوام- فسخ النكاح السابق، أم ذلك من التحول من عصمة كافر إلى مسلم؟

    إن قلنا: إن ملك اليمين فسخ للنكاح، فإذا تحول ملك الأمة من رجل إلى رجل فيلزم من ذلك أن ينفسخ نكاحها من الأول إذا كانت في عصمته أو في عصمة غيره إلى من اشتراها، فإذا اشترى رجل أمة من الإماء وكانت في عصمة البائع، فهل بمجرد البيع ينفسخ النكاح أم لا؟

    اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى هل بيع الأمة فسخ لنكاحها أم لا؟ على قولين:

    القول الأول: قالوا: لا فرق بين بقاء الجارية أو بقاء الزوجة تحت زوجها المشرك ثم تتحول إلى مسلم، فذلك فسخ، فكذلك من بيعها من مسلم إلى مسلم آخر أن البيع فسخ ولا تحتاج حينئذٍ إلى طلاق، وهذا القول ذهب إليه بعض السلف، وهو مروي عن عبدالله بن عباس عليه رضوان الله.

    القول الثاني: أن البيع ليس بفسخ، وأن الاستدلال بهذه الآية قاصر، وذلك أن سبب نزولها بيان لها، وذلك أن الله عز وجل قد رفع الحرج عن الصحابة حينما سبوا النساء وكن تحت أزواج، فقد تحرجوا من أرحامهن أن يختلط ما في أرحامهن من أزواجهن السابقين بما يكون منهم، فبين الله سبحانه وتعالى أن مجرد ملك يمينها بسبب الكفر أن ذلك فسخ وأنها تستبرئ بحيضة.

    وهذا بيان لحكم شرعي مما يتعلق بملك اليمين، وأما بالنسبة لانتقالها من ملك يمين إلى ملك يمين، فإنها ما زالت أمة، سواءً عند الأول أو عند الثاني، فالاستدلال بعموم هذه الآية قاصر.

    وهذا القول هو الأرجح، وذلك أن الرجل قد تكون لديه الأمة ثم يتزوجها أو يزوجها غيره، كأن يزوج الرجل الأمة رجلاً آخر، فإذا زوجها باعها يعني: أخذ مالها ثم زوجها غيره؟

    ويدخل في هذا هل يقال: إنها انفسخت من زوجها الأول؟

    لا، بل يقال: إن زواجها منفصل، وإذا كانت في عصمة سيدها الأول ثم باعها فتبقى في عصمة الأول حتى يطلقها، وإذا زوجها غيره ثم باعها فتبقى في عصمة غيره، سواءً كان حراً أو عبداً حتى يطلقها، فأمر الزواج هل هو أمر منفك أم ملك اليمين؟ فكأن مالكها قد تنازل عن منفعته من الجارية لغيره، فيجوز للرجل إذا ملك يميناً أن يزوج جاريته غيره من الناس سواءً كان حراً أو عبداً، وهذا يدل على أنه لا أثر لبيعه؛ لأنه لا يملك العصمة أصلاً، وأن العصمة قد تكون فيه وقد تكون في غيره، ولهذا نقول: إن الاستدلال بعموم هذه الآية استدلال قاصر، وأن بيع الأمة لا ينقل في ذلك عصمة فرجها إلى سيدها الثاني.

    الجمع بين وطء الأختين إذا كن إماءً

    وقوله سبحانه وتعالى: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24]، في هذه الآية قال بعض السلف بجواز الجمع بين الأختين في الوطء إذا كن إماءً، وهذا القول قال به قلة من السلف، قالوا: قد أجاز الله عز وجل ما سوى ذلك، وأن الأصل فيما نهى الله عز وجل عنه في قوله: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ [النساء:23] أن المراد بذلك هو بعقد النكاح، وأما ما كان بوطء فإنه جائز.

    وتوقف بعض السلف كـعثمان بن عفان وروي عن علي و ابن الحنفية في هذه المسألة قالوا: أحلتها آية ويريدون بما أحله الله: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24]، قال: وحرمتها آية: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:23]، فتوقفوا في هذا؛ للتعارض.

    ومن العلماء من جزم بالتحريم وهو الأظهر على ما تقدم معنا في الآية السابقة.

    معنى قوله تعالى: (كتاب الله عليكم)

    وقوله سبحانه وتعالى: كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24] (كتاب الله عليكم) يعني: ما حرمه الله عز وجل عليكم مما سبق ابتداءً من قول الله جل وعلا: مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [فاطر:1]، يعني: يحرم عليكم ما زاد عن ذلك.

    وفي قول الله جل وعلا: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22] وقول الله عز وجل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ [النساء:23] الآية، تلك التي كتب الله سبحانه وتعالى تحريمها على الرجال.

    كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [النساء:24]، يعني: ما حرمه الله سبحانه وتعالى وشرع تحريمه في كتابه على الرجال.

    الجائز نكاحهن من النساء

    قال: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24] يعني: من النساء مما لم يسمه الله جل وعلا، ولم يذكره سبحانه وتعالى فيما سبق من الآيات، في هذه الآية: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24] دليل على مشروعية جميع صور النكاح إذا توفرت في ذلك شروطه كنكاح الذكر للأنثى، الكبير للصغيرة، والصغيرة للكبير، وهكذا لأن الله عز وجل أطلق الحل قال: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24] يعني: من النساء سواءً كان من جهة العدد أو كان من جهة الوصف، من جهة العدد مثنى وثلاث ورباع، ومن جهة كذلك أيضاً الوصف مما كان من النساء من القرابات من ذوات المحارم غير المحرمات، وكذلك أيضاً من صفات النساء وأجناسهن، وفي هذا أيضاً دليل على عدم إشتراط التكافؤ في النسب في الزواج، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24]، فهذا مقتضى الإطلاق والعموم وهو حل النكاح بجميع صوره مما لم يذكره الله سبحانه وتعالى في ذلك.

    من أدلة قوامة الرجل على المرأة

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ [النساء:24]، هنا فيما ذكره الله عز وجل أن تبتغوا بأموالكم إشارة إلى قوامة الرجل على المرأة بالمال، وأن القوامة لها معاني، وجامعها هو ولاية الزوج على زوجه، ومن هذه الأسباب التي جعل الله عز وجل الرجل ولياً على زوجه هي القوامة المالية، ومنها ويتفرع عن ذلك هي قوامة التكسب والرزق، وكذلك القوة والبسطة وما جعله الله عز وجل في الرجل مما تثبت فيه معه جملة من الأحكام كالمحرمية، فيزيل حرمة المرأة عند سفرها وعند حاجة تعاملها مع جاره في مجالسة أو مخالطة عارضة أو نحو ذلك.

    وقوله أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ [النساء:24] في هذا إشارة أيضاً إلى المهر، وتقدم معنا الكلام على المهر في موضعين تقدم في سورة البقرة وفي سورة النساء مفصلاً في أوائلها في قول الله سبحانه وتعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء:4] تكلمنا على مسألة المهر بالتفصيل.

    قال: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ [النساء:24] المراد بالسفاح هنا هو الفاحشة وهو الزنا.

    حكم نكاح المتعة

    قال فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ [النساء:24]، هذه الآية كانت في نكاح المتعة قبل تحريمها، والمتعة كانت مباحة قبل ذلك، ثم نسخها الله جل وعلا، وبقي النسخ على هذا عامة العلماء وأُختلف في نكاح المتعة كم مرة نسخه الله عز وجل، هل كان النسخ في ذلك مرة أو كان مرتين، فأحل الله عز وجل نكاح المتعة، ثم نسخه، ثم أحله، ثم نسخه، فهل هو على نسخ واحد وهو الأول ولم ينسخ بعد ذلك إذ لم يتخلل ذلك حل؟ أم نسخه الله عز وجل بعد حله الأول ثم أحله ثم نسخه وبقي على النسخ الثاني مع أن عامة السلف على نسخه؟

    ذهب إلى أنه نسخ مرتين الإمام الشافعي رحمه الله، ومنهم من قال: إنه نسخ مرة واحدة وبقي على نسخ الله عز وجل له إلى قيام الساعة.

    وروي عن عبدالله بن عباس حل نكاح المتعة، وأباحه الإمام أحمد للضرورة، وإنما ذكره الإمام أحمد عليه رحمة الله في مسألة الإباحة للضرورة؛ لأنه أهون من الزنا، ولا خلاف عند العلماء في ذلك، أن نكاح المتعة أهون من الزنا، وذلك من وجه: أن الله سبحانه وتعالى أحل نكاح المتعة قبل ذلك، والله لا يحل الزنا بحال ولا يحل الفاحشة، فلما أحله الله عز وجل قبل ذلك ثم حرمه الله سبحانه وتعالى دل على أنه من جهة أصله ليس بزنا، وأن ما ذكره الإمام أحمد رحمه الله أنه للضرورة قال: إنه أهون من الوقوع في الزنا، وهذا مراد ما روي عن الإمام أحمد في هذا، وليس المراد هو حله بإطلاق، ولما حرمه الله عز وجل فلا مجال من البقاء عليه، ولا يقال بحله؛ لأن نسخه قطعي وقد جاءت الأدلة عن النبي عليه الصلاة والسلام واستفاضت في هذا، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب أنه قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية في خيبر )، وجاء في صحيح الإمام مسلم أيضاً: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء في فتح مكة )، وجاء في رواية عند الإمام مسلم رحمه الله، ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء في حجة الوداع، قال: وهي محرمة إلى قيام الساعة )، وفي رواية قال: ( وهي محرمة إلى يوم القيامة )، وهذا إشارة إلى بقاء التحريم.

    ولعل ما جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى يحمل على المعنى الذي قصده الإمام أحمد رحمه الله وهو الحل للضرورة، باعتبار أنها ليست زنا، وقد كان عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى يسقط الحد على من وقع على امرأة وأعطاها مالاً أجراً، لأن الله عز وجل يقول: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً [النساء:24] قال: لشبهة النكاح .

    وقوله سبحانه وتعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ [النساء:24] إشارة إلى أن هذه الآية كانت في نكاح المتعة قبل تحريمها.

    التأكيد على دفع المهر

    قال: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً [النساء:24] يعني: أن الله سبحانه وتعالى فرض المهر للنساء حتى في نكاح المتعة قبل تحريمه، وهذا يدل على تأكيد المهر، وإنما خلاف العلماء عليهم رحمة الله في المهر وفي عدم فرضه عند العقد، أن الرجل يدخل على المرأة من غير أن يضرب لها صداقاً، فيبقى الصداق في ذمته، وأما العقد على امرأةٍ مع النص على إسقاط المهر فهذا عقد باطل، وتقدم معنا الإشارة إلى هذه المسألة.

    النكاح الذي يستحب فيه التراضي بين البقاء وعدمه

    قال: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ [النساء:24]، من قال: إن هذه الآية إنما هي في أحكام نكاح المتعة، وذلك أنهم كانوا ينكحون النساء إلى أجل مسمى لأجل مسمى، فإذا أراد الاستزادة زاد بالتراضي بالمال، قال: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ [النساء:24]، يعني: بعدما يفرض المال ويتم عقد النكاح بنكاح المتعة، فيكون حينئذٍ إلى أجل، قال: فإن تراضوا بعد ذلك على أجل آخر بمالٍ بعد الفريضة الأولى وقبل انتهاء المدة؛ لأنها لو انتهت المدة على ما كانوا عليه فإن المرأة تملك نفسها، فإذا كان ذلك بعد الفريضة وقبل انتهاء الأجل فإنهم على ما يتراضون.

    وبعض العلماء يقول: إن هذه الآية ليست في نكاح المتعة، وروي هذا عن عبد الله بن عباس فيما رواه علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس فيما رواه ابن جرير الطبري، وحمل قول الله جل وعلا: فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ [النساء:24] على الرجل يعطي المرأة مهرها يعني: فريضتها ثم يخيرها، وهذا من تمام الكرم والإحسان، يعني: أن يعقد عليها ثم يعطيها مهرها، ثم يخيرها بين البقاء عنده وبين طلب الفراق، فهذا من تمام الإحسان، وهذا هو المراد في قوله: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ [النساء:24]، يعني: ما تراضيتم من البقاء أو عدمه.

    الحكمة من ختم آيات المحرمات من النساء باسمي العليم والحكيم

    قال: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:24]، لما ذكر الله سبحانه وتعالى هذه الأحكام في هذه الآية، وعد الله جل وعلا المحرمات وبينها وفصلها، واستثنى منها ما استثنى، وقيد ما قيد مما سبق في الآيات، ذكر الله عز وجل هنا اسمين من أسمائه، قال: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:24]، ذكر العلم والحكمة، فالحكمة هي وضع الشيء في موضعه، والبداءة باسم العليم قبل الحكيم يعني: أن الله سبحانه وتعالى لا يضع الأشياء ولا يحكم بها إلا عن علم سابق.

    وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي على من لم تظهر له علة التحريم لقصور علمه، وضعف نظره وبصيرته، أن يكل العلم إلى عالمه، فالله جل وعلا لا يحكم ولا يقضي بشيء إلا عن علم تام، فله الكمال في ذلك، فلا يختار لعباده إلا الأنفع والأصلح له، فالله جل وعلا قال: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:24]، يعني: يعلم ما يصلح أحوالكم وما يضرها وما يفسدها، فقضى ذلك القضاء وهو حكيم أيضاً، وهذه المراتب لا تكون إلا من ترقى وعلا في مراتب الصديقية واليقين، وهم الذين يؤمنون ويسلمون ولو لم تظهر لهم العلل.

    وأما الذين يربطون تسليمهم بظهور العلل وجلائها، فهذا أمارة على ضعف اليقين، وضعف اليقين في ذلك أمارة على ضعف الإيمان بالله سبحانه وتعالى، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]، فذكر أهل اليقين الذين يؤمنون بحسن حكم الله عز وجل وقضائه، فالذي يشكك في حكم الله ويبحث عن مصلحة، ويربط إيمانه ورضاه وتسليمه بها، فهذا يقينه بالله جل وعلا ضعيف، ولو كان يقينه بالله عظيماً لكان تسليمه في ذلك عظيماً، فإذا علم أن الله واسع العلم، وواسع الحكمة، علم أنه لا يقضي ولا يحكم إلا عن علم وخير، فإذا ضعف إيمانه بسعة علم الله، وسعة حكمته؛ ضعف تسليمه ورضاه بما يقضيه الله عز وجل لعباده.

    1.   

    قوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولاً ...)

    ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء:25]، لما ذكر الله سبحانه وتعالى نكاح النساء، فبين الحلال وبين الحرام، ذكر الله عز وجل شيئاً من المتفاضل في النكاح، وذلك بين الحرائر والإماء.

    المراد بالطول في قوله: (ومن لم يستطع منكم طولاً)

    وقوله جل وعلا: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا [النساء:25]، المراد بالطول يعني: القدرة المالية، وجاء هذا عن جماعة من السلف، بل هو قول أكثرهم على أن المراد بالطول هو القدرة والتمكن من نكاح الحرائر، وذلك أن المرأة تحتاج إلى مهر ومئونة، ومئونتها في ذلك بالمعروف، ينفق عليها كما ينفق على مثيلاتها.

    وتقدم معنا الإشارة إلى أن الله عز وجل أوجب على الرجال النفقة على النساء وكسوتهن وسكناهن وأن ذلك بالمعروف، يعني: بما كن عليه قبل زواجهن، وأن حال الإماء يختلف عن حال الحرائر، فمن لم يستطع طولاً أن ينكح حرة فالله عز وجل أباح له أن ينكح الإماء.

    الله سبحانه وتعالى ذكر الإماء هنا بالاستطاعة هل يعني ذلك تحريم نكاح الإماء ابتداءً؟ لا يعني ذلك وهذا لا خلاف عند السلف عليهم رحمة الله تعالى في أن الرجل يجوز له أن يتزوج الأمة سواءً كانت تحته أو تحت غيره، واختلف في بعض الصور، وإنما المراد في هذه الآية من لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا [النساء:25] يعني: قدرة، وهذا ذكر للفاضل والمفضول، وهذه الآية أصل في الترغيب بالانتقاء للنسب والحسب، وأعظم حسب هو الدين، وذلك لقوله: ( فاظفر بذات الدين ).

    قال: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء:25].

    وهنا في ذكر التفاضل في هذا، وتفضيل النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة ذات الدين إذا تعارضت في ذلك الحرية والدين، فكانت حرة ولكنها ليست بذات دين، أو أمة ولكنها صاحبة دين، فأيها يقدم؟

    أولاً: إذا كانت ليست بذات دين فلا يلزم من ذلك أن تكون مسافهة، يعني: تقع في الفاحشة، ونقول: يبقى الفضل في ذلك للحرية؛ لعارض كمال الأهلية الذي يطرأ على الولد من نكاح الحرائر، وكذلك في بقاء عصمتها وديمومته، فإن الأمة تبقى في عصمة الرجل، أو ربما يتزوجها الإنسان وهي في ملك غيره، فيبيعها إلى غيره وتبقى في عصمته، وهذا فيه نوع من قصور قدرة الرجل على زوجه، فيبقى الأمر على إطلاقه أن الحرة أفضل من الأمة الصالحة.

    قال: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء:25]، روي عن بعض السلف وهو قول ربيعة على أن المراد بقوله: (طولاً) قال: هوىً ورغبة، يعني: إذا لم يرغب الإنسان بنكاح المحصنات فلا حرج عليه أن ينكح الإماء، وهذا قول ضعيف، وقد أنكره ابن جرير الطبري عليه رحمة الله، على أن المراد بالطول في هذه الآية هو القدرة المالية، وذلك لظاهر السياق، وهذا هو القول الأرجح والأصح.

    قال: أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء:25]، هنا ذكر وصف المؤمنات، وتقدم معنا في أول الآية أن الله عز وجل قال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:24]، فذكر ذلك عنه، ثم قال بعد ذلك: الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء:25]، وسوف يأتي معنا في سورة المائدة قوله جل وعلا: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ [المائدة:5] وذلك تقييد لإطلاق هذه الآية، وكذلك تقييد نساء أهل الكتاب من عموم الكافرات، ويأتي كلام السلف في هذا، وتقييد ذلك بشروطه عندهم، ويأتي في موضعه.

    وقوله جل وعلا: فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء:25]، يعني: مما كان في عصمة الإنسان بنفسه، أو كان في عصمة غيره.

    من أدلة وجوب الولي في النكاح

    وقال: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ [النساء:25]، هذا فيه إشارة إلى ما تقدم معنا في سورة البقرة عند قول الله سبحانه وتعالى: وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ [البقرة:221].. وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ [البقرة:221]، وهو وجوب الولي في النكاح، فهذا وإن كانت أمة أمر الله عز وجل بنكاحها بإذن أهلها، فقد أحال الله سبحانه وتعالى الأمر إلى سيد الأمة.

    ولاية المرأة السيدة نكاح أمتها

    وهنا في قوله: فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ [النساء:25]، النكاح يكون بإذن الأهل، وإذا كان والدها موجوداً أو أخوها، فهل هو وليها أو سيدها؟

    نقول: هو سيدها بنص القرآن، ولو كان أبوها موجوداً سواءً كان حراً أو عبداً، فنقول: إن نكاح الأمة يكون بإذن سيدها، وإذا كانت السيدة امرأة فهل تعقد على الجارية أم لا؟

    لا تعقد على الجارية؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( ولا تنكح المرأة المرأة )، وأيضاً يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تزوج الجارية نفسها، فإن فعلت فإنها زانية )، والمراد بذلك هي الأمة، فتنكح بإذن سيدها إذا كان رجلاً، وإذا كانت امرأة سيدتها فتولي من يزوجها كما تولي على نفسها؛ لأن هذه المرأة السيدة لا تزوج نفسها فكيف تزوج غيرها، فكما يجوز لها أن تنيب غيرها في تزويجها فكذلك تنيب غيرها في تزويج جاريتها.

    من أدلة وجوب المهر

    قال: فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:25]، ذكر هنا الأجور والمراد بها هنا هي المهور، وهذا دليل على وجوب المهر في الإماء والحرائر، فإذا كان في الإماء فهو في الحرائر من باب أولى، وهذا يعضد ما تقدم الإشارة إليه في كلامنا على المهر في أوائل سورة النساء.

    مقدار المهر

    قال: وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:25]، قوله: (بالمعروف) إشارة إلى أن مهر الأمة يختلف عن مهر الحرة، وأن مهر الأمة يقيد بما عرف من مثيلاتها، فيقال: إذا كان نكاح الأمة بمبلغ معين بعشرة آلاف أو عشرين ألفاً أو نحو ذلك، فإنها تعطى على ما في ذاتها إذا لم يسم المهر، وإذا سمي مهراً فذلك على ما يسمى، ولهذا جعل ذلك بالمعروف.

    قال: مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ [النساء:25]، يعني: لا يجوز للرجل أن يتزوج مسافحة، وهي: الزانية، والأخدان يعني: الصواحب من الرجال، من العشاق وغير ذلك، ولو لم تكن من الزنا فهذه نكاحها محرم، وهو ما يسمى بالصديقات، صديقة الرجل وصديق المرأة ونحو ذلك، هذا هو المقصود في قول الله عز وجل: وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ [النساء:25] لأنه فرق بين المسافحات وبين متخذات أخدان، ولا يلزم من كل متخذة أخدان أن تكون زانية قطعاً، وإشارة إلى حرمة الأمرين، وأن الأول أعظم، وأن الرجل لا تكون له صاحبة إلا زوجته، وكذلك المرأة لا يكون لها صاحباً إلا زوجها.

    المراد بالإحصان في قوله: (فإذا أحصن فإن أتين ..)

    قال: فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ [النساء:25]، هنا اختلف في معنى الإحصان في هذه الآية على معنيين:

    المعنى الأول: قيل: إن المراد بالإحصان في قوله: فَإِذَا أُحْصِنَّ [النساء:25] أي: الإسلام، يعني: دخلن الإسلام بعد ملكهن.

    وهذا القول هو الذي ذهب إليه جمهور العلماء، وذهب إليه عبد الله بن مسعود، و عبد الله بن عمر، و أنس بن مالك، وروي عن سعيد بن جبير وعن غيره، أن المراد هنا بإحصان الإماء: الإسلام.

    المعنى الثاني: أن المراد بالإحصان في هذه الآية هو النكاح، يعني: تزوج بنكاح صحيح، وهذا القول روي عن بعض السلف، فقد روي عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، وهذا يتفرع عنه القول، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد رتب على الفاحشة التي تقع من الجارية الأمة عقوبة، وهي أن عليها نصف ما على الحرة، ونصف ما على الحرة غير المحصنة بين، ولأنها تجلد نصف الحد، ونصف الحد في ذلك خمسون جلدة كما يأتي معنا في سورة النور.

    وأما بالنسبة للرجل فإذا قلنا: إن المراد بذلك هو إحصانها يعني زواجها، فهل يعني من ذلك أن الأمة ترجم لأن الرجم لا ينصف، أم المراد بذلك الإسلام فيستوي حد المرأة في حال إحصانها وغير إحصانها بنكاح؟

    الأظهر والله أعلم أن المراد بالإحصان الإسلام، وهذا هو الذي تعضده الأدلة، وذلك أنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أقام حد الرجم على أمة مملوكة، والثابت في ذلك إقامة حد الجلد، علماً أن الزنا يقع من الإماء أكثر من وقوعه من الحرائر، وكذلك الخلفاء الراشدون، وهذا الذي دلت عليه الأدلة، وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة و زيد وغيره من النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، قال: فإن زنت؟ فليجلدها. قال: فإن زنت؟ فليجلدها. قال: فإن زنت؟ قال: فليجلدها. فإن زنت قال: لا أدري الثالثة أو الرابعة قال: فليبعها ولو بظفر )، وهذا من غير سؤال: هل كانت محصنة أو غير محصنة؟ يعني: عاد منها الزنا.

    ويعضد هذا ما جاء من حديث علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى: ( إذا زنت أمة أحدكم محصنة وغير محصنة فليجلدها الحد ) يعني: الجارية سواءً كانت متزوجة أو غير متزوجة أن عليها في ذلك الحد ما لم تكن في ذلك حرة؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل العقوبة في ذلك على النصف، يعني: أن العقوبة في هذا واحدة؛ لأن الرجل في ذلك لا ينصف، وما قال: إن المراد بالإحصان في هذه الآية هو النكاح، يعني: إذا تزوجت وجاءت بفاحشة وهي محصنة، فهذا يعني أن الجارية أو الأمة قبل إحصانها لا يقام عليها الحد أصلاً؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل العقاب في ذلك على النصف في قوله: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25]، يعني: المراد بذلك من المحصنات هن الحرائر.

    تفضيل نكاح الحرة على نكاح الأمة

    قال: نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النساء:25]، وفي هذا إشارة إلى المقصد من جعل نكاح الحرة أفضل من نكاح الأمة، أن الأمة بطبيعتها لا تستتر كما تستتر الحرة، ولا يجب عليها ما يجب على الحرة، وكذلك قيامها بمئونة أهلها وخروجها وولوجها مدعاة إلى وقوعها فيما يخالف أمر الله سبحانه وتعالى، ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى أمر الفاحشة بعدما ذكر حل نكاحها، وجعله مفضولاً أنها إن وقعت فاحشة وما ذكر هذا الاحتمال في الحرائر؛ لأن الأصل فيهن هو الإحصان والعفاف، وحينما ذكر ذلك في الإماء إشارة إلى كثرة وقوعه منهن، وهذا هو سبب تفضيل الحرائر عليهن.

    مقدار عقوبة الأمة

    قال: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25]، والمراد بالعذاب في هذه الآية هو العقوبة، وهو حد الله سبحانه وتعالى، ويأتي معنا الكلام عليه في غير هذا الموضع في سورة النور بإذن الله عز وجل.

    الحالة التي يجوز فيها الزواج بالأمة

    قال: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ [النساء:25]، العنت هو المشقة وحبس النفس عن الوقوع في الفاحشة.

    قال: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النساء:25]، يعني: فيما يقع من الإنسان من مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى، وذكر المغفرة والرحمة هنا بعدما ذكر العقوبة، وذكر الترخص أيضاً، وذكر والعنت أنه ربما يقع الإنسان فيما يخالف أمر الله عز وجل، فالواجب في ذلك أن يغلب رحمة الله جل وعلا وغفرانه على عقابه وعذابه.

    الحدود كفارة لأصحابها

    وهذه فيها قرينة على مسألة وهي: أن الحدود كفارة لأصحابها، وقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله في الحدود والعقوبات التي تكون على من أصاب حداً، فإذا أقيمت عليه العقوبة، فهل هذه العقوبة كفارة من ذلك الذنب، فلا يعاقب عليه يوم القيامة كحد الزنا وحد السرقة وحد القذف وغير ذلك، فتكون كفارة بذاتها فلا يلزم منها توبة.

    اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

    القول الأول: وهو قول جمهور العلماء أن الحدود كفارة لأصحابها، ولما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من أصاب من هذه الحدود شيئاً فعوقب به فهو كفارة له ).

    القول الثاني: أنها ليست كفارة له، وأنه يحاسب عليها يوم القيامة، واستدلوا بحديث أبي هريرة، قال: ( لا أدري الحدود كفارة لأصحابها أم لا؟ ) ولكن لعل حديث أبي هريرة هذا إنما كان في ابتداء الأمر، ثم حسم بالحديث السابق، ( ومن أصاب في ذلك حداً فعوقب به فهو كفارة له )؛ لأنه قطع بذلك، وهو الأقرب والأولى والأليق بحمله على فضل الله عز وجل ورحمته، وألا يجب الله سبحانه على الإنسان عقوبتين، العقوبة العاجلة وهي إقامة الحدود، والعقوبة الآجلة وهو العذاب يوم القيامة.

    نتوقف عند هذا القدر، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد..