إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الحج [1]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أعظم الأعمال قربة إلى الله تنقية الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدخيل، وأعظم الناس وزراً من افترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب؛ لأن هذا يدخل في أبواب التشريع فقد يكذب في حديث فيتعبد الناس بما في ذلك الحديث من أحكام فيقعون في الابتداع والضلال؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار.

    1.   

    الاحتياط في رواية الحديث الصحيح

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فمما لا يخفى أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتبليغها كما جاء عنه في الصحيحين قال: ( بلغوا عني ولو آية )، فينبغي للإنسان في حال بلاغه أن يحتاط في حديثه ويحترز، ولهذا فإن من أعظم الأعمال عند الله عز وجل قرباناً: من نقى سنة النبي صلى الله عليه وسلم من الدخيل فيها، وأعظم الناس وزراً عند الله عز وجل من افترى على الله كذباً وعلى رسوله عليه الصلاة والسلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ عن الله، فمن حدث عنه بشيء من الكذب فكأنما كذب على الله جل وعلا، وإنما كان موضع الخطورة في الكذب في الشريعة والافتراء على الله وعلى رسوله أن هذا يدخل في أبواب التشريع، فإن الإنسان إذا حدث بحديث وهو لا يدرك معناه، أو لا يدرك لفظه، ولم يضبطه على وجهه، فربما حدث بشيء فأخذ منه حكماً، فتعبد الناس بمثل هذا الحكم فوقعوا في الابتداع والضلال، أو كان بعض الحديث الذي يحدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهة المعنى صحيحاً، ولكن في بعض ألفاظه صراحة أقوى من غيرها وأظهر، فإذا حدث بالأظهر وهو ليس بصحيح فإنه يحتج به من جهة صرف الأمر إلى الوجوب أكثر من غيره، وكذلك النهي إلى التحريم أكثر من غيره، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: ( من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار )، وإذا كان هذا فيمن حدث عن النبي عليه الصلاة والسلام كذباً؛ فإن دلالة العكس في هذا أن من ذب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وحدث بصدقٍ فإنه من أهل الجنة يتبوأ منها مقعداً، ولهذا ينبغي أن نعلم كما أن الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام جرم عظيم وشؤم أثيم، فإن الصدق مع الله عز وجل في التحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأجور العظيمة جليلة القدر، ولهذا ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن ينظر في مسألة من المسائل أن يتحرى القول الصحيح المنسوب عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يعرف مراتب الصحة والضعف، وطرائق الأئمة في الاستدلال.

    وأكثر الناس يدركون استنباط المعاني، ولكن قد يكون هذا المعنى مستنبطاً من حديث ضعيف، فيدللون على شيء بتدليل صحيح واستنباط حسن، ولكن من مشربٍ ليس نقياً، ولهذا ينبغي للإنسان أن يحترز خاصة في مسائل العبادات التي يظهر فيها التعبد الظاهرة والباطنة، فإن هذه الأمور مما ينبغي الاحتياط فيها؛ لأن ضدها هو الإحداث في دين الله، وأمر الإحداث -كما لا يخفى- خطير، ولهذا حذر الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام بذلك، وأمره أن يحذر أمته بهذا في مواضع كثيرة من كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153]، وما جاء في الصحيحين في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ).

    1.   

    أنواع علة الحديث

    ونحن في عدة مجالس بإذن الله تعالى نتكلم على الأحاديث التي يستدل بها بعض الفقهاء وهي معلولة، وقد تكون العلة في ذلك ظاهرة تطرح الحديث، وقد تكون هذه العلة ليست بظاهرة فتلينه من وجهٍ فتضعف الاحتجاج به، وهذا من الأمور المهمة.

    إذا قدمنا بهذه المقدمة يتضح أن ما صح عند العلماء من وجهٍ وضعف من وجهٍ آخر أنه لا يدخل في هذا الباب باعتبار وفرة الأحاديث الثابتة من جهة اللفظ، ولكن من جهة الإسناد قد تكلم فيها العلماء وهي لا تدخل في بابنا، وإنما يدخل في هذا الباب ما كان عليه منزع الخلاف، ويدور عليه قولٌ لأحد أهل العلم المعتبرين في مسألة من المسائل.

    1.   

    حديث: (من لم يمنعه من الحج مرض حابس أو حاجة فما عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً)

    أول هذه الأحاديث: هو حديث أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من لم يمنعه من الحج مرض حابس، أو حاجة، فما عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً ).

    هذا الحديث أخرجه الدارمي في كتابه السنن، ورواه أبو نعيم في كتابه الحلية من حديث ليث عن عبد الرحمن بن سابط ، عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث حديث منكر، فإنه معلول بعدة علل:

    أول هذه العلل: أنه تفرد به ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن سابط و ليث بن أبي سليم متفق على ضعفه، ولم يوثقه أحد من الأئمة.

    والعلة الثانية: أن هذا الحديث اختلف في رفعه ووقفه، فقد رواه الإمام أحمد في كتاب الإيمان من حديث سفيان ، ورواه ابن أبي شيبة من حديث أبي الأحوص سلام بن سليم ، وجعلوه مرسلاً، ولم يذكروا أبا أمامة فيه، وهذا هو الأوجه والأشبه للصواب، فإن رواية ليث بن أبي سليم في ذاتها منكرة، كيف وقد خالفه غيره ممن هو أوثق منه وأدرى وأعرف.

    ثم إن هذا الحديث فيه دلالة على أن تارك الحج كافر، ومثل هذا يفتقر إلى حديث بإسناد صحيح يرويه الثقات الكبار، وهذا مما ينبغي للإنسان أن يلتمس فيه معنى المتن من جهة الثقل، فيربط به ثبن الإسناد، فإذا كان الإسناد متوسطاً والمعنى قوياً فإنه يلتمس أقوى منه، فإن لم يكن ثمة قوة فإن هذا من أمارات النكارة، خاصة إذا لم يعضده في ذلك عمل.

    1.   

    حديث: (من أطاق فلم يحج فما عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً)

    الحديث الثاني وهو يعضد هذا في كلام بعض من استدل بمعناه وهو حديث علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى، قال: ( من أطاق الحج فلم يحج فما عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً ).

    هذا الحديث رواه الترمذي في كتابه السنن والروياني و ابن أبي حاتم في كتابه المسند من حديث هلال أبي هاشم عن أبي إسحاق الهمداني عن الحارث عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث منكر معلول بعدة علل: أول هذه العلل:

    هو هلال به على أبي إسحاق ، ومعلوم أن أبا إسحاق مع كلام العلماء في بعض حديثه أن له أصحاباً كثيرين، ويروون عنه أحاديثه، فتفرد هلال أبو هاشم بهذا الحديث عن أبي إسحاق وهو مجهول، وقد قال فيه غير واحد من العلماء: منكر الحديث، كـالبخاري رحمه الله، وقد أنكر عليه هذا الحديث وأورده في مناكير ابن عدي ، وكذلك أنكره عليه الترمذي رحمه الله في كتابه السنن لما أخرجه.

    كذلك فإن هذا الحديث يروى من حديث أبي إسحاق عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب ، وأبو إسحاق هو السبيعي الهمداني، وهو من أئمة الرواية، ولكنه متهم بالتدليس، وحديثه عن الحارث الأعور متكلم فيه خاصة المرفوع، و الحارث الأعور يغلط ويهم، وحديثه عن علي بن أبي طالب في المرفوع منكر.

    ونستطيع أن نقول: إن الحارث الأعور في روايته الحديث عن علي بن أبي طالب أن هذا لا يخلو من أحوال: أولها المرفوع، وهو أشدها ضعفاً، وهو مطروح، سواءً صحت الطريق إليه أو لم تصح.

    ثانيها: ما كان موقوفاً على علي بن أبي طالب فهذا إذا كان في الفرائض فإنه أحسن حديثه، فإن علي بن أبي طالب له أقضية في أمور الفرائض، و الحارث الأعور تابعي فقيه في الفرائض، وإن كان يغلط ويفحش خطؤه، كما قال ذلك غير واحد من أصحابه كـالشعبي رحمه الله، فإنه قال بأنه يكذب، ومراده بذلك كثرة الغلط، فإن الغلط والخطأ في كلام العرب يسمى كذباً لمخالفته للحقيقة.

    ونقول: يلي هذه المرتبة ما يروى عن الحارث الأعور من قوله، فهذا فقهه، وهذا الحديث منكر، وقد جاء عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى بمعنى هذا الحديث، كما رواه أبو بكر الإسماعيلي من حديث عبد الرحمن بن غنم عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله، وهذا الحديث موقوف على عمر بن الخطاب أنه قال: من أطاق الحج فلم يحج فما عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وإسناده عن عمر صحيح، وهو أمثل وأصح ما جاء في هذا الباب في مسألة كفر تارك الحج، ولكن بعض العلماء يحمل الحديث على معانٍ أخرى، قالوا: من هذه المعاني: أن ما جاء عن عمر بن الخطاب في كفر تارك الحج أن هذا في حال ارتداد الناس لما ظهرت الردة، فيجعلون أمارة وعلامة على ذلك أن من أطاق الحج ولم يذهب إليه أن هذا موضع لاختباره وامتحانه، فربما كان مرتداً عن دين الإسلام، فيجعلون هذا من الفرائض.

    والقول بكفر تارك الحج هو قول لبعض الأئمة من السلف، كما جاء عن سعيد و نافع و الحكم ، و ابن حبيب من المالكية، ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وقال به أيضاً إسحاق بن راهويه عليه رحمة الله، وغير واحد من العلماء يقولون بكفر تارك الحج في حال الاستطاعة، وعزمه على عدم الحج، بخلاف مسألة من تراخى في الحج وعزم على أن يؤديه متأخراً، وهذا فرع عن مسألة الحج، هل هو على الفور أم على التراخي؟ وهذه مسألة أخرى.

    1.   

    حديث جابر: (الحج والعمرة فريضتان)

    الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( الحج والعمرة فريضتان ).

    هذا الحديث رواه ابن عدي في كتابه الكامل من حديث عبد الله بن لهيعة عن عطاء ، عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرفوعاً، وهذا الحديث منكر، ووجه نكارته: أن هذا الحديث جاء من حديث عبد الله بن لهيعة و عبد الله بن لهيعة سيئ الحفظ وقد اختلط، وهو ضعيف في ذاته واختلط فزاد ضعفاً، وكذلك فإنه قد تفرد به عن عطاء ، و عطاء له أصحاب يروون عنه الحديث، ومثل هذا الحديث في تفرد عبد الله بن لهيعة به مع الحاجة إلى معناه، والحاجة إلى معناه تكمن في أن العمرة فريضة وقرنها بالحج، ومعلوم الخلاف فيها، فإذا كان ثمة حديث يرويه عطاء ، و عطاء يرويه عن جابر بن عبد الله ، ومثل هذا الراوي ممن ينقل عنه مثل هذا الحديث، وتفرد عبد الله بن لهيعة به دليل على نكارته.

    كذلك فإن قوة هذا الحديث من جهة المتن لا تحمله قوة هذا الإسناد، فإن الإسناد ضعيف وواهٍ، والإسناد ثقيل ويحتاج إلى ما هو أقوى من ذلك.

    ومما يدل على نكارة هذا الحديث: أن جابر بن عبد الله قد اختلف عليه في هذا الحديث، فتارة يروى من حديث عبد الله بن لهيعة عن عطاء عن جابر بن عبد الله ، وتارة يروى من حديث الحجاج بن أرطأة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه أعرابي فسأله عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: لا، وأن تعتمر خير لك )، وهذا يناقض الحديث الأول، وهو معلول أيضاً، فقد رواه الإمام أحمد رحمه الله وغيره من حديث الحجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر ، وعلته في ذلك الحجاج فقد تركه غير واحد كما نص على ذلك ابن حبان، فقال: تركه يحيى و أحمد بن حنبل ، و البخاري ، وغيرهم، وهذا الحديث منكر، ويعرف من حديث الحجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ، وقد أخرجه ابن عدي في كتابه الكامل من حديث أبي عصمة نوح بن أبي مريم عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، فتابع هنا الحجاج بن أرطأة أبو عصمة نوح بن أبي مريم و نوح بن أبي مريم معروف بالترك والكذب ومتهم في حديثه، وكذلك ممن يتهم بسرقة الحديث، فإنه يأخذ الحديث من أفواه الناس ثم يحدث به عنهم، ثم يحدث به عن أشياخهم، ويظهر والله أعلم أن نوحاً في حديثه هذا قد سمع الحديث من الحجاج فحدث به عن محمد بن المنكدر، وليست هي بمتابعة، ومن أراد أن ينظر إلى حال نوح بكثرة تركيبه للأسانيد يدرك أن مثل هذا الحديث في الأغلب أنه لم يسمعه ولم يأخذه من محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ، وإنما مداره على الحجاج خاصة، فإنه لم يذكر سماعاً، ولو ذكر سماعاً فإنه متهم في حديثه، وجاء هذا الحديث من وجه آخر موقوفاً على جابر بن عبد الله عليه رضوان الله، جاء من حديث أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ، ولكن جاء بلفظ آخر وهو فرض العمرة وأنها واجبة، وهذا مخالف للحديث الذي رواه مرفوعاً، ومعلوم أن الحديث إذا جاء عن راوٍ واحد مرفوعاً وموقوفاً، ثم صح هذا الطريق من جهة الموقوف؛ فإن الموقوف يعل المرفوع، وهذا إسناده جيد عن جابر بن عبد الله بأن العمرة فريضة، وهو يعل طريق الحجاج عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن العمرة قال: لا، وأن تعتمر خيرٌ لك )، فـجابر بن عبد الله إذا كان لديه العمرة عن النبي عليه الصلاة والسلام ليست واجبة لا يمكن أن يقول: إن العمرة واجبة، فيخالف النص المرفوع، وهذا لا يليق أن ينسب إلى أحد من الصحابة، والعلماء كما لا يخفى لديهم من وجوه قرائن الإعلال أن الحديث إذا روي مرفوعاً وجاء ما يخالفه موقوفاً على ذلك الصحابي أن هذا من وجوه الإعلال.

    كذلك مما يدل على إعلال طريق الحجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي عليه الصلاة والسلام: ( لما سئل عن العمرة قال: أواجبة هي؟ قال: لا، وأن تعتمر فهو خير لك )، أن هذا الحديث قد اختلف فيه رفعاً ووقفاً، جاء من حديث الحجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله مرفوعاً كما تقدم الكلام عليه، وجاء من وجه آخر موقوفاً على جابر بن عبد الله من هذا الطريق، من حديث ابن جريج و الحجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله موقوفاً عليه، قال في العمرة: إنها ليست بواجبة: ( وأن تعتمر فهو خير )، وهذا دليل على اضطراب الحجاج في هذا الحديث، وأنه لا يثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وينبغي أن يقال: إنه لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نص صحيح صريح في وجوب العمرة، ولا يثبت عنه نص صحيح صريح في عدم وجوبها، والثابت في ذلك هو المشروعية والحث، جاء في حديث أبي رزين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( حج عن أبيك واعتمر )، هذا الحديث قال الإمام أحمد رحمه الله: إنه أصح شيء في وجوب العمرة، ولكن قد يكتنف هذا المعنى إشكال، وهو أن هذا الحديث لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن حجه وأبيه العمرة، قال: ( حج عن أبيك واعتمر )، أنه كان بعد سؤال، والصيغة بعد سؤال لا تأتي في الغالب إلا على جهة الأمر، كأن يأتي شخص فيقول: أريد أن أذهب إلى كذا، تقول: اذهب، فالدلالة فيه ظنية وليست بقطعية.

    وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يثبت في عدم وجوب العمرة عن النبي عليه الصلاة والسلام خبر، والأحاديث الواردة في هذا معلولة، وقد تقدم الإشارة إليها، ويأتي في هذا شيء منها بإذن الله.

    1.   

    حديث زيد: (الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت)

    الحديث الرابع: حديث زيد بن ثابت عليه رضوان الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت ).

    هذا الحديث رواه الإمام أحمد في كتابه المسند، ورواه ابن ماجه من حديث محمد بن كثير عن إسماعيل بن مسلم عن محمد بن سيرين ، عن زيد بن ثابت، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرفوعاً.

    وهذا الحديث مما أنكره الأئمة، فإنه تفرد به محمد بن كثير عن إسماعيل بن مسلم ، وهؤلاء في حديثهم لين، وإن كانوا في دائرة الصدق، وقد تفردوا بهذا الحديث عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت ، وكذلك من وجوه الإعلال ما ذُكر عن يحيى بن معين أنه قال: إن سماع محمد بن سيرين من زيد بن ثابت قديم، أي: أنه سمع منه وهو صغير، وتقدم معنا أن من قرائن الإعلال أن الراوي إذا سمع من راوٍ قديماً وهو صغير ثم حدث به متأخراً أن هذا أدعى للنسيان، بخلاف الراوي الذي يسمع كبيراً ويحدث كبيراً، وخاصة أن الذي يروي في هذا الحديث عنه هو إسماعيل ، وقد حدث عنه متأخراً، وهذا الحديث قد أنكر الأئمة الرفع فيه، ولكن الصواب في ذلك الوقف، وهذا من وجوه الإعلال أنه أعل بالوقف.

    وقد أخرج هذا الحديث الدارقطني و الحاكم و البيهقي من حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت من قوله وهو أصح، وقد صوب الموقوف الحاكم و الدارقطني و البيهقي وغيرهم، وهو أقرب إلى الصواب، وهذا يكون من قول زيد بن ثابت لا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حديث عائشة: (نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة)

    الحديث الخامس: حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: هل على النساء جهاد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة ).

    هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد و أبو داود في كتابه السنن وغيرهما، من حديث عائشة، وترويه عن عائشة عائشة بنت طلحة ، ويرويه حبيب بن أبي عمرة عنها، وقد وقع في هذا الحديث اختلاف، يرويه محمد بن فضيل وذكر فيه العمرة، ورواه البخاري في كتابه الصحيح عن جماعة من الرواة عن حبيب ولم يذكر فيه العمرة، وذكر الحج، رواه البخاري من حديث خالد بن عبد الله الواسطي و عبد الواحد بن زياد ، و سفيان الثوري ، كلهم عن حبيب به، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج )، ولم يذكر (العمرة)، و محمد بن فضيل في روايته لهذا الحديث وتفرده به أمارة على نكارته مع ثقته وعدالته، وهذا لعدة قرائن: منها: أن محمد بن فضيل متأخر، ومثل هذه الطبقة ينبغي ألا تنفرد برواية بمثل هذا المعنى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: ( عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج )، فذكر العمرة مهم في المتن، فمثل هذه الزيادة أن يذكرها محمد بن فضيل في طبقة متأخرة، و محمد بن فضيل من شيوخ أحمد بن حنبل فهو متأخر، وهذا من أمارات النكارة، وقد تقدم معنا إشارة إلى أن الراوي كلما تأخرت طبقته فهذا أمارة على رد زيادته وعدم قبولها، وأن الراوي كلما تقدم طبقةً فهذا من قرائن قبول الزيادة إذا كان عدلاً، وهذا من القرائن إذا احتفت بغيرها قبلت الزيادة.

    والقرينة الثانية: أن محمد بن فضيل ممن يهم ويغلط، وقد بين الإمام أحمد رحمه الله في حديث عائشة في التلبية، فقال: وهم فيه ابن فضيل، والإمام أحمد تلميذه، ويعرف حال شيخه، وهو أعرف الناس به، وفي حال الاختلاف ومعرفة أحوال الرواة خاصة إذا كان قد أخذ عنهم أحد الأئمة النقاد فينبغي ألا يخرج عن قوله، ولهذا فإن من الأمور التي ينبغي لطالب العلم في حال الاختلاف على راو من الرواة أن ينظر: هل في تلاميذه من الأئمة الكبار؟ إذا كان في تلاميذه ينظر في كلامه فيه، ومن نظر في ترجمة محمد بن فضيل يجد أن الأئمة عليهم رحمة الله وهو كذلك من يصفونه بالثقة والضبط، والإمام أحمد رحمه الله كذلك، ولكن ينكر عليه بعض حديثه.

    القرينة الثالثة: أن هذا الحديث رواه الجمع من الثقات، ولم يذكروا العمرة فيه، كـسفيان الثوري ، و عبد الواحد بن زياد ، و خالد بن عبد الله الواسطي ، كلهم يروونه عن حبيب ، ومثل هذا العدد يروون مثل هذا الحديث ولا يذكرون العمرة؛ دليل على عدم ورودها في هذا الحديث أصلاً.

    القرينة الرابعة: أن البخاري رحمه الله أخرج هذا الحديث في كتابه الصحيح، ولم يذكر العمرة فيه، ولعل من اللطائف أيضاً أن البخاري يرى وجوب العمرة، وترجم على هذا في قوله: (باب وجوب العمرة) في كتابه الصحيح، ومع ذلك لو كانت تسعفه هذه الزيادة في الإيراد في الصحيح لأوردها، وهذا دليل على نكارتها عنده، وأنه مما لا يحتج به.

    ومن قرائنها عند البخاري أنه في أبواب العمرة اكتفى بما جاء عن عبد الله بن عباس في قوله: والله إنها لقرينتها في كتاب الله، فاكتفى بالموقوف الصريح، وجاء ببعض المعاني العامة، وهذا من قرائن الإعلال عنده رحمه الله في مثل هذا الحديث.

    1.   

    حديث: (من أراد الحج فليتعجل)

    الحديث السادس في هذا: حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من أراد الحج فليتعجل ).

    هذا الحديث رواه الإمام أحمد في كتابه المسند، و أبو داود في كتابه السنن، من حديث الحسن بن عمرو عن مهران أبي صفوان عن عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث ضعيف، فإن راويه مهران لا يعرف، قال أبو زرعة : لا يعرف إلا في هذا الحديث، وقد تفرد بهذا الحديث عن عبد الله بن عباس.

    ومن وجوه النكارة أيضاً: أن مثل مهران ينبغي ألا يتفرد عن عبد الله بن عباس أصلاً، حتى في ما دون هذا المعنى، فـعبد الله بن عباس هو أوفر الصحابة أصحاباً من الفقهاء الثقات.

    وثمة مسألة في مسائل الإعلال وهي: أن طالب العلم في أمور العلل ينبغي له أن ينظر إلى وفرة تلاميذ الشيخ، فكلما كثروا وتعددوا ضاق على المنفرد باب التفرد، وإذا قلوا قرب من جهة القبول، وكلما كثروا أبعدوه، فقد نقبل الراوي عن شيخ يتفرد به وهو في ذاته مقل عنه، ولا نقبله عن شيخ وهو في ذاته مقل عنه؛ لأنه لا يجد المزاحمة هناك ويجد المزاحمة هنا، مثل عبد الله بن عباس فإنه يشدد فيه جداً أن يتفرد عنه راو بمثل هذا المعنى، فمثل هذا لا ينبغي أن يقبل، خاصة في مسألة الأمر بالمبادرة بالحج.

    وهذه مسألة خلافية معروفة في مسألة الحج: هل الحج على الفور أم على التراخي؟

    وهم يستدلون بحديث عبد الله بن عباس وحديث الفضل عليه رضوان الله في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتعجيل، ( من أراد الحج فليتعجل؛ فإن الإنسان لا يدري ماذا يعرض له )، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( تعجلوا في الحج )، يعني: الفريضة، وهذا من أمارات الإنكار.

    الحديث السابع في هذا: حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتعجيل بالحج، فقال: ( من أراد الحج فليتعجل )، وهذا الحديث يرويه إسماعيل بن خليفة أبو إسحاق الملائي وقد تفرد به، فهو يرويه عنه سفيان الثوري ، عن إسماعيل بن خليفة ، عن سعيد ، عن عبد الله بن عباس ، تارة يجعل من حديث الفضل عن عبد الله بن عباس عن الفضل ، وتارة يجعل من حديث عبد الله بن عباس، وإسماعيل بن خليفة لين الحديث، وظاهر صنيع الإمام أحمد رحمه الله أنه ينكر هذا الحديث، فإنه ذكره في كتابه السنن برواية ابنه عبد الله ، وألمح إلى المخالفة فيه، وكذلك رواه الترمذي أيضاً.

    1.   

    حديث: (العمرة واجبة)

    الحديث الثامن: حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده في كتابه الطويل، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( العمرة واجبة ).

    هذا الحديث رواه ابن حبان في كتابه الصحيح، ورواه البيهقي و الحاكم وغيرهم، من حديث سليمان بن داود ، عن أبي بكر بن حزم ، عن أبيه عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث وقع فيه اختلاف في إسناده بين الإرسال والوصل.

    وهو معلول بعلل: أول هذه العلل: أن هذا الحديث يرويه سليمان بن داود ، وقد اختلف فيه، فهناك من ضعفه، ولين حديثه، واختلف هل راوي الخبر هو سليمان بن داود فعلاً أو ثمة خطأ في هذا الإسناد، فيرويه سليمان بن الأرقم ، عن الزهري ، وأكثر المحدثين على أن الذي يروي هذا الحديث هو سليمان بن الأرقم وليس سليمان بن داود ، وقد نص على ذلك أبو زرعة ، و صالح جزرة ، و ابن منده ، وغيرهم، وهكذا وجدوه في النسخ بخط تلاميذه، أنه سليمان بن الأرقم وليس سليمان بن داود.

    والعلة الأخرى: أن هذا الحديث لا يحتمل منه تفرد مثل حال سليمان ، سواءً كان ابن الأرقم أو ابن داود ، فـسليمان بن الأرقم متروك الحديث، وهو مطروح، ومنكر الحديث جداً، وأما بالنسبة لـسليمان بن داود فهو أحسن حالاً منه مع ضعفه، وأنه لا يحتمل منه مثل هذا الحديث؛ لأنه يرويه عن ابن شهاب الزهري ، و ابن شهاب الزهري من الأئمة الرفعاء الثقات المدنيين الكبار، ومثل هذا الحديث بطوله ينبغي أن يرويه من هو أجل وأوثق من سليمان ، وتفرد سليمان بمثل هذا الحديث مع طوله وهو حديث طويل نشاهده في بابنا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( العمرة واجبة )، وهذا من علامات إنكار هذا الحديث.

    ومن وجوه الإعلال في هذا الحديث: أنه قد اختلف في وصله وإرساله، فإنه جاء من حديث يونس عن الزهري مرسلاً، ولم يجعله موصولاً، قال أبو داود في كتابه المراسيل: روي موصولاً ولا يصح، وأبو داود رحمه الله إذا ذكر في كتابه المراسيل حديثاً مرسلاً فظاهره أنه يميل إلى إعلال الموصول في غيره؛ لأن عادة النقاد الأوائل أنهم لا يلتفتون إلى الإرسال إلا إذا كان معتبراً، فإذا دونوا في كتب المراسيل فإن هذا علامة على اعتبارهم لإرساله، ولهذا نقول: إن كتاب المراسيل لـأبي داود هو كتاب علل، فينبغي لطالب العلم أن يعتني به، وأن يقارنه بغيره مما يوصل، وهل ينص على أن أبا داود رحمه الله أعله؟ نقول: لا حرج على طالب العلم أن يقول: أخرجه أبو داود في كتابه المراسيل وظاهره أنه يعله بالإرسال، وأخص معاني الإعلال بالإرسال إذا كان الحديث موصولاً عند أبي داود في كتابه السنن ومرسلاً في كتابه المراسيل، فهذا دليل قاطع على أنه وقف عليه موصولاً ووقف عليه مرسلاً.

    وما يستشكله البعض من قولهم: إن أبا داود إذا روى الحديث مرسلاً في كتابه المراسيل فإن هذا لا يقطع بإرساله؛ لأنه ربما لم يقف على الموصول؟

    نقول: إذا وقف على الموصول في كتابه السنن أو في غيره فإنه يعل الموصول بالمرسل؛ لأنه قد وقف عليه قطعاً.

    ومن القرائن أيضاً: أن أبا داود رحمه الله له أحاديث في كتابه السنن موصولة، رويت مرسلة من وجهٍ آخر وما ذكرها في كتابه المراسيل، فهذا من وجوه أنه أراد في كتابه المراسيل الإعلال؛ لأنه له قاعدة مطردة أنه يحشد في هذا الكتاب كل مرسل لحشد الجميع، ولكن له أحاديث في كتابه السنن موصولة وقد رويت مرسلة، ما أوردها في كتابه المراسيل لأنه يرجح الوصل، وهذا من القرائن، أننا إذا وجدنا الحديث موصولاً في السنن ومرسلاً ولم يذكره أبو داود رحمه الله في مراسيله، فإن أبا داود رحمه الله يميل إلى صحة الوصل، وهذا من القرائن وليس من الأدلة القطعية.

    نكتفي بهذا القدر. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.