إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الحج [5]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وردت عدة أحاديث في الطواف أعلها العلماء منها النهي عن الكلام في الطواف وهذا مخالف لعمل الصحابة كما ورد عن ابن عباس أن الطواف كالصلاة إلا أنه أبيح فيه الكلام. ومنها (أن من أمسى ولم يطف فقد عاد حرماً) وهو من مفاريد ابن إسحاق والحفاظ يحترزون منها. ومن ذلك تقديم السعي على الطواف وأن النبي قال في ذلك افعل ولا حرج، وكذلك أمر المعتمر أن يكون آخر عهده بالبيت هو الطواف وغير ذلك.

    1.   

    حديث الصلاة في البيت الحرام من غير سترة

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    أول أحاديث هذا المجلس هو حديث المطلب بن أبي وداعة عن أبيه عن جده: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند البيت والرجال والنساء يمرون من بين يديه لا يسترون منه شيء ).

    هذا الحديث رواه الإمام أحمد و أبو داود في كتابه السنن، من حديث ابن جريج ، ويرويه عنه سفيان عن كثير بن كثير عن المطلب بن أبي وداعة ، عن أبيه عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكره.

    وهذا الحديث يتضمن ألا سترة بمكة، وهو خبر منكر ولا يصح؛ لأن كثير بن كثير قد تفرد بهذا الحديث، ولا يحتمل منه هذا، كذلك قد وقع في الإسناد اضطراب، فقد ذكر ابن جريج أنه لقي كثيراً فسأله قال: سمعته من بعض أهلي، عن جدي، يعني: أنه لم يسمعه من أبيه، فبعض الوجوه يرويه عن أبيه، وبعض الوجوه يرويه عن بعض أهله، وهذا الحديث قد أعله البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح، وذلك في قوله: باب: السترة بمكة وغيرها، وأورد فيه ما يشير إلى إعلال حديث المطلب بن أبي وداعة ، وهذا الحديث في طريقة إعلال البخاري تقدم معنا أن البخاري يعل الأحاديث في الباب في التراجم، وكما أن الفقهاء يقولون: إن فقه البخاري يكون في تراجمه، كذلك فإن إعلاله في التراجم، وله نفس في الإعلال، وهذا ظاهر في هذا الموضع.

    1.   

    حديث: (إن الله وكل بالركن اليماني سبعين ملكاً ...)

    الحديث الثاني: هو حديث أبي هريرة عليه رضوان الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله وكل بالركن اليماني سبعين ملكاً، وإن الإنسان إذا قال بينه وبين الحجر: اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا: آمين ).

    وهذا الحديث رواه ابن ماجه في كتابه السنن من حديث هشام بن عمار ، عن حميد بن أبي سويد ، عن ابنه هشام ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث معلول بعدة علل:

    أول هذه العلل: أن هذا الحديث من مفاريد هشام بن عمار عن حميد ، وكذلك فإن حميداً في حديثه ضعف وقد تفرد بهذا الحديث، ولم يروه غيره من هذا الوجه عن ابن هشام ، ثم إنه جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذكر: ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة )، وهو في المسند مرسلاً، ولكن ليس فيه: ( اللهم إني أسألك العفو والعافية )، وذكر العفو والعافية في الدعاء بين الصفا والمروة ليس بمحفوظ.

    ومن قرائن الإعلال: أن هذا الحديث من مفاريد ابن ماجه ، والغالب أن ابن ماجه في أحاديث الأحكام لا ينفرد بشيء ويكون صحيحاً، ونستطيع أن نقول: إن هذا الخبر خبر منكر، ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الانفراد قرينة لا برهان والقرينة عند المحدثين: هي الأمارة التي تعطي الإنسان إيحاءً، لا تعطيه بينة ودليلاً وبرهاناً، فما يخرجه ابن ماجه رحمه الله في كتابه السنن، وينفرد فيه عن بقية المصنفات كالصحيحين، وكـأبي داود و الترمذي و النسائي ، فإن الغالب فيه أنه معلول إذا كان في الأحكام، بل جزم بعض العلماء أنه لم ينفرد بشيء صحيح في الأحكام على الإطلاق، وفي هذا الإطلاق نظر، ولكن نقول: إن هذا قرينة، وهي من الأغلب، وكذلك كما أن له مفاريد في أبواب الأحاديث، فله مفاريد في الرواة، فما ينفرد به ابن ماجه رحمه الله في كتابه السنن من الرواة، ولم يوافقه عليه غيره، فهذا من قرائن جرحه، ولهذا كلما تقدم الراوي زاد احتمال الضعف والطرح، وذلك أن دائرة وفرة الرواة تقل كلما تقدم الزمن، وكلما تأخر كثر الناس، وكثر الرواة، وقل استيعاب الأئمة لهم، وضعفت القرينة في تفرد أحد الأئمة بالرواية عن راوٍ لم يرو عنه غيره ممن تقدم أو ممن عاصره، وذلك لكثرة الناس، وكثرة الرحلة بينهم.

    1.   

    حديث النهي عن الكلام في الطواف: (من طاف بالبيت وهو لا يتكلم...)

    والحديث الثالث: هو حديث أبي هريرة عليه رضوان الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من طاف بالبيت وهو لا يتكلم ويقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كتبت له عشر حسنات، ومحيت عنه عشر سيئات، ورفعت له بها عشر درجات ).

    هذا الحديث متضمن لمسألة وهي مسألة عدم الكلام في الطواف، والنهي عن ذلك، وهذا منكر، وقد جاء بنفس الإسناد السابق.

    فجاء بنفس هذا الحديث من حديث هشام بن عمار ، عن حميد بن أبي سويد ، عن ابن هشام ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حديث منكر، وذلك للعلة السابقة الإسنادية، وكذلك فإن الحديث يتضمن فضل عدم الكلام في الطواف، وهذا مخالف لما ثبت عن الصحابة من جهة العمل، واستفاض عن جماعة من التابعين، وكذلك ما جاء في حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله روي مرفوعاً وموقوفاً في قوله: الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام، أو: إلا أنكم تتكلمون فيه، وهذا يدل على أن الكلام في الطواف من الأمور المباحة، وحسنه حسن، وقبيحه قبيح، إلا أنه ينبغي للإنسان أن ينشغل بالذكر والتهليل، والتسبيح، ولو تكلم في أمور الحاجات لم يقل له: إنه ترك أمراً متأكداً في الشريعة، ومثل هذا الحكم لو ثبت لوجب أن ينقل بأقوى من هذا الإسناد، وذلك أن النهي عن الكلام في الطواف، أو بيان فضل السكوت في الطواف، متعلق بركن من أركان الإسلام، وهو الحج، ومثال ذلك في الأغلب أنه يطلب له الأسانيد المتينة، ولهذا يقال: إن هذا الحديث مع نكارته من جهة الإسناد، فإنه منكر أيضاً من جهة المتن.

    1.   

    حديث: (أن رسول الله خطب في عرفة خطبتين)

    الحديث الرابع: هو حديث جعفر بن محمد ، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب في عرفة خطبتين ).

    هذا الحديث رواه الشافعي ، وعنه البيهقي من حديث إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى ، عن جعفر بن محمد به، وهذا الحديث منكر، وما زال الأئمة يحكمون عليه بالنكارة لتفرد إبراهيم به، و إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي لا يحتج به عند عامة النقاد، وإن كان من شيوخ الشافعي رحمه الله، إلا أن له مفاريد تطرح حديثه.

    ومن وجوه النكارة: أن هذا الحديث رواه خلق من الرواة عن جعفر بن محمد ، وعن جعفر بن محمد رواه جماعة، ولم يذكروا فيه الخطبتين، وهذا دليل على النكارة، وخطبة النبي صلى الله عليه وسلم مشهورة في دواوين السنة، جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، من حديث جابر ، ومن حديث عبد الله بن عباس ، و أنس ، و أبي هريرة ، و عبد الله بن عمر ، وغيرهم، بأسانيد متعددة: منها الصحيح ومنها الضعيف، ولم يذكر واحد منهم أن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة كانت خطبتين.

    ومن قرائن الإعلال: أن هذا الحديث حديث جابر أخرجه البخاري و مسلم ، فأخرجه البخاري منقطعاً، و مسلم تاماً في كتابه الصحيح ولم يذكروا هذه الزيادة، والغالب أن بعض الرواة حينما يروي خبراً من الأخبار وهو قليل الفقه والدراية أنه ربما وقع في بعض الأقيسة، كقياسه خطبتي الجمعة على خطبة عرفة، خاصةً أن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في عرفة كانت يوم الجمعة، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع الناس للجمعة، وإنما صلاها ظهراً قصراً، صلاها ركعتين، وجمع إليها صلاة العصر، فربما تبادر إلى ذهن بعض الرواة شيء من القياس، أو ربما ظن من لا عناية له أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع، وهذا وهم وغلط.

    1.   

    حديث: (أن رسول الله بعث أم سلمة في الضعفة بعد منتصف الليل فرمت قبل الفجر)

    الحديث الخامس: حديث عائشة عليها رضوان الله: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أم سلمة في الضعفة بعد منتصف الليل فرمت قبل الفجر ).

    هذا الحديث رواه الإمام أحمد وغيره من حديث الضحاك بن عثمان عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة .

    وهذا الحديث حديث منكر، أنكره الإمام أحمد ، و ابن القيم ، وأعله البيهقي وغيرهم، وذلك لأن هذا الحديث يرويه حماد بن سلمة و الدراوردي عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلاً وهو الصواب، وحديث الضحاك عن هشام بن عروة يقع فيه أغلاط وأوهام، وقد تفرد بوصل هذا الحديث فأخطأ فيه، وحديث عائشة عليها رضوان الله متضمن أن أم سلمة رمت قبل الفجر وطافت كذلك، وهذا فيه نظر، وإن كان الرمي محتمل إلا أن الطواف فيه نظر.

    1.   

    حديث: (فإذا أمسيتم ولم تطوفوا بالبيت عدتم حرماً كما كنتم حتى تطوفوا)

    الحديث السادس: هو حديث أم سلمة عليها رضوان الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا رميتم جمرة العقبة فقد حرم عليكم كل شيء إلا النساء، فإذا أمسيتم ولم تطوفوا بالبيت عدتم حرماً كما كنتم حتى تطوفوا ).

    هذا الحديث رواه الإمام أحمد ، وأهل السنن، من حديث محمد بن إسحاق ، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة ، عن أبيه وعن أمه، عن أم سلمة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا خبر منكر.

    ومفاد هذا الحديث: أن الإنسان إذا أخر طوافه حتى أمسى فإنه رجع حراماً، وهذا الحديث لم يعمل به أحدٌ من الفقهاء كما نص على ذلك غير واحد، وعلته إسنادية ومتنية، أما الإسنادية: فتفرد محمد بن إسحاق به، كما نص على هذا غير واحد من الحفاظ، وأما المتنية: فإن الإنسان يتحلل برميه جمرة العقبة، فهذا قول معلوم، ولكن كونه يرجع حراماً إذا أمسى ولم يطف بالبيت، فهذا لا يعرف عملاً ولا يعرف رواية من وجه معتبر، ومعلوم أن الحديث إذا روي ولم يعمل به أحد من الصحابة ولا من التابعين، ولم تجر عليه الفتوى عندهم أن هذا من علامات الإعلال، وقرائن الرد، ولو ظهر في الإسناد الصحة فإن الأحاديث ما رواها الصحابة والتابعون عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا لأجل العمل بها، ولهذا نقول: إن هذا الحديث حديث منكر من جهة الإسناد، ومنكر من جهة المتن، و محمد بن إسحاق وإن كان ثقة في أبواب المغازي والسير، إلا أنه في أمور الأحكام فيما يتفرد به أحاديثه مناكير، ولو صرح بالسماع، وربما روى محمد بن إسحاق شيئاً في الفضائل وصرح بالسماع، واعتبر به، وربما وافق الثقات في بعض ما يروون من الأعمال المطلقة في أمور الأحكام، فحسن الأئمة حديثه، وغالباً: أن الراوي إذا انشغل بالرواية في باب من الأبواب أن انشغاله ذلك يصرفه عما انشغل عنه، فيقل ضبطه له، كالذي ينشغل بالتفسير فإنه تقل عنايته بالفقه، وهكذا، تأكل عنايات المعتني بذلك مما أغفله، وذلك لضعف الإسناد عن استيعاب سائر العلوم، فإذا تم بباب ضعف في غيره، وهذا في الأغلب.

    ومثل هذا الحديث أيضاً حتى لو تفرد به من هو أقوى من محمد بن إسحاق عادة لم يقبل ما لم يكن ذلك في طبقة متقدمة، ومثل هذا الحديث تفرد محمد بن إسحاق به، وقع منه وهو متأخر، و محمد بن إسحاق من أتباع التابعين، ومفاريده مما يحترز فيها الحفاظ.

    1.   

    حديث ابن عباس: (لا ترموا حتى تطلع الشمس)

    الحديث السابع: هو حديث عبد الله بن عباس: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعه مع الضعفة، قال: ونحن أغيلمة من قريش، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يضرب أفخاذنا ويقول: لا ترموا حتى تطلع الشمس ).

    هذا الحديث رواه الإمام أحمد ، و الترمذي ، وغيرهم، من حديث سلمة بن كهيل عن الحسن العرني عن عبد الله بن عباس.

    والحديث معلول بعدة علل: أول هذه العلل: أن الحسن لم يسمع من عبد الله بن عباس، ثم إن حديث عبد الله بن عباس في دفعه مع الضعفة روي عنه من طرق متعددة من الثقات من أصحاب عبد الله بن عباس لم يرو واحد منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عبد الله بن عباس أو أحداً من الضعفة مع كثرتهم نهاهم عن أن يرموا قبل طلوع الشمس، وهذا من علامات نكارة الحديث، وقد جاء الحديث من طرق أخرى: منها ما رواه الترمذي من حديث الحكم عن مقسم ، عن عبد الله بن عباس ، رواه بنحوه، والحديث لا يصح، فـالحكم عن مقسم مضطرب كما قال ذلك البخاري في التاريخ، ورواه الأصبهاني أيضاً في طبقات المحدثين بأصبهان من حديث شعيب بن شعيب وهو أخو عمرو بن شعيب ، عن عكرمة ، عن عبد الله بن عباس ، ولا يصح أيضاً، بل هو منكر، ولا يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحداً من الضعفة أن يرمي بعد طلوع الشمس، أو نهاه أن يرمي قبلها، وهذا دليل على نكارة هذا الحديث.

    1.   

    حديث: (سعيت قبل أن أطوف فقال النبي صلى الله عليه وسلم: افعل ولا حرج)

    الحديث الثامن: وهو حديث أسامة بن شريك أنه قال: ( قال قائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سعيت قبل أن أطوف؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: افعل ولا حرج ).

    هذا الحديث رواه الإمام أحمد و أبو داود ، وغيرهم، من حديث جرير ، عن الشيباني ، عن زياد بن علاقة ، وقد رواه عن الشيباني جماعة من الرواة، فلم يذكروا: (سعيت قبل أن أطوف)، وإنما ذكروا أعمال يوم النحر من التقديم والتأخير بينها الحلق والذبح، والرمي، والطواف، ولا ذكر للسعي في ذلك، وأعل هذا الحديث عامة الأئمة النقاد الأوائل كـالدارقطني فإنه قال: تفرد به جرير عن الشيباني ، وأعله أحمد ، و البيهقي ، و ابن المنذر ، وغيرهم.

    وأما مسألة تقديم السعي على الطواف فهذه قد يستدل لها بالعموم أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج )، قد يقال: إن في هذا الحديث دلالة على وجوب السعيين للمتمتع، وذلك أنه حينما قال: (سعيت قبل أن أطوف)، جاء اللفظ عاماً، وهذه من مسائل الخلاف، ولهذا أوردنا هذا الحديث في هذا الموضع وإن كان معناه في بعض الدلائل الفقهية يدخل فيه في قوله: ( ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج ).

    1.   

    حديث: (من حج البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت الطواف)

    الحديث التاسع: هو قوله عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث عمرو بن أوس قال: ( من حج البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت الطواف ).

    هذا الحديث رواه الترمذي في كتابه السنن من حديث الحجاج بن أرطأة ، عن عبد الملك بن المغيرة ،عن عبد الرحمن بن البيلماني ، عن الحارث بن أوس ، عن عمرو بن أوس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث في متنه نكارة، مع علة إسناده، وهذه النكارة هي ذكر العمرة؛ لأنه قال: ( من حج البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت الطواف )، وفي هذا إيجاب طواف الوداع على المعتمر.

    وهذا الحديث معلول بعدة علل إسنادية: منها تفرد الحجاج بن أرطأة في هذا الحديث، يرويه عن عبد الملك بن المغيرة ، عن عبد الرحمن بن البيلماني ، و عبد الرحمن بن البيلماني لا يحتج به، وقد تفرد بهذا الحديث عن ابن أوس.

    ومن وجوه الإعلال: أنه لم يعمل أحدٌ من الصحابة، ولا من التابعين بطواف الوداع للمعتمر، فلم يجر في عملهم ولا في فتاويهم أيضاً.

    ومن وجوه النكارة، أن العمرة أكثر وقوعاً من الحج؛ لأنها في العام، وعلى مدار الساعة، والدليل ينبغي أن يرد فيها أوضح، وإن لم يكن أوضح فهو أكثر، كذلك أن يرد أيضاً في فتاوى الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في العمرة، فلما لم يكن ذلك في فتاويهم في العمرة دل على نكارته، ولهذا نقول: إن القول بطواف الوداع للمعتمر لا أصل له، لا في قول الصحابة، ولا في قول التابعين، ولا أعلم أحداً قال به منهم، ولكن جاء القول في طبقة بعدهم، جاء في قول لـمالك في المدونة، نقل عنه وليس بمشهور، وحكي عن سفيان الثوري وحكايته خطأ، و سفيان الثوري الذي حكي عنه في طواف الوداع قوله: طواف الوداع للحاج وليس للمعتمر، وفهمه بعضهم على أنه طواف الوداع للمعتمر والحاج، وفي هذا العزو نظر، ومن رجع إلى كلام الأئمة ممن تكلم في الخلاف العادي وجد أنهم يعزون هذا القول له في طواف الوداع للحج لا يحكونه في غيره.

    نكتفي بهذا القدر فيما بان من مسائل، وظهر من حجج في غالب كلام العلماء، وثمة جملة من الأحاديث أيضاً مما تكلم عليها الأئمة بالإعلال في هذا الباب مما يطول الكلام عليه، ولكن هذا هو أظهر المسائل التي يحتاج إليها في المناسك في أركان الحج ومجمل واجباته، وكذلك شروطه.

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم لمرضاته، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.