إسلام ويب

أشراط الساعة رواية ودراية [1]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كثيرة هي أشراط الساعة، والمرجع في معرفة تلك الأشراط هو الكتاب والسنة الصحيحة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع عدم التعويل على ما تذكره كثير من المصنفات الواردة في الفتن وأشراط الساعة؛ لما يصاحبها من ذكر للأحاديث الضعيفة والمنكرة والتأويلات البعيدة، وتظهر حكمة معرفتها والاطلاع عليها في أنها تدعو المسلم إلى المبادرة بالعمل والإحسان والإكثار من الطاعة، وتبصره بالواجب عليه عند حصول الفتن الواردة قبل قيام الساعة.

    1.   

    أهمية إنزال السنة مع القرآن

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

    فإن الله جل وعلا إنما خلق الخلق لعبادته، ويسر لهم السبل، وجعل لهذه السبل أسباباً يعرفون فيها معالم الحق وطرائقه ونهجه، والقرائن التي تدل عليه، وجعل الله سبحانه وتعالى صراطه مستقيماً لا معوجاً، يصل فيه السالك إلى غايته بأيسر وقت وأسهله، ومن غير أن يسلك طرقاً معوجة لا يرى غايته ببصره، وإنما يرى مواقع قدميه.

    وقد جعل الله جل وعلا صراطه مستقيماً، وحبله متيناً، مستقيماً يصل فيه الإنسان إلى الطريق بأوضح الحجج، وجعله الله جل وعلا بيناً ظاهراً لا تشوبه شائبة من الظلمة والغبش، فإن كانت ثمة ظلمة من الفتن أو الجهل أزاحها الله سبحانه وتعالى بدلائل الحق من الكتاب والسنة.

    ولقد أنزل الله جل وعلا كتابه على نبيه عليه الصلاة والسلام، وأنزل معه سنته؛ ولهذا كان الكتاب والسنة وحيين منزلين من الله جل وعلا، فالسنة موصوفة بالإنزال كالقرآن؛ والله جل وعلا في كتابه العظيم أخبر عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بلاغه لأمته: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4] يعني: كلام النبي عليه الصلاة والسلام وفعله، وتقريره لما يفعله أصحابه بالسكوت بعلامة رضاً، أي: أنه من رضا الله جل وعلا.

    وقد ذكر الله سبحانه وتعالى طاعة نبيه عليه الصلاة والسلام، وقرنها بطاعته جل وعلا في ثلاثين موضعاً من كتابه العظيم، وجاء الأمر بذلك أيضاً في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا كان الإسناد في الدين لا يقف عند محمد صلى الله عليه وسلم، كما روى الخطيب البغدادي في كتابه "الكفاية" من حديث أحمد بن زيد بن هارون أنه قال: (إنما هو وحي الله جل وعلا وشريعته الكاملة، إنما هو صالح عن صالح، وصالح عن تابع، وتابع عن صاحب، وصاحب عن رسول الله، ورسول الله عن جبريل، وجبريل عن الله)، فهذه الشريعة كلها من الله سبحانه وتعالى، ومن قدح في السنة بالجملة فهو قادح بالقرآن؛ ولهذا السنة هي قسيمة للقرآن وموضحة ومبينة له.

    ومن أراد أن يفهم الشريعة على وجهها فعليه أن يقرن مع القرآن السنة، وإلا قد وقع في كثير من الضلال والغي، وقد وقع في الأزمنة المتأخرة كثير من أهل الضلال والفتنة والشر والجهل على تنوع صنوفهم، وكثرة حججهم في التملص من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجج واهية، اتباعاً لمشارب وأهواء، وطمعاً في الوصول إلى غايات، وإشباع النزوات، سواء نزوات نفسية، أو غير نفسية، وكل هذا قد بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تأييد الله لنبيه بالمعجزات

    وإن من أعظم ما عضد الله جل وعلا به نبيه عليه الصلاة والسلام من المعجزات ما جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم علامة لمن يأتي من أجيال على اختلاف الحقب والبلدان، فهي علامة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم المخبر، والنبي عليه الصلاة والسلام قد جعل الله جل وعلا بين يديه من الحجج البينة الظاهرة بعد نزول القرآن، وجعل من المعجزات الظاهرة ما يشاهدها الناس بين أيديهم، كانفلاق القمر فلقتين، ونبع الماء من بين يديه عليه الصلاة والسلام، وإخباره بالغائب، وغيرها مما حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم من المعجزات التي يطول ذكرها.

    وقد صنف العلماء جملة من المصنفات في هذا الباب، ويسميه العلماء بدلائل النبوة، وقد أدرج العلماء عليهم رحمة الله جملة منها فيما يسمى بكتب العقائد؛ ولهذا لا يخلو كتاب من كتب السنة على طرائق الأئمة المتقدمين إلا ويدرجون هذه المسائل في كتب السنة، ولا أدل على ذلك من طرائق الأئمة في الكتب الستة كـالبخاري و مسلم و أبي داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجه ، وأضرابهم كـالدارمي و ابن خزيمة و ابن حبان ، وغيرهم من أئمة الإسلام، فهم يدرجون أمثال هذه الأمور في الإيمان، وفي مسائل الغيب، فإن لها أثراً في تصديق كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتباع الهدي.

    والمعجزات أثرها على الحاضر أكثر ممن يأتي، وذلك أن من يأتي يكون إيمانه بهذه المعجزات واقفاً على ثبوت الخبر الوارد فيها، فإن كان من المقطوع المتواتر ككلام الله جل وعلا، ومتواتر السنة أخذ به، وإن كان مما ليس بمتواتر فإن الإيمان يتوقف على ثبوت ذلك، وهذا يتردد بين اليقين والظن، ويرجع فيه إلى كلام العلماء عليهم رحمة الله تعالى في أبواب علوم المصطلح وقواعده، ولا حاجة إلى إيراده هنا.

    وبقي شيء قد أنعم الله جل وعلا به على هذه الأمة، وهو العلامات التي يجعلها الله جل وعلا أمارة على صدق محمد صلى الله وعليه وسلم فيما يخبر به مما يأتي في الأزمنة، وإن كان يتضمن في ذاته شراً على فئة معينة في ظاهر أمره، إلا أن مآله إلى خير، فيزيد الإيمان في القلوب ويثبته، ويغرس الإيمان في قلوب كثير من الناس ممن لم يطرأ عليه الإيمان من قبل، ولهذا يؤمن بعيسى عليه السلام خلق كثير، حتى إن من اليهود من يؤمن بعيسى لما ينزله الله جل وعلا عند بيت المقدس، وهذا ظاهر في كلام الله جل وعلا على قول جماعة من المفسرين من أصحاب رسول الله صلى لله عليه وسلم كـعبد الله بن عباس و عبد الله بن مسعود وغيرهم، فيؤمن به خلق كثير، وإن كان في نزول عيسى شر لمن كتب الله جل وعلا عليه الشر من أرباب الضلال والزيغ من أتباع المسيح الدجال كما يأتي بيانه.

    1.   

    الغيب وخصوصيته بالله تبارك وتعالى

    والله جل وعلا قد جعل الغيب من خصوصياته لا ينازعه في ذلك أحد، ومن نازعه في ذلك فقد أشرك مع الله عز وجل غيره، ومن آمن بهذا الشيء فقد خرج من ملة الإسلام إن كان قد دخل في الإسلام قبل ذلك.

    ولا يؤمن أحد بالإسلام على وجه الحقيقة، ويثبت معه حينئذٍ وصف الإسلام إلا ويؤمن بأن الغيب من خصوصية الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، والاستثناء هنا في خصوصية الله سبحانه وتعالى أن الله جل وعلا إذ استثنى الخلق من شيء، وجعله من خاصته اللائق ألا يشركه أحد من خلقه على الإطلاق إلا بخصوصية بعض الأحوال في بعض الأزمنة والأمكنة، مما خص الله جل وعلا به نبيه عليه الصلاة والسلام، وما خص الله جل وعلا به بعض العارفين من أهل الدراية في أبواب النبوة، كمسألة الرؤيا، أو الأخبار التي يتناقلها الناس عن أنبياء الله جل وعلا، وهذا ضرب من ضروب معرفة الغيب التي أذن الله سبحانه وتعالى به.

    والغيب من جهة الأصل لا يعلمه إلا الله، وأعظم هذا الغيب ما يرتبط فيه الناس بلقاء الله جل وعلا، فهو كالباب الذي يدخل فيه الناس إلى لقاء الله جل وعلا، وذلك هو قيام الساعة، فعلم الساعة هو من خصوصية الله جل وعلا، فمن نازع الله جل وعلا في هذا الباب أو في شيء من فروعه، وادعى علم ذلك فقد أشرك مع الله عز وجل غيره، وكفر حينئذٍ بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34].

    وهذه الخصائص قد سماها لله جل وعلا مفاتح الغيب، وقد جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في البخاري من حديث مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مفاتح الغيب خمسة، لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما يكون في الغد إلا الله، ولا يعلم أحد متى ينزل الغيث والمطر إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله )، فهذه مفاتح الغيب لا يعلمها إلا الله جل وعلا، فمن علم تمام الشروط علم زمن المشروط، وهو قيام الساعة.

    1.   

    الحكمة من بيان أشراط الساعة

    وما يذكره العلماء من النصوص في الأسانيد الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من علامات الساعة وأماراتها إنما هو شيء يسير من أشراط الساعة، وذلك أن الإنسان إذا توفرت لديه جميع الشروط التي بتحققها يتحقق المشروط يُعلم حينئذٍ أن الإنسان قد توفر فيه العلم اليقين في معرفة وقوع قيام الساعة.

    وقد خصت هذه الأمة بمعرفة بعض أشراط الساعة، وحجب عنها شيء كثير لخصوصية هذا الأمر بالنسبة لله سبحانه وتعالى مما لا يشركه معه غيره جل وعلا.

    وأشراط الساعة قد بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحكمة بينة ظاهرة، وهذه الحكم هي من جهة الأصل قد دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    غرس الإيمان في نفوس الناس

    ومن أظهر هذه الحكم وأبينها: غرس الإيمان في نفوس كثير من الناس، وذلك أن الناس حينما يجهلون إيمان شخص من الأشخاص، أو صدقه من كذبه، ولا يعرف، ولا يقوم صديقه بسبر حاله، وسبر حال المتحدث أن يُنظر إلى ما يخبر به، فإن كان صادقاً في جملة من الأحوال فإن القرائن تتأكد في نفس الإنسان أنه يصدق فيما يليه؛ ويسمى عند المحدثين هذا بالسبر، أي: أنه يسبر حديث الراوي ويقرن في واقع حاله، أو يقارن بحديث بلده، حتى يعرف حاله من الثقة والضعف.

    وهذا منغرس في الطبائع البشرية أن الإنسان إذا أراد أن يعرف صدق شخص من كذبه، فإنه ينظر إلى حاله، فإن خالطه مدة طويلة وعرف أنه أخبر بأشياء، ثم وجد بالنظر في حاله أنه قد صدق، فقال: زارني فلان، أو ذهب فلان، وأتى فلان، أو رأيت فلاناً، ونحو ذلك، وفي كل هذ الأحوال كان يصدق في الإخبار بها، فإنه يُعرف أن هذا الرجل صادق، وأنه دقيق في النقل، وكذلك يعرف خفيف الضبط والكذاب بسبر الحال.

    ورسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الإيمان أن ينغرس في قلوب الناس من جهتين:

    الجهة الأولى: من جهة الأصل بالإيمان بالله سبحانه وتعالى، والتصديق بما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر الناس بالتعبد والتدين لله جل وعلا بجملة من أنواع العبادات، من الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وتجنب الشرك بأنواعه، وطاعة الله سبحانه وتعالى بأنواع الطاعات التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الطاعات: أركان الإسلام الخمسة بعد توحيد الله جل وعلا، وقد تقدم الإشارة إلى التوحيد، والإشارة إلى جملة من أنواع العبادات التي هي من فروع أركان الإسلام، كنوافل العبادات من الصلاة، ونوافل العبادات من الصيام، ونوافل الزكاة من الصدقة والنفقة على الأزواج، وكذلك الهدية التي تدخل في باب العبادة إن نوى الإنسان ذلك، وكذلك نوافل الحج، والعمرة على من قال بعدم وجوبها، وغير ذلك، والإكثار مما هو من فروع هذه العبادات من جهة التجزؤ، كذكر الله سبحانه وتعالى، وأن يكون لسان الإنسان رطباً من ذكر الله جل وعلا.

    الجهة الثانية: أن يزداد يقين الإنسان بالإيمان بقيام الساعة، وأن الله جل وعلا يبعث من في القبور، وأن الإنسان مقبل على الله جل وعلا، شاء من شاء، وأبى من أبى، وأن هذا الإنسان لا خيار له، وأنه أمر أراده الله جل وعلا لا راد لأمره، والإنسان حينئذٍ إذا آمن بهذا الشيء يزيده ذلك بالإكثار من العمل، وهذا ظاهر بين، فلا يستعجل قيام الساعة، وإنما يستعجل العمل.

    وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الوحي بين الاستعجالين: الاستعجال الأول: بين الاستعجال والمبادرة بالعمل، كما قال رسول لله صلى لله وعليه وسلم: ( بادروا بالأعمال ستاً )، وعدم الاستعجال ونفيه باستعجال قيام الساعة (( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ )) وهو قيام الساعة، فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل:1] قدوم هذه الساعة، ولكن بادروا بالأعمال التي تكسبكم عند الله جل وعلا علو منزلة وثواب.

    إذاً من حكم معرفة قيام الساعة إذا ثبتت أنها تزرع إيماناً في قلب الإنسان، ويثبت معها المبادرة بالعمل والإحسان والإكثار من الطاعة قبل أن تأتي إلى الإنسان قيامته.

    ومن نظر إلى نصوص الكتاب والسنة وجد أن الله جل وعلا يطلق الساعة ويريد بها القيامة، وهذا ظاهر، وقد ذكرها الله جل وعلا في مواضع عديدة، وصور متنوعة، ويريد بذلك يوم القيامة، وكذلك جاءت في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواضع متعددة، وهي على الأكثر المراد بها قيام الساعة، وتأتي في غير ذلك.

    وهي في كلام رسول الله صلى الله وعليه وسلم ليست كما هي على الإطلاق في كلام الله جل وعلا، ففي كلام الله لا تأتي إلا بمعنى القيامة، وأما في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأتي على معنيين:

    المعنى الأول: معنى قيام الساعة، وهو المراد في كلام الله جل وعلا.

    المعنى الثاني: يراد بها الساعة الزمنية، والزمن في اليوم والليلة يقسمه العرب في الجاهلية والإسلام على أربع وعشرين ساعة، فالنهار اثنتا عشرة ساعة، والليل كذلك، ويزيد وينقص بحسب فصول السنة، وله معنى ثاني في لغة العرب وهي: الفترة الزمنية من النهار، ومن هذا المعنى اشتق لقيام الساعة، وكذلك وصف الساعة يوم القيامة بهذا الوصف أنها تأتي سرعة، ووقتاً زمنياً يسيراً، فلا يشعر به الإنسان، فيكون عامل الفجأة في ذلك أظهر من غيره.

    إشباع ما في نفوس البشرية من حب الاطلاع على الغيب

    ومن الحكم التي تظهر فيها أشراط الساعة، وتكثر النصوص فيها، وبيان علاماتها وأماراتها: إشباع ما في نفوس البشرية من حب الاطلاع على الغيب، ومكامن الأسرار، ومعرفة غائب الكون، وقطع حبال التعالم على المتعالمين، وأظهر ذلك في أحوال المنجمين والكهنة الذين يدعون علم الغيب.

    فإذا كثرت النصوص في بيان قيام الساعة ولم تكن ثمة أمارات فإنه يكثر حينئذٍ الدجل والرجم بالغيب، وادعاء أن علامات الساعة كذا وكذا، ونحو ذلك، فيصحح حينئذٍ الضعيف، وتجعل الرؤى أخباراً تروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجعل للأقوال المنثورة من أخبار بني إسرائيل أسانيد تجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقطعت هذه الحجج بعلامات ونصوص بينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك في كلام الله جل وعلا مما يأتي بيانه بإذن الله.

    وهذا الراجم بالغيب نظر إلى الفطرة البشرية التي تتطلع إلى معرفة الغيب، ومعرفة الأسرار المغيبة عن الإنسان، وكثيراً ما يميل ضعفاء النفوس إلى دجلة معرفة المستقبل؛ ويكثر عند الجهلة من الناس ضرب من ضروب السحر مما يسمى بمعرفة قراءة الكف، والنظر في الأبراج، فمن ولد في برج كذا وكذا فإن حاله يكون على كذا وكذا، وينساق في هذا كثير من العوام.

    وفي بيان أشراط الساعة قطع لمظنة التصديق لمن يرجم بالغيب، وذلك أن الدلائل على صدق الإنسان وكذبه أظهرها الواقع، فإذا كذب الواقع خبر المخبر فإن هذا أظهر الدلائل على كذبه، والواقع بالنسبة للغيب مجهول، وذلك أن الساعة أمرها عند الله سبحانه وتعالى، فإذا أخبر مخبر أن الساعة تقع في الزمن الفلاني، أو أن من علاماتها كذا، فالواقع يصعب أن يكذب هذا الخبر، وذلك أن الواقع لا يمكن حده، فإنه يؤجل إلى عام بعد عام.

    ولهذا تناقض كثير - حتى ممن ينتسب إلى العلم - في تحديد عمر أمة الإسلام، فمنهم من قال: إن عمر أمة الإسلام لا يزيد عن ألف سنة، ومنهم من قال: لا يزيد عن ألفي سنة، وقد صنف السيوطي عليه رحمة الله في ذلك كتاباً سماه "الكشف عن زيادة أمة الإسلام عن الألف" يعني: ألف سنة، وحد ذلك بأنها لا تزيد عن ألف وخمسمائة، ولكنها تزيد عن الألف، وهذا نوع من الاجتهاد، وفيه جناية أيضاً، وضرب من الظنون، وقد يتعلق بهذا بعض أهل الخير، وذلك أن تصديق الواقع لا يمكن، والسنوات تنتظر، وقيام الساعة أمره مجهول، فتصديق هذا عند أهل الظنة وضعفاء النفوس الذين ليس لديهم يقين هذا قد يقع.

    وربما يقع حتى من عند أهل الإيمان في بعض من أطلقت علاماتهم لقيام الساعة، كظهور الدجال ، والنار التي تحشر الناس إلى المحشر، أو النار التي تخرج من الحجاز، فتضيء لها أعناق الإبل ببصرى، وهي بلدة من بلاد الشام، بجوار دمشق، وهذه العلامات قد يجتهد فيها كثير من الناس إذا لم يكن لديهم نص بين من كلام الله عز وجل.

    ونحن نجد أن النصوص البينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كانت ظاهرة في تحديد الزمن وقوعاً أحجم كثير من الناس عن إلحاق الدعوى الكذابة بها، كمسألة نزول المسيح عيسى ابن مريم، وخروج الدابة.

    ومن نظر إلى كثير من التخرصات والرجم بالغيب في أشراط الساعة نجد أن من أقل التخرصات مسألة الدابة، وذلك أن المحاكاة فيها والتشبه بها قريب من الاستحالة، أما ما يمكن التشبه فيه كمسألة المهدي، ومسألة النار، ومسألة الخسوف، ونحو ذلك، فيمكن لكثير من الناس أن يدعي هذه الدعاوى، كخروج من يشابه الدجال في بعض العصور، حتى إن هذا ربما يأتي على بعض أهل العلم.

    وهذا يدلنا على مسألة مهمة أنه ينبغي لأهل الجهل، أو عامة الناس، أو حتى أهل العلم أن ينظروا في كلام العلماء العارفين الراسخين في العلم الذين جمعوا بين العلم والإيمان، الإيمان والعبادة، والعلم والرسوخ، رسوخ القدم فيه حتى يكونوا على بينة من أمرهم فيحلوا هذه الأمور.

    وقد يكون في زمن من الأزمنة تظهر علامة من علامات الساعة فتحتف القرائن فيها، ولكن قرائن الحال الزمنية الأخرى لا تؤيد أن هذه علامة من علامات الساعة، كما حدث في مسألة المسيح الدجال في أواخر عصر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى الحاكم في المستدرك من حديث معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أبي الطفيل عليه رضوان الله تعالى قال: (كنا بالكوفة، فنادى مناد أنه قد خرج الدجال ، قال: فأتيت إلى حذيفة بن أسيد عليه رضوان الله تعالى، فقلت له: قد خرج الدجال ، فقال: اجلس. قال: فكنت عنده، قال: فخرج ودخل علي العريف قال: قد خرج الدجال ، وأخذ أهل الكوفة به ضرباً. فقال: اجلس، قال: ثم نادى منادٍ قال: إنه ليس الدجال ، إنما هي كذبة صباغ، فقال: قلت لـحذيفة بن أسيد عليه رضوان الله تعالى: ما أجلستنا إلا لأمر، قال: إني محدثك بأمر، إن الدجال لا يخرج في زمن كهذا، ولو خرج في زماننا لحذفه الصبيان بالخذف، ولكنه يخرج في زمن بغض من الناس، وقلة دين، فيهرجوا ويمرجوا فيه).

    وبه يُعلم أنه لو ظهرت أوصاف الدجال الظاهرة، ولم تحتف قرائن الحال الأخرى التي لا تقع فيه بذاته، فحينئذٍ يعلم الراسخون من العلم أن هذا ليس الدجال، وإنما هو شيء من علاماته ولم تقترن به علامات أخرى تدل عليه، وإنما يكون هذا مع وجود جهل من الناس، وقد روى هذا الخبر عبد الرزاق في مصنفه من حديث معمر عن قتادة مرسلاً، وهو الصواب، والله أعلم.

    حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أمته

    ومن فوائد بيان معرفة أشراط الساعة للناس، ولأجلها وردت النصوص المتضافرة في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان الأشراط: أن يُعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام كما أنه حريص على عاجل أمر الأمة فهو حريص بآجلها؛ ولهذا حرص النبي عليه الصلاة والسلام على عاجل الأمة وأسلافهم ببيان المعجزات حتى يدخلوا في الإيمان، وحرص على آجل الأمة ببيان الدلائل المتنوعة على أشراط الساعة بحسب القرون؛ ولا يكاد يوجد قرن من القرون إلا ويظهر فيه علامة من علامات الساعة.

    وعلامات الساعة على الصحيح الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزيد عن مائة علامة، قد يأتي سرد جلها، وبيان الصحيح من الضعيف فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعضها ما هو في حكم الموقوف، وله حكم المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأتي بيان ذلك وتفصيله بأسانيده وتعليله بإذن الله عز وجل.

    1.   

    التسمية بأشراط الساعة

    سميت أشراط الساعة أشراطاً لأنها علامات على قيام الساعة، وهي على الأغلب إن كانت على ذلك، وقد يسمى من أشراط الساعة ما لم يكن علامة عليها، وإنما هو داخل في أثنائها، وذلك أن من علامات الساعة انكدار النجوم وسقوطها أثناء قيام الساعة، والساعة حينئذٍ قد قامت، وعليه يعلم أن علامات الساعة منها ما هو سابق لها، ومنها ما هو في أثنائها، فالعلامة يذكرها على أنها ما يسبق الساعة، ويكون تمهيداً لقيامها، ومنها ما يكون هو داخلاً فيها ومتغلغلاً فيها، وذلك أن أكثر أشراط الساعة هو سابق لها، سواء كان من الكبرى أو من الصغرى.

    والأشراط المراد بها العلامة؛ ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا [محمد:18]، والمراد بذلك علاماتها، كما جاء تفسير ذلك عن عبد الله بن عباس وقد رواه ابن جرير الطبري في تفسيره، فقال: حدثني محمد بن سعد ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي عن أبيه عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، قال في قول الله جل وعلا: فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا [محمد:18] يعني: علاماتها.

    والساعة من جهة الأصل قريبة، وبأشراطها يُعرف دنوها، وقد وصفها الله جل وعلا من جهة الأصل بالقرب؛ فقال جل وعلا: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، وقال: أَزِفَتِ الآزِفَةُ [النجم:57]، وقال: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ [النحل:1]، وهذا دليل على أن قيام الساعة من جهة الأصل مقترب؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بعثت أنا والساعة كهاتين ) كما في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس بن مالك ، وحديث سهل بن سعد ، وجاء أيضاً من حديث جابر بن عبد الله ، وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أول علامات الساعة من جهة مبعثه ووفاته عُلم أن الساعة من جهة الأصل هي قريبة، ولكن القرب هذا يقترب بحسب العلامة، وهذا المراد به إيصال هذا الأمر لكل زمن تظهر فيه علامة؛ ولهذا كانت علامات الساعة متفرقة بحسب الأزمنة، وبحسب الأمكنة، حتى يتوزع غرس الإيمان في قلوب الناس.

    1.   

    مواضع أشراط الساعة

    قد يكون في بلد من البلدان أشراط الساعة تظهر فيها أكثر من غيرها، وأظهر علامات الساعة وأكثرها ظهوراً في بلاد الشام، والشام شامل لبلاد الأردن وسوريا ولبنان وفلسطين، وشيء من تركيا ، وبعض من شمال العراق أيضاً هو داخل في بلاد الشام، وشيء أيضاً من شمال جزيرة العرب، وهذا هو أكثر مواضع أشراط الساعة، ويليها بعد ذلك بلاد الحجاز، وهي مكة والمدينة.

    وإنما كانت الشام أكثر البلدان اكتنافاً لأشراط الساعة؛ لأن الله جل وعلا قد خص الحجاز بمزية دفع كثير من الشرور عنها؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الإيمان ليأرز إلى المدينة - وقد جاء في رواية: إلى الحجاز - كما تأرز الحية إلى جحرها )، وإن كانت الحجاز أيضاً مخصوصة ببعض علامات الساعة، كهدم الكعبة والفتنة التي تقع في المدينة وغير ذلك مما يأتي بيانه مما لا يكون في غيرها من البلدان.

    ومن علامات الساعة مما يعم الأرض كلها، كانتشار الفتنة، وانتشار الإسلام في الناس، وانتشار الضلال، ويأتي تمييز ذلك مما جاء في النصوص في كلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم من انتشار الإسلام في الأرض، وفي بعض النصوص: انتشار الجهل، وبعض الناس يخلط بين هذين الأمرين، والصحيح أن هذا لحقبة، وهذا لحقبة، فانتشار العلم والإيمان والإسلام في الأرض هو سابق لانتشار الكفر والجهل، وانتشار الكفر والجهل يكون في آخر الزمان وقبيل قيام الساعة، وتقوم الساعة على شرار الخلق، وهذا يكون حينئذٍ مصاحباً لرفع القرآن، وحجب الإيمان من هذه الأرض، وقبض العلماء، ويلي ذلك قبض أهل الإيمان بالريح التي يبعثها الله عز وجل، فتأخذ أهل الإيمان قاطبة، فلا يبقى إلا شرار الخلق فتقوم الساعة عليهم.

    1.   

    المرجع في معرفة أشراط الساعة

    من المسائل المهمات قبل الولوج في أشراط الساعة أن يُعلم أن مرد أشراط الساعة إلى الوحي، والوحي هو الكتاب والسنة، وما في حكم الكتاب والسنة، وهذا محل خلاف عند العلماء، كمسألة ما يأتي من بعض الأخبار الأمم السابقة، فهو من جهة الأصل لا يصدق ولا يكذب، وكذلك ما جاء من أخبار الأمم السابقة في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يُنفَ، هل هو شرع لنا أم ليس بشرع لنا؟ هذا محل خلاف، وهذا يأتي الإشارة إليه بإذن الله.

    وكذلك بالنسبة للموقوفات ومما لا يقال من قبل الرأي من الإخبار بالمغيبات، فإن هذا على تفصيل، وذلك أنه يُنظر حال ذلك المخبر، فإذا كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتفت القرائن بعدم تحديثه عن غير النبي عليه الصلاة والسلام، كمن يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسرار، وخصه النبي عليه الصلاة والسلام بخصيصة ليست لغيره من الصحابة كـحذيفة بن اليمان ، فلديه من الأخبار مما ليس لغيره حتى ممن هو فوقه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كالخلفاء الراشدين الأربعة وغيرهم، وقد خصه النبي عليه الصلاة والسلام بمعرفة المنافقين بأعيانهم، ومعرفة حوادث الزمان، وكذلك أبو هريرة عليه رضوان الله تعالى، فهؤلاء وأمثالهم إذا حدثوا بشيء من أشراط الساعة فإن الغلبة أنه من النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يكون من قبيل الإسرائيليات.

    وإذا احتفت قرينة من القرائن أن هذا المحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث بالإسرائيليات، ويأخذ عنهم فإن الأمر في ذلك متردد، فإذا لم يحتف بقرينة ولم يعرف الخبر عن غيره فإنه يرجع حكمه في ذلك إما إلى الموقوف، أو إلى أنه أُخذ من بني إسرائيل، فلا يصدق ولا يكذب، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما: ( حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ) من حديث عبد الله بن عمرو ، وأمثال هؤلاء جملة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كـعبد الله بن عمرو بن العاص وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوارد في ذلك جملة من الأخبار، وكثير منها يأتي عن حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله تعالى.

    1.   

    إحصاء أشراط الساعة

    ومن المسائل المهمة في هذا الباب: مسألة حصر وإحصاء أشراط الساعة، فحصر أشراط الساعة الواردة في كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى سبر ودراية.

    وكثير ممن يصنف في هذه المصنفات من المتأخرين هم عالة بالنظر إلى المتقدمين، بل إنه لا يكاد يوجد من المتأخرين من صنف كتاباً على الاستقلال بالبحث والنظر إلا نزر يسير، وإنما كثير منهم يحاكي الآخر، فيجمع المتفرقات، ويؤلف بين الأوزاع من الأحاديث والمسائل التي جمعها العلماء قبل ذلك، ثم يجعلون منها نصوصاً، وثمة نصوص كثيرة عن بعض السلف وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أعلم من أشار إليها في أشراط الساعة حتى من المعاصرين، مما يدل على أن هذه النصوص الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن جملة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أن عامل التقليد في التأليف ظاهر، وإلا فهي ظاهرة من جهة النص، وبينة من جهة المعنى لمن وقف على هذه النصوص، وكلها من أشراط الساعة الداخلة في أبواب الصغرى، أو أشراط الساعة الصغائر.

    1.   

    تصنيف العلماء في أشراط الساعة

    وقد صنف العلماء عليهم رحمة الله تعالى واعتنوا بهذا الباب عناية بالغة، وقد جعلوا ذلك فيما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور المغيبات وأحكام الديانة، بل لا يكاد يوجد مصنف من المصنفات في أمور السنن والمسانيد إلا ويتضمن جملة من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب.

    وقد صنف البخاري عليه رحمة الله تعالى كتابه الصحيح، وأورد فيه كتاب الفتن، وأورد فيه جملة من أحاديث أشراط الساعة، وأورد الترمذي باباً أسماه: باب ما جاء في أشراط الساعة، وصنف أبو داود عليه رحمة الله تعالى كتابه السنن، وأورد فيه كتاب الملاحم والفتن، وكتاب المهدي، وأورد جملة من أخبار أشراط الساعة، وكذلك غيرهم ممن صنف في هذا الباب.

    ومنهم من صنف على الانفراد، وقد صنف عشرات الأئمة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، وممن صنف في ذلك من المتقدمين عبد الرحمن بن مهدي ، و أبو بكر بن أبي شيبة ، و عثمان بن أبي شيبة ، و أبو عمرو الداني ، وله كتابه المشهور في هذا "السنن الواردة في الفتن وغوائلها، والساعة وأشراطها"، وهو مطبوع، وثمة مصنفات في هذا لجملة من الأئمة كـحنبل بن إسحاق ، و عبد الغني المقدسي ، وصنف في هذا من أئمة السير والسنة والتاريخ جملة من الأئمة كالحافظ ابن كثير عليه رحمة الله، وتبعه على ذلك وأخذ عنه جل وأكثر المتأخرين.

    1.   

    الأمور التي ينبغي الانتباه لها عند النظر في مصنفات أشراط الساعة

    وينبغي لطالب العلم والمعتني في هذا الباب أن يحذر عند النظر في هذه المصنفات من أمور متعددة:

    الحذر من الأحاديث الضعيفة والمنكرة

    الأمر الأول: الحذر من الأحاديث الواهية والضعيفة والمنكرة التي لا ترقى إلى درجة بالمرويات في هذا الباب، وهي قد شحنت فيها كثير من المصنفات المصنفة في هذا الباب، خاصة في مصنفات كثير من المتأخرين، وأبواب النقد لأشراط الساعة وفضائل الأعمال.

    ومما يدخل في هذا الباب أن العلماء عليهم رحمة الله يخففون في النقد لأمثال هذه الأبواب إذا لم تكن في الأحكام، وقد جاء التخفيف في ذلك والتيسير عن جماعة من العلماء، فقد جاء عن عبد الرحمن بن مهدي و يحيى بن سعيد الأنصاري كما أسنده عنه البيهقي عليه رحمة الله في شعب الإيمان ودلائل النبوة، وكذلك الخطيب في كتابه الجامع.

    وجاء عن الإمام أحمد عليه رحمة الله أنه قال: (ثلاثة ليس لها إسناد: الملاحم، والتاريخ، والتفسير). ومراده بذلك أن الأئمة من أهل النقد والحفظ لم يعتنوا بالمرويات في أبواب التفسير والسير والمغازي والملاحم وأشراط الساعة وفضائل الأعمال، وغيرها مما يلحق فيها حكماً، يعني: لم يعتنوا بها كعنايتهم بالأحكام؛ لأنها لا تدخل في صلب الدين، باعتبار أنه لا يلزم من ذلك إحداث عبادة من صلاة وصيام وصدقة، ونحو ذلك، وإنما هي تزيد من الإيمان وتنقصه، ويحتاج إليها الناس في زيادة الإيمان ونقصانه، فتدخل ضمناً في أبواب فضائل الأعمال؛ لأنها من جهة المحصلة داخلة في هذا الباب.

    ولا يجوز أن يحتج على الإطلاق بأي حديث موضوع أو متروك أو منكر، أو فيه كذاب، أو ضعيف جداً، أو تركه الأئمة، ولو كان كذاباً ولو مرة واحدة فإنه لا يحتج به في أي باب من أبواب العلم، ولو كان العلماء ممن يتساهلون في هذا الباب؛ ولهذا قد قال يحيى بن سعيد : (كنا إذا روينا في التفسير والسير والمغازي تساهلنا في الأسانيد، وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام تشددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال)، وذلك أن هذا يرجع فيه إلى الاحتياط، وهو داخل في صلب الدين، ويلزم منه إحداث العبادة.

    وما يكون فيه من أشراط الساعة ويلزم منه إحداث عبادة أو اقتداء واتباع، أو يلزم منه قتل وسفك دماء ونحو ذلك من إباحة دم الأصل فيه العصمة، فإنه حينئذٍ لا يؤخذ فيه إلا بالأحاديث الصحيحة؛ ولهذا لا يقال بالإطلاق أن أحاديث التاريخ والسير والمغازي أنه يتساهل فيها، فإذا كانت من أحاديث السير ويلزم منها عبادة أو تحليل وتحريم فإنه يحتاط لذلك، مثلاً مسألة المسيح الدجال وما يتبعه من فتنة وقد ساق الناس خلفه، وغير ذلك، فيحتاط في أنه يشدد فيه ولا نشدد في غيره، كمسألة نزول المسيح، والبلد التي ينزل فيها، ونحو ذلك؛ لأن هذا يلزم منه كثير من الأحكام التي ينبغي أن يحتاط فيها ما لا يحتاط في غيرها.

    محاكاة المصنفين لبعضهم في النقل والنظر

    ومن الأمور التي ينبغي أن يحتاط فيها عند النظر في كتب أشراط الساعة وأضرابها: أن يعلم أن ما يرد في هذه الكتب يكثر فيه المحاكاة والنقد، وكثير من النقلة في هذه الأبواب يستأنسون ويعتضدون بأن هذا القول قد قال به فلان وفلان وفلان، وعند السبر والنظر نجد أن هؤلاء قد أخذوا من بعض، وبعضهم أخذ من الآخر، وإذا أراد المرجح أن يرجح فيقول أنه قد قال بصواب ذلك وصححه جماعة، وكل قد تأثر بالآخر، فيكون لدى الإنسان باب الترجيح ظاهر من جهة العدد، ولو تأمل من جهة سبر هذه المصنفات والتأمل فيها لوجد أن كثيراً منهم يحاكي الآخر.

    كثرة التأويلات البعيدة لنصوص الوحي المتعلقة بأشراط الساعة وإنزالها

    ومن الأمور التي ينبغي للناظر في هذه الكتب أن يحتاط فيها: كثرة التأويلات البعيدة لنصوص الوحي في تأويل أشراط الساعة وإنزالها، وذلك أن إنزال أشراط الساعة على زمن من الأزمنة، أو على حال من الأحوال يحتاج الاحتياط، وخاصة ما يلزم من ذلك العمل، فإذا كان يلزم من ذلك العمل فينبغي في ذلك أن يحتاط الإنسان قدر إمكانه.

    ولا غضاضة على الإنسان أن يجتهد في إنزال نص عام على حالة من الأحوال إذا كان لا يلزم من ذلك عمل، كأن يكون إنزال هذا الأمر هو تحصيل حاصل، أو زيادة يقين، مع ورود اليقين في القلب، كما فعل جملة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إلحاق الكذاب بـالمختار ، والمبير -وهو الذي يكثر القتل والسفك بالناس- بـالحجاج ، وهم يعلمون أن الحجاج كان ظالماً، وأن المختار كان كذاباً، ولكن لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى الإمام مسلم من حديث عبد الله بن الزبير عن أسماء عليها رضوان الله تعالى قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( يكون في ثقيف كذاب ومبير. قالت عليها رضوان الله تعالى للحجاج : أما الكذاب فقد رأيناه - تريد المختار -، وأما المبير فهو أنت)، فانصرف عنها الحجاج وتركها، وحدث ما حدث من الفتنة المعلومة، ومما هو معلوم في كتب السير والمغازي، ولكنها أنزلت ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، ووافقها على هذا المعنى عامة أهل العلم والتاريخ ممن كان في ذلك القرن، بل من جاء بعده على أن الكذاب هو المختار ، وأن المبير هو الحجاج بن يوسف الثقفي .

    فإنزال النصوص في أشراط الساعة إذا كان لا يلزم منه عمل فالأمر فيه يسير، وإذا كان يلزم منه عمل فيحتاط في ذلك ويشدد فيه؛ وقد اجتهد بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إنزال بعض أشراط الساعة كمسألة الدجال حينما ألحقه عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى مع وجود النبي عليه الصلاة والسلام بين ظهرانيهم، ولم يكن هو من أنزل به عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى الأمر كما في الصحيحين وغيرهما.

    وكذلك ما جاء في إنزال أهل العلم مسألة النار التي تخرج من المدينة فتضيء لها أعناق الإبل ببصرى، فقد ذكر غير واحد من العلماء أنها قد حدثت ونزلت، كـالنووي عليه رحمة الله، و ابن كثير وغيرهم من المصنفين الذين جزموا بأن هذه هي النار، بل أن منهم من قطع على ذلك.

    وكذلك مسألة قتال المغول، وهم الأتراك؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( تقاتلون الترك )، فقد أنزل جماعة من العلماء الحديث على قتال التتار، وجزم شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله أن المراد بذلك هم المغول والتتار الذين قاتلوهم في ذلك الزمن، وأيده على ذلك من كان في عصره، بل من جاء بعده، وذلك أن هؤلاء ضلال، واقتحموا بلاد المسلمين، فاحتاجوا إلى المقاتلة سواء وجد النصر أو لم يوجد، وإذا وجد النصر عضد الأمر، فكان كزيادة اليقين، أما إذا كان فيه إنشاء حكم جديد فإنه يحتاط في ذلك ما لا يحتاط في غيره، وهذا يتعلق بكثير من المسائل كمسألة الدجال، ومسألة نزول المسيح عيسى ابن مريم، ومسألة المهدي، ونحو ذلك.

    وقد تقدم أن أشراط الساعة إنما جاءت النصوص فيها في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي الأكثر والأبين، وجاءت في كلام الله عز وجل على وجه الإجمال، جاءت لغرس الإيمان، وليس لاستعجال الأحداث؛ ولهذا كان أهل السنة في أشراط الساعة تزيدهم إيماناً، وتقويهم من جهة العمل، بخلاف أهل البدع فإنهم لا يجاهدون، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، ولا يقومون بأمر الإصلاح، بل ينتظرون خروج المهدي.

    والله عز وجل قد بين أن أمر الله عز وجل آتٍ فلا تستعجلوه يعني بالانتظار والترقب، بل استعجلوه بالعمل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( بادروا بالأعمال ستاً )، وفي رواية: ( سبعاً )، وأمر الله عز وجل بالمسارعة بالخيرات في قوله جل وعلا: سَابِقُوا [الحديد:21]، وقال: وَسَارِعُوا [آل عمران:133]، فالمسارعة بالعمل قولاً وفعلاً واعتقاداً واجب على الإطلاق في كل زمن وفي كل عصر، فأشراط الساعة تزيد من إيمان الإنسان، وتقوي من عمله، وتزيد من ثباته عند الفتن والمدلهمات.

    الإجمال والتداخل في أشراط الساعة

    ومن الأمور التي ينبغي أن ينتبه فيها الناظر في كتب أشراط الساعة: أن كثيراً من أشراط الساعة تأتي على سبيل الإجمال، وهي من جهة الأصل متداخلة، فتأتي على سبيل الإجمال في نص معين، كمسألة كثرة الفتن في آخر الزمان، وتأتي في بعض النصوص متفرقة في بيان الفتن التي تحدث، ويصنف فيها من يصنف في هذا الباب، ويفرق بين ظهور الفتن والأفراد المتعددة، ويريد بذلك زيادة في أشراط الساعة.

    ومعلوم أن كثيراً مما يخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من أشراط الساعة التي تدخل في أبواب كثرة الفتن في آخر الزمان، كمسألة كثرة الجهل، فالجهل لازم لقبض العلم، وانتشار العلم لازم لانحسار الجهل، فهذا لازم لهذا، وهذا لازم لهذا، فيؤخذ من هذا شرط من أشراط الساعة، ويؤخذ من الآخر شرط آخر، ويعلم بنفيه هذا حصول ذاك، وبحصول ذاك نفي ذاك، ولا يغتر بتزييد كثير ممن يصنف في هذا الباب في أشراط الساعة، فإنه يأتي ببيان المجمل، وكذلك ما يدخل في هذا الباب.

    1.   

    طرق استنباط أشراط الساعة من الكتاب والسنة

    من المسائل المهمة التي ينبغي أن تكون حاضرة في ذهن الناظر في أشراط الساعة: أن الاستنباط في أشراط الساعة عند كثير ممن يصنف في ذلك جلهم يلتزمون تقييد أشراط الساعة بنصوص مقيدة من كلام الله عز وجل أو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك كقول النبي عليه الصلاة والسلام: لا تقوم الساعة حتى كذا، أو بين يدي الساعة كذا، أو أعدد كذا بين يدي الساعة، فيترقب كلمة القيامة وكلمة الساعة، ويجعل ذلك شرطاً من أشراط الساعة، وهذا فيما أرى فيه نظر، فقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بعثة النبي عليه الصلاة والسلام من أشراط الساعة، فكل ما يأتي عن النبي عليه الصلاة والسلام من الأخبار الغيبية المستقبلية أنه يقيناً سيحدث هو من أشراط الساعة إذا دل عليه الدليل، كمسألة زوال عصر أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا لا أعلم من أشار إليه ممن صنف في هذا الباب إلا على سبيل الإجمال، كمسألة ذهاب الصالحين، يذهب الصالحون الأول فالأول، والصواب في ذلك أن ذهاب جيل الصحابة، وهو القرن الأول، هو من علامات الساعة، كما أن موت النبي عليه الصلاة والسلام من علامات الساعة وأشراطها.

    وأشراط الساعة كيف تستنبط من السنة، ومن كلام الله عز وجل؟

    تستنبط بأمور عدة:

    الأمر الأول: أن يشار إلى أن هذا بين يدي الساعة أو يكون سابقاً لها، كما يأتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث عوف بن مالك في الصحيح: ( أعدد ستاً بين يدي الساعة )، أو لا تقوم الساعة حتى كذا.

    الأمر الثاني: من العلامات أيضاً فيما يشير إليه النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقع كذا وكذا، ثم تقوم الساعة.

    الأمر الثالث: من القرائن التي يستنبط فيها: أن يقرن وقوع أمر في سياق شرط من أشراط الساعة، ولو كان هذا لم يشر إليه في ذات الخبر، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أشار في خبر أن بعثته من أشراط الساعة، وموته من أشراط الساعة.

    وقد أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن مبعثه من أشراط الساعة في جملة من الأحاديث، كما رواه البخاري من حديث الفضيل عن أبي حازم عن سهل بن سعد عليه رضوان الله تعالى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بعثت أنا والساعة كهاتين. وأشار إلى السبابة والوسطى)، وقد جاء هذا عند الإمام مسلم من حديث شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بعثت أنا والساعة كهاتين )، وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً من حديث جابر في الصحيح، وجاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من غير هذا الوجه، وفي هذا إشارة إلى أن مبعث النبي عليه الصلاة والسلام من علامات الساعة.

    وجاء أن موته من علامات الساعة أيضاً، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند البخاري من حديث بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس عن عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس )، وفي قوله عليه الصلاة والسلام: (موتي) هذا علامة من علامات الساعة، وجاء في خبر آخر ذكر موت النبي عليه الصلاة والسلام وقرن معه أشياء، وهذه الأشياء إذا نظرنا إلى السياق لا نستطيع أن نستنبط منها أنها من علامات الساعة، لكن لو نظرنا هنا للإشارة إلى الموت أنه من علامات الساعة فيعلم أن الذي يليه هو من علامات الساعة.

    وقد روى الإمام مسلم من حديث مجمع عن سعيد بن أبي بردة عن أبي بردة عن أبيه وهو أبو موسى الأشعري عليه رضوان الله تعالى قال: ( صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة المغرب، فقلنا: نجلس ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع إلينا في صلاة العشاء، فقال: ما زلتم مكانكم؟ قال: قلنا: يا رسول الله! ننتظر حتى تأتي. قال: أحسنتم أو أصبتم. فقال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء، وكثيراً ما ينظر إليها، قال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد )، وهذا فيه إشارة إلى أن ذهاب النجوم وكثرة الشهب وسقوطها أن هذا من علامات الساعة.

    وقال عليه الصلاة والسلام: ( وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون )، وهذا قد ثبت أنه من علامات الساعة فيما تقدم في حديث عوف بن مالك ، قال: ( قال أعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي )، فموت النبي عليه الصلاة والسلام من علامات الساعة.

    ثم قال: ( فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون )، فقوله: (ما الذي يوعدون؟) يعني: الذي يوعدون وهو قرب قيام الساعة، وبه يُعلم أن ذهاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وانقراض الجيل هذا من علامات الساعة، وهذا يؤخذ بنص آخر وهو حديث عوف بن مالك ، ولو أخذنا هذا الخبر على سبيل الاستقلال ما جعلنا هذا من أشراط الساعة.

    وهذا يخالف ما ذكره أكثر الشراح في حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى في صحيح الإمام مسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عليها رضوان الله تعالى أنها قالت: ( كان الأعراب يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسألونه: متى الساعة يا رسول الله؟ قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى أحدث القوم سناً، فيقول عليه الصلاة والسلام: إن بقي هذا لم يدركه الهرم تقوم الساعة )، يعني: أن أصغر صحابي في الحضور هو هذا الصبي، ولن تقوم الساعة في المعتاد حتى يكبر هذا، ويأخذ عمره المعتاد، وفي الحديث: (أعمار أمتي بين الستين والسبعين)، فينقرض هذا الجيل، فإذا انقرض تكون حينئذٍ ظنت قيام الساعة وقربت، وقبل ذلك لا تقع.

    وجل الشراح يقولون: إن مراد النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك هي القيامة المتعلقة بكل واحد منكم وهو الموت، والذي أرى والله أعلم أن المراد بذلك هو ذهاب جيل الصحابة، ويعضده ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عليه رضوان الله تعالى في البخاري في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام صلاة الفجر، حينما انفتل من أصحابه .. إلى آخر الخبر المعروف، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( رأيتكم ليلتكم هذه، فإنه لا يبقى على ظهر مائة سنة ممن هو عليها اليوم أحد )، يشير إلى أصحابه أنهم ينقرضون ثم تقوم الساعة، وذلك أن الساعة لا تقوم وفي الأرض خير، وذلك أن الله عز وجل يبعث الريح، فتأخذ أرواح المؤمنين، ولكن خص النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة بخصيصة وهو أنهم يأخذون موتهم بقبض روح يمتازون عمن تقوم عليه الساعة وهم المؤمنون في آخر الزمن ممن تأخذ أرواحهم الريح، وهذا من القرائن التي يؤخذ منها أشراط الساعة.

    الأمر الرابع: مما يؤخذ منه أيضاً أشراط الساعة في النصوص ما يأتي من كلمة: أول الفتن، أو أول الشر، ونحو ذلك، سواء في كلام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في غيرهم، وهذا يأتي في ألفاظ حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله تعالى، ومن ذلك ما رواه الدينوري في كتابه "المجالسة" من حديث حجاج عن زيد بن وهب عن حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله تعالى، قال: (أول الفتن مقتل عثمان بن عفان عليه رضوان الله تعالى، والذي نفسي بيده لا يكون في قلب أحد مثقال ذرة من إيمان من حب مقتل عثمان إلا ويتبع المسيح الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه آمن به بقبره). وفي هذا إشارة إلى مسألة أول الفتن وربطها بالمسيح الدجال ، وفيه إشارة إلى أن أول الفتن ظهوراً التي أشار إليها النبي عليه الصلاة والسلام وأقواها هي فتنة مقتل عثمان التي كانت كانفراط العقد التي تبعها جملة من الفتن كقتال فئتين من المؤمنين، كما في حديث أبي هريرة وحديث حذيفة ، وقد أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى الفتنة التي تقع بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ( دعواهما واحدة ).

    الأمر الخامس: أن كل ما كان إرهاصاً لشرط من أشراط الساعة فهو شرط للساعة أيضاً، وذلك أن أشراط الساعة لها شروط وإرهاصات، فهذا الإرهاص لشرط الساعة هو شرط للساعة أيضاً، ولازم لها، وهو لا يتحقق إلا بوجوده، فما كان إرهاصاً لهذا الشيء فهو من أشراطها.

    الأمر السادس: ما يخبر به بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يخبر به النبي عليه الصلاة والسلام وقوعاً من غير تقييد: ليوشكن أن يكون كذا وكذا، أو ليقعن كذا وكذا، فإن هذا فيما يظهر لي أنه من أشراط الساعة أيضاً، وذلك أن أشراط الساعة يحصرها أمور: أولها بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، وآخرها اختلف في تقييده في خلاف ضيق يأتي بيانه، على خلاف عند العلماء في أول أشراط الساعة الكبرى، مما يأتي بيانه لاختلاف الروايات في ذلك، وسنبين الراجح من المرجوح بإذن الله عز وجل في موضعه، وإذا علم ذلك علم أن ما يخبر به النبي عليه الصلاة والسلام مما يحدث هو من أشراط الساعة المتباين هل هو من الكبرى أو من الصغرى، بحسب الحال وبحسب الورود.

    1.   

    تقسيمات أشراط الساعة

    ومن الأمور المهمة التي ينبغي أن يشار إليها في هذا الباب قبل الولوج فيه في سياق أشراط الساعة أن العلماء يختلفون في تقسيماتهم لأشراط الساعة لاعتبارات كثيرة، منها:

    التقسيم باعتبار الصغر والكبر

    من العلماء يقسم أشراط الساعة إلى أشراط كبرى وصغرى، وهذا التقسيم على سبيل الاجتهاد المحض، وذلك أن فروع هذا التقسيم شروط الساعة الكبرى والصغرى هناك ما يتفق عليه ويقطع به أنه عظيم جليل القدر، وهناك ما يتنازع فيه، فيجعل العلماء من الكبرى هو ما نص عليها النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عوف و أبي هريرة و حذيفة ، وكذلك الكبرى هي ما كانت تنفرط كالعقد في آخر الزمان، والصغرى تسبق ذلك.

    ولكن يقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى جملة من الصغرى وتكون مع الكبرى ككثرة الفتن وكثرة القتل والهرج، وكثرة الجهل، فيذكرها العلماء في الصغرى وهي داخلة مع الكبرى.

    التقسيم باعتبار الوقوع وعدمه

    ومنهم من يقسمها إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أشراط وقعت وانتهت، القسم الثاني: أشراط وقعت وما زالت تقع وتزداد، القسم الثالث: أشراط لم تقع بعد، وهي ما يطلق عليه أقسام أشراط الساعة الكبرى، وهذا التقسيم فيه تداخل بين الأول والثاني، وهي أيضاً تتداخل بين الثاني والثالث، وذلك أن من الثاني ما يدخل في الثالث فيكون وقع ويزيد، ومما يكون وقع وانتهى مما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام كما في مسألة الكذاب والمبير، والنار التي تخرج من بصرى، وفتح بيت المقدس، وموت النبي عليه الصلاة والسلام، ومبعث النبي عليه الصلاة والسلام، وانقضاء عصر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظهور الفرق من الخوارج، والفتنة التي وقعت بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك مما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام.

    ومن القسم الثاني الذي وقع وما زال يزداد، هو تقارب الزمن فيما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، وفشو الجهل وفشو القلم في الناس وكثرة الجهل.

    وثمة إشارة لطيفة في قول النبي عليه الصلاة والسلام في بعض المواضع: ( ظهور الجهل )، ويأتي في بعض المواضع: ( ظهور القلم وفشو القلم )، وهذا فيه إشارة إلى أن وجود القلم والكتب في الناس أنه لا يدل على العلم، وأنه قد يدل على الجهل، وهذا مشاهد في أن الأمية قد انحصرت أو كادت أن تنحصر في الناس، والناس يكتبون ويقرءون، وأن هذا ليس بلازم للعلم؛ لأن العلم الحق هو معرفة العلم النافع، وليس معرفة العلم الضار الذي يضر الإنسان في عاجل أمره من دنياه، وآجله في آخرته، ونحن نشاهد كثيراً من أرباب النظريات ممن يحدثون أحداثاً هي ضرر على البشرية، كالأسلحة الفتاكة، والابتكارات الطبية، والتي بسببها انتشرت الأوبئة والأمراض والأسقام في الناس والتي تظهر صراعاً بين جيل وجيل لم يكن يعرفه الناس قبل ذلك.

    كذلك ما ظهر القلم في الناس حينما انتشرت الأفكار السيئة، وغطى ذلك على معرفة الحق من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم والاهتداء بهديه، وبه يُعلم أن الإنسان إذا استكثر من ذلك فليس بدليل على معرفته بالعلم الحق الذي يفصل به الإنسان، ويفرق فيه بين الخير وبين الشر.

    التقسيم باعتبار تاريخ الوقوع

    ومن الاعتبارات التي يقسم فيها العلماء أشراط الساعة: اعتبار الوقوع وتاريخ الوقوع، فتكون أشراط الساعة على نوعين: أشراط تسبق الساعة، وأشراط معها.

    فالأشراط التي تسبق قيام الساعة هي ما لم تقع فيه الساعة، ويدخل في هذا جملة من أشراط الساعة الكبرى وجميع الصغرى، أما ما يكون مصاحباً لقيام الساعة فيدخل في هذا ابتداء كخروج الشمس من مغربها، وهذا هي العلامة الأولى لانتهاء وانقضاء التوبة، وبدأ الهرج والمرج، وكذلك سقوط النجوم وانكدارها، وسقوط الشهب واضطراب الكواكب، وفيه إشارة إلى أمر الله عز وجل لاختلال عامل ما يسمى بالجاذبية التي جعلها الله عز وجل عاملاً في اتزان هذه الكواكب في دورانها بانتظام، وهذا يكون مصاحباً لقيام الساعة.

    وبه يُعلم أن من العلامات الفارقة بين العلامات المصاحبة لقيام الساعة، والعلامات السابقة لقيام الساعة: قبول التوبة، فما كان تقبل فيه التوبة حال نزول الشرط فإنه قبل قيام الساعة، وما لم تقبل فيه التوبة فهو أثناء قيام الساعة.

    وبه يُعلم أيضاً أن كل شرط من أشراط الساعة دل الدليل على أن التوبة مقبولة فيه فهو سابق لطلوع الشمس من مغربها، وكل شرط من أشراط الساعة دل الدليل على عدم قبول التوبة فيه يُعلم أنه بعد طلوع الشمس من مغربها، وعليه يُعلم أن نزول المسيح عيسى ابن مريم وخروج الدجال هو قبل طلوع الشمس من مغربها، وذلك أن الإيمان ينفع حينئذٍ، وأن الاختلاف في الروايات الواردة في أن أول أشراط الساعة هي النار التي تخرج من اليمن، فتحسر الناس إلى الشام وهي أرض المحشر، أن كلمة "أول" يراد بها هي أشراط الساعة الأولى التي تسبق قيام الساعة، وذلك أن هذا النص فيه إشارة إلى هذا التقسيم، بالإشارة إلى الأولية، وهذا يرجح هذا التقسيم من جهة الإجمال، ويدخله جملة من التقسيمات.

    وأرجح هذه التقسيمات فيما أرى هو هذا التقسيم: أن أشراط الساعة على قسمين: قسم سابق لقيام الساعة، وقسم في أثناء قيام الساعة، والسابق لقيام الساعة منه صغرى وكبرى، ومن كان بعد قيام الساعة أو مصاحب لها هو كبرى فحسب، ويأتي تفصيل ذلك بإذن الله تعالى.

    1.   

    خطورة الكذب في أشراط الساعة

    ومن المسائل المهمة في هذا الباب والتي ينبغي معرفتها والعناية بها أيضاً: أن مرد هذا إلى الوحي من كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الكذب في ذلك هو كذب على الله، وتجرؤ على الوحي من بابين: الباب الأول: هو متضمن للكذب العام في التشريع، ولو لم يلزم منه تعبد. الباب الثاني وهو أخطر: أن هذا أمر غيبي متعلق بعلم الغد، وعلم الغد ليس لأحد إلا لله، ومن افترى في ذلك فقد نازع الله عز وجل في حقه، فمن كذب في ذلك أو تساهل فيه فقد تساهل في حق من خصوصية الله عز وجل.

    والدليل على ذلك ما رواه الإمام مسلم في كتابه الصحيح من حديث داود بن أبي هند عن عامر بن شراحيل الشعبي عن مسروق قال: (كنت متكئاً عند عائشة عليها رضوان الله تعالى، قالت: يا أبا عائشة ! ألا تعلم من أعظم الفرية على الله؟ قلت: من؟ قالت: ثلاثة من قال بها فقد أعظم الفرية على الله، وذكرت منها عائشة عليها رضوان الله تعالى: من قال أنه يعلم ما يكون غداً).

    ومن أشراط الساعة التي يحدث بها الناس بلا علم أنه سيحدث كذا، وهو من اختراق خصوصية الله عز وجل، وقد أعظم الفرية على الله، وبه يُعلم أن هذا باب من كبائر الذنوب، بل هو من أكبر الكبائر، ومع أنه متضمن للكذب على الله ففيه منازعة الله عز وجل في خصوصيته، فإن الله عز وجل هو الذي يعلم ماذا تكسب النفس غداً، فلا يعلم ذلك إلا الله سبحانه وتعالى، فمن نازع الله عز وجل في حقه يكون حينئذٍ خطره أعظم من خطر من كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوحي.

    ومعلوم أن من كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أتى بكبيرة من كبائر الذنوب، بل قد ذهب بعض العلماء وهو قول لإمام الحرمين إلى أنه كافر خارج عن الإسلام، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كما الصحيحين وغيرهما من حديث جماعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: ( من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار )، فكيف بمن كذب في حق الله؛ لأن هذا الكذب هو كذب في حق الله محض، وليس في حق النبي عليه الصلاة والسلام فحسب؛ ولأن النبي عليه الصلاة والسلام لا علم لديه في هذا الأمر إلا ما علمه الله جل وعلا؛ ولهذا ينبغي للمرء أن يحترز في هذا الباب ما لا يحترز في غيره.

    1.   

    مبعث النبي عليه الصلاة والسلام

    سبق أن ذكرنا تقسيمات أشراط الساعة، وأن تقسيمها على الأرجح فيما أرى على قسمين:

    القسم الأول: أشراط الساعة السابقة لقيامها، وهي على نوعين: أشراط كبرى، وأشراط صغرى.

    القسم الثاني: أشراط مصاحبة لقيام الساعة وتابعة لها، وأولها خروج الشمس من مغربها.

    والنوع الثاني من القسم الأول وهي الأشراط الصغرى فأولها هو مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومبعث النبي عليه الصلاة والسلام هو من أشراط الساعة، فقد جاء في البخاري من حديث الفضيل عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بعثت أنا والساعة كهاتين. وأشار بأصبعه السبابة والوسطى)، وقد جاء هذا عند مسلم في الصحيح من حديث شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك بهذا اللفظ وبنحوه، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث جابر عليه رضوان الله تعالى، فمبعث النبي عليه الصلاة والسلام هو من أشراط الساعة.

    وفي قوله عليه الصلاة والسلام: (كهاتين) يمكن تأويله على معنيين:

    المعنى الأول: (كهاتين) أن هذا فيه إشارة إلى أصابع اليد، فإن السبابة لا يليها إلا الوسطى، أي: لا يلي مبعث النبي عليه الصلاة والسلام إلا التي تليها وهي الوسطى، فلا يفصل بينها إصبع أخرى كالخنصر والبنصر أو الإبهام.

    المعنى الآخر: أن الفصل بين السبابة والوسطى هو مقدار يسير بينهما، وذلك لا يكون إلا للسبابة مع الوسطى، أي: أن المتبقي من الدنيا بالنسبة لعمرها كحال المتبقي من مبعثي وما من رأس السبابة إلى الإبهام، وهذا يحتمل هذا التفسير.

    وقد رجح الأول أكثر الأئمة من المحققين كالحافظ ابن رجب وغيره من الأئمة، وهو الأظهر، والثاني أيضاً محتمل، وقد حمل هذا المعنى الثاني واستنبط عمر الدنيا.

    وهل عمر الدنيا يمكن ضبطه أم لا؟ ضبطه بالتحديد محال، وظواهر النصوص وقواطعها من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهر بين، ولكن تحييد جملة منها على سبيل التقريب ممكن.

    وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام خبر موضوع أن (الدنيا سبعة آلاف سنة، وأن الأمة ألف)، وقد بنى على ذلك بعض العلماء أن الأمة لا تتجاوز الألف، وقد صنف في ذلك السيوطي رداً على من قال بهذا القول، ولكنه قد وقع فيما نفر منه، وهو تحديد الأمة بأنها لا تزيد عن ألف وخمسمائة، وأنه يرى أن قيام الساعة على مشارف الألف وخمسمائة، وإن كانت علامات الساعة الصغرى جلها قد ظهر، ولم يبق منها إلا نزر يسير كما يأتي الإشارة إليه، إلا أنه لا ينبغي القطع بذلك.

    والجزم الذي يجزم به أن عمر أمة محمد لا يتجاوز ما بين مبعث موسى إلى مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، أي: لا يزيد عمرها عن عمر بني إسرائيل، والدليل على ذلك ما رواه البخاري و مسلم من حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ، وكذلك رواه أيوب عن نافع عن عبد الله بن عمر ، ورواه ليث عن نافع عن عبد الله بن عمر ، واللفظ لليث ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنما أجلكم فيمن كان قبلكم كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من أول النهار إلى صلاة الظهر على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من صلاة الظهر إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل من صلاة العصر إلى صلاة المغرب على قيراطين؟ فعملتم أنتم، فقالوا: ما لنا أكثر عملاً وأقل أجراً؟ فقال: هل نقصتكم من أجركم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء ).

    فاستنبط بعض العلماء من قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما أجلكم) يعني: عمركم (فيمن كان قبلكم) مقارنة للأمم السابقة من النبي عليه الصلاة والسلام إلى أول البشرية، كهذا التقدير من أول النهار إلى صلاة العصر، هذه هي الأمة السابقة، وهي بنو إسرائيل، وفي قوله عليه الصلاة والسلام: ( إنما أجلكم فيمن كان قبلكم ) تقييد من الأمم السابقة ببني إسرائيل وهم اليهود والنصارى، فجعل عمر اليهود والنصارى هو من أول النهار إلى صلاة العصر، والمتبقي هو من صلاة العصر إلى غروب الشمس، وما بين ذلك وبين تلك المدة هو أقل من ذلك بكثير.

    وعليه يُعلم أن ما بين مولد النبي عليه الصلاة والسلام ومولد عيسى هو سبعمائة وخمسين، وهذا ظاهر، ولكن ما بين عيسى وموسى يفتقر إلى دليل ظاهر بين، ولا دليل في ذلك، ولكن ما كان من هذا مرده إلى الوحي، ولكن يقطع في ذلك أن عمر الأمة يزيد على سبعمائة وخمسين، وهي الفترة التي بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وأن ما كان بعد ذلك فأمره مجهول، ولكن ما يذكره بعض بني إسرائيل من المدة بين موسى وعيسى فهي تخرصات، منهم من يقول: ألف، ومنهم من يقول: سبعمائة، ومنهم من يقول: خمسمائة، ومنهم من يزيد على ذلك، ومنهم من ينقص، ومنهم من يقول: ألفين، ونحو ذلك، وهي تخرصات.

    ولكن المقطوع به أن عمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تزيد عن عمر بني إسرائيل مجتمعة، وهذا نص صريح؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إنما أجلكم )، وجاء أصرح منه في خبر آخر في الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام: ( إنما بقاؤكم )، وهذا دليل على أن بقاء الأمة لا يزيد عن بقاء بني إسرائيل وهم اليهود والنصارى، ويبقى هذا الأمر غيبي؛ لأن الله عز وجل اختص به الأمر عنده، وبه يُعلم الحكمة من بيان أشراط الساعة، وذلك أن الله عز وجل حينما بين أشراط الساعة فيستنبط منه أن معرفة وقت الساعة محال، ولو سعى إليه الإنسان لما تحصل، وهذا مقتضى معرفة الأشراط، ولو كان معنى الساعة ووقتها وزمنها معلوماً لما كان لمعرفة الأشراط شيء يراد من نصوص الشريعة، وإلا لبُينت الساعة بزمنها، وما تركت اتكالاً على بعض الأشراط.

    وبه يُعلم أن كل من زعم أن قيام الساعة في سنة معينة، أو في يوم معين أنه معتدٍ على الله عز وجل، بل هو كذاب أشر، ولا يتجرأ على ذلك إلا عديم الإيمان، ومنتفي الإيمان بالكلية، ظاهر في النفاق، وأما من يتكلم على سبيل الإجمال أن الساعة قد قربت ودنت فإن هذا هو ظاهر نصوص الكتاب والسنة، وكذلك كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ممن كان خبيراً بسره وأمره عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    موت النبي صلى الله عليه وسلم

    الشرط الثاني من أشراط القسم الأول من النوع الأول وهو أشراط الساعة الصغرى التي هي قبل الساعة: موت النبي عليه الصلاة والسلام، والدليل على ذلك ما رواه البخاري في كتابه الصحيح من حديث بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس عن عوف بن مالك ، قال: ( أتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في تبوك في قبة له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم )، والمراد بالموتان: هو الموت الذي يدب في الناس، فيهلك فيه خلق كثير، ( ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنة لا تدع بيتاً من بيوت العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر )، يعني: الروم، وهي أوروبا وأمريكا، ( ثم يغدرون، ثم يأتونكم على ثمانين غاية، على كل غاية اثنا عشر ألفاً )، وبجمعها تخرج قرابة المليون شخص، وهذا لم يكن قطعاً.

    وفي قوله عليه الصلاة والسلام: (موتي) أن النبي عليه الصلاة والسلام لا تقوم الساعة وهو موجود، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام هو خير الخلق على الإطلاق، وسيد ولد آدم، وكان النبي عليه الصلاة والسلام موته هو من علامات الساعة وأشراطها.

    ويأتي بعد هذا أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنا الحاشر يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب )، ففي قوله عليه الصلاة والسلام: ( أنا الحاشر يُحشر الناس على قدمي )، وفي رواية: ( على عقبي )، يعني: حينما أدبر يحشر الناس بعدي، فتأتي قيام الساعة، وقيل: المراد بذلك هو على قيام الساعة أن بين يدي الله عز وجل عند المحشر، وهذا مرجوح، والأرجح في ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام موته عليه الصلاة والسلام هو من علامات الساعة، فيحشر الناس بعده جيلاً بعد جيل إلى موضع المحشر وهي الشام كما يأتي بيانه بإذن الله تعالى.

    ونكتفي بهذا القدر، وسنذكر بإذن الله عز وجل فيما سيأتي سرد أشراط الساعة، وبيان أدلتها، وبيان ما يدخل فيها من فروع مما يذكره بعض من صنف في هذا الباب على أنه على سبيل الاستقلال.

    أسأل الله عز وجل أن يوفقني وإياكم لمرضاته، وأن يأخذ بي وبكم منهجاً قويماً، وصراطاً مستقيماً، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    الرد على الذين يخوضون في أشراط الساعة

    السؤال: هل هناك رد على أهل البدع الخائضين في أشراط الساعة؟

    الجواب: نعم يوجد رد، ومن أعظم الردود ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من علامة البدع الأخذ عن الأصاغر، وقد جاء تفسير ذلك عن عبد الله بن المبارك قال: (الأصاغر هم أهل البدع)، أما الصغير الذي يأخذ عن الكبير فليس بمبتدع، يأتي بيانه بإذن الله تعالى.

    حكم من حدد زمناً معيناً لقيام الساعة

    السؤال: يقول: ألا ترى أنك شددت في مسألة الاجتهاد في تعيين أشراط الساعة، فبعض أهل العلم اجتهد في ذلك فهل يكون كافراً كـالسيوطي ؟

    الجواب: كلامي واضح وبين، ولا يحتمل مثل هذا الكلام، أشرت إلى أن من حدد الساعة في وقت معلوم أنه منزوع الإيمان، وهذا مقطوع به عندي وعند غيري من أهل الصلة بالإسلام، وأما من تكلم على وجه العموم من أن الساعة قد اقتربت وأنها في هذا الحدود ونحو ذلك، فهذا يجتهد فيه السلف والخلف كـالسيوطي رحمه الله.

    وندع الكلام على أشراط الساعة التي تأتي حتى لا نقع في التكرار.

    علم الجن بما في نفس الإنسان

    السؤال: هل الجن يعلمون ما في نفس الإنسان؟

    الجواب: ما في نفس الإنسان على نوعين: ما يكون للإنسان من وساوس قد جلبها إليه بنفسه، أي: بذات الإنسان، وبمعنى آخر تولدت من الإنسان نفسه ومن الخواطر التي يوجدها الإنسان، فهذه لا يعلمها الجن ولا الشيطان، أما ما في نفس الإنسان من وساوس أوحاها له الشيطان من تسويلات وأهواء ومطامع ورغبات فهذه يعلمها الشيطان؛ لأن أصلها من الشيطان، أما ما في قلب الإنسان مثلاً من رغبة بالطاعة أو رغبة في العبادة أو رغبة في عمل المباح، أو تفكير ونحو ذلك فهذا لا يعلمه الشيطان؛ لأنه متولد من الإنسان، ولا يصل إلى الشيطان إلا بوسيلة عرفت سبباً أو عرفت شرعاً، ولا سبيل إلى الشيطان في هذا.

    تأويل قيام الرسول صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف خشية قيام الساعة

    السؤال: كيف الجمع بين أنه لا تقوم الساعة في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث الوارد في صلاة الكسوف عند البخاري وأنه قام فزعاً يخشى أن تقوم الساعة؟

    الجواب: أولاً: هذا المعنى لا يخلو من تأويلين:

    التأويل الأول: أن يكون يخشى أن تقوم الساعة هو من تأويل عائشة عليها رضوان الله تعالى، أو تأويل أسماء ، وذلك أن الخبر قد جاء من حديث فاطمة بنت المنذر عليه رضوان الله تعالى عن أسماء عن عائشة عليها رضوان الله تعالى.

    التأويل الثاني: يحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لشدة تعلقه بالله عز وجل وأمر الآخرة يبادر إلى ذهن الإنسان قرب هذا الأمر. ويشار إلى معنى آخر محتمل أيضاً النبي عليه الصلاة والسلام لشدة تعلقه بالشفقة على هذه الأمة يخشى أن يأتيها أمر الله عز وجل، فيعاقبها الله عز وجل؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من التخفيف على هذا الأمة بالسؤال، ويظهر هذا في تخفيفه الصلوات الخمس من خمسين إلى خمس صلوات بالتدرج المعروف في حديث الإسراء من حديث أنس وغيره، وكذلك يظهر في سؤال النبي عليه الصلاة والسلام لربه ألا يعذب هذه الأمة بسنة، وألا يسلط عليها من غيرها من يستبيح بيضتها، وهذا من رحمة الله عز وجل، فإذا تعلق الإنسان بشيء خاف عليه، وهذا الخوف لا يناقض هذا الأمر.

    والمعنى الأول هو الأولى وهو أن يكون هذا من عائشة عليها رضوان الله تعالى. والله أعلم.

    والقرب يختلف بالنسبة للساعة، فالقرب من جهة الأصل للساعة قريبة، وقد يعضد ذلك رؤى يعلم بها الناس أن ثمة قرب أظهر من هذا، وأذكر أنني رأيت رؤيا قريباً وهي من هذا الباب، ليس تعلقاً بهذه الرؤى، رأيت أن صحيفة في جو السماء نشرت، وقد كتب عليها: قل للناس: إن الساعة قريب. هذه رأيتها بنفسي قبل مدة يسيرة، ونسأل الله عز وجل أن يلطف.

    وكثير ممن يتكلم في هذا الأمر في أشراط الساعة ويصنف في ذلك إما يكون من أهل العلم والدراية وصنف في ذلك، ويشكر في هذا، ويعتنى بكتابه، ويستشار في ذلك أهل العلم في هذا، وثمة كتب للمعاصرين في هذا الباب جيدة في هذا، ولكن الإشكال فيها أن فيها محاكاة لمصنفات أخرى، لكن بأساليب تختلف، وهذا هو الأكثر، وهناك من يصنف أيضاً للتجارة، وقد صنف أحدهم كتاباً في هذا الباب سماه "عمر أمة الإسلام"، يعني: تحديد عمر أمة الإسلام، وطار الناس في هذا الكتاب، وبيع منه مصنفات كثيرة جداً، وحتى قال مؤلفه: إنني حصلت ما أريد، وبيع من الكتاب ما بيع، وأصبح رجلاً ثرياً، وبين أمره هذا بعد انتهاء الأمر، وهذا يدل على أن الناس إذا لم يرجعوا إلى أهل العلم يضلون، حتى في أمور يسيرة.

    وهذا يدل على ما أشرنا إليه سابقاً أن النفوس تتشوق إلى الغيب، فيحبون ماذا يحدث، ولهذا ينساق كثير من الناس إلى مسألة الكهان والعرافين، وماذا يحدث له غداً والعياذ بالله، وماذا يأتيه من رزق ونحو ذلك.