إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [43]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تنازع العلماء في قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) هل الآية منسوخة أم محكمة، والذي يجري عليه سائر تفاسير الصحابة أنها محكمة، ومعناها: لا يكره الناس على الدخول في الإسلام. ثم قيل: هي عامة في جميع الناس، وقيل: إنها خاصة بأهل الكتاب. وسبب نزول هذه الآية يوضح خطأ من يستدل بها على حرية الأديان.

    1.   

    تابع قوله تعالى: (ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فقد تقدم الكلام معنا على ما يتعلق بجهاد الدفع، وتكلمنا على أحكام الولاية والإمارة في الجهاد، وذلك في قصة النبي من بني إسرائيل لما طلب قوم منه أن يبعث إليهم ملكاً يقاتلون معه في سبيل الله. وتكلمنا أيضاً على أنهم إنما قاتلوا لأنهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم.

    ثمة مسألة تتعلق بتلك الآية السالفة، وهذه المسألة: أن النبي إنما بعث إليهم ملكاً ولم يذهب بنفسه إليهم، مع كونهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم، وما هي العلة في ذلك؟ ولماذا بعث إليهم أميراً يقاتلون معه، ولم يذهب إليهم بنفسه وهو نبي، ومعلوم أنهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم؟

    الذي يظهر لي في هذه الآية بعد طول تأمل فيها، أن ذلك لأسباب وحكم:

    أول هذه الأسباب والحكم: أن أولئك القوم إنما أرادوا من النبي أميراً وهم قادرون على قتال أولئك الجبابرة الذين أخرجوهم من ديارهم وأبنائهم، وذلك يظهر في طلبهم أميراً وما طلبوا غير ذلك، فأراد أن يسد حاجتهم بتلك الولاية.

    ومن الأسباب أيضاً: أن النبي لديه من أمر أمته وإصلاح أحوال الناس وإبلاغ وحي الله سبحانه وتعالى للناس وإنذارهم ما هو أوسع دائرةً وأعظم تكليفاً من القتال مع طائفة من الطوائف في زمنه، فرأى أن التكليف عليه أعظم، ورأى أن بقاءه كذلك أولى من انصرافه معهم.

    وذلك يظهر في حال الأنبياء، وفي حال نبينا صلى الله عليه وسلم، قد ذكر غير واحد من المؤرخين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في زمانه أكثر من سبعين غزوة وسرية، شارك النبي صلى الله عليه وسلم في نحو عشرين منها، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يشارك في البقية لمجموعة من العلل، منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مشفقاً على من تخلف في المدينة، لعجزهم أن يلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم إما أن يكونوا من العجزة ويودون اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم, وربما بعضهم تكلف، والاتباع للنبي عليه الصلاة والسلام والاقتداء به يختلف عن الاقتداء بغيره، فيلحق في ذلك من المشقة للضعفاء والعاجزين وحماة الأعراض وغيره ذلك، فبقي النبي صلى الله عليه وسلم, ويظهر هذا التعليل كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما.

    ومن تلك العلل والأسباب في هذا: أن النبي إنما بعث إلى قومه أميراً يقاتلون معه، ولم يذهب بنفسه مع كونهم يدفعون أنه غلب على ظنه أنهم يخذلونه مع كونهم من أهل الإيمان، وهذا ظاهر في قول الله سبحانه وتعالى: إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا [البقرة:246]، غلب على ظنه أنهم ربما يخذلونه ويدعون التكليف الذي أوجب الله عز وجل عليهم فيرجعون.

    وإذا قيل بالخذلان فكيف لا يذهب وهو نبي، ولو خذلوا فينتصر للحق؟

    نقول: إن الهزيمة الظاهرة للنبي تختلف عن الهزيمة الظاهرة لغيره، فإن الناس يتأثرون بهزيمة الوجوه والرءوس بخلاف غيرهم، وهذا يؤثر على الأتباع بالردة والانتكاسة وغير ذلك، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [يونس:85] .

    يقول عبد الله بن عباس و مجاهد بن جبر كما روى ابن جرير الطبري وغيره معناه في قوله جل وعلا: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [يونس:85]، وهذا على لسان قوم موسى، يعني: لا تسلط فرعون وقومه علينا فيغلبونا فتجعلنا فتنة لهم أنهم ما انتصروا علينا إلا للحق الذي عندهم، ولهذا الهزائم المادية لها أثر، وهذا مما ينبغي على أهل الجهاد ألا يقدموا على ثغر إلا وغلب على ظنهم القوة؛ لأن الهزيمة لها أثر، وكم يفتن المشركون، ويفتن من المؤمنين بهزيمة المسلمين أنهم لو كانوا على حق ما هزموا، ولهذا دعوا الله عز وجل وسألوه ألا يجعلهم فتنة للقوم الظالمين، ومعنى هذا أنهم يفتنون لانتصارهم عليهم، فيقولون: ما انتصرنا عليهم إلا لحقنا بديننا.

    وهذا مما ينبغي أن يحترز الإنسان المجاهد في سبيل الله في مسائل القتال، وألا يقتحم ما يغلب على ظنه معه الهزيمة.

    ولهذا النبي لم يلحق بأولئك مع أنهم أرادوا وبينوا أنهم إنما يقاتلون لأنهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم، فبعث إليهم أميراً ولم يذهب بنفسه، فيكون ذلك من جملة تلك العلل التي لم يحضر لذلك القتال ذلك النبي, والعلم عند الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    قوله تعالى: (لا إكراه في الدين...)

    اختلاف العلماء في نسخ قوله تعالى: (لا إكراه في الدين)

    وما يلي ذلك في قول الله سبحانه وتعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة:256]، هذه الآية ظاهرها المسامحة والملاينة، وكذلك المهادنة والمسالمة، وقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في هذه الآية، هل هي من الآيات المحكمات أم من الآيات المنسوخة؟

    اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: من العلماء من قال: إن هذه الآية منسوخة بآيات السيف مما أمر الله سبحانه وتعالى بقتال المشركين، والقتال لا بد فيه من إكراه.

    وهذا القول بالنسخ ذهب إليه جماعة من المفسرين من السلف، ذهب إلى هذا الضحاك و السدي و زيد بن أسلم وغيرهم وهو قول بعض الفقهاء من المتأخرين.

    القول الثاني: هو قول عامة المفسرين: وهو أن هذه الآية محكمة وليست بمنسوخة، وهذا ما يجري عليه تفسير سائر الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، وجاء تفسير ذلك عن عبد الله بن عباس وعن عبد الله بن عمر وغيرهم من السلف كـمجاهد بن جبر ، و عامر بن شراحيل الشعبي و أبي وائل و الحسن البصري وغير أولئك الذين يحملون هذه الآية على معنى محكم ولا يقولون بالنسخ.

    عموم قوله: (لا إكراه في الدين)

    قول الله سبحانه وتعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256]، ثمة معنى يتكلم فيه بإيراد هذه الآية أن الناس لا يكرهون على الدخول في الإسلام, فهل هذه الآية تؤخذ على عمومها؟

    نقول: إن هذه الآية إنما نزلت في أهل الكتاب ولم تنزل في سائر الكفار, وذلك للاختلاف والتباين بين أهل الكتاب وبين غيرهم، ومن نص على أن هذه الآية خاصة بأهل الكتاب لا بعموم المشركين عامة المفسرين, وقد جاء في ذلك حديث عبد الله بن عباس عند أبي داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأتي الإشارة إليه.

    الفرق بين المشركين وبين أهل الكتاب في ذلك: أن المشركين لهم حالتان في ذلك:

    الحالة الأولى: القتال. الحالة الثانية: المسالمة والمهادنة.

    وأما بالنسبة لأهل الكتاب فإنهم يطلب منهم الإسلام، فإن لم يقبلوا بالإسلام تؤخذ منهم الجزية وهي المرحلة الثانية، وإذا لم يقبلوا الجزية، فيكون حينئذٍ القتال الذي يكون بينهم وبين أهل الإسلام.

    إذاً: المشركون لا تؤخذ منهم الجزية، ويأتي الكلام معنا في التفصيل على مسائل الجزية عند قول الله جل وعلا: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29].

    فقول الله سبحانه وتعالى هنا: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256]، هذا يتعلق بأهل الكتاب؛ وذلك أنهم لا يؤطرون على الدخول في الإسلام بخلاف المشركين: إما قتال، وإما مسالمة، والمسالمة لا تجوز مع المشركين إلا عند ضعف المؤمنين، كما سالم النبي عليه الصلاة والسلام المشركين، وأما بالنسبة للمسالمة وأخذ الجزية فتجوز مع أهل الكتاب حتى عند قوة المسلمين، فيكون بينهم وبينهم الجزية، فيدفع أهل الكتاب الجزية لأهل الإسلام، ولو كان أهل الإسلام يقدرون على قتالهم ما دفعوا في ذلك الجزية، ثم يدعونهم إلى الإسلام، ويستصلحون أحوالهم بخلاف المشركين، إما مواجهة وقتال، وإذا عجزوا عن القتال فيكون ثمة مسالمة أو معاهدة كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع مشركي مكة في الحديبية.

    وهذا ظاهر في قول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أبي هريرة قال: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة )، هذا الحديث في المشركين، فالنبي أمر بالقتال على سبيل العموم حتى يدخل الناس الإسلام.

    قد يقول قائل: هذا عموم، فما الذي يخصصه؟

    نقول: يخصصه القرآن, وهذا من المواضع النادرة التي يخصص القرآن السنة، والأصل أن السنة هي التي تخصص القرآن وتبين مجمله، وهذا يخصصه قول الله جل وعلا: من الذين أوتوا الكتاب حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، فيخصص هذا الحديث بالمشركين، ويستثنى من ذلك أهل الكتاب لظاهر الآية، ويأتي مزيد كلام في ذلك.

    حمل قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) على الخصوص

    والقول الثاني: أن هذه الآية محكمة، وذلك أن الله عز وجل إنما أنزلها على نبيه عليه الصلاة والسلام على حال مخصوصة وتحمل على ذلك الخصوص ولا تحمل على العموم، والنسخ إنما يصار إليه عند معرفة التاريخ، فإذا عرف المتقدم من المتأخر وثمة تعارض من جميع الوجوه، فيقال حينئذٍ بالنسخ، وقد يعرف التاريخ المتقدم من المتأخر وتكون الآية في ذلك لا تعترض مع غيرها، فلا يقال حينئذٍ بالنسخ إلا بالنص.

    ومعلوم أن السلف الصالح ربما يقولون بنسخ آية، ولا يريدون بالنسخ الاصطلاحي عند الأصوليين، وإنما يريدون بذلك التخصيص، فيسمون التخصيص نسخاً، والأصل أن هذه الآية محكمة وذلك أنها نزلت في أهل الكتاب، وسبب نزولها ما رواه الإمام أحمد و أبو داود في السنن وكذلك ابن جرير الطبري و ابن أبي حاتم من حديث أبي بشر عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة كانت الأنصار تكون فيهم المرأة مقلاة )، يعني: أنها ما حملت أسقطت جنيناً ميتاً: ( فكانوا يتيمنون باليهود ) .

    ومعلوم أن أهل الكتاب إذا ذكروا في المدينة فهم اليهود فلا يوجد فيها نصارى، واليهود الموجودون في المدينة هم على ثلاثة طوائف: بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وهؤلاء الثلاثة هم الذين يوجدون في المدينة وما حولها، فكانوا يتيمنون بأهل الكتاب، وأما بالنسبة للأوس والخزرج فإنهم وثنيون إلا ما ندر، وأهل الكتاب لديهم كتاب، والوثنيون ليس لديهم تفاصيل في العبادة، فلم يدخلوا في اليهودية وذلك لتمسكهم بدين آبائهم، واليهود يأنفون من الدخول فيما هم فيه، لأنهم أهل الكتاب.

    ولكنهم يقرون بفضل اليهود عليهم؛ لأن لديهم كتاباً يتلونه، فكانت المرأة من الأنصار تقسم وتنذر لله أنها إن أنجبت جنيناً وسلمه الله إلا أن تجعله رضيعاً عند اليهود، يرضعونه ويبقى عندهم، فكانت المرأة تفعل ذلك ويفتنون بأن المولود لا يموت.

    فلما قدم النبي عليه الصلاة والسلام كان من أهل المدينة من الأنصار من لهم أبناء ممن سلف في أمرهم قد بلغ أو شارف البلوغ وكان في بيوت اليهود، وكانوا لا ينكرون على أبنائهم إن تهودوا، وربما أحبوا تهودهم وكتموه، ولما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم اليهود من المدينة قام الأنصار يريدون أبناءهم؛ لأن هؤلاء أبناؤنا وليسوا من اليهود لا من بني قريظة ولا من بني النضير ولا من بني قينقاع فأرادوه, فامتنع اليهود منهم، ومن الأبناء من رجع ومنهم من بقي، فأرادوا أن يكرهوا أبناءهم على الرجوع إلى المدينة؛ فأنزل الله سبحانه وتعالى قوله: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256]، يعني: إن أرادوا أن يبقوا على اليهودية يبقون على اليهودية لكن يخرجون، وإذا أرادوا أن يرجعوا فيرجعوا.

    وبهذا نعلم أن هذه الآية إنما هي خاصة لأهل الكتاب في الدخول ابتداءً إلى دين الإسلام ولا يجب عليهم في حق المسلمين أن يأمروهم بالدخول إلى الإسلام أمراً، فيطروهم على ذلك وحده، وأما في ذاتهم فيجب عليهم أن يدخلوا في الإسلام، وإن امتنعوا من ذلك فيخضعون لأمر المسلمين وحكمهم في حال أهل الكتاب بحسب الحال.

    الاستدلال بقوله تعالى: (لا إكراه في الدين) على حرية الديانات

    وبهذا نعلم أن هذه الآية تستعمل في غير موضعها، وربما أوردها بعض الناس أو الكتاب فيرون من ذلك حرية الدين أو حرية الديانات أو التدين أو أن يفعل الإنسان ما شاء، فيوردون قول الله جل وعلا: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256]، أي: يتدين الإنسان بما شاء من الديانات والشرائع، وهذا من المعاني الخاطئة.

    أولاً: لسبب النزول، ثم إن تكملة الآية مبينة لهذا الأمر, وذلك في قول الله سبحانه وتعالى: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة:256]، يعني: أن ثمة رشداً وثمة غياً فكيف تخير بالغي؟ والله عز وجل قد بينه لك، ثم تعارض ما استفاض من النصوص في الأمر بالقتال والجهاد، قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193]، ما هي الفتنة المراد فيها؟ وكذلك أيضاً في قول النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ).

    وما جاء في حديث عبد الله بن عباس في الصحيح قال: ( من بدل دينه فاقتلوه )، وغير ذلك مما يدل على وجوب لزوم الإسلام لمن دخل فيه، وأن من لم يدخل فيه ابتداء أنه لا يجب عليه أن يدخله إلا إذا كان من المشركين فيؤمر بذلك، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام ما أخذ الجزية من وثني، وإنما يأخذها عليه الصلاة والسلام من أهل الكتاب.

    ومن العلماء من قال: إنما لم يأخذ النبي عليه الصلاة والسلام الجزية من المشركين؛ لأن الجزية ما نزلت على رسول الله إلا بعد انتهاء الوثنية، الوثنية محلها في جزيرة العرب في الحجاز وأطرافها، ونزلت الجزية بعد ذلك، وهذا يأتي الكلام عليه بإذن الله عز وجل معنا في موضعه.

    وعامة المفسرين على إحكام هذه الآية، وأن الحكم في ذلك باق، ولم يكن ثمة نسخ؛ لعدم الاعتراض مع بقية الآي.

    1.   

    قوله تعالى: (أيود أحدكم أن تكون له جنة...)

    هنا في قول الله سبحانه وتعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [البقرة:266].

    زكاة الخضروات

    هذه الآية يؤخذ منها الإشارة إلى مسألة من المسائل وهي زكاة الخضروات، وهي مما يخرج من الأرض، وقد جاءت هذه الآية في سياق الإنفاق، ولما ذكر الله سبحانه وتعالى الإنفاق وأشار إلى وجوبه ذكر الله سبحانه وتعالى حال الإنسان إذا تمنى أن يكون له جنة فيها من النخيل وفيها من الأعناب، ومعلوم أن النخيل هي من الثمار التي لا يختلف العلماء في وجوب الزكاة فيها بالقدر الذي يأتي معنا تفصيله بإذن الله عز وجل.

    وأما ما كان من أمر الخضروات التي لا تدخر، تتناول أسبوعاً أو أسبوعين ونحو ذلك وإن لم يدخرها الإنسان فإنها تفسد، كبعض الأطعمة بالدباء وبالبطيخ أو الرمان أو غير ذلك من الفاكهة أو الخضروات، فهل فيها زكاة أم لا؟

    اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: ذهب جمهور العلماء إلى أن الخضروات لا زكاة فيها، ويستدلون بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الترمذي ، وقد رواه الإمام أحمد وغيره من حديث موسى بن طلحة عن معاذ بن جبل أنه قال: ( ليس في الخضروات زكاة )، وهذا الحديث منكر، وذلك أن في إسناده الحسن بن عمارة وهو متروك الحديث، وقد جاء من وجه آخر مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح أيضاً.

    وقد قال الترمذي رحمه الله في كتابه السنن: ليس في هذا الباب شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: في باب الخضروات، ولم يكن ثمة عمل، والعلة في ذلك أن المدينة لم تكن من منابت الخضروات إلا شيئاً يسيراً، ربما لا يبلغ عند الأفراد نصاباً.

    جمهور العلماء على عدم وجوب الزكاة في الخضروات، وذهب إلى هذا الأئمة كـمالك و الشافعي والإمام أحمد رحمه الله.

    وذهب طوائف من أهل الرأي وهو قول أبي حنيفة إلى أنه في الخضروات زكاة، ويستدلون بعموم ما جاء في كلام الله سبحانه وتعالى من وجوب الإنفاق، وإخراج الزكاة مما كسب الإنسان، وكذلك مما أخرج الله عز وجل لهم من الأرض، فيدخل في هذا الباب أحكام الخضروات، ويستدلون بأن الأدلة إذا وردت عامة فإنه يدخل في ذلك جميع أجزائها، فما كان داخلاً في هذا الباب من أمور الأموال، وكذلك ما يخرج من الأرض فهو داخل في هذا الحكم.

    ولا يثبت عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم القول بزكاة الخضروات، وإنما هو قول لبعض الفقهاء من التابعين ومن جاء بعدهم.

    ومن العلماء من يخصص بعض الخضروات والفواكه بالزكاة دون غيرها، ويعلل ذلك قال: ما أمكن ادخاره وجعله قوتاً، كالعنب فإنه يمكن أن يدخر، أن يحول من عنب إلى زبيب, فهذا يمكن أن ينتفع فيه وليس الانتفاع من ذلك محدداً بزمن أو بأسابيع قطف ثماره، ثم بعد ذلك يزول.

    ومن العلماء من قال: إن حكم الخضروات والفواكه واحد، وهل يتأثر الحكم في هذا مع اتساع قدرة الناس وتمكنهم من الحفاظ على الخضروات ونحو ذلك، سواء في البرادات وغير ذلك مما يحفظه الناس؟

    نقول: إن هذه الأشياء كلفة على الناس، فالمال الذي يحفظ بكلفة ويشق عليهم لا يقال: إن مجرد القدرة المادية على حفظها أن هذا من الأمور التي توجب الزكاة، فتلك كلفة تزيد عن غيرها، وإنما لم يأت في النصوص زكاة الخضروات؛ لأن الخضروات والفواكه إنما هي لزمن محدود، فمنها ما ينبت وإذا لم يستعمل أسبوعاً أو عشرة أيام أو ربما دون ذلك أن هذا مما يفسد، فإخراج الزكاة في مثل هذا ربما يضر بالإنسان بخلاف المتقوم، ومما أيضاً يتقوته الناس ويدخرونه كالتمر فإن التمر يبقى سنين، وكذلك الحبوب، من الحنطة والأرز وغيرها مما يستطيع الناس أن يدخروه بلا كلفة ولا مئونة، فيجب في ذلك الزكاة، بخلاف الخضروات إذا لم يتناولها الإنسان ولم يبعها فسدت عليه، ففسادها وخسارتها الخسارة فيها أظهر من الخسارة فيما يقتات، ولهذا قالوا: إن العلة في الشريعة في عدم زكاة الخضروات والفواكه في هذا ظاهرة رحمة بالناس ويسراً عليهم حتى لا يشق.

    هل يقال: بما يمكن أن يدخره الناس قوتاً لهم أنه يجب فيه الزكاة سواء استطاعوا أن يدخروه بلا كلفة عيناً أو حولوه إلى غيره من الأطعمة وذلك مما يستطاع أن يجفف وذلك مثلاً من العنب يحول إلى زبيب أو مثلاً من الدباء يحفظ على صورة معينة، أو يجفف ثم يستطيعون أن ينتفعوا منه بعد ذلك، فهل يقال بوجوب الزكاة؟

    يقال: الأصل في هذا عدم الوجوب، ولو أنفق الإنسان لعموم قول الله سبحانه وتعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141]، وإلا فالحصاد من جهة الأصل لا يكون إلا على الحبوب والثمار.

    ويظهر أيضاً في هذا العموم في قول الله سبحانه وتعالى: لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ [البقرة:266]، دخول في هذا سائر ما يثمر لدى الإنسان، على قول من قال بوجوب الزكاة في الفواكه والخضروات.

    التحذير من الكبر

    وفي هذه الآية من التحذير من الكبر فإنه يفسد على الإنسان ماله، وإنما اقترن الكبر هنا بسياق الإنفاق، أن الإنسان إذا ازداد كبراً قل إنفاقاً، لأنه يروم علواً ورفعة، والزكاة يخشى من ذلك أن تضعه وأن تقلل من ماله، فيحبس، ولهذا يقترن الشح مع الكبر، وإذا قل شح الإنسان قل كبره في الغالب.

    1.   

    قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم...)

    ثم الآية التي تليها في قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [البقرة:267]، في هذه الآية وجوب الإنفاق, وتقدم معنا في قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:254].

    المراد بالرزق في قوله تعالى: (أنفقوا مما رزقناكم)

    وأن المراد بالرزق والطيبات جميع الأموال، كما روى ابن جرير الطبري عن حجاج عن ابن جريج قال: الأرزاق هي الأموال، وجاء ذلك عن سعيد بن جبير وغيره أن المراد بالأرزاق والطبيات ما يؤتاه الإنسان من مال، والمال في ذلك إما أن يكون من النقدين وإما أن يكون من الماشية، وإما أن يكون من الزروع والثمار بجميع أنواعها.

    يستدل بعضهم بهذه الآية على وجوب زكاة الخضروات، والفواكه لأنها من عموم ما يخرج من الأرض.

    زكاة المعادن

    ويستدل بعضهم بهذا على وجوب إخراج الزكاة مما يخرج من الأرض من المعادن، سواء كان ذلك مما تخرجه المعادن أو المعامل من النفط والبترول والغاز، وكذلك من الذهب والمعادن، سواء كان من الألمنيوم والنحاس وغير ذلك مما يخرجه الناس من الأرض، وسواء كان ذلك عن طريق المصانع أو ما يوجد قطعاً في الأرض فإنه يجب فيه الزكاة باعتبار أن الله عز وجل أخرجه للناس في الأرض.

    زكاة النفط والغاز

    زكاة النفط والغاز وما في حكمه من المعادن، هذا من مواضع الخلاف، ومن قال بزكاته اختلف فيه على ماذا يخرجه، هل يخرجه بالركاز, ويجب فيه الخمس, فيخرج (20%) منه، أم يخرجه مما يخرج من الأرض من الثمار فيأخذ في ذلك حكمها.

    ثم أيضاً من جهة الحكم: هل ما كان بمئونة يختلف عما كان بغير مئونة، فإذا كان الإنسان يخرج ذهباً ويفت حجراً، ويحفر حفراً ولا يخرج من ذلك إلا شيئاً يسيراً من الذهب وقد تكلف من جهده، يجب عليه أن يخرج ما يخرجه الإنسان مما يخرجه مما طفح على الأرض من قطع المعادن أو الذهب أو نحو ذلك، فهل الحكم في ذلك يتغير أم لا؟

    أولاً: بالنسبة لتقرير هذه المسألة نقول: إن ما يخرج من الأرض مما دل عليه الدليل نقول: هي الحبوب والثمار والركاز مما يكون فيها، والركاز هو ما يوجد مما له قيمة سواء كان من الذهب أو الفضة مما كان من بقايا الجاهلية وكنوزهم.

    ونقول: إنما يوجد في باطن الأرض من الأموال على حالين:

    الحالة الأول: أن يكون ذلك من بقايا الجاهلية، فهذا يسمى ركازاً.

    الحالة الثانية: ما يوجد في الأرض من بقايا الإسلام لا من بقايا الجاهلية، فيعلم أنه من عهد الإسلام كالذي يوجد من الدنانير أو الذهب أو غير ذلك مما يختم عليه الدولة الأموية أو العباسية أو العثمانية أو غيرها، فيوجد قطع أو قلائد أو أقراط أو غيرها من الذهب، فيوجد في بنايات أو في بيوت قديمة أو نحو ذلك، هذا هل هو ركاز؟

    ليس بركاز، هذا يأخذ أحكام اللقطة، وما يجب في ذلك؟ يجب فيه التعريف.

    قد يقول قائل: هذا له خمسمائة سنة فكيف يعرف ونحو ذلك؟

    نقول: يعرف الإنسان وجدت كذا في مظانه، إذا وجده في بلد أو أهل دار فربما كان له ورثة أو وريث، ولو وجده ولو واحداً يعطيه إياه إذا كان صاحب هذه الدار أو صاحب هذه البستان فغلب على الظن أنه له، وإذا لم يجد من ذلك أحداً أو شق عليه التعريف في ذلك لتحول الناس وانتقالهم من بلد إلى بلد ونحو ذلك، فنقول: حينئذٍ أنه يسقط عنه التعريف خاصة مع تباعد الأزمنة، ويكون له ذلك حقاً.

    وهل يجب في اللقطة في هذا ما يجب في الركاز؟

    نقول: ما كان من الأموال من أمور الجاهلية هو الذي يجب فيه الخمس، وذلك لقوله: ( وفي الركاز الخمس ) ، أما بالنسبة لما يجده الإنسان من ذهب، وتيقن أنه من بعد زمن النبوة، ومن بقايا أهل الإسلام، فيكون حينئذٍ من اللقطة.

    إذا كان في حوزته ما الذي يجب عليه؟

    لا يجب عليه شيء حتى يحول عليه الحول، فإذا حال عليه الحول فإنه حينئذٍ يقوم بإخراجه؛ لأنه من جملة ماله، يخرج الزكاة التي أوجب الله سبحانه وتعالى عليه، هذا من جهة ما يكون من أموال الناس إذا عرفنا أنه مال للناس، فنقسمه بين الجاهلية والإسلام, فإذا علمنا أنه من أمر الجاهلية فيخرج منه الخمس، وهي (20%) من ذلك المال، يخرجه للمرة الأولى، ثم بعد ذلك يخرج منه الزكاة العادية مما يجب في مال الإنسان بحسبه إن كان من الذهب أو كان من الفضة.

    وأما إذا كان الذي يخرج من الأرض من غيرهما من المعادن مما تخرجه المعامل أو تخرجه الحكومات أو يخرجه الأشخاص من أراضيهم ونحو ذلك ما الذي يجب فيه؟

    أولاً: إن هذا لا بد من تقسيمه على قسمين:

    القسم الأول: ما كان مشاعاً مما يأخذه الناس من المعادن مما يكون في الأرض، فلا مالك له، كأن يوجد قار أو نفط سائح في الأرض، فيأخذ الناس منه يوقدون منه مصابيح أو يوقدون منه شيئاً أو نحو ذلك، فهذا لا يقال بوجوب الزكاة فيه؛ لأنه لا يملكه أحد.

    أما إذا كان مملوكاً لأحد بعينه، وهؤلاء الذين يملكون ذلك على حالين: أفراد وحكومات، الأفراد كأن يوجد في أرض أحد نفط أو قار أو غير ذلك فخرج, فهل يجب عليه أن يخرج زكاة ما خرج من ذلك الأرض من تلك المعادن، أو وجد مثلاً فيها حديداً أو ألمنيوم أو غير ذلك فكان نفعه عليه.

    كذلك الحالة الثانية في مسألة الدول الذين يخرجون المعادن من الأرض سواء كان ذلك من المعادن الأحفورية وغير الأحفورية مما يطفى على الأرض وكان في باطنها، فهل يجب عليهم الزكاة أم لا؟

    نقول: اختلف في هاتين الحالتين على قولين: من العلماء من قال بوجوب الزكاة، وهذا يجري عليه مجرى قول الحنفية في هذا؛ لأنهم يوجبون ذلك بما خرج من الأرض عموماً لظاهر هذه الآية، فيخرج ذلك على قولهم، وذلك على عصرهم في القاعدة أن دلالة العموم تأتي على جميع أجزائه قطعاً بخلاف جمهور العلماء فإنهم يقولون: إن دلالة العموم لا تأتي على جميع أجزائه بالقطع وإنما تأتي عليه بالظن.

    ولهذا جمهور العلماء لا يقولون: بأن العموم إذا جاء في كلام الله عز وجل أو في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يأتي على جميع أجزاء العموم بالقطع في جميع الصور، فإذا قيل: ما أخرج من الأرض فيأتي بالقطع على المعادن والحبوب والثمار والخضروات، فكأن النص جاء على جميع أفرادها، يقولون: لا، وإنما هو ظن على جميع أفرادها ويقين على بعضها إذا اقترن بقرينة أخرى، فلا يجعلون الدليل العام قطعياً على جميع الأجزاء بخلاف الحنفية الذين يقولون: إنه في ذلك قطعي على جميع الأجزاء.

    وعلى قول الحنفية وقاعدتهم في ذلك: أن ما خرج من الأرض سواء كان من النفط أو الغاز أو من المعادن من الذهب والفضة وغير ذلك مما يخرجونه من الجبال والأودية والحجارة وغير ذلك أنه يجب فيه الزكاة. وما المقدار في هذا على من قال بوجوب الزكاة ما المقدار؟ فهل تخرج على أحكام الركاز، أم تخرج على أحكام الثمار، فكلها خارجة من الأرض؟

    إذا قلنا بهذا فثمة فرق؛ لأن الركاز يخرج منه (20%), وأما الثمار فدون ذلك، وذلك أن الثمار إذا كان بمئونة الإنسان ففيها نصف العشر، وإذا كانت تسقى من السماء أو من الأنهار أو الماء يأتي إليها كالمناطق الساحلية من البحار أو الأنهار فتشرب، أو مما يمطر عليها المطر على مدار العام، فإنه لا يشق على الإنسان في ذلك، فيجب عليه أن يخرج العشر؛ لحديث عبد الله بن عمر في الصحيحين وغيرهما، فهل يلحق بهذا أم لا، أم يلحق بالركاز؟

    من جهة القاعدة والنظر: الأصل في هذا أنه لا تجب فيه الزكاة، وعلى القول بوجوب الزكاة، فتخريجها على الثمار أولى من تخريجه على الركاز؛ لأن الركاز لا مئونة باستخراجه وإنما التقاطه، فيلتقط إما من طريق أو يلتقط بنفضه من الأرض تحت غبار أو في بناء أو بحفرة يسيرة أو نحو ذلك؛ لأن الناس إذا أخفوا المال في الجاهلية أو في الإسلام لا يخفونه بعيداً، وإنما على سطح الأرض ليخرجوه، بخلاف المعادن ففيها من الكلفة والمشقة بإخراجها من فك الصخور وحفرها إلى باطن الأرض، إلى مسافات بعيدة، حتى يخرجون الذهب والمعادن، فهل يقال: أنه يخرج الإنسان إذا أراد أن يخرج معدناً من المعادن من حجارة أو نحو ذلك بهذه الكلفة أنه يجب عليه أن يخرج بعد ذلك (20%) منها زكاة، يأخذ في ذلك حكم الركاز؟

    هذا أمر بعيد وإن أفتى به بعض المعاصرين.

    فالأظهر في هذا أن على قول من قال ولا نقول به بأن فيها الزكاة يقال: إنها تأخذ حكم الثمار، فما سهل إخراجه بلا كلفة، وهذا يتباين بحسب المواضع من الأراضي أو بعض الجبال أو نحو ذلك، يكون فيها قطع المعادن ظاهرة والمئونة بإخراجها سهلة وميسورة، فحينئذ يقال: إنه يخرج من ذلك العشر.

    ومنها: ما يكون في ذلك كلفة ومشقة في هذا بالحفر، وربما يُهد جبل كامل ولا يخرج منه إلا كيلو ذهب، فنقول بهذا أنه يأخذ حكم الثمار التي يسقيها الإنسان بكلفة ومئونة، والأرجح في هذا أن يقال بأن هذه لا زكاة فيها.

    هذا يظهر قول عدم الزكاة إذا كان في المال العام، وأما إذا كان في مال الأفراد، كأن يكون عند الإنسان أرض وعنده بئر نفط، أو في أرض ويستخرج منها المعادن، وهذا محتمل في زماننا، محتمل أن يكون للإنسان شيء من ذلك، هذا في حال الفرد يختلف؛ لأنه مال مملوك، معروف المالك بخلاف المال العام.

    المال العام الأصل فيه أنه لا زكاة فيه؛ لأنه لعموم المسلمين، فإبل الصدقة والأمور المدخرة للإنفاق للناس والخراج الذي يأتي من الأرض هو للناس أصلاً، ففي ذاته من جهة الأصل لا تجب فيه الزكاة، ولهذا على القول بالزكاة نفرق بين الأمرين: بين ما كان مالاً للمسلمين عاماً، وما كان المال في ذلك خاصاً لفرد، فإذا كان خاصاً لفرد فهو أقرب إلى القول بوجوب بخلاف المال العام.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم إلى هداه ورضاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.