إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [40]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن ذكر الله الأحكام المتعلقة بالأزواج ذكر المحافظة على الصلاة؛ لأنها تقوم الإنسان، وتحافظ على حقوق الناس، فكلما كان الإنسان لحق الله أقوم وأضبط كان كذلك في حق المخلوقين. وقد جاءت آثار كثيرة في فضل الصلاة جماعة، وقد تنازع العلماء في المراد بالصلاة الوسطى والأقرب أنها صلاة العصر وخصها بالذكر؛ لأنها موضع راحة من آخر النهار فهي أقرب الصلوات من جهة المشقة والتثاقل عنها.

    1.   

    قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    المناسبة بين ذكر المحافظة على الصلاة بعد ذكر الأحكام المتعلقة بالأزواج

    فتكلمنا في الدرس الماضي على ما يتعلق بصداق المطلقة المفوضة، وكذلك تكلمنا على صداق المطلقة بنوعيها التي ضرب لها المهر أو لم يضرب لها المهر، وتكلمنا على من بيده عقدة النكاح والخلاف في ذلك، وكذلك أيضاً ما يتعلق بمسألة المسامحة والعفو في هذا الباب، ثم ذكر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك في قوله: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238]، أمر الله عز وجل بالمحافظة على الصلوات بعدما ذكر الطلاق والعدد والخلع والصداق وما في أحكامه، ثم ذكر الصلاة، ومناسبة ذلك فيما يظهر: أنه لما كانت الصلة التي تكون بين الرجل وزوجه في أمر الصداق، تكون بينه وبين أوليائها، وكذلك بينه وبين زوجته، ومثل هذا الأمر يحتاج إلى شيء من تقويم النفس وتهذيبها في مراقبة أمر الله سبحانه وتعالى، فإن الإنسان إذا أنصف في حق الله عز وجل فإنه ينصف في حق المخلوقين، ولما كانت هذه الأحكام الشرعية مما يتعلق بأمور الطلاق بأنواعه، والعدد في عدة المطلقة وعدة المختلعة، وعدة المتوفى عنها زوجها، أحكام تكون بين الإنسان وبين الناس، جاء الأمر بالمحافظة على الصلاة؛ لأنها تقوم الإنسان، وتحافظ على الحق الذي يكون بين الإنسان وبين المخلوقين، وكلما كان الإنسان أقوم وأضبط لحق الله سبحانه وتعالى فإنه يكون من أهل القوة والانضباط والإحسان فيما يتعلق في حق الناس.

    فضل المحافظة على الصلاة

    والله سبحانه وتعالى أمر بالمحافظة وما أمر بمجرد الأداء؛ لأن المحافظة مرتبة فوق الأداء، والمحافظة أن يؤدي الإنسان الصلاة في وقتها كما شرعها الله جل وعلا على سبيل الدوام، وهذا ظاهر في قوله جل وعلا: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238]، وكذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن )، يعني: لا يستديم، وليس المراد بذلك أن يؤديها مرة، فيتوضأ مرة أو يصلي مرة، فهذا أداء، أما المحافظة أن يأتي بها على سبيل الدوام.

    والمحافظة على الصلاة على سبيل الدوام هي أعظم ما ينفي النفاق عن الإنسان، ولهذا جاء التأكيد عليها بدوام الإتيان بها، كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم أي؟ قال: بر الوالدين ) ، هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان أن الإتيان بالصلاة على وقتها بالمحافظة على سبيل الدوام لا يمكن أن يكون ذلك إلا من مؤمن، والحكمة فيما يظهر والله أعلم، أن الله جل وعلا حينما جعل الصلاة متعددة الأزمنة ومقسمة الوقت في اليوم والليلة، فإن المنافق يستطيع أن يتكلف الانضباط والمحافظة على صلاة واحدة تصنعاً للناس، ولكن إذا كانت مفرقة على اليوم والليلة من أمور الليل والنهار فإن المنافق لا يمكن أن يحافظ عليها، قد يؤديها مرة أو مرتين لكنه لا يستطيع أن يواظب عليها، ولهذا تفرقت أزمنة الصلاة في اليوم والليلة، فأصبح المحافظ عليها ينفي خبث النفاق منه على مدار اليوم، فكلما جاء بصلاة تلتها أخرى بعد ذلك بساعتين أو ثلاث، بحسب الفارق الذي يكون بين الصلوات، وهذا المراد به هو نفي النفاق عن الإنسان، كذلك التفريق بين المنافق الذي يحافظ على صلاة ولا يحافظ على صلاة أخرى، والله جل وعلا أمر بهذه الصلوات جميعاً في قوله: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] إذاً: المراد بذلك هو تقويم النفس وتهذيبها.

    العناية بالصلاة عند الزواج والطلاق

    وقد يؤخذ من هذه الآية: أهمية العناية بأمر الصلاة عند التزويج، لأن هذه الآية جاءت بعد أحكام الفراق والفصال الذي يكون بين زوج وزوجة لم يكن ثمة مسيس، وهما يستقبلان أمراً جديداً من أمر الزواج، والإشارة لهذا المعنى أن الله سبحانه وتعالى أمر الزوج والزوجة، والولي أن يحافظوا على الصلوات جميعاً والصلاة الوسطى على سبيل الخصوص، فإن ذلك أزكى وأصلح لحال الإنسان، والله سبحانه وتعالى على ما تقدم إنما أمر بالمحافظة ولم يأمر بمجرد الأداء.

    المراد بالصلوات المأمور بالمحافظة عليها

    هل الصلوات المخاطب بها هي صلاة الفرائض أم المراد بذلك هي عموم الصلوات؟ المراد بذلك هي صلوات الفرائض الخمس، ويدخل في هذا صلاة الجمعة في يوم الجمعة خاصة، والقرينة على هذا أن الله سبحانه وتعالى إذا أمر بشيء فإن الأمر يتوجه إلى الفرض، ولا فرض على الإنسان في يومه وليلته إلا الصلوات الخمس وما عداها فإنها من النوافل، ثم إن الله سبحانه وتعالى أمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى، ولو قلنا بدخول النوافل في ذلك لم يكن ثمة وجه لتحقق الصلاة الوسطى بين فرائض ونوافل، فإن هذا لا ينضبط، ولهذا أمر الله سبحانه وتعالى بالمحافظة على الفرائض، لأن الفرائض أزكى أثراً على الإنسان وأقوى فيما يؤديه من عبادات.

    ولهذا نقول: إن من الأصول الشرعية أن الله سبحانه وتعالى حينما يأمر بعبادة من العبادات فإن الخطاب يتوجه إلى الفرض ولا يتوجه إلى النفل، وأداء الفرض أعظم من أداء النفل، وأثره على الإنسان أعظم، فإذا قلنا: إن صلاة النافلة تزكي الإنسان وتبرئه من النفاق فإن صلاة الفريضة أعظم وآكد عليه.

    ومن وجوه الأمر بالمحافظة على الصلاة وأثرها في النفاق: أن المنافق قد يتصنع ويتكلف بأداء صلاة واحدة ونحو ذلك، لكن أن يحافظ على الجميع على سبيل الدوام هذا من الأمور الشاقة والتي لا تكون إلا من مؤمن؛ لأن الإنسان إذا حافظ على الصلوات الخمس في يومه وليلته فإن الذي يحضر هذه الصلاة ربما يتباين عن الذي يحضر الصلاة الأخرى، والذي يحضر تلك يختلف عن تلك في كثيرٍ من الأحيان، فإذا جاء الإنسان منضبطاً في الصلوات الخمس كلها، فمعلوم أنه لا يرجو إلا واحداً وهو الله سبحانه وتعالى.

    بيان الصلاة الوسطى

    وفي قوله جل وعلا: وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238] هي من مواضع الخلاف عند العلماء، والخلاف فيها قديم حتى في زمن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، كما روى ابن جرير الطبري عليه رضوان الله من حديث قتادة عن سعيد بن المسيب قال: اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة الوسطى اختلافاً شديداً حتى كانوا هكذا، وشبك بين أصابعه، يعني: أن الخلاف الذي يكون بينهم في تفسير الصلاة الوسطى خلاف عريض، والأقوال عند الفقهاء كثيرة وليست بالقليلة، بل بلغت عشرين قولاً في الصلاة الوسطى، منها ما هي أقوال ضعيفة مطروحة، ومنها ما هي يسيرة الضعف، ومنها ما هي قوية، والفروض الخمسة كلها جاء فيها قول، فجاء إنها صلاة العصر، وجاء إنها صلاة الصبح، وجاء أنها صلاة الظهر والمغرب والعشاء، وجاء أنها صلاتان، منهم من قال إن صلاة المغرب وصلاة العصر تسمى الوسطى، ومنهم من قال: إنها صلاة الظهر والعصر، ومنهم من قال: إنها صلاة العشاء وصلاة العصر، ومنهم من قال: إنها صلاة الجمعة، ومنهم من قال: إنها صلاة الوتر، ومنهم من قال: إنها صلاة الضحى، ومنهم من قال: إن الله عز وجل لم يعينها وإنما تركها الله سبحانه وتعالى وأخفاها ليحافظ الإنسان على الصلوات، فإذا حافظ عليها وجدها، وكأنهم يفسرون هذا بحال خفاء ليلة القدر، وهذا جاء عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله كما رواه نافع عن عبد الله بن عمر أنه سئل عن الصلاة الوسطى؟ فقال: هي فيهن فحافظوا عليهن كلهن، وهذا منه إشارة إلى أنها غير محددة.

    أصول الشريعة في تفاضل العبادات

    وينبغي أن نعلم أن الأصول الشرعية في تفاضل العبادات لها جهات متعددة، منها ما هو ثابت لا يتحول ما دل عليه الدليل في فضل عبادة بعينها، لا يمكن أن يتحول إلى غيرها، كصلاة الليل، فإن صلاة الليل الرحمن ينزل في الثلث الأخير من الليل، ونزول الرحمن ثابت، ففضل صلاة الليل ثابتة على أي حالٍ كان، وثمة وجه من وجوه التفضيل وهو المشقة، كلما كان أداء الصلاة أشق على الإنسان كان الثواب من الله سبحانه وتعالى أعظم، فهذا يتحول بحسب الزمان والمكان، فربما يكون في زمانٍ فرض من الصلوات أشق من زمن آخر، ولهذا نجد أن في الصدر الأول صلاة العشاء شاقة لأنها موضع ضجع ونوم، ولهذا جاء الحديث بالنهي عن النوم قبل صلاة العشاء، يعني: أخشى على الإنسان أن يفوت صلاة العشاء، وصلاة العشاء وأصبحت ميسورة على الناس في الزمن المتأخر في زماننا، وهي أيسر على الأوائل، ولهذا نقول: إذا اجتمعت أسباب التفضيل على عبادة فهي أفضل من غيرها، وأفضل من العبادة التي تتقسم فيها أسباب التفضيل، ولهذا نقول: إن الصلاة إذا كانت على الإنسان أشق فإن ثوابها له عند الله عز وجل أعظم، ولهذا الأصل في الإنسان أنه ينام في الليل ويستيقظ، ويضرب في الأرض في النهار، وكانت صلاة الليل أفضل لأسباب، ومن هذه الأسباب: خفاؤها، باعتبار أن الإنسان يستتر بهذه الصلاة ولا يراه أحد، والناس أهل داره نيام، والأبعدون عنه لا يرونه، فيؤدي الصلاة في ذلك أسر وأخفى، فيؤديه لله عز وجل خالصاً.

    ومن وجوه التفضيل أيضاً: ما هو ثابت لا يتحول مما يتعلق بنزول الرحمن في الثلث الأخير من الليل، فلو أن إنساناً في زمنٍ متأخر أصبح عمله في الليل وينام في النهار، فهل الصلاة في ذلك تتغير؟ نقول: إنه يؤدي الصلاة في النهار أفضل من صلاة الليل أم التفضيل في ذلك ثابت؟ التفصيل في ذلك ثابت وهو نزول الرحمن سبحانه وتعالى، وأما بالنسبة للمشقة فتنتقل، المشقة والإسرار ينتقل، ويبقى هذا الأمر، فإذا استطاع الإنسان أن يؤدي العبادة سراً في النهار، فنقول: فضل الإسرار ينتقل بحسب الحال، والمشقة تتحول من زمن إلى زمن، ويبقى الفضل الثابت الذي لا يتغير بحسب العبادة التي جاء الأمر بها من الشارع، ولهذا نقول: فضل صلاة الليل ثابتة، ولا نقول: إن صلاة النهار أفضل منها لمن تغير حاله، لمن يعمل في الرباط، أو يعمل في الحراسة، أو يعمل في عمل من أعمال الليل، فتكون حاله عمل في الليل ونوم في النهار، فمثل هذا الأمر لا يتغير معه حكم العبادة، ولكن يتغير معه مشقة العبادة، فالعبادة التي تشق عليه في موضع ينام فيه فإنها أعظم عند الله سبحانه وتعالى من غيرها.

    هذه العلة التي ربما أربط بها ما جاء عن عبد الله بن عمر وقال به ابن العربي المالكي عليه رحمة الله أن الصلاة الوسطى ليست صلاة محدودة معينة بصلاة من الصلوات الخمس وإنما تكون في جميع الصلوات، وهذا توجيه لما جاء عن عبد الله بن عمر وتوجيه لما يقول به بعض العلماء، ولكن نقول: هذا ما لم يثبت في ذلك نص في تعيينها، جاء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعيين الصلاة الوسطى بعض الأحاديث، وجاء في ذلك بعض الآثار عن بعض الصحابة عليهم رضوان الله.

    أقوال العلماء في الصلاة الوسطى

    اختلف العلماء في تعيين الصلاة الوسطى على عشرين قولاً، وتقدم معنا أن هذه الأقوال منها ما هي أقوال قوية، ومنها ما هي أقوال دون ذلك، ومنها ما هي ضعيفة، ومنها ما هي مطروحة لا يؤبه بها، من العلماء من يقول: إن التوسط المراد في الآية أنه توسط عدد لا توسط زمن، ولهذا يقولون: إن الصلاة الوسطى هي صلاة المغرب، لأنها ثلاث ركعات، وهي متوسطة بين الرباعية وبين الثنائية، وهذا القول يقول به قبيصة بن ذؤيب ولم يوافقه على ذلك أحد، بل هو قول غريب.

    والمراد بالتوسط في العبادة في قول الله جل وعلا: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238]، المراد بذلك هو الزمن؛ لأن المحافظة ترتبط على زمن معلوم، ويؤيد ذلك قول الله جل وعلا: وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] فإن هذا مما يؤيد هذا.

    وأقوى الأقوال الواردة في تفسير الصلاة الوسطى ثلاثة أقوال فيما أرى:

    القول الأول: أنها صلاة العصر.

    القول الثاني: أنها صلاة الصبح.

    القول الثالث: أنها عامة لا تحدد بصلاة بعينها.

    وأقوى هذه الأقوال: أنها صلاة العصر، وجاء في ذلك جملة من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبهذا يقول الجماهير وأكثر الصحابة عليهم رضوان الله، وقد جاء هذا عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله كما رواه عبيدة السلماني عن علي بن أبي طالب أنه قال: إن صلاة الوسطى هي صلاة العصر، وجاء هذا عن عبد الله بن مسعود، و أبي بن كعب، و عبد الله بن عباس، وأبي هريرة وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول الترمذي رحمه الله في كتابه السنن: قال بهذا القول أكثر الصحابة عليهم رضوان الله، وذهب إلى هذا جمهور الفقهاء، ذهب إليه الإمام مالك و أبو حنيفة، والإمام أحمد عليه رحمة الله، وهو قول للشافعي يحكيه بعض فقهاء الشافعية عن الإمام الشافعي رحمه الله، والأرجح والأصوب في قول الشافعي أنه يقول: إن الصلاة الوسطى إنما هي صلاة الصبح لا صلاة العصر، وهذا القول المشهور عنه في قوله الجديد وغيره.

    وهذا القول بأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، يؤيده في ذلك ما جاء من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي قاطعة في ذلك كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في يوم الخندق قال عليه الصلاة والسلام لما شغل عن صلاة العصر: ملأ الله بطونهم وقبورهم ناراً شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ) ، وجاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة من حديث علي بن أبي طالب عليه رضوان الله وغيره، وجاء في الصحيح من حديث يونس مولى عائشة عليها رضوان الله أن عائشة قالت له: إذا كتبت المصحف فبلغت قول الله جل وعلا: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238] فآذني، فلما آذنها قالت: اكتب: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238] صلاة العصر، وهذا في الصحيح.

    وجاء من حديث نافع عن حفصة عليها رضوان الله تعالى أنها قالت نحو هذا القول في كتابة المصحف: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238] قالت: اكتب صلاة العصر، وأصح الأدلة في ذلك المرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بالصلاة الوسطى هي صلاة العصر، ويؤيد ذلك أن صلاة العصر هي موضع عمل، وربما يكون موضع راحة من آخر النهار، وربما تكون موضعاً للضرب في الأسواق وقضاء الحاجات باعتبار أنها آخر الصلوات قبل المغيب، فيبادر الناس بقضاء حاجاتهم فيها، وربما المسافرون بالضرب في الأرض يبادرون بالسير حتى يصلوا قبل الليل، فهي أقرب الصلوات من جهة المشقة والتثاقل والانصراف عنها، والله سبحانه وتعالى على ما تقدم أمر بالمحافظة وما أمر بمجرد الأداء؛ لأن الإنسان قد يؤدي مرة لكنه لا يؤدي بعد ذلك، وإذا حافظ مرة ولم يحافظ بعد ذلك عُدَّ مؤدياً لا محافظاً، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في المسند وعند ابن حبان، قال عليه الصلاة والسلام: ( من حافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن كن له نوراً ونجاة وبرهاناً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا نجاةً ولا برهاناً يوم القيامة، وحشر مع فرعون و هامان، و قارون، و أبي بن خلف ).

    إذاً: فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد من ذلك المحافظة على سبيل الدوام.

    ونستطيع أن نأخذ من ذلك: أن الإنسان إذا أدى الصلاة مرة ثم تركها مرات، كالذي يؤديها يوماً ثم يدعها أياماً، أو يؤديها أسبوعاً ثم يدعها أشهر، هذا ليس بمؤدٍ أصلاً، وهذا في حكم التارك للصلاة بالكلية.

    القول الثاني من الأقوال: أنها صلاة الصبح، وهذا صح عن عبد الله بن عباس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بل إنها أصح الأقوال عنه، وهو قول الإمام الشافعي رحمه الله، وجاء عن الإمام مالك رحمه الله القول بأن الصلاة هي صلاة الصبح، وبعض الفقهاء من المالكية يأخذ بقرينة، وهي في قول الله جل وعلا: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، قال: هذه قرينة على أن المراد بالصلاة الوسطى هي صلاة الصبح؛ لأن القنوت أقرب ما يكون لصلاة الصبح، وهذا التأويل فيه نظر، لأن المراد بالقنوت هنا هو الخشوع وليس المراد به هو الدعاء، وإنما حملوا النص الشرعي على المعنى الفقهي في مذهب الإمام مالك رحمه الله، فإنهم يصرفون معنى القنوت إلى معنى مشتهر عندهم والمراد بذلك هو الدعاء في صلاة الفجر، فيربطونها بهذا القول، وهذا فيه نظر، ولديهم تعليل في ذلك أنهم يقولون: إن صلاة الصبح هي متوسطة بين صلاتين وصلاتين، بين نهاريتين وليليتين، بين المغرب والعشاء، وهما من صلاة الليل، وبين الظهر والعصر وهما من صلاة النهار، فتتوسط بينها.

    نقول: مثل هذا التعليل إنما يحتاج إليه عند فقد الدليل، ولا يصار إلى تعليل مع وضوح الدليل، وكلما ضعف الدليل فإنه يؤخذ بالتعليل ويكون في ذلك مرجحاً.

    القول الثالث: بأنها في الصلوات الخمس، قد تكون صلاة العصر، وقد تكون صلاة المغرب، وقد تكون صلاة العشاء، وقد تكون صلاة الفجر أو الظهر، وهذا التحول إما أن يحمل على أن الله سبحانه وتعالى أخفاها ليحرص الإنسان على جميع الصلوات، أو ربما أن المراد بذلك على اختلاف حال الإنسان ومشقته، فربما تكون الصلاة التي أمر الله عز وجل بالمحافظة عليها آكد عليك هذه الصلاة وعلى فلان آكد الصلاة التي تليها؛ لأن المشقة تتباين، فربما يجتمع الناس في بلدٍ واحد، هذا يؤدي الصلاة وهي عليه يسيرة، وهذا يؤديها وهي عليه شاقة، إما لديه حظ من حظوظ الدنيا، أو لديه عمل، أو لديه تجارة، أو نحو ذلك، فهذا يختلف عمن يأتي الصلاة ولا شغل له، فالذي ترك مشقة الدنيا وأقبل على الصلاة مع هم وتعلق بهذه الدنيا فإنه أعظم عند الله عز وجل أجراً، ولا ينقص ذلك من أجر المؤدي الذي يؤديها ولاحظ له في الدنيا ولا مشقة عنده، وإنما يؤتى أجر الصلاة ولكن ذاك يؤتى أجر المشقة وهو مأمور بالمحافظة عليها، والناس في أمر المشقة يتباينون، منهم المسافر الذي يكون في طريق، أو منهم الذي يعمل، أو نحو ذلك، أو يضارب في الأسواق، أو يجد مشقة في أمر دنياه، لبيع، أو شراء، أو سهر، أو غير ذلك من أمور الضرب في الأرض، يختلف عن غيره ممن يسر الله عز وجل له في رزقه، فيأتي إلى الصلاة من غير صارف، ولهذا نقول: ثمة دوافع وأسباب للتفضيل تختلف من حال إلى حال، وهذا من جهة المشقة والتكليف كلما كانت العبادة على الإنسان أثقل فإنها عند الله عز وجل أعظم أجراً، ولهذا جاء في الخبر قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أجرك على مقدار نصبك )، المراد بذلك هو المشقة التي تكون من الإنسان.

    وثمة أقوال في هذا، منهم من يقول: إنها صلاة المغرب وصلاة العشاء، ومنهم من يقول: إنها صلاة الظهر وصلاة العصر.

    ومنهم من يقول: إنها هي البردين التي ذكرها الله سبحانه وتعالى.

    هذه تعليلات يأخذون بأدلة قد جاء الأمر بها في كلام الله سبحانه وتعالى من جهة تفضيله، فيجعلونها هي الصلاة الوسطى.

    ولكن نقول: إن التفضيل الذي جاء في كلام الله سبحانه وتعالى لا تخلو عبادة من العبادات إلا وفيها تفضيل خاص، ولا يعني هذا أنها تعمل على هذا التفسير أنها الصلاة الوسطى في هذا الباب.

    الجمع بين النهي عن الكلام في الصلاة بمكة ونزول هذه الآية في المدينة

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، أمر الله سبحانه وتعالى بعدما أمر بالمحافظة على الصلاة، وأمر بتخصيص الصلاة الوسطى بمزيد عناية، أمر بالقيام له قانتين، هذه الآية يؤخذ منها تحريم الكلام في الصلاة؛ لأنها إنما نزلت في ذلك، وذلك أنهم كانوا يتكلمون كما جاء في الصحيح قالوا: (كان أحدنا يكلم صاحبه في حاجته في الصلاة حتى أنزل الله سبحانه وتعالى قوله: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] يعني: خاشعين، فأمسكنا عن الكلام ).

    ولكن يشكل على هذا: أن هذه الآية مدنية نزلت في المدينة، وتحريم الكلام إنما كان بمكة، ويؤيد هذا في حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى في الصحيحين أنه قال: ( كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وهو يصلي فيرد علينا السلام، فلما هاجرنا إلى الحبشة ورجعنا إليه سلمنا عليه فلم يرد علينا السلام، ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ينسخ من أمره ما يشاء، وإن الله عز وجل حرم الكلام في الصلاة ).

    ونقول: إن الله عز وجل بيَّن الحكم ثم أثبته وأكده في المدينة، لأن اطلاع الناس على الحكم في مكة قليل باعتبار قلة أهل الإسلام في ذلك الزمان، ولكن لما دخل المدينة وضبطت الصلاة، وقننت على الصلوات الخمس بركعاتها من جهة العدد ومعرفة سننها ورواتبها واشتهار الناس في دخولهم للإسلام بعد ذلك وأمر النبي عليه الصلاة والسلام، كانوا بحاجة إلى معرفة الأحكام الزائدة في هذا الأمر، فجاءت الآيات تأكيداً في هذا الباب، ومنها قول الله جل وعلا: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] ولا إشكال أن يتأكد الأمر على مسألة واحدة.

    ولهذا نقول: إذا كانت القضية في مسألة حكم سابق، فإن الله عز وجل بين وجوب المحافظة على الصلاة قبل ذلك في مكة، ومع ذلك يقول الله جل وعلا: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، فنقول: إن ثمة تأسيساً وثمة تأكيداً، فالأدلة منها ما هي مؤسسة، أي: أنها تبين الدليل ابتداءً، ومنها ما هي مؤكدة، يعني: تؤكد دليلاً بيناً ثابتاً قبل ذلك، وهذا مما يثبت الدليل ويؤكده بعد تأسيسه وبيانه قبل ذلك في مكة.

    القيام في الصلاة

    وفي قوله جل وعلا: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] فيه دليل على ركنية القيام في الصلاة، والقيام في الصلاة ركن إلا في صلاة النافلة فإنه سنة، ولو صلى الإنسان جالساً في صلاة النافلة وهو قادر فإن صلاته صحيحة ولكن أجره على نصف أجر القائم، فلو أراد الإنسان أن يصلي تحية المسجد، أو يصلي السنة الراتبة، أو يقول قيام الليل وهو قادر، فأجره على النصف من أجر القائم، وهذا من القرائن التي تؤكد أن المراد بهذه الآية في الصلوات هي صلوات الفرائض وليس المراد بذلك السنن من النوافل، سواءً كانت الرواتب أو النوافل المطلقة، لأن الله عز وجل ما أمر بالقيام وجوباً إلا في صلاة الفريضة، وما عدا ذلك فهو سنة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم ).

    المفاضلة بين طول القيام وكثرة السجود

    وقوله جل وعلا: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] من العلماء من فسر القنوت هنا بالخشوع، وهذا هو الأشهر، ومنهم من فسره في ذلك بطول القيام، وبهذا أخذ بعض العلماء على أن طول القيام في الصلاة أفضل من تخفيفها مع كثرة سجود.

    وهذه من مواضع الخلاف، فأيها أفضل؟ صلاة تؤدى في زمن واحد ركعتين أفضل، أم يؤدي أربعاً في الوقت نفسه؟ فهل ركعتان في ساعة أفضل أم أربع ركعات في تلك الساعة؟

    منهم من فضل طول القيام، ومنهم من فضل كثرة السجود، ولكن نقول: إن ثمة تفصيلاً في هذا الباب لا بد من القول به، هذا التفصيل هو: أن ما جاء تفضيل عدد الركعات به فهو آكد أن يؤدى العدد، مثال ذلك: في مسألة قيام الليل إحدى عشرة ركعة، فإن الإنسان يؤديها بهذا العدد، فلا نقول للإنسان إذا أدى ركعتين طول الليل وكان حظه من صلاة الليل بساعة أو ساعتين فإنه يصلي ركعتين في الساعة أو الساعتين أفضل من صلاة إحدى عشرة ركعة في هذا الوقت، لا نقول بذلك، لأن العدد في ذلك مشروع، ونظير ذلك ما جاء في سنن الرواتب كالسنة القبلية لصلاة الظهر أربعاً، فإذا كان الإنسان يتمكن من أداء العبادة فهل يؤدي في الزمن الذي يراه متسعاً لعبادة ركعتين، أم يؤدي في زمن هاتين الركعتين أربعاً وأقرب للسنة؟

    نقول: ما أتى بالأركان والواجبات وما أتى بالسنن، فإنه يأتي بأربع أفضل من الركعتين، وهذا تأصيل لا خلاف فيه، وإنما الخلاف فيما عدا ذلك.

    1.   

    قوله تعالى: (فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً...)

    المحافظة على الصلاة زمن الخوف

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:239] بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى المحافظة على الصلوات الخمس، وأكد الله جل وعلا الأمر بالصلاة الوسطى بيَّن ما يتعلق بأمر الخوف، وهذا الخوف متعلق بزمن الحرب والجهاد في سبيل الله إذا التحم الصفان.

    فهل يجب على الإنسان أن يحافظ على ما أمر الله عز وجل به من أداء الصلاة، أم أن ذلك يحتمل تيسيراً؟

    هذا من اليسر في الدين؛ حتى لا يظن أن الله عز وجل أمر بهذا الأمر أمراً قاطعاً لا ينفك بحال من الأحوال مهما اشتدت الحال أو تعسر الأمر، فيجب عليه أن يؤدي ذلك الأمر، فالله سبحانه وتعالى خفف على عباده ويسر، فبين ما يكون من الإنسان من أمر الخوف في قوله جل وعلا: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:239]، فينبغي أن نبين أن صلاة الخوف من جهة أدائها يأتي الكلام عليها بإذن الله عز وجل في غير هذا الموضع.

    ولكن أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين أن المحافظة على الصلاة في وقتها ليست لازمة لمن طرأ عليه خوف شديد من صائل أو التقاء الصفين أو نحو ذلك، وصلاة الخوف التي شرعها الله سبحانه وتعالى بعد يوم الخندق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما شغل عن الصلاة، قال عليه الصلاة والسلام: ( شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر )، وهل شغل النبي عليه الصلاة والسلام أم نسي؟

    النبي عليه الصلاة والسلام لم ينس وإنما شغل عنها، قال بعض العلماء: إن صلاة الخوف لم تشرع حينئذٍ، ولهذا أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر حتى خرج وقتها، ثم بعد ذلك شرع الله عز وجل له صلاة الخوف، وهذا الأمر يتعلق بتلك الحال، قيل: إنه نسخ، وأنه لا بد من الإتيان بالصلاة كما أمر الله سبحانه وتعالى أن يأتي الإنسان محافظاً على هذه الصلوات في حال الأمن، وفي حال الخوف لا بد أن يؤديها وإذا لم يستطع أن يؤديها فإنه يؤجلها ولو بعد ذلك.

    صلاة الخوف راكباً أو راجلاً منفرداً

    ولهذا اختلف العلماء في أداء الإنسان صلاته في زمن الخوف راكباً أو راجلاً منفرداً، على قولين: ذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الحالة منسوخة، وأن صلاة الخوف التي شرعها الله سبحانه وتعالى لمن كان في زمن الحرب ناسخة لهذه الآية.

    وذهب قوم إلى أن صلاة الخوف على حالين، وأن هذه الآية محكمة وتلك الآية محكمة في صفة صلاة الخوف، وذهب إلى هذا القول الإمام أحمد رحمه الله، وقال به الأوزاعي ، وهو ظاهر صنيع البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح، أن الإنسان يؤدي الصلاة ولو كان راجلاً، ولو كان بغير ركوع، وهذا في حال التحام الصفين، إذا كان الإنسان مرابطاً لا يستطيع أن ينحني، أو ينثني، أو يسجد في الأرض، فإنه يؤديها ولو بتحريك رأسه، ينوي بذهنه، أو سائراً كالشخص الذي يحرس حائطاً أو رقيباً عليه ولا يستطيع أن يتحول، أو يحرس قوماً وهم نيام ولا يستطيع أن يغض بطرفه، فلا حرج عليه أن يؤديها ولو كان قائماً بقلبه، ولو أومى إيماءً يسيراً هذا القول هو الأرجح، لأن إحكام الدليل أولى من نسخه، ولا دليل بيِّن في النسخ، وأما ما جاء من تفصيل صلاة الخوف، فنقول: إن خوف الناس في الجهاد على حالين: خوف يمكن معه الصلاة، كأناس مجتمعين في موضع في بناية أو في واد، أو في أرض أو نحو ذلك، ولا يوجد بينهم وبين العدو التحام، وربما يلتحمون اليوم وربما يلتحمون غداً، أو بعد غد، هذا نوع من الخوف يؤدون معه الجماعة على ما شرع الله سبحانه وتعالى على طائفتين، ويأتي معنا بيان ذلك في موضعه بإذن الله تعالى.

    يصلي ذلك الإمام ومعه قوم ويبقى أقوام وجاه العدو، فيصلي بهم ركعة ثم يكملون لأنفسهم، ثم تأتي طائفة بعد ذلك فتصلي مع الإمام ركعة، ثم يصلي معهم الركعة الثانية، ثم يسلمون، فيكون لكل طائفة ركعتان، وهذا يأتي الكلام عليه بإذن الله عز وجل وصور صلاة الخوف، ونقول: هذه الصورة هي صورة مشروعة على ما تقدم، قال به الإمام أحمد رحمه الله و الأوزاعي، وهو وقول للإمام مالك وقال به البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح: أن الإنسان قد يؤدي الصلاة راجلاً وراكباً منفرداً، كالذي يكون على دابة إما على ناقة، أو على خيل، أو على سيارة، أو على قاطرة أو غير ذلك، فيؤديها على ما هي عليه، ولو لم يسجد بحسب خوفه الذي هو عليه، ولكن الحالة التي جاء فيها هذا الأمر، وهي: هل للإنسان ألا يؤدي الصلاة حتى راجلاً أو راكباً في حال الخوف؟

    نقول: نعم، ممكن ألا يؤديها، وذلك في حال انشغال الإنسان انشغالاً تاماً، بحيث لا يستطيع الإنسان أن يحضر بذهنه لأداء الصلاة، كالالتحام الشديد ونحو ذلك، لأنه قد ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك، وذلك أنه لما كان في فتح تستر مع أبي موسى الأشعري عليه رضوان الله قال: كنا في وجاه العدو نحاصره، فلم نؤد صلاة الصبح حتى ارتفع النهار، يقول أنس بن مالك : فما أحب لي بتلك الصلاة الدنيا وما فيها، يعني: أني أديت تلك الصلاة وفي غير وقتها، فهي أحب إلي من الدنيا، لأني على يقين أنها جاءت كما أمر الله سبحانه وتعالى، ولهذا نستطيع أن نقول: إن أداء صلاة الخوف على ثلاثة أحوال:

    الحالة الأولى: في حال قدرة الناس على أداء الجماعة، وهذا في عدم التحام الصفين فيؤدونها، وهذه الصورة يأتي الكلام عليها بإذن الله عز وجل في موضعها.

    الحالة الثانية: حال التحام الصفين مع إمكان الصلاة فرادى، فهذا يؤديها الإنسان منفرداً، سواء كان قائماً ثابتاً، أو متحركاً على قدميه أو على دابة، فيؤديها ما لم يكن التحاماً شديداً.

    الحالة الثالثة: إذا كان التحاماً شديداً لا يستطيع أن يؤديها مع جماعة ولا منفرداً، لوجوب حضور ذهنه في كل لحظة، فحينئذٍ نقول: يجوز له أن يؤخرها حتى يخرج وقتها، فإذا استطاع فهو وقتها الذي شرعه الله سبحانه وتعالى، كما جاء في حديث أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى، وهذا تخفيف من الله جل وعلا ورحمة لعباده.

    زمن صلاة الخائف والناسي والنائم

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ [البقرة:239] يعني: إذا حل فيكم الأمن بعد ذلك فاذكروا الله، إشارة إلى أن الأمن الذي يتحقق بعد الخوف هو زمن الصلاة، كما في قول الله جل وعلا: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14]، فإذا تذكرت بعد نسيان فإتيانك للصلاة بعد ذلك النسيان هو الوقت، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح قال: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك )، يعني: في حال تذكرها فتلك هي الصلاة، وهو وقتها الذي أداها، كذلك في مسألة الخوف والأمن هي كحال النسيان والتذكر، إذا كان الإنسان خائفاً ثم تذكر بعد خوفه فإنه يؤدي الصلاة بعد زوال الخوف وعند تحقق الأمن، وهو وقتها الذي أوجبها الله سبحانه وتعالى، وكأن التكليف انتقل من زمن الخوف إلى زمن الأمن، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ [البقرة:239]، والمراد بذكر الله هو أداء الصلاة.

    الاقتصار في العبادة على ما شرعه الله

    قال جل وعلا: كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:239]، الله سبحانه وتعالى قال: كَمَا عَلَّمَكُمْ [البقرة:239]، نسب التعليم لنفسه باعتبار أن التشريع منه، فلا يعبد الله جل وعلا إلا بما شرع، وأداء الصلوات من جهة الأمر والتكليف جاءت في القرآن، وجاءت أزمنتها في القرآن، ولكن صفتها جاءت من النبي عليه الصلاة والسلام، فكل ذلك من الله، وهذا دليل على أن السنة وحي من الله سبحانه وتعالى، ولا خلاف في ذلك، ولهذا نسب الله سبحانه وتعالى تعليم الصلاة وصفتها إليه: كَمَا عَلَّمَكُمْ [البقرة:239]، علمكم الله جل وعلا، يعني: بفعل نبيه عليه الصلاة والسلام فيما تعلمون من صفة الصلاة وإقامتها وركوعها وسجودها وما فيها من تلاوة وذكر وتسبيح، وما فيها من تكبير وتسليم: كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:239]، أي: أن الله سبحانه وتعالى يذكر عبده بمنته عليه من تعليمه لأحكام شرعه، وما تفضل الله سبحانه وتعالى على الإنسان من تيسير ورحمة ورفق وعدم تشديد.

    الوصول إلى الله

    قال: عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:239]، أي: أن الإنسان الأصل به أنه لا يصل إلى الله إلا بالله، والعقل المجرد لا يوصل إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما يوصل للإيمان بالله فقط.

    العقل يدعوك إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى، أن تؤمن أن في الوجود ثمة خالقاً، لكن كيف تعبد الخالق؟ كيف تبذل له عبادة وتتذلل له؟ لا يمكن أن تصل بعقلك.

    ولهذا نقول: في أصل الإيمان يدل عليه وازع الطبع الفطري، ولهذا جميع أصحاب الفطر في الأرض يؤمنون بوجود خالق، ولكن من كان ثمة حبل من الرحمن ممدود إليه عرف ماهية هذا الخالق، ولهذا يتحيرون، العقل يدل مجرداً على وجود خالق، أين يضع الخالق؟ منهم من يجعله في كوكب، ومنهم من يجعله في حيوان، ومنهم من يجعله في بقر، ومنهم من يجعله في فأر، ومنهم من يجعله في حشرة، ومنهم من يجعله في جن، وغير ذلك.

    الإيمان بوجود الخالق هذا أمر فطري، ولكن لا يهتدي الإنسان إلى عبوديته ومعرفة صفته واسمه سبحانه وتعالى إلا به جل وعلا، ولهذا نقول: من لم يهتد بالوحي إلى الله لا يمكن أن يصل إلى الله، وإنما يضلون في هذا الباب.

    وإنما غاية ما يُستدل به وجود الخالق، وأنه مدبر هذا الكون، وهو المتصرف به، والناس يتصارعون في هذا الباب، فيؤمنون بوجود خالق ولكن يضلون في أحوال: يضلون من جهة وجود الوسطاء، ويضلون من جهة تحديد هذا الخالق وكنهه وحقيقته، منهم من يعلقه بالأفلاك كالكنعانيين والبابليين وغيرهم، ومنهم من يعلقونه بزمن ونحو ذلك، وذلك كالمجوس وأضرابهم، ومنهم من يعلقونه بشيء من الأوهام والتخيلات وغير ذلك أنه خيال أو نحو ذلك، ومنهم من يقيده بجن، ومنهم من لا يقيده بجن، وغير ذلك، وهذه كلها يدل عليها إما شيء من انحرافات الجاهلية، أو من عقل الإنسان وتخيلاته المجردة.

    العبادة بغير شرع الله ابتداع

    قول الله سبحانه وتعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:239] إشارة إلى أن عبادة الله بغير ما شرع ابتداع، وأنه ينبغي للإنسان أن يعبد الله كما شرع الله جل وعلا لا بمجرد عقله وحسه ونظره أو رأيه وقياسه: كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:239] فالاجتهاد في أمر العبادات غير جائز، فالأمر في ذلك إلى الدليل، والأصل في ذلك الحظر، بخلاف ما يتعلق بأمور المعاملات فإنها أوسع من غيرها.

    نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله عز وجل الإعانة والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وأسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يذكرنا ما نسينا، وأن يجعل عملنا وقولنا خالصاً لوجهه إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.