إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي
  3. سلسلة العقيدة - شرح عقيدة أبي حاتم وأبي زرعة [4]

سلسلة العقيدة - شرح عقيدة أبي حاتم وأبي زرعة [4]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من عقيدة أهل السنة: أن الجنة والنار مخلوقتان, وهما موجودتان الآن, وباقيتان لا تفنيان أبداً، والصراط حق ينصبه الله عز جل على متن جهنم يمر عليه الناس على قدر عملهم, والميزان حق لثبوته في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحوض حق, ويكون قبل دخول الجنة، والشفاعة حق شرعة رحمة من الله سبحانه وتعالى, ولا تكون إلا بشرطين: رضا الله سبحانه وتعالى عن المشفوع. وإذن الله عز وجل للشافع. والبعث من بعد الموت حق؛ لثبوته واستقراره, وعدم ورود النفي عليه عند أحد من أهل الفطر.

    1.   

    الإيمان بالجنة والنار

    قال المصنف: [ والجنة حق والنار حق, وهما مخلوقان لا يفنيان أبداً, والجنة ثواب لأوليائه, والنار عقاب لأهل معصيته إلا من رحم الله عز وجل].

    الله سبحانه وتعالى خلق الجنة والنار, وهما موجودتان الآن, أعد الله عز وجل الجنة لأوليائه, وأعد النار لأعدائه, لا يخلد في النار إلا كافر, ولا يدخل الجنة إلا مؤمن, وجعل الله عذاباً لبعض أهل الإسلام من أرباب الكبائر, يعذب الله عز وجل من شاء منهم, ويغفر الله سبحانه وتعالى لمن شاء, وقضى الله على نفسه أن لا يغفر لمن أشرك معه شيئاً إلا أن يتوب, ولهذا يقول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    أنواع الذنوب وكفاراتها

    فالذنوب التي تكون من الإنسان على نوعين: ذنوب مكفرة, وذنوب ليست مكفرة, الذنوب المكفرة, هذه لا تغفر حتى يقلع عنها صاحبها تائباً لله سبحانه وتعالى, الذنوب غير المكفرة هي التي يتوعد صاحبها بالنار, والله سبحانه وتعالى يتوعد عبده وقد يغفر الله جل وعلا له, وذلك إن شاء رحمه وإن شاء عذبه سبحانه وتعالى.

    والمكفرات التي يجعلها الله جل وعلا للذنوب عديدة: أولها: التوبة والاستغفار, ثانيها: الحسنات التي تذهب السيئات, وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114], الثالثة: المصائب والهموم التي تلحق الإنسان؛ وذلك من الأمراض والأسقام والكوارث الطبيعية, وفقد الولد, والمال, والهم والحزن, حتى الشوكة يشاكها الإنسان يكفر الله عز وجل بها من خطاياه, ولهذا يقول الله جل وعلا: وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30], يعني: يعفو الله عز وجل عن عبده بالمصيبة التي تنزل عليه, ولكن الله عز وجل لا يجعل المصيبة موجبة للتكفير, وإنما الصبر المقترن معها, الصبر المقترن معها هو الذي يكفرها, فمن وقع في مصيبة فتسخط وتضجر وسب وشتم ولعن ولم يصبر فهذا لا يؤجر على مصيبته ولا يكفر الله عز وجل بها, وقد يجمع الله عز وجل التكفير مع وجود السخط؛ لأن السخط دون عظم المصيبة, فالذي يتسخط من شوكة يختلف إذا تسخط من فقد مال وولد, فتسخطه الذي تسخط بالشوكة ربما أتى على أجر مصيبة الشوكة لكنه لا يأتي على أجر مصيبة فقد الولد كله, فينقص من أجر صبره بمقدار زوال الصبر من ألم المصيبة, والله عز وجل عدل في ذلك, ينصف عبده في حقه, ومن المكفرات أيضاً: دعاء غير الإنسان له؛ وذلك أن يدعو الإنسان لغيره بأن يغفر الله له وأن يتوب عنه, وأن يتجاوز, وهذا أصل في مشروعية الدعاء للغير, وإلا ما شرع الدعاء للغير بالاستغفار, إلا لأن الله عز وجل يخفف أو يزيل ذنب ذلك الإنسان بدعائك له, ومن المكفرات أيضاً: ما يأتي من امتحان وفتنة للإنسان في حياة البرزخ, ومن المكفرات أيضاً: ما يجد الإنسان من شدة من الوقوف في عرصات يوم القيامة, يخفف الله عز وجل على عباده, هذه المكفرات كلها لا تأتي على الشرك إلا التوبة والاستغفار, التوبة والاستغفار يأتي على الشرك بعينه, أما بقية المكفرات لا تأتي على الشرك؛ لعظمه وغلظه, فلو أصيب الإنسان بمصائب وهموم مدى الدهر ما دام مشركاً لا تأتي على الشرك, حتى يتوب الإنسان إلى الله عز وجل وينيب إليه, ويوحده سبحانه وتعالى, إذاً تأتي على ما دونها, فالمصيبة بمقدارها.

    وكذلك أيضاً كما أن الله جل وعلا يجعل الحسنات تذهب السيئات فالله جل وعلا أيضاً يجعل السيئات تذهب الحسنات, وهذا موضع خلاف عند أهل السنة على قولين, والأرجح في ذلك أيضاً أنه كما أن الحسنة تذهب السيئة فالسيئة أيضاً تذهب الحسنة ولكن دون إذهاب الحسنة بالسيئة؛ لأن رحمة الله عز وجل تسبق غضبه وسخطه, والأدلة في ذلك في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم معروفة, ونقول: إن تكفير أو محو السيئة للحسنة على نوعين: مقابلة, يعني: نقض الحسنة بضدها؛ كالمن والأذى الذي يلحق الصدقة, لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة:264], المن والأذى معصية, امتنيت على المال بذاته أو امتنيت بمال غيرك, فأنت عصيت الله عز وجل في هذا الأمر, فإذا مننت بصدقتك أبطلت أجرك, الثاني: غير مقابلة, وهو: أن يبطل الله حسنة بذنب من غير جنسه ولا يقابله؛ كإبطال أجر ذكر بذنب آخر كزنا أو شرب خمر أو غير ذلك, ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2], والخطاب هنا يتوجه إلى الصحابة, وجاء ذلك في خيرة الصحابة عليهم رضوان الله, وكذلك أيضاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عائشة , قالت عائشة لأم زيد بن أرقم لما تبايع بالعينة: ( أخبريه أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب ), وذلك أنه أبطل أجر الجهاد بذنب عظيم وهو: العينة؛ لكونه صنف من أصناف أكل أموال الناس بالباطل, ولهذا نقول: إن المعصية تأتي على شيء من الطاعات, ولكن هذا له تفصيل في مسألة رجوع ذلك إلى عمل القلب, وعظم ذلك العمل, مع تعظيم ذلك القلب, وكلما عظم العمل مع استحضار هيبة الله فإن العمل القليل يعظم, والذنب الحقير استهان الإنسان بالمعصية وازدراها ولم يكترث بها فإنها تكون عند الله عظيمة, وهذا له تفصيل ليس هذا محله.

    الذنوب من حيث التعدي واللزوم

    كذلك أيضاً ينبغي أن أشير إلى أن الذنوب التي يفعلها الإنسان باعتبار التعدي واللزوم على نوعين: ذنوب لازمة, وذنوب متعدية, لازمة يعني: ذنوب خاصة بالإنسان؛ كشرب الخمر, والنظر المحرم, والسماع المحرم, هذا ذنب لازم ليس لأحد فيه حق, وذلك أن الله سبحانه وتعالى ما رتب لأحد حق, فإذا شربت الخمر لا يوجد لأحد يستوفي منك حقاً إلا الله سبحانه وتعالى, كذلك أيضاً إذا سمعت غناء أو غير ذلك فهذا لا يلزم منه أن لأحد حق, كذلك أيضاً النظر, إذا نظر الإنسان إلى حرام فهذا ليس لأحد في ذلك حق يستوفى؛ لأن الله عز وجل أمر الناس بالستر, فإذا ظهرت عورة ثم نظر فيها الإنسان أصبح ذلك الذنب لازم.

    والذنوب المتعدية: وهي حقوق الغير, بالدماء والأعراض والأموال, هذه لا يكفرها شيء من المكفرات كلها, حتى الاستغفار والتوبة, وإنما لا بد فيها من إعادة الحقوق إلى أصحابها, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من كانت عنده مظلمة لأخيه ), ما قال فليتب, قال: ( فليتحلله منه ), أن يكون لدى الإنسان مال أخذه اغتصبه أو سرقه أو استدانه ولم يرجعه لا بد من أن يعيده وإلا لا بد من ذلك القصاص يوم القيامة بالحسنات والسيئات, ضرب أحداً, لا تكفرها الاستغفار, لا بد من ذلك إما المسامحة أو القصاص, قتل أحداً ليس له أن يستغفر ويتوب ويكفي في ذلك, لا بد أن يعرض نفسه على الاستيفاء بالقصاص, أو يتحلل من صاحب الدم وأوليائه, إلا إذا كان لا مجال للاستيفاء؛ كشخص لديه مال وفقد صاحبه, لا يدري أين هو, وعليه لأحد حق لكن لا يدري في أي أرض هو, هذا إذا علم الله عز وجل صدقه وإنابته فإن الله سبحانه وتعالى يعطي ذلك قدره ويعطي المظلوم حقه.

    خلق الجنة والنار وأبديتهما

    وقوله هنا: "هما مخلوقان لا يفنيان أبداً, والجنة ثواب لأوليائه, والنار عقاب لأهل معصيته إلا من رحم الله عز وجل".

    لا يختلف أهل السنة على اختلاف أحوالهم على أن الجنة باقية لا تفنى, وإنما قول لبعض الأئمة في النار فقط, وذلك قالوا: لأن الله عز وجل رحمته سبقت غضبه, ورحمة الله عز وجل أوسع من الغضب, ودوام الجنة والنار على سبيل الدوام ومن غير فناء يعني: التساوي بينهما, ومثل هذا التعليل مع وجود ذلك الدليل, وذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء:169], فذكر الخلود وذكر الأبدية والسرمدية في هذا الأمر.

    وهنا في قوله: "والجنة ثواب لأوليائه, والنار عقاب لأهل معصيته, ذكر هنا أهل معصيته", وذلك أنه قد يدخل النار الإنسان بغير الكفر وهو مسلم لكونه من أرباب الكبائر, وما قال النار لأهل الكفر؛ لأنه يلزم من ذلك هو نفي دخول النار لأهل الإيمان, وقد ثبتت الأدلة في عقاب الله عز وجل لأهل الإيمان, وما قال المصنف الجنة يدخلها المؤمنون والنار لا يدخلها المؤمنون؛ لوجود قدر مشترك وهم أهل المعاصي, قد يدخل الجنة إنسان وهو صاحب كبيرة ولا يمر بالنار, وقد يمر الله عز وجل عبداً من عباده على النار لكبيرة أو كبائر وقع فيها, فالله سبحانه وتعالى يجعل ذلك بموازنته وعدله.

    قوله: "إلا من رحم الله عز وجل", يعني: من أهل المعصية, أما أهل النار فلا يرحمهم الله سبحانه وتعالى لأنه قضى في ذلك, إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة:5], يعني: لا بد أن يكون خاسراً إذا كان من أهل الشرك والكفر, لا بد من دخوله النار, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم, قال: ( لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ), فالكافرة لا بد من خلودها ودخولها للنار, ولهذا رفع الله عز وجل عفوه وصفحه عن الكافرين إلا على باب التخفيف لا باب الخروج, لهذا الكافر قد يخفف عنه, ولكن لا يخرج من النار, وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم تكون لأهل الكبائر لا لأهل الكفر, لا تكون لأهل الكفر, إلا ما جاء فيه الخبر في موضعين: الموضع الأول في عمه أبي طالب في الشفاعة له, الموضع الثاني: في خبر أبي لهب في الشفاعة له, وهو في البخاري معلق وليس على شرطه, وفيه كلام, وذلك أنه قد أعتق في الجاهلية مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم, فأرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقيل: إنه يشرب في الجنة بمقدار هذه وأشير إلى ما دون الإبهام من خمس يشرب منه, وهو شيء لا يملأ قطرات يسيرة, ونقول: إن الأصل أن الشفاعة لا تكون لأهل الكفر وإنما هي لأهل الإيمان من أهل الذنوب وغيره, وهي على أنواع.

    1.   

    الإيمان بالصراط

    [ والصراط حق]

    قوله هنا: "والصراط حق" الصراط الذي ينصبه الله عز جل على متن جهنم, والحساب والعقاب في معرفة موضعه نقول: مواضع المجازاة في موضعين: الموضع الأول: قبل الجنة, الموضع الثاني: بعد الجنة.

    الموضع الأول يكون قبل المرور على الصراط, وهذا على أحوال:

    الحالة الأولى: في أهل الإيمان الذين كتب الله عز وجل لهم دخول الجنة وعدم دخول النار, يستوفون الحقوق ومعرفة موازين حسناتهم وسيئاتهم قبل مرورهم على الصراط أصلاً.

    الثانية: الكفار, الذين أوجب الله عز وجل عليهم دخول النار والخلود فيها, فهؤلاء ينهون من حسابهم كاملاً قبل المرور على الصراط, فيهوون في النار بمقدار ما عليهم, ويقتصون الحقوق التي بينهم, فالكفار بينهم مظالم, هذا ظلم هذا وهذا ظلم هذا, هل يأخذون حسنات؟ لا, يتقاذفون السيئات, فيزداد في ذلك العقاب, وأهل الإيمان يؤمنون بأن الجنة درجات والنار دركات, ويقضي الله عز وجل كذلك بين البهائم, ولا تصل إلى الصراط, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها وليقتصن الله للشاة الجماء من الشاة القرناء ), هذا فيما بينهن يوم القيامة, وهل يقتص الله عز وجل للشاة وللبهيمة وللحيوان من الإنسان أم لا؟ نقول: لا يكون قصاصاً, يعني: استيفاء, وإنما يكون وزراً وعقاباً عليه, عقاباً عليه لا حظاً لذات البهيمة تنعم به أو يخفف عليها العقاب لأنه لا يرد عليها ذلك.

    الموضع الثاني: بعد الصراط, وهذا يكون لأهل صنف واحد, هؤلاء هم الذين دخلوا النار من أهل الإيمان, ترجئ موازين الحقوق بينهم إلى ما بعد الخروج من النار ممن قدر الله عليه النار من الكبائر, لهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يخرج المؤمنون من النار فيوقفون على قنطرة بين الجنة والنار ويقتصون حقوقاً كانت عليهم ), إذاً لم يقتصوها قبل ذلك, فالحقوق التي تكون على من كتب الله عز وجل عليه النار يرجئها الله إلى ما بعد الخروج منها, فيكون بعد ذلك القصاص؛ لأن الله سبحانه وتعالى يرفع هذا بعد ذلك منزلة في الجنة ويخفض ذلك.

    وفي قول المصنف هنا: "والصراط حق", الصراط: هو الذي ينصبه الله عز وجل على متن جهنم, ويجري عليه ويسير الناس عليه بمقدار طاعتهم وقرباتهم, منهم من لا يسير عليه أصلاً, وذلك لأنه يسحب ويلقى في النار لعظم جرمه, ومنهم من يسير بمقدار طاعته وقربه إلى الله, فمنهم كالبرق, ومنهم كلمح البصر, ومنهم كالجياد من الخيل ومنهم كأسرع الناس, ومنهم من يمشي, ومنهم من يحبوا, ومنهم من تتخطفه النار, ومنهم من يهوي في أوله, ومنهم من يهوي بأوسطه, وذلك بمقدار طاعاتهم.

    1.   

    الإيمان بالميزان

    [ والميزان حق, له كفتان توزن فيه أعمال العباد, حسنها وسيئها حق ].

    هنا يقول: والميزان حق, له كفتان توزن في أعمال العباد, حسنها وسيئها حق.

    الإيمان بالميزان حق؛ وذلك لثبوته في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف:8], فالله سبحانه وتعالى أثبت الميزان, وأثبت الله جل وعلا أيضاً ثمة ميزان للحسنات وثمة ميزان للسيئات, والناس في ذلك على نوعين: أناس يوزنوا, وأناس يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب, ممن يكتب الله سبحانه وتعالى له ذلك, وهل يعني من دخول الإنسان من غير حساب ولا عذاب أنه لا يعلم ما عمل, يعلم ما عمل, ولكن لا يكون ذلك محاسبة ومعاقبة, والناس في الميزان يوم القيامة, وعلى ما تقدم, له كفتان من جهة الوزن, منهم من يوزن له عمل واحد, ومنهم من يوزن له عملين, من يوزن له العملين وهم أكثر الخلق وذلك الذين لديهم حسنات وسيئات, فإن غلبت الحسنات كان من الجنة, وإذا كان لديه سيئات غلبت لم يغفر الله له أدخله الله عز وجل النار, من يوجد له عمل واحد على نوعين: إما حسنات فقط, وإما سيئات فقط, الحسنات فقط, الذين ليس لديهم سيئات توزن, إما أن الله عز وجل غفرها قبل ذلك, وإما أنهم لم يفعلوها ولم يبق لديهم شيء, وذلك للبعض والندرة من الخلق, وذلك لا يعني عدم جريان المعصية من الإنسان, بل تجري عليه, بل إن الله أورد شيئاً من التكفير لها؛ كما جاء في الخبر: ( إن المصيبة لتلحق العبد, والبلاء لينزل بالعبد حتى يمشي في الأرض وليس عليه ذنب ), من يوزن له عمل السيئات, وذلك للمشرك؛ لماذا لأنه ليس لديه حسنات, وما يفعل تعجل له طيباته في الدنيا, فلا توزن السيئات, وما فائدة وزن السيئات؟ حتى يعرف عقابه بنفسه, وهل الله جل وعلا يحصي على العباد الذنوب ليعلم هو أم ليعلموا؟ ليعلموا, ولهذا الله عز وجل يجعل الملكين رقيب وعتيد, ويجعل من يكتب على العبد ويحصي عليه؛ ليعلم الإنسان, لأن الإنسان عنيد, ولا يقبل شاهداً ولا بينة, فأراد الله عز وجل أن يقيم الحجة عليه, وأن يعلمه بنفسه بالدلائل وشهود البينة, لا أن يعلم الله, تعالى الله عز وجل عن ذلك, فالله يعلم بلا هذه الأسباب, ولهذا الله سبحانه وتعالى يحصي على عبده ويجعل الكتبة ليشهدوا على العبد, ليقروا العبد ويعلموه بذنبه فيعرف، ومع ذلك يأبى الإنسان إلا شاهداً من نفسه, فينطق الله عز وجل أعضائه لتشهد عليه, إذاً الله سبحانه وتعالى يريد من ذلك أن يقر العبد على نفسه, حتى إذا عذب في ذلك عذب بأمر يقتنع به ويقتنع به من يراه, وهذا كمال العدل, وإذا كان الله سبحانه وتعالى وهو أعدل العادلين جل في علاه لن يعاقب عباده بلا بينة له, وبعلمه فقط فغيره من باب أولى, ألا ينزل العقوبة على أحد لعلمه فقط, فلا يجوز للقاضي ولا يجوز للحاكم أن ينزل عقوبة لعلمه, وإنما لا بد من ورود بينة, فإذا رأى القاضي أو الحاكم أحداً يزني لا يقيم عليه الحد حتى يأتي بشهود؛ رأى أحداً سكران, ليس له أن يأخذ به إلى المحكمة ويقيم عليه الحد لا, حتى يأتي بالشهود عليه؛ لأن الشريعة ما جاءت بأن يقام الحد فقط, لا, جاءت أيضاً بما هو أبعد من ذلك, بإنزال العقوبة, وقطع العذر أيضاً عن الناس أن يقال: ظلم هذا الرجل بإنزال عقوبة عليه, فإذا قامت البينة عليه دل على عدل الإسلام وإنصافه, وقطع الحجة والأعذار عند أهل الأهواء والتربص.

    1.   

    الإيمان بالحوض

    [ والحوض المكرم به نبينا حق].

    يقول: والحوض المكرم به نبينا حق, وذلك أن الحوض يكون قبل دخول الجنة يجعله الله سبحانه وتعالى, وجاء في أوصافه أنه مد البصر, وفيه آنية عدد النجوم يتناول منه الناس, والحوض أول من يرد إليه صاحبه عليه الصلاة والسلام, ويدفع عنه من ليس من أهله, فيجعل الله عز وجل له في ذلك أمراً ونهياً, الناس قبل الحوض يعطشون, وبعد الحوض يروون, فشربهم من الحوض للري, وشربهم بعد الحوض للتلذذ والمتعة, ولهذا نقول: إن من شرب من الحوض لا يعطش, فشرابه في الجنة وأكله ليس لأجل سد الجوع وإنما للاستمتاع, لأنه سد عطشه من ذلك الحوض, ولهذا نقول: إن الحوض جمع الله عز وجل فيه سد العطش واللذة, وأما ما جعله الله عز وجل للعباد في الجنة فجعل الله عز وجل في ذلك تنعماً وزيادة في النعيم والمتعة.

    1.   

    الإيمان بالشفاعة

    [والشفاعة حق ].

    والشفاعة هي ضد الوتر, والوتر فرد, وانضمام فرد إلى فرد شفع, وذلك أن الإنسان إذا كان لا يقوم بنفسه فاعتضد بغيره يسمى الثاني شفيعاً وشافعاً, والشفاعة شرعة رحمة من الله سبحانه وتعالى, والشفاعة لا تكون إلا بشرطين: الأول: رضا الله سبحانه وتعالى عن المشفوع.

    الثاني: إذن الله عز وجل للشافع.

    ولا تكون الشفاعة إلا لأهل الإسلام, الشفاعة في ذلك الشفاعة الخاصة, وثمة اعتبار بتقسيم الشفاعة, باعتبار العموم والخصوص, فنقول: إن الشفاعة على نوعين: شفاعة عامة, وشفاعة خاصة, الشفاعة العامة التي تكون لأهل الموقف, يجعلها الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم بالتعجيل بالقضاء والفصل بينهم, وهذه شاملة لكل الخلق.

    وأما الشفاعة الخاصة فلا تكون إلا لأهل الإسلام, سواء كان ذلك من دخل النار أن يخرج منها, أو كان ذلك فيمن في الجنة أن يرفع منزلة ويعلى فيها, والشفاعة جعل الله عز وجل منها لرسوله صلى الله عليه وسلم, وجعلها الله عز وجل لغير رسوله من سائر الصالحين, وذلك كشفاعة الشهيد لأهله, وشفاعة السبط لأبويه, وشفاعة الزوج لزوجه أن يلحق به, فهذه شفاعات يجعلها الله سبحانه وتعالى لمن شاء من أهل الإيمان, أما الكفار فلا يشفع لهم فضلاً أن يقوموا بالشفاعة, وقد تقدم معنا حالة الاستثناء فيما ورد في حال أبي طالب وما يروى في ذلك في حال أبي لهب , والشفاعة يرحم الله عز وجل بها خلقاً, ويخرج الله عز وجل بها أقواماً من النار, ويسلم الله جل وعلا بها أقواماً من دخول النار أصلاً, وهي على أحوال وتنزل على أقوام لا يحصي أعيانهم إلا الله سبحانه وتعالى, والشفاعة هي من رحمة الله, جعل الله عز وجل لها أسباب, وأعظم أنواع الشفاعة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته.

    1.   

    الإيمان بالبعث بعد الموت

    [ والبعث من بعد الموت حق ].

    يقول: والبعث من بعد الموت حق.

    يذكر العلماء الموت ويصفونه بالحق, وذلك لثبوته واستقراره, وعدم ورود النفي عليه عند أحد من أهل الفطر, ولم يرد في زمن فيما أعلم من توقع نفي الموت كما في زمننا, بإمكان علاجه؛ كما وجد عند المدرسة الغربية, أنهم يعزمون على وجود حل للموت, ويرون أن هذا ممكن, ولهذا وجد شركات تأمين غربية تدفع لها أموال سنوية واشتراكات بحيث الإنسان لو مات وتطور العلم أنه يؤخذ برقمه وتستخرج جثته ويعاد, وهذه شركات قائمة, موجودة, ومدرسة عقلية لها أصولها ونظرها في الغرب, ولا شك أن هذا ضرب من ضروب الجنون, وكذلك أيضاً عدم الإيمان بوجود الخالق, وا عجباً أيضاً من البشر, مروا بمراحل على عدم قدرة الخالق أن يعيد خلقه, فوصلوا إلى مرحلة الإيمان أن المخلوق يعيد المخلوق، ولا شك أن هذا دليل على تناقض العقل إن ابتعد عن رحمة الله عز وجل وتوفيقه, السابقون كفروا لعدم إمكان أو قدرة الخالق تعالى عن إعادة وإحياء العظام وهي رميم, وأهل المادة اليوم قالوا: بإمكان البشر أن يعيد ذلك بعد موته, وذكر لي أحد أهل العقل والديانة أنه رأى رجلاً عربياً عليه سوار في معصمه, فقال: ما هذا؟ فقال: هذا اشتراك في شركة تأمين, أدفع لهم مالاً سنوياً لأنهم احتمال أن يجدوا حلاً للموت, فإذا مت أنقل إلى موضع معين, ويوضع إما في حافظات أو غير ذلك, ثم إذا وجدوا حلاً قاموا باستخراجه من ماله الذي دفعه قبل ذلك, فهذا خسر الدنيا والآخرة, ضيع المال ولا استمتع به, وخسر الآخرة من كان من أهل الإيمان بها, ولو كان صاحب عقل على الأقل ولو جذوة من عقل لانتفع من هذه أو انتفع من الثنتين, ولكن مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40].

    وقوله: "والبعث من بعد الموت حق", البعث من بعد الموت إحياء الناس بعد موتهم, وقيامهم في يوم النشور لله سبحانه وتعالى, يخرجهم الله سبحانه وتعالى من الأجداث, وذلك من القبور, يحييهم الله سبحانه وتعالى مهما تغيرت أحوالهم وتقطعت أوصالهم وتنوعت؛ لأن الذي أوجدهم من عدم بلا شيء أقدر على إعادتهم بعدما كانوا شيئاً فتوزع هذا الشيء, فمادته موجودة, فالله جل وعلا الذي أوجد العظام من عدم أقدر على إحيائها وهي رميم, ولهذا لما اعترضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: من يحيي العظام وهي رميم؟ ماذا قال الله جل وعلا؟ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس:79], هو الذي أنشأها؛ لأنه أنشأها من عدم, لا يوجد أصل لهذه المادة, فأوجد المادة ثم كون منها هذه الخلقة, فهو أقدر أن توجد هذه المادة ثم يعيد الله عز وجل الإنسان عليها, وأعقد شيء في الإنسان بنانه, والله جل وعلا قادر على أن يعيده كما كان, وذلك أنه يأمر خلقه أن يقول: كن فلان, ولهذا جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة في ( الرجل الذي لم يعمل خيراً قط, ثم قال لأبنائه: إن أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح, فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين, فلما مات فعل به أبناؤه ذلك, فقال الله عز وجل لأجزائه: كن فلاناً, فكان فلاناً, فقال: ما حملك على هذا يا عبدي؟ قال: خَشيَتُك يا رب, فقال الله جل وعلا: قد غفرت لك ), هذا فيه بيان قدرة الله سبحانه وتعالى على إحياء الموتى وإعادة الخلق, وأعظم فساد للعقول هو ضرب الأمثلة والأقيسة القاصرة ليفسدوا الأصول التامة الكاملة, ولهذا الله عز وجل لما ذكر هذا قال: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يس:78], يضرب بمثل قاصر وينسى المثل الأعظم, فتخرج النتيجة فاسدة, ولهذا الله عز وجل يقول: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ [النحل:74], يعني: لا تأتي بأمثلة قاصرة, لأن إدراكك لن يصل إلى ما هو أعلى من ذلك, لو آمنت بالأعلى لما ضربت المثال القاصر.

    في قول المصنف رحمه الله: "والبعث من بعد الموت حق".

    أشار المصنف رحمه الله إلى ما بعد الموت، وأول مراحل الآخرة هي حياة البرزخ التي تسبق البعث بعد موت الإنسان، وحياة البرزخ ينعم فيها الإنسان ويعذب، ولهذا يقول الله جل وعلا عن فرعون وقومه: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر:46]، يعني: في الصباح وفي المساء, في حياة البرزخ, ثم يأتيهم العذاب سرمدياً يوم القيامة متى شاء الله عز وجل لهم بعثاً، والعذاب والنعيم يكون في حياة البرزخ على الروح والجسد، فينعم الجسد وتنعم الروح معه، ولكن قد تنعم الروح من غير جسد ولا ينعم الجسد من غير روح، وكذلك أيضاً تعذب الروح مع الجسد، وتعذب الروح وحدها، ولا يعذب الجسد بلا روح، والجسد بالنسبة للروح كالبدن بالنسبة للقميص، فإن القميص إذا نزعه الإنسان لم يتضرر باتساخه، ولم يتضرر باحتراقه ولا يتألم بذلك؛ لبعده عنه، كذلك أيضاً بالنسبة للروح إذا انغمست في الجسد، والجسد إذا انغمس في اللباس فإنه يسوؤه اتساخه, ويلحقه ضرر احتراقه، ويلحق الجسد منفرداً من غير قميص، كذلك أيضاً بالنسبة للروح مع الجسد، ولهذا عقيدة أهل السنة والجماعة في حياة البرزخ هو تنعم الروح والجسد جميعاً، وعقابهما جميعاً، وعقاب الروح ونعيمها منفردة عن البدن، وأما بالنسبة لأهل الجنة كذلك أيضاً فإن النعيم يكون للبدن وللروح معاً، وكذلك بالنسبة لأهل النار في عذابهم بالنار.