إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [41]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله عز وجل للمتوفى عنها زوجها الحق في البقاء في بيت زوجها حولاً كاملاً؛ وذلك رفقاً بها وجبراً لمصابها ولا يحق للورثة إخراجها، وأوجب على ورثة الزوج النفقة عليها خلال هذه المدة، وجمهور العلماء أن هذه النفقة تسقط بخروجها من البيت لغير عذر. وفرق الله بين حكم المطلقة وحكم المتوفى عنها زوجها فحرم على الأولى البقاء في البيت وأباح للثانية ذلك مدة عام؛ لأنها مكسورة غير متعرضة للخطاب بخلاف الأولى.

    1.   

    قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فقد تقدم الكلام معنا فيما يتعلق بالعدد، ومتعة الطلاق، وعدة المتوفى عنها زوجها، وفي متعتها، وتقدم معنا في عدد الطلاق ومهر المطلقة، وكذلك في أنواع الطلاق، وتكلمنا على المحافظة على الصلوات في قول الله عز وجل: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238]، وكذلك صلاة الخوف لما عرضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الأحزاب، وتكلمنا على ذلك، ويأتي تفصيل ذلك بإذن الله عز وجل في سورة النساء.

    توقفنا عند قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ [البقرة:240]، الله سبحانه وتعالى ذكر في عدة المتوفى عنها زوجها أنها تتربص أربعة أشهر وعشراً، وهذا مما لا خلاف عند العلماء عليهم رحمة الله تعالى فيه.

    وهذه الآية التي ذكر الله عز وجل فيها حال المرأة بعد وفاة زوجها ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أمرين:

    الأمر الأول: تربص المرأة بعد وفاة زوجها حولاً كاملاً، وهذا التربص هو تربص الزوجة في بيت زوجها.

    الأمر الثاني: ذكر الله عز وجل المتعة، مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ [البقرة:240]، يعني: أنه يجب للزوجة في مال زوجها المتاع مدة تربصها في بيت زوجها.

    هنا ذكر الله سبحانه وتعالى الوصية للأزواج أن يتربصن حولاً، وذكر الله سبحانه وتعالى كذلك المتعة حولاً، وفيما تقدم معنا أن الله جل وعلا جعل عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهرٍ وعشراً، وهذا في حق الزوجة من جهة المال، والسكنى بعد وفاة زوجها من غير الميراث.

    وأما الآية السابقة فالعدة التي تكون على المرأة وهي ما يسمى بالحداد، تقدم معنا الكلام على هذه المسألة.

    ومن العلماء من جعل هذه الآية سابقة للآية الأولى، ومنهم من جعل هذه الآية لاحقة للآية الثانية، ويأتي الكلام على ذلك.

    أحكام المتوفى عنها زوجها والمرأة المطلقة

    الله سبحانه وتعالى لطيف بعباده، ويجعل لحكمته جل وعلا أحكاماً تختلف وتتباين، وقد جعل الله سبحانه وتعالى للمرأة التي يتوفى عنها زوجها من الأحكام ما تختلف عن المرأة التي تكون في طلاق، وكلاهما مفارقة بين الزوجين، الطلاق مفارقة بين الزوجين، والوفاة مفارقة، ولكن بالنسبة للطلاق يكون من الزوج لزوجته باختيار، وأما بالنسبة لمفارقة الوفاة فإنه لا اختيار لواحد منهما في ذلك، ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى العدد في ذلك متباينة، والحق في ذلك متبايناً، فجعل الله عز وجل في ابتداء الأمر للزوجة إذا مات عنها زوجها أن تبقى في بيت زوجها حولاً؛ لأن فراقها لزوجها ليس باختيارها، ولا عن علم منها غالباً، ثم إن الوفاة يصاحبها ألم ومصيبة تكون من الزوجة على زوجها، مما يشغلها عن تدبر أمرها، والنظر إلى مستقبل حالها، فجعل الله عز وجل لها من الحق والمتعة ما يختلف عن المطلقة التي طلقها زوجها باختيارها، فغالباً أن الألم والمصيبة التي تلحق الزوجين في المفارقة بالطلاق تختلف عن الوفاة التي تلحق الزوجة، فهي تأسف على وفاة زوجها، ثم تعتد عليه بعد وفاته أربعة أشهر وعشراً بخلاف ما يتعلق بعدة المطلقة، فإن عدة المطلقة في ظاهرها أنها استبراء، وتقدم معنا في ذكر الأقراء في قول الله عز وجل: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، والمراد بذلك وكلام السلف عليهم رحمة الله في هذه المعاني.

    ولما كانت المفارقة بين الزوجين في مسألة الطلاق تختلف وتتباين عن أمر الوفاة جعل الله جل وعلا لمن فارقت زوجها بسبب وفاته من الحق يختلف عن أمر الطلاق، فجعل لمن توفى عنها زوجها التربص في بيت زوجها حولاً، وهذا في ابتداء الأمر قبل أن يفصل الله عز وجل المواريث، وقبل أن يفصل عدة المرأة المتوفى عنها زوجها في تربصها أربعة أشهر وعشراً على ما تقدم معنا.

    الجمع بين آية الإحداد وقوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية...)

    إذاً: هذه الآية وقع خلاف عند العلماء في تقدمها على آية الإحداد، فمن العلماء من قال: إن آية الإحداد ناسخة لهذه الآية مع أن آية الإحداد سابقة من جهة الموضع في سورة البقرة، وهذا عند عامة العلماء، على أن هذه الآية آية منسوخة، وأن المرأة إذا توفي عنها زوجها فإنها تمكث عدتها أربعة أشهرٍ وعشراً، وأن الحول في هذه الآية منسوخ.

    وثمة قول آخر لبعض السلف وهو قول مجاهد بن جبر : أن هذه الآية محكمة، وأنها كما في ترتيبها في المصحف بعد آية عدة الحداد في المتوفى عنها زوجها، قال: وهذه الآية لها حكم منفصل عن تلك الآية، و مجاهد بن جبر روي عنه في هذه الآية في نسخها وعدمها وترتيبها روي عنه قولان:

    القول الأول: يوافق فيه عامة العلماء أن آية الإحداد ناسخة لهذه الآية، ولو كانت سابقة لها من جهة الموضع، إلا أنه من جهة النزول هي لاحقة وهذه الآية سابقة، وبها نعلم أن ترتيب القرآن لم يرتبه العلماء من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى بحسب نزوله، وإنما له مقتضيات في ذلك يطول ذكرها في مسألة ترتيب آي القرآن.

    مجاهد بن جبر روي عنه في ذلك قولان: قول بأن هذه الآية منسوخة، وقول بأن هذه الآية محكمة وليست منسوخة.

    وقد روى الإحكام البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح، قال بالنسخ ابن جريج في روايته عن مجاهد بن جبر وهو ما يوافق عامة العلماء، وقال بعدم النسخ فيما رواه عن مجاهد بن جبر شبل كما رواه ذلك البخاري رحمه الله، وكأنه يوهم البخاري رحمه الله قول مجاهد بن جبر في أن هذه الآية محكمة، فقال: زعم ذلك شبل يعني: عن مجاهد بن جبر مع كون هذا الإسناد في ذلك صحيحاً.

    وعلى كلا الحالين لا بد من الكلام على هذه الآية، سواءً كانت منسوخة أو ليست منسوخة لبيان الحكم المترتب على ذلك؛ لأننا لو قلنا بالنسخ في هذه الآية فليس لنا أن نقول: بنسخ جميع أحكامها؛ لأن هذه الآية تتضمن تربص المرأة حولاً كاملاً بعد وفاة زوجها في بيته، وليس هذا الإحداد، لأن الإحداد أربعة أشهر وعشراً، ولكن المراد بذلك أن لها حقاً في بيت زوجها ليس لها أن يخرجها الورثة، لا الأبناء ولا غيرهم أن يخرجوا الزوجة في حال وفاة زوجها حولاً كاملاً.

    إذاً: الخلاف عند العلماء عليهم رحمة الله فيما زاد أربعة أشهر وعشراً، وأما بالنسبة لعدة المتوفى عنها زوجها، وبقاء المرأة في بيت زوجها فهذه مسألة أخرى قد تقدم الكلام عليها.

    والمسألة الثانية في هذا هي المتعة في مسألة النفقة، هل يسقط في ذلك حقها عند القول بالنسخ أو لا يسقط، ويدخل في ذلك في باب النفقة الكسوة، ويأتي الكلام عليه بإذن الله تعالى.

    الحكمة من التفريق بين أحكام المطلقة وأحكام المتوفى عنها زوجها

    في هذه الآية على ما تقدم إشارة إلى حكمة الله سبحانه وتعالى بالتقرير في مواضع المفارقة بين الزوجين، فالله عز وجل على ما تقدم فرّق بين فراق الطلاق وبين فراق الوفاة؛ لأن فراق الوفاة فيه ألم وحسرة، والمرأة لا تستقبل من الخطاب، ولا تستقبل من أمرها لمصيبتها التي هي فيه، كذلك فإن الشارع ألزمها بالحداد، وذلك أربعة أشهر وعشراً، فمدتها وعدتها أكثر من المطلقة، وذلك حق للزوج عليها.

    وهذه الآية يُخاطب فيها الأزواج بمعرفة الأحكام التي تتعلق بالزوجة بعد وفاته؛ ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ [البقرة:234]، والمراد بذلك هم الرجال، وهذا ظاهر في قوله: (أزواجهم) إشارة إلى خطاب الرجال، وكذلك أيضاً: فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ [البقرة:234]، أي: أن الخطاب من الرجال إلى النساء.

    ولا يتعلق في الزوج عند وفاة زوجته حكم، لا في مسألة التربص ولا في مسألة المتعة، وهذا لا خلاف عند العلماء عليهم رحمة الله فيه، وأما ما يتعلق بذكر الله عز وجل للأزواج، فهذا إشارة إلى خروج ما عدا الأزواج في ذلك، وذلك من الإماء، فإنه لا حق للأمة في مال سيدها عند وفاته لكونها من جملة المال، والله سبحانه وتعالى إنما ذكر الأزواج هنا وهذا تخصيص لهن عن غيرهن.

    المراد بالوصية في قوله تعالى: (وصية لأزواجهم..)

    وفي قوله سبحانه وتعالى: وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا [البقرة:240]، جاءت هذه الآية على قراءتين (وصيةً) بالنصب، وجاءت بالرفع، الرفع باعتبار ذلك حملاً على قوله: كتبت، يعني: الوصية، والذي كتبها هو الله سبحانه وتعالى، وليس المراد الخطاب للأزواج أن يكتبوا وصية عند وفاتهم، وذلك أنه حق من الله سبحانه وتعالى للزوجة تستحقه بعد وفاة زوجها، وهذا على ما تقدم رحمة من الله عز وجل ولطفاً بالمرأة، وذلك بعد وفاة زوجها أن تتربص في أمرها، وتبقى في بيت زوجها لا يخرجها الورثة ما دامت في العدة، وهذا كذلك حق للزوجة لها أن تتنازل عنه، فإذا تركته يسقط في ذلك التبع، ومعلوم أن الله عز وجل ذكر التربص وذكر المتاع، والمتاع المراد بذلك هو النفقة عليها بطعام وشراب وكساء.

    المتاع للمتوفى عنها زوجها إذا أسقطت السكنى

    فإذا أسقطت المرأة السكنى فهل يصلح من ذلك المتاع لأنها خرجت من بيت زوجها بخيارها، هل يخرج من ذلك أم لا؟

    من العلماء من قال بالتلازم، قال: إذا أسقطت، أو إذا تركت المرأة بيت زوجها باختيارها من غير ضرورة ولا حاجة، والضرورة في ذلك أن تخاف المرأة من صفوة أو سرقة أو نحو ذلك، أو حاجة كأن تستوحش المرأة وحدها وإن كانت في أمان، كأن تكون المرأة قد توفي عنها زوجها من غير ذرية، ولا يوجد في ذلك أحد في بيتها فيقال حينئذٍ بجواز خروجها.

    فإذا خرجت من غير ضرورة من بيت زوجها فهل يسقط من ذلك المتعة؟ جمهور العلماء قالوا بسقوط المتعة، ومن العلماء من قال بعدم سقوط المتعة إذا خرجت من بيت زوجها باعتبار أنها أسقطت بعضاً وأبقت بعضاً من حقها، وهذا حق لها تضع منه ما تشاء، وتأخذ منه ما تشاء.

    ووجوب بقاء المرأة في بيت زوجها بعد وفاته: هل هو واجب أم حق تختاره المرأة أو تسقطه؟ ظاهر هذه الآية أنه اختيار للمرأة، إن شاءت فعلته وإن لم تشأ أن تفعله، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ [البقرة:240]، يعني: فإن فعلن باختيارهن ولم يتربصن في بيت أزواجهن فخرجن: فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ [البقرة:240]، وهذا السياق دليل على أن المرأة لو خرجت من بيت زوجها في عدة وفاتها ففعلت في نفسها شيئاً باختيار وذلك في مواضع الحاجات ونحو ذلك كأن تقيم عند أهل زوجها، أو عند أهلها، فهذا مما لا حرج به؛ لدلالة السياق؛ لأن الله عز وجل قال: مِنْ مَعْرُوفٍ [البقرة:240] فسماه معروفاً، والله عز وجل لا يسمي الأمر المحرم معروفاً، فجعل الله عز وجل اختيارها لنفسها ذلك من المعروف، وكذلك فإن المرأة في حال اتخاذ أو إسقاط حقها من السكنى في بيت زوجها، وسقوط النفقة على قول من قال بإسقاط النفقة في ذلك، هل يسقط من ذلك النفقة والمتعة لغيرها أم لا؟ وذلك كأن يكون لها ذرية تقوم بشأنهم أم لا؟ فهل يجب النفقة على الذرية على سبيل الخصوص من غير الميراث أم لا؟

    نقول: إنه بمجرد وفاة الزوج ينقلب مال الزوج إلى ميراث، وهذا الذي ذهب إليه عامة السلف عليهم رحمة الله في هذه الآية، أن هذه الآية منسوخة بعدة الوفاة، وهي الإحداد، وهذا جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله فيما رواه ابن جرير الطبري من حديث علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس ، وجاء عن مجاهد بن جبر و سعيد بن جبير وغيرهم، أن هذه الآية كانت في حقبة ثم نسخت بعدة الوفاة من جهة الزمن، فالحول نسخ بأربعة أشهر وعشراً، وأما بالنسبة للمتعة فنسخت بالميراث، فأعطيت حقاً من الميراث تأخذه وتمتع به نفسها.

    ومن العلماء على ما تقدم، وهو قول مجاهد بن جبر قال: إن المتعة قائمة خارجة عن الميراث، وهذا له حظ من النظر، ولكن الميل إلى ما ذهب إليه عامة السلف أقرب إلى الرجحان.

    رفع الحرج عن الأزواج إذا لم تبق الزوجات في بيوتهم بعد موتهم

    وقوله هنا: فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ [البقرة:240]، هذا رفع للحرج عن الأزواج ألا يكلفوا أزواجهم بوصية بعد وفاتهم يلزمن البيوت ألا يخرجن منها، فالأمر يتعلق بالزوجة ولا يتعلق بالزوج، فليس للزوج أن يأمر بوصية أو يكتب وصية بعد وفاته أن المرأة لا تخرج من بيتها، فيقال: إن الله عز وجل قد جعل الحق في ذلك للزوجة لا للزوج، فلو خرجت باختيارها، وخالفت وصية زوجها، فنقول: إن الأمر في ذلك لا حرج فيه، ولا تأثم في ذلك الزوجة، باعتبار أن الزوجة لا يكلفها بشيء بعد وفاها، وإنفاذ الوصية في ذلك ليس بواجب.

    وفي قوله سبحانه وتعالى: فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ [البقرة:240] إشارة إلى أن المرأة بعد وفاة زوجها أمرها إليها من جهة الاختيار، فالمرأة البكر أمرها إلى وليها وإذنها صماتها، فإذا سكتت ولم تجب، فإن ذلك كان برضاها إذا أراد وليها أن يزوجها، وأما بالنسبة للثيب فإن أمرها إليها لا بد أن يظهر منها قبول أو رفض، فيكون الولي في ذلك يمضي فقط، من العلماء من قال: إن اليتيمة تأخذ حكم الثيب، وليس لمن تولى أمرها أن يجعل صماتها في ذلك كحكم القبول، وهذا له وجاهة، وذلك أنه قد جاء في حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى قال: ( واليتيمة تُستأمر في نفسها )، وهذا له حظ من النظر، وإن كانت المسألة خلافية عند السلف لموافقته للدليل، كذلك فإن الإنسان ينظر إلى اليتيمة التي تكون في حجره نظرة تختلف عن بنته، وذلك أن بنته ينظر إليها من جهة الشفقة والمودة والمحبة وقضاء الحاجة، والرأفة بها، فتختلف عن اليتيمة التي تكون في حجره، فربما أراد منها خلاصاً أو وجد منها كلفة لرعايتها والقيام بها، فيستغل سكوتها، وربما حملها على ما لا تريد، فيطلب منها أن تقبل أو ترفض، وتظهر ذلك كله، فتأخذ بذلك حكم الثيب.

    أمر المرأة الثيب إليها

    وقوله جل وعلا: فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ [البقرة:240]، إشارة إلى أن الثيب يرجع فيها إلى اختيارها بذاتها، ولا يرجع في هذا إلى وليها، ولكن وليها هو الذي يقوم بعقد النكاح، وتقدم معنا الكلام في ذلك عند قول الله سبحانه وتعالى: وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ [البقرة:221].

    وفي قوله سبحانه وتعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:240] إشارة إلى ما تقدم الكلام عليه أن الله سبحانه وتعالى فرق بين عِدِد النساء من جهة المطلقة، والمتوفى عنها زوجها، والتفريق في ذلك للخلاف بين الحالين، وهذا غاية في الإحكام، فالمفارقة بالطلاق تختلف عن المفارقة في أمر الوفاة.

    1.   

    قوله تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين)

    قول الله سبحانه وتعالى: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:241]، ذكر الله سبحانه وتعالى هنا المطلقات بعدما ذكر الله عز وجل عدة الوفاة، والمتاع فيها، فالله سبحانه وتعالى فرّق بين متعة المتوفى عنها زوجها، وبين متعة المطلقة.

    تقدم معنا بعض أحوال المطلقات، المطلقة التي طلقها زوجها قبل أن يفرض لها وقبل أن يمسها، وتقدم معنا في المطلقة التي فرض لها زوجها وقبل أن يمسها، وتقدم معنا الذي مسها زوجها ولم يفرض لها، والذي مسها زوجها وقد فرض لها، باعتبار أن الحالتين الأخيرتين يستحقان المهر كاملاً، فهذه ما قبض لها، وهذه تأخذ مهر المثل.

    وأما بالنسبة للمرأة التي فرض لها زوجها ثم طلقها ولم يمسها، فلها نصف المهر، وأما المرأة التي طلقها زوجها ولم يفرض لها ولم يمسها فلها المتعة، وهذا محل خلاف عند العلماء على ما تقدمت الإشارة إليه.

    أحوال المطلقة ومن لها المتعة

    في هذه الآية ذكر الله سبحانه وتعالى المطلقات، وذلك أن المطلقات في ذلك على أحوال: منه ما هو طلاق بائن، ومنه ما هو طلاق رجعي، فهل تتأثر المتعة في ذلك في المرأة المبتوتة وغير المبتوتة؟

    الله سبحانه وتعالى أطلق المتعة وأطلق الطلاق، قال: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ [البقرة:241]، فهذا عموم، وأطلق الله عز وجل المتعة قال: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ [البقرة:241]، فلهن متاع عام، وهن جميعاً بأحوالهن داخلات في ذلك، فنقول: إن المطلقة على حالين: مطلقة مبتوتة ومطلقة غير مبتوتة.

    والمطلقة المبتوتة وهي البائن التي بانت من زوجها، والمطلقة المبتوتة على حالين، والمبتوتة هي التي طلقها زوجها ثلاثاً، إما متفرقات وإما مجتمعات على قول من أمضى الثلاث وجعلها بائنة، فالمطلقة المبتوتة الحامل تجب لها المتعة باتفاق العلماء، وهذه أحد أحوال المطلقة المبتوتة، إذا كانت حاملاً يجب لها المتعة حتى تضع حملها؛ لأنها تحمل جنيناً يمنعها من أن تنكح غيره حتى تضع، بخلاف المطلقة التي عدتها ثلاثة قروء، فتبقى ثلاثة أشهر أو دون ذلك ثم تنكح، بخلاف المطلقة المبتوتة ربما تبقى في ذلك تسعة أشهر، أو تبقى ثمانية أشهر فهي معلقة ليس لها أن تنكح أحداً.

    فنقول: إن المرأة إذا طلقها زوجها بتاتاً، وهي حامل فلها المتعة باتفاق العلماء حتى تضع الحمل.

    ثم بعد ذلك هل ينقطع في ذلك المتاع أم لا؟

    فتحول في ذلك إلى مسألة النفقة عليها كمرضع، إذا أرضعت فإنه يعطيها نفقة الرضاع، وإذا أراد أن ترضع غير زوجته، فيقال: يعطي غير تلك الزوجة النفقة، فتبقى المتعة إما للزوجة وإما للمرضعة.

    والحالة الثانية في المرأة المبتوتة: وهي غير الحامل، وهي الحائل، فهذه ليس لها متعة عند جماهير العلماء وهذا قول الإمام مالك ، و الشافعي و أحمد ، خلافاً لـأبي حنيفة الذي قال بأن لها المتعة، والأظهر في ذلك أن المرأة المبتوتة التي بانت من زوجها أنها ليس لها متعة الطلاق، باعتبار خروجها من عصمته وبأنها لا تستحق من تبعات ذلك شيئاً، فلو مات زوجها بعد طلاقها فإنها لا ترثه، وإنما تعتد في ذلك قياماً بأمر الله سبحانه وتعالى وكتابه، وتعتد لتستبرئ لرحمها، ثم بعد ذلك تستقبل ما شاءت وتفعل في نفسها ما شاءت بالمعروف.

    والحالة الثانية في المطلقات: المطلقة غير المبتوتة التي طلقها زوجها طلقة واحدة أو طلقتين، فهل لها المتعة أم لا؟ وقع في ذلك خلاف عند العلماء عليهم رحمة الله في هذه المسألة على قولين، وهما روايتان عن الإمام أحمد عليه رحمة الله، وأظهرهما هو القول بأن للمطلقة متعة باعتبار أنها في عصمته، وذلك لعموم هذه الآية: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:241]، وهو قول للإمام الشافعي رحمه الله.

    والقول الثاني: أنه ليس لها متعة، والأرجح في ذلك أن لها المتعة؛ لعموم هذه الآية، ولا يوجد ما يخرجها من ذلك.

    مقدار متاع المطلقة

    وفي قول الله سبحانه وتعالى بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:241] إشارة إلى عدم تقدير المتاع، وأن المتاع الذي يكون في ذمة الزوج لزوجته المطلقة ممن يستحق المتاع أنه ليس بمقدر وإنما هو بالمعروف، والمعروف في ذلك هل هو المعروف عند الزوج أو المعروف عند الزوجة؟

    نقول: المعروف في ذلك عند الزوج قبل طلاق زوجته، وذلك أنه إذا كان ينفق عليها نفقة معلومة قبل طلاقها فليس له أن ينقص ذلك باعتبار أنها تعيش حالاً عند أهلها تختلف عنده، ونقول هذا لو كانت عنده قبل طلاقها فإنه يجب عليه أن ينفق عليها كحالها عند أهلها، وذلك أن نفقة الزوج على زوجته يكون بحسب حال الزوجة عند أهلها لا بحسب حال الزوج، فإذا أخذ الزوج امرأة غنية فيجب عليه أن يعطيها حقها إلا إن تنازلت عن حقها، سواءً كان ذلك من مأكل أو مشرب أو ملبسٍ أو مسكنٍ أو نحو ذلك، وإذا كانت دون ذلك من سقط الناس أو من الفقراء أعطاها كذلك على هذا الأمر، ولكن بالنسبة لمتعة الطلاق إذا طلقها وأوجبنا لها المتعة بعد طلاقها فإن المتعة في ذلك لا ترجع إلى حالها قبل عقد نكاحها، وإنما يرجع في ذلك إلى حالها قبل طلاقها، حتى لا يدخل في ذلك حظ النفس لبخس المرأة في حقها، فربما تبقى المرأة مع زوجها عشر سنين، وهو يعاملها معاملة الأغنياء وهي فقيرة، فإذا طلقها متعها متاع الفقراء قبل أن تكون في عصمته، وهذا حظ للنفس، وبهذا نقول: إن المتاع الذي يكون للمرأة في حقها وهي على الحال التي تكون في عصمة زوجها لا على الحال التي تكون قبل ذلك، وأما حالها التي تكون في أثناء بقائها عنده تكون على حالها التي قبل عقد النكاح حتى لا يقع في ذلك البخس.

    وهذا هو الظاهر في قول الله سبحانه وتعالى: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:241]، يعني: في المعتاد من جهة إمتاع النساء فيما عرف من حالها قبل ذلك، وإنما ذكر المعروف في ذلك؛ لأن الإنسان يدفعه كرامته وإحسانه، أن يعطي المرأة ما كانت تأخذ من حظ، من ملبس ومأكل ومشرب عند أهلها، فأصبح الرد إلى العرف معترف فيه في الشريعة.

    وجوب المتعة

    وقوله سبحانه وتعالى: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:241]، في هذا إشارة إلى وجوب المتعة وقد سماها الله سبحانه وتعالى: (حقاً)، وقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في قوله جل وعلا: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:241]، هل هذا يفيد الوجوب على سبيل الانفراد، أم ذلك كافٍ بقول الله سبحانه وتعالى: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ [البقرة:241]، يعني: لهن، واللام في ذلك لام استحقاق وملكية، وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ [البقرة:241]، فهذا كافٍ في الوجوب.

    وهل في قول الله سبحانه وتعالى: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:241] دليل على وجوب المتعة أم لا؟

    اختلف العلماء في هذا من المفسرين على قولين: منهم من قال: إن ذلك لا يفيد الوجوب؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر التقوى، قال: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:241]، وهذا من أعلى المراتب وصف الإنسان بالتقوى، وهو وصف الكمال، أما ما كان من أمور الواجبات فهذا يدل في ربط ذلك بالإسلام وربطه بالإيمان، فنقول: إنه لو لم يؤخذ في هذا الوجوب، فإنه يؤخذ في قوله سبحانه وتعالى: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:241].

    وأما بالنسبة لما كان من المتعة، فنقول: المتعة في ذلك النفقة، والسكنى في غير البائنة، الرجل إذا طلق امرأة، ووجبت لها المتعة، فنقول: إن المطلقة التي تجب لها المتعة في ذلك هي على حالين: امرأة وجبت لها المتعة وهي رجعية، فهذه تبقى في بيت زوجها، وأما المرأة التي تجب لها المتعة وليست رجعية وهي المرأة الحامل، فهل تبقى في بيت زوجها؟ لا تبقى في بيت زوجها؛ لأنها خلوة في ذلك، فطلقها وليست في عصمته، وأما المرأة التي تكون في زمن عدتها وهي رجعية فتبقى في بيت زوجها، وذلك لحظ المراجعة، فربما يراجعها أو يرى منها أو يسمع منها ما يدعوه إلى إرجاعها فتتشوف الشريعة في ذلك، ولا يحل له أن يخرجها من بيتها حتى تخرج من عدتها، ويأتي الكلام معنا في ذلك في سورة الطلاق في قول الله جل وعلا: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ [الطلاق:1]، وذلك أنه يجب على الزوج أن يبقيها ما أرادت في بيتها حتى تخرج من عدتها، فإذا خرجت من عدتها فإنها ليست في عصمته، وتذهب إلى بيت وليها بعد ولاية الزوج.

    أنواع آيات الله تعالى

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:242]، الله سبحانه وتعالى ذكر هذه الأحكام وهي حال المرأة المتوفى عنها زوجها، وتربصها في بيت زوجها، ومتعتها، وما كان من بعد ذلك من فعلها بنفسها وحقها في ذلك، ثم أمور الطلاق.

    وهذه آيات من الله سبحانه وتعالى، والآيات في ذلك منها ما هو أحكام شرعية بينات، ومنها ما هي آيات دلالات على حكمة الله سبحانه وتعالى، والآيات في هذه الآية شاملة للمعنيين: لبيان الأحكام، وبيان الإعجاز من حكمة الله سبحانه وتعالى ببيان ذلك التشريع، وهذا ظاهر في قول الله سبحانه وتعالى: فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:240].

    كمال العقول في تدبر آيات الله

    ثم ذكر الله سبحانه وتعالى في بيان آياته: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:242]، وهذا فيه إشارة أن الإنسان كلما كان أبصر بالعبر والحكم من آيات الله عز وجل فهو أوفر عقلاً ويعرف كمال عقل الإنسان بإيصاله لحكم الله عز وجل بتشريعاته، ويعرف نقص عقل الإنسان في حرمانه في عدم إلغاء رعايات الله سبحانه وتعالى وحكمه من التشريع، وكلما وجد الإنسان في عقله انغلاقاً أو في نفسه عن فهم مراد الله سبحانه وتعالى فليعلم أن ثمة قصوراً في عقله، ولهذا نقول: إن الشريعة كاملة والقصور في العقول، كذلك القصور لا يكون في البيان؛ لأن الله عز وجل بين، (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ) فالله عز وجل بين هذه الأحكام فهي ظاهرة، إذاً: القصور من عدم استيعاب العقول لذلك البيان، والعاقل إذا أعطى عقله ونفسه فرصة لتأمل مراد الله وجد ذلك ظاهراً، ولكن عيب العقول أنها تستعرض حكم الله عز وجل على عجل، الله عز وجل يقول: سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء:37]، لا تستعجل في الآية والحكمة، بل عليك بالنظر والتدبر والتفكر، يفتح لك المغلق من معاني الأحكام ومرادها، والإنسان ينبغي له إذا أراد أن يفهم شيئاً، أن يعلم أن الله عز وجل لا يحرمه في فهم آية من آيات كتابه إلا بسبب ذنب، ولهذا نقول: إن الاستغفار من دواعي فهم الآية، وكذلك يفتح مغاليق القلوب والعقول المحجوبة عن تدبر كلام الله سبحانه وتعالى، ولهذا ابن تيمية رحمه الله يقول: إذا استغلق عليّ من كلام الله عز وجل شيئاً لزمت الاستغفار حتى يفتح عليّ فيه؛ لأن القلب يغلق بالذنب، والذي يزيل الذنب؟ هو الاستغفار، فإذا زال الذنب بالاستغفار انفرج القلب والعقل، فإذا انفرج القلب والعقل رأى الحجة ظاهرة بينة، ولهذا يحرم الناس فهم الحجة وبيانها وتجليها بسبب القيد الذي يكون على القلوب والعقول، ولهذا يحرم الإنسان التدبر والتأمل بسبب الذنوب التي تقع منه، فينبغي له أن يكثر من الاستغفار والتوبة والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، ولهذا جعل الله جل وعلا آياته بينة: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:242]، والله سبحانه وتعالى بظهورها وجلائها تلك الآيات والأحكام أنها إليه، إلا أنه أضافها إليه لبيان منزلتها، وكذلك هو لا ينظر إليها، ولا تعامل كمعاملة الآيات والتشريعات والأحكام التي تكون من سائر الناس، فالله سبحانه وتعالى حكمه ماضٍ وقاضٍ على حكم خلقه جل وعلا.

    نكتفي بهذا القدر، أسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.