إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الصلاة [47]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حديث: (سجدتا السهو تجزئ عن كل زيادة أو نقصان في الصلاة) فيه عدة علل من حيث الإسناد والمتن، أما حديث صلاة التسابيح فمما تنازع العلماء فيه بين التصحيح والتضعيف، وأكثر العلماء على ضعفه ويؤيد ذلك أن الصحابة لم يعملوا بذلك ولا التابعين، وأول من عمل به ابن المبارك، ثم إن فيه تخصيصاً بعمل وهذا ينافي مقتضى عموم الرسالة، ناهيك عن كون إسماعيل بن رافع راوي الحديث متهماً بالكذب، إضافة إلى الاختلاف في إرساله ورفعه.

    1.   

    حديث: (سجدتا السهو تجزئ عن كل زيادة أو نقصان في الصلاة)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فما زلنا في الأحاديث المتعلقة بأبواب السهو من كتاب الصلاة، ومن هذه الأحاديث: حديث عائشة عليها رضوان الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( سجدتا السهو تجزئ عن كل زيادة أو نقصان في الصلاة ).

    هذا الحديث أخرجه أبو يعلى و البزار و الطبراني من حديث حكيم بن نافع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث لا يثبت، وذلك لأنه قد تفرد به حكيم بن نافع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عليها رضوان الله تعالى ولا يعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه.

    وحكيم بن نافع الذي تفرد به عن هشام بن عروة قد ضعفه غير واحد من العلماء كـيحيى بن معين وغيره، وهذا الحديث يتضمن معنى جليلاً ليس في شيء من الأحاديث بهذا الإطلاق إلا في هذا الحديث، ومن أجله يقال: بأن هذا الحديث ليس بمحفوظ من حديث عائشة عليها رضوان الله، وهذا المعنى الذي يتضمنه حديث عائشة إطلاق الإجزاء في كل سهو من جهة زيادة أو نقصان في الصلاة بالسجدتين، ويدخل في هذا الإطلاق أن الإنسان إذا سها في صلاته فأنقصها وعلم بذلك أنه لا يتم النقص الذي كان في صلاته وإنما يكتفي بالسجدتين، كمن يصلي على سبيل المثال الظهر ثلاث ركعات ثم يسلم من ذلك فإنه يسجد سجدتين ولا يجب عليه أن يتم النقص، هذا مضمون هذا الإطلاق في حديث عائشة عليها رضوان الله، وهذا الإطلاق منكر يخالف الأحاديث المستفيضة في ذلك أن الإنسان إذا شك في صلاته فيبني على ما استيقن، فإذا استيقن أنه أنقص شيئاً من صلاته فيجب عليه أن يتم ذلك النقص ثم يسجد سجدتي السهو، وعلى هذا نقول: إن هذا الإطلاق في هذا الحديث إطلاق منكر.

    جاء هذا الحديث من حديث أبي جعفر الرازي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عليها رضوان الله، و أبو جعفر الرازي قيل: إنه متابع لـحكيم بن نافع وفي ذلك نظر، وذلك أن أبا جعفر الرازي هو الحكيم بن نافع ، كما أشار إلى هذا ابن عدي رحمه الله في كتابه الكامل قال: ويقال: إن أبا جعفر هو حكيم بن نافع ، قال: فيرجع الحديث إلى الطريق الأولى يعني: إلى إسناده الأول ولا يعد ذلك من المتابعات.

    ومن وجوه النكارة في هذا الحديث: أن أحاديث عائشة وأحاديث عروة وأحاديث هشام المرفوعة الأصل فيها أن تكون عند المدنيين من جهة الرواية المرفوعة أو الموقوفة أو من جهة العمل، فإذا علم ذلك كان ذلك قرينةً على النكارة، ولأجل هذا نقول: إن هذا الحديث منكر من جهة إطلاق متنه، ومنكر من جهة تفرد إسناده حيث تفرد به الحكيم بن نافع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عليها رضوان الله.

    1.   

    حديث أبي هريرة في سجود السهو لمن شك في صلاته بالزيادة أو النقص

    الحديث الثاني من أحاديث السهو: هو حديث أبي هريرة عليه رضوان الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يأتي الشيطان أحدكم وهو في صلاته فيحول بينه وبين صلاته فلا يدري أزاد فيها أو نقص فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم ليسلم ).

    هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند، و أبو داود و الترمذي وغيرهم من حديث محمد بن إسحاق عن ابن شهاب الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث تضمن معنىً في متنه وذلك أن هذا الحديث جاء في سياق أن الإنسان إذا شك في صلاته لا يدري أنقص أو زاد فإنه يسجد سجدتين، وثمة شيء في الشك في الصلاة أن الإنسان إذا شك في صلاته لا يدري أزاد أم نقص فإن الأصل عند تردد الإنسان أن يبني على ما استيقن، كأن يشك الإنسان مثلاً هل صلى ثلاثاً أو أربعاً، فإنه يبني على أنه صلى ثلاثاً ثم يزيد في ذلك الرابعة ثم يسجد سجدتي السهو، وبهذا الحديث استدل بعض الفقهاء من السلف وجرى عليه قلة من الفقهاء من المتأخرين الذين يقولون: إن الإنسان إذا شك وتردد بين نقص وزيادة أنه لا تلزمه الزيادة ولا يلزمه أن يأخذ باليقين بل يسجد سجدتي السهو ولا يضره ذلك، وعمدتهم هو حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى هذا.

    علة حديث أبي هريرة في سجود السهو لمن شك في صلاته...

    وهذا الحديث تفرد به من هذا الوجه محمد بن إسحاق عن ابن شهاب الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عليه رضوان الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرد محمد بن إسحاق عن ابن شهاب مما يتوقف فيه عادة، خاصةً في أحاديث الأحكام، و محمد بن إسحاق هو من الرواة الحفاظ الثقات الضابطين للسير والمغازي، وأما بالنسبة لحديثه في أبواب الأحكام فإنه يؤخذ من أهل الضبط والرواية والعناية، فإن أبواب الاختصاص في ذلك معتبرة.

    ثم أيضاً إن هذا الحديث قد خولف فيه محمد بن إسحاق فرواه أصحاب ابن شهاب وهم أوثق الناس بالرواية عنه فلم يذكروا فيه السلام لا قبل السجدتين ولا بعدها، وإنما ذكرت السجدتان في ذلك من غير زيادة مما يدل على أن هذا الحديث مختصر، فرواه الإمام مالك رحمه الله و سفيان و الليث وغيرهم عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى ولا يذكرون فيه التسليم وهذا هو الأرجح، ولكن هذا الحديث قد جاء في السنن من حديث ابن أخ ابن شهاب و ابن أخ ابن شهاب اسمه محمد بن مسلم وابن شهاب الزهري أيضاً اسمه محمد بن مسلم بن شهاب الزهري فيرويه عن عمه محمد بن شهاب الزهري فذكر في هذا الحديث التسليم، والمشهور في ذلك في الرواية عن ابن شهاب الزهري أن هذا الحديث يرويه مالك وسفيان والليث كلهم يروونه عن ابن شهاب الزهري من غير ذكر هذه الزيادة.

    وجاء الحديث من حديث سلمة بن صفوان بن سلمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أيضاً بذكر التسليم فيه، ولكن نقول: إن الأرجح في الرواية في هذا الحديث عن أبي سلمة عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى الأرجح فيه عدم ذكر التسليم، فقد روى الحديث الدارقطني رحمه الله من وجه آخر من حديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وذكر فيه التسليم، وهذا وجه آخر قد يكون في الظاهر أنه يعضد الرواية التي رواها محمد بن إسحاق عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وذلك أن عكرمة بن عمار يرويه عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة فاتفقوا على ذكر التسليم فيه، ولكن نقول: إن هذا الحديث معلول من رواية عكرمة بن عمار ، فعكرمة بن عمار مع ثقته في نفسه إلا أن روايته عن يحيى بن أبي كثير فيها اضطراب وكان ينكرها الأئمة عليهم رحمة الله كالإمام أحمد و البخاري وكـأبي حاتم و أبي داود و النسائي وغيرهم على أن رواية عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير منكرة وهذه منها، ويعضد النكارة في ذلك واضطرابه في روايته كما ذكر الأئمة أن عكرمة بن عمار قد خولف في هذا الحديث فرواه الثقات من أصحاب يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة من غير ذكر التسليم فيه، فرواه هشام الدستوائي و الأوزاعي وغيرهم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة من غير ذكر هذه الزيادة فيه، وهذا هو الأظهر، ولهذا ينبغي إن نقول: إن الحديث إذا جاء من وجوه متعددة متوافقة فلا يؤخذ به على أن هذه الوجوه يتابع بعضها بعضاً وتترك أحاديث الثقات، فإن من أعلم الناس بأحاديث المدنيين الإمام مالك والليث وكذلك أيضاً من أعلم الناس بأحاديث أهل الحجاز وخاصة مكة ابن عيينة رحمه الله، ومع ذلك فهذا الحديث يروونه عن ابن شهاب الزهري من غير ذكر التسليم فيه، ولو كان فيه لضبطه أعلم الناس بحديث ابن شهاب كالإمام مالك رحمه الله، ورواية ابن إسحاق عن ابن شهاب ورواية عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير لا يعتضدان؛ لأن كل واحدة منهما معلولة، فإن رواية ابن إسحاق عن ابن شهاب مضطربة وقد أنكرها غير واحد من العلماء كالحافظ ابن رجب رحمه الله، وكذلك رواية عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير مضطربة عند العلماء، كيف وقد خولف في ذلك! هل يقال: إن العلة من غير الرواة عن ابن شهاب بدليل أن هذا الحديث جاء متوافقاً من غير الرواية عن ابن شهاب، وهل يقال: إن هذه العلة من حديث أبي سلمة وليست من حديث غيره؟ فيكون فيه الوهم فيروى الحديث على الوجهين؟

    الجواب: نقول: لو تكافأت الوجوه لاحتمل أن تكون العلة من أبي سلمة، ولكن الوجوه غير متكافئة، وذلك أن الثقات الذين يروون الحديث في هذا عن أبي سلمة يروونه من غير ذكر التسليم، فالصحيح من رواية يحيى بن أبي كثير والصحيح من رواية ابن شهاب أن التسليم في ذلك غير محفوظ.

    ولهذا نقول: لو جاء عن ابن شهاب من وجهين وجاء أيضاً عن يحيى بن أبي كثير من غير رواية عكرمة بن عمار كأن يرويه الأوزاعي بذكرها أو غير ذلك من الكبار لاحتمل أن يقال: إن هذه العلة والاختلاف إنما هو على أبي سلمة وإن الوهم منه، والوهم في ذلك إنما هو من عكرمة بن عمار في روايته عن يحيى بن أبي كثير وكذلك أيضاً من محمد بن إسحاق ومن وافقه على ذلك من روايته عن ابن شهاب الزهري.

    وقد جاء هذا الحديث عند الإمام أحمد في كتابه المسند من حديث فليح عن سلمة بن صفوان بن سلمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، ووقع في ذلك وهم أيضاً فقلب الحديث فجعل التسليم قبل السجدتين فقال: يسلم ثم يسجد سجدتين، عكس رواية محمد بن إسحاق عن ابن شهاب الزهري، وهذه قد أخرجها الإمام أحمد رحمه الله في كتابه المسند، وهذه الرواية شاذة لمخالفتها رواية الثقات، وكذلك فإن رواية فليح في هذا الحديث تخالف الرواية التي تقدمت الإشارة إليها في رواية ابن أخ ابن شهاب الزهري فإنه روى هذا الحديث عن سلمة بن صفوان بن سلمة فجعل التسليم في ذلك بعد السجدتين، وفي رواية فليح جعل التسليم قبل السجدتين ثم يكون بعد ذلك السجود ثم يسلم مرةً أخرى، وهذا أيضاً أمارة على نكارة الوجهين، ويدل على نكارة هذا الحديث حديث أبي هريرة عليه رضوان الله على ما تقدم فيه أنه عند شك الإنسان في صلاته لا يبني على ما استيقن وإنما يسجد سجدتي السهو ويجزئه ذلك، وهذا مخالف لما في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري، فالذي جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يأتي الشيطان أحدكم في صلاته فلا يدري كم صلى أثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك وليبن على ما استيقن لم ليسجد سجدتين )، فهذا الحديث يعل حديث أبي هريرة من وجهين:

    الوجه الأول: أن هذا الحديث فيه زيادة البناء على ما استقين وهي الثلاث ركعات عند الشك بينها وبين الرابعة ثم يزيد بعد ذلك الرابعة ولو استيقن بعد انقضاء صلاته أنه صلى خمساً كأن ينبهه الناس أو نحو ذلك فهذا يجزئ عنه.

    الوجه الثاني: أن حديث أبي سعيد الخدري فيه عدم ذكر التسليم.

    ولهذا نقول: إن المقطوع به في الشك أن يبني على ما استيقن لا أن يكتفي بسجدتي السهو، وبعض السلف أخذ بحديث أبي هريرة كـالحسن البصري فإنه يقول: إن المصلي إذا شك في صلاته في الزيادة أو النقصان فإنه يسجد سجدتي السهو ولا يأت بشيء مما نقص من صلاته بل يجزئه ذلك، وهذا يخالف ما عليه عامة العلماء كـمالك و الشافعي والإمام أحمد.

    ومن وجوه النكارة في هذا الحديث: أن هذا الحديث لا يعلم من أفتى به من الصحابة مع كثرة الشك وورده في أحكام الصلوات، وكذلك السؤال عنه إلا أنه لا يعرف عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه أفتى به من وجه صحيح.

    ومن وجوه النكارة: أن هذا الحديث لا يعلم من عمل به من التابعين من أهل الحجاز من مكة والمدينة فإنهم ما كانوا يفتون بذلك، ومعلوم أن من قرائن الإعلال أن ينظر إلى عمل الناس في معاقل ومواضع الوحي ومنازله وهي مكة والمدينة، فإن منازل الوحي ومواضعه هي موضع العمل خاصةً في العبادات التي يجري عليها عمل الناس اليومي كحال الصلوات مما يطرأ على الناس، فالسهو يطرأ على الناس إن لم يكن في أيامهم فإنه يعرض لهم في أسابيعهم ونحو ذلك، وهذه المسائل مما يدور في أحكام الناس خاصةً الشك في الزيادة أو النقصان فإنه أكثر أنواع السهو.

    ومن وجوه الإعلال: أن الشك بين الزيادة والنقصان أكثر وجوه السهو في الصلاة فيجب أن يكون النص في ذلك أقوى من الوجوه الأخرى، وهذا مقتضى إحكام الشريعة.

    وبهذا الحديث نكون انتهينا من الأحاديث المتعلقة بأبواب السهو، ونتكلم بعد ذلك على أحاديث أخرى يأتي الكلام عليها.

    1.   

    حديث: (كان يصلي الصلاة الرباعية فيطيل حتى تكون الثانية على النصف من الأولى والثالثة على النصف من الثانية والرابعة على النصف من الثالثة)

    وقبل التكملة ثمة حديث مهم وهو في الصلاة يتعلق بمسائل القراءة بعد الفاتحة في الركعتين الأخريين من الرباعية أو الركعة الأخيرة من الثلاثية، هناك حديث وجدت من يستدل به من بعض الفقهاء الشافعية على استحباب القراءة في الركعة الثالثة والرابعة بسورة بعد الفاتحة، وهذا الحديث حديث منكر لكن ينبغي أن نتكلم عليه وهو: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الصلاة الرباعية فيطيل حتى تكون الثانية على النصف من الأولى، والثالثة على النصف من الثانية، والرابعة على النصف من الثالثة ).

    هذا الحديث يتضمن التفريق بين الثالثة وبين الرابعة، بعض الفقهاء من المتأخرين من الشافعية يستدل به على استحباب القراءة بسورة في الثالثة والرابعة قال: ولو كانت القراءة في الثالثة والرابعة بالفاتحة فقط ما كانت الثالثة أطول من الرابعة بل كانت متساوية، فهذا دليل على القراءة.

    وتقدم معنا الكلام في الصلاة على ما ورد في ذلك في القراءة، وبينا الأحاديث المعلة، ولكن هذا الحديث لم نشر إليه.

    هذا الحديث أخرجه البيهقي في كتابه السنن من حديث أبي إسحاق الحمسي عن محمد بن جحادة عن طرفة الحضرمي ، وهذا الحديث تفرد به أبو إسحاق وهو ضعيف فقد ضعفه يحيى بن معين وغيره، وقد أعل هذا الحديث الحافظ ابن رجب رحمه الله.

    ثم إن الدلالة فيه ظنية وذلك أنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقرأ السورة ويرتلها حتى تكون أطول مما هي أطول منه، يعني: السورة القصيرة تكون أطول من التي هي أطول منها، فربما كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ الفاتحة في الثالثة فيتمهل ويرتلها بخلاف الرابعة، فالدلالة في ذلك ظنية، ثم إن هذا الحديث يخالف الأحاديث الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح وغيره، أنه كان يقرأ في الثالثة والرابعة بفاتحة الكتاب، نعم قد جاء عن بعض الصحابة أنه كان يقرأ في الثالثة والرابعة مع الفاتحة بسورة، فجاء هذا عن عبد الله بن عمر وغيره، لكن هل الموقوف في هذا يعضد المرفوع أم لا؟ نقول: إن الحديث إذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام وليس له مخالف وضعفه يسير عضده الموقوف من جهة العمل به، ولكن هذا الحديث الذي تفرد به أبو إسحاق هنا خولف بما هو أصح منه فحينئذ لا يعضده الموقوف، إنما يعضده الموقوف إذا لم يكن فيه مخالفة، وظاهر عمل الأئمة عليهم رحمة الله كـالبخاري و مسلم أنهم يعلون هذا الحديث؛ لأنهم قد أخرجوا ما يخالف معناه من الأحاديث، وبه نعلم أنه لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قرأ في الركعة الثالثة أو الرابعة مع الفاتحة شيء.

    1.   

    حديث صلاة التسابيح

    نتكلم الآن على صلاة التسابيح، جاء في حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمه العباس : ( ألا أحبوك، ألا أمنحك، ألا أعلمك صلاةً يغفر الله لك بها: تصلي أربع ركعات فتقرأ الفاتحة وسورةً طويلة، ثم تقول قبل أن تركع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمسة عشرة مرة، ثم تركع فتقولها عشراً، ثم ترفع فتقولها عشراً، هم تهوي ساجداً فتقولها عشراً، ثم ترفع فتقولها عشراً، ثم تسجد فتقولها عشراً، فتلك خمساً وسبعين في ركعة واحدة، ثم تصلي مثلها أربعاً يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل زبد البحر، أو كانت مثل رمل عالج ).

    هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود في كتابه السنن من حديث موسى بن عبد العزيز عن الحكم بن أبان عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    علة حديث صلاة التسابيح

    وهذا الحديث تفرد به موسى بن عبد العزيز الفارسي وهو أعجمي يرويه عن الحكم بن أبان عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس عن عبد الله بن عباس ، وهذا إسناد منكر ومتنه أشد نكارة، وذلك أن هذا الحديث تفرد به موسى بن إسماعيل وهو مع صدقه في ذاته إلا أنه ليس بمعروف الحديث إلا عن الحكم بن أبان ، وقد روى عنه الحديث هنا غير واحد ولكن مداره على موسى بن عبد العزيز ، و موسى بن عبد العزيز تفرد بهذا الحديث عن الحكم بن أبان وروايته عن الحكم بن أبان مدخولة، ووجه كونها مدخولة أن الحكم بن أبان له أصحاب ثقات وليس من خاصته موسى بن عبد العزيز فإنه يروي عنه سفيان بن عيينة و معمر بن راشد الأزدي وغيرهم من الثقات ومع ذلك لم يرووا عنه مثل هذا الحديث، وإن كان لـموسى بن إسماعيل أحاديث يرويها ولكنها نسخة وليست بسماع، ولا يدرى هل ضبط نسخته في ذلك أم لا!

    ومن وجوه النكارة: ترك الثقات الحفاظ لهذا الحديث من أصحاب الحكم بن أبان .

    ومن وجوه النكارة: أن هذا الحديث يروى من حديث عكرمة مولى عبد الله بن عباس عن عبد الله بن عباس، و عكرمة له أصحاب ثقات كثر يروون حديثه، وليس من خاصته الحكم بن أبان، وقد تفرد بروايته عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس وهذا من قرائن الإعلال، ولهذا قد أعل الحديث أبو داود رحمه الله في كتابه السنن.

    ومن وجوه الإعلال: أن هذا الحديث روي مرسلاً كما جاء مرفوعاً أيضاً، فقد جاء من حديث محمد بن رافع عن إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة مرسلاً ولم يذكر فيه عبد الله بن عباس، أخرج ذلك ابن خزيمة و البيهقي وغيرهما من حديث محمد بن رافع وهو ضعيف الحديث، وكذلك إبراهيم بن الحكم ضعيف الحديث، والأصح في هذا الحديث هي رواية موسى بن عبد العزيز موصولاً، والرواية في ذلك منكرة، وهذا الحديث جاء من حديث عبد الله بن عباس من وجوه أخر مطروحة، فأخرجه الطبراني من حديث عبد القدوس بن حبيب عن مجاهد عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، و عبد القدوس بن حبيب متروك الحديث، وأخرجه الطبراني أيضاً من وجه آخر عن عبد الله بن عباس من حديث أبي الجوزاء عن عبد الله بن عباس وفي إسناده ابن العيزار وهو متروك الحديث، و عبد القدوس بن حبيب و ابن العيزار تفرد بهذا الحديث من حديث عبد الله بن عباس، الأول يرويه عن مجاهد والثاني يرويه عن أبي الجوزاء كلاهما عن عبد الله بن عباس وكلهم متروك، وأما السابق في رواية موسى بن عبد العزيز فتقدمت الإشارة إلى أنها منكرة؛ لكونها من وجوه التفرد، والعلماء المتقدمون يردون هذا الحديث ولا يصححه فيما أعلم أحد من النقاد الأوائل، ولم يعمل بذلك أحد من الأئمة الأربعة لا أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا الإمام أحمد عليهم رحمة الله، وإنما جاء الفتيا في ذلك فيما بعد، وأعلى من رأيته عمل بذلك هو ابن المبارك، وإن كان في تلك الطبقة إلا أنه ليس بصاحب مذهب متبوع، وهذا الحديث -حديث صلاة التسابيح- جاء من أحاديث جماعة من الصحابة عليهم رضوان الله ولا تخلو هذه الأحاديث من ضعف، فقد جاء من حديث عبد الله بن عمر ومن حديث جعفر بن أبي طالب ومن حديث عبد الله بن عمرو ومن حديث أبي رافع ومن حديث العباس وغيرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يثبت من ذلك شيء، فجاء عند الحاكم في كتابه المستدرك من حديث عبد الله بن عمر وفي إسناده أحمد بن داود بن عبد الغفار وهو كذاب، قد حكم عليه بالكذب جماعة من النقاد كـالنسائي و الدارقطني و ابن الجوزي وغيرهم، وحديث عبد الله بن عمر وإن صححه الحاكم فهو متساهل في ذلك جداً، كيف وفي هذا الإسناد متهم!

    وأما حديث عبد الله بن عمرو فقد أخرجه أبو داود في كتابه السنن من حديث أبي الجوزاء عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديث عبد الله بن عمرو تفرد به عمرو بن مالك النكري عن أبي الجوزاء عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، و عمرو بن مالك النكري منكر الحديث، حكم بنكارته غير واحد من العلماء كـأبي حاتم، بل اتهمه غير واحد بأنه يسرق الحديث كما نص على ذلك ابن عدي رحمه الله في كتابه الكامل، فربما كان هذا الحديث ليس من حديثه وإنما أخذه من غيره فأسنده.

    وأما حديث جعفر بن أبي طالب فقد رواه عبد الرزاق في كتابه المصنف من حديث داود بن قيس عن إسماعيل بن رافع عن جعفر بن أبي طالب ، والحديث معلول بعدة علل:

    أول هذه العلل: أن في إسناده إسماعيل بن رافع وهو متروك الحديث، وكذلك أيضاً فإنه يرويه عن جعفر بن أبي طالب ولم يدركه وبينه وبينه أكثر من رجل، وهذا يدل على نكارة هذا الحديث.

    جاء أيضاً هذا الحديث من حديث الأنصاري من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء أيضاً في بعض المراسيل وهي واهية، وثمة بعض الطرق أوردها ابن الجوزي في كتابه الموضوعات وفيها كذابون فلا يلتفت إليهم.

    فالخلاصة أن هذا الحديث الأئمة على رده، وممن حكم برده الإمام أحمد رحمه الله فقال: ليس في هذه الأحاديث حديث يثبت، يعني: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك حكم بهذا أبو داود كما حكى عنه ابنه أبو بكر بن أبي داود فقال: سمعت أبي يقول: أصح حديث في هذا هو حديث عبد الله بن عباس، وحديث عبد الله بن عباس معلول، وبنحو هذا قال الدارقطني رحمه الله، وأعل حديث صلاة التسابيح علي بن المديني و الدارقطني و النسائي و أبو الفرج بن الجوزي وغيرهم، ومال إلى صحتها والعمل بها بعض الحفاظ وذلك كـالآجري وله رسالة في تصحيح صلاة التسابيح، و أبو موسى المديني ، و الخطيب البغدادي فإنهم يميلون إلى صحة هذه الأحاديث، ولكن نقول: إن من نظر في الشريعة وفي إحكامها ونظر في طرائق الأئمة في النقد لا يشك بأن هذا الحديث موضوع؛ وذلك لأنه لا يتسق مع انتظام الشريعة، وعدم انتظامه في الشريعة من وجوه:

    أولها: أن هذا الحديث فيه تخصيص أحد بعبادة ولم تكن تشريعاً لعامة الناس، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول لعمه: ( ألا أحبوك، ألا أعلمك، ألا أمنحك )، فالكلام لعمه العباس، ولا يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال ذلك إلا للعباس، ولكن في بعض الروايات أنه قالها لـجعفر وهذا وهم من بعض الرواة، والروايات المطروحة والموضوعة ونحو ذلك لا يلتف إليها وإن خالفت ذلك.

    ولهذا نقول: إن مقتضى الشريعة عموم الرسالة لا تخصيص أحد بعينه بحكم من الأحكام، وتخصيص أحد بحكم من الأحكام أمارة على النكارة والرد إلا إذا كان في ذلك استثناء كما جاء في قول النبي عليه الصلاة والسلام لـخزيمة بن ثابت : ( هي لك وليست لغيرك )، فهذا دليل على التخصيص، أما أن يأتي النبي عليه الصلاة والسلام فيقول لأحد ثم لا يوجد ذلك العمل عند غيره فهذا أمارة على الرد، وأما الأئمة عليهم رحمة الله الذين ردوا ذلك فلا يدانيهم أو لا يداني الواحد منهم من صحح هذا الحديث مجتمعين، فالإمام أحمد رحمه الله و علي بن المديني و النسائي و الدارقطني من كبار الحفاظ وفحولهم، فحينما يردون مثل هذا الحديث فلا يلتفت إلى خلافهم، ومن جرى على مجرى من يقوي الحديث بمجموع طرقه أو يأخذه بظاهره من غير النظر إلى متنه فربما يقول بتحسين أو تقوية هذه الأحاديث.

    وأبو موسى المديني له رسالة في الدفاع عن هذا الحديث وتقويته، وثمة أئمة لهم رسائل في بيان ضعفها كـأبي الفرج بن الجوزي ، وقد شنع على من صححه، وأورد هذه الأحاديث في كتابه الموضوعات مبين ردها ونكارتها.

    ترك الحديث إذا لم يعمل به الصحابة

    ومن وجوه النكارة: أن هذه الصلاة لا يحفظ عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا التابعين أنه عمل بها، وأعلى من حفظ عنه أنه عمل بها هو عبد الله بن المبارك وهو في طبقة متأخرة عن أولئك، ومثل هذه العبادات المنوطة بهذا الفضل العظيم والأجر والثواب الجزيل الأصل فيه العموم وعدم الانفراد، ثم إن أولى من يعمل بالسنن والأحكام والأعمال هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون.

    ومن وجوه الإعلال عند العلماء عليهم رحمة الله في الحديث: أنهم ينظرون إلى الحديث ثم ينظرون إلى عمل الصحابة والتابعين فإذا لم يجدوا في ذلك عملاً ردوا الحديث، وهذا النقد موجود عند التابعين فإنهم ينظرون في عمل الصحابة فإن لم يجدوا تركوا الحديث، ولهذا يقول إبراهيم النخعي : كل حديث يبلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعمل به أحد من أصحابه لا أبالي أن أرمي به، يعني: أنه ليس بحديث؛ لأن أولى الناس بالعمل بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا لم يعملوا بذلك فجزماً أنه ليس بحديث، ولو كان حديثاً فليس بحديث نتعبد به فقد يكون حكمه إما منسوخاً أو قضية عين، ولا عموم لها على من قال بتلك القاعدة.

    ولهذا نقول: إن هذا حديث صلاة التسابيح حديث منكر، وهذا الذي جرى عليه أهل التحقيق من المتأخرين كـابن تيمية رحمه الله، فإنه قال: لا يشك من عرف السنة بأن هذا الحديث موضوع، يعني: أنه لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في حكم المكذوب.

    أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة، وأن يجعلنا ممن يستمع القول ويتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.