إسلام ويب

الذريعة بين السد والفتح [2]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قاعدة سد الذرائع عمل بها العلماء من جميع المذاهب الفقهية, وثمت احترازات ينبغي على العالم مراعاتها عند تطبيق هذه القاعدة, منها: إمعان النظر في المقاصد والمآلات, وتمحيص النصوص الشرعية. وقد سعى بعض منافقي العصر إلى الطعن بهذه القاعدة, وبثوا بعض الشبهات فيها, فينبغي للعلماء العمل على تفنيدها, وبيان بطلانها.

    1.   

    عمل فقهاء المذاهب بقاعدة سد الذرائع

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فقد ذكرنا أن أهل العلم قاطبة -الأئمة الأربعة وغيرهم- أخذوا بالقواعد المتعلقة بالنظر إلى المآلات، والنظر إلى النص، والنظر أيضاً إلى القرائن، وأشهر وأكثر من عمل بهذه القاعدة هو الإمام مالك عليه رحمة الله، ثم الإمام أحمد عليه رحمة الله، وقد وجد ذلك أيضاً في كلام الإمام الشافعي، والإمام أبي حنيفة، وإن كان غير واحد من الأئمة الشافعية ينسب للإمام الشافعي عليه رحمة الله أنه لا يعتد بهذه القاعدة، وهذا فيه نظر، فعامة الأئمة عليهم رحمة الله تعالى على الاعتداد بها, على اختلاف في قوة نظر ذلك الإمام إلى المآلات، ولهذا الإمام الشافعي عليه رحمة الله في كتابه الأم لما مر على حديث أبي هريرة في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن منع فضل الماء ليمنع به الكلأ, جعل ذلك من أبواب سد الذرائع, وأمر بالأخذ به، والشافعية عليهم رحمة الله أيضاً يمنعون الرجل أن يظهر فطره وهو معذور، كالذي يقدم من بلد آخر وهو مسافر وقد أفطر, فإذا قدم إلى بلد فإن الأصل فيه أنه يفطر؛ لأن من أفطر أول النهار يفطر آخره, على قول عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى، وجماعة من الفقهاء من أهل الكوفة كـأحمد بن أبي سليمان وإبراهيم النخعي وعبد الله بن الأسود، وغيرهم، وجماعة من الفقهاء من الشافعية أيضاً يقولون: إن من أفطر أول النهار يفطر آخره، لكن إذا قدم إلى بلد ليس له أن يظهر فطره؛ لأن هذا يفضي إلى مفسدة, فمنع ذلك سداً للذريعة، ولهذا الشافعية يجيزون له الفطر في السر، فإذا أظهر فإنه يعزر، وليس هذا من التناقض في النصوص، ومن وصف هذا أنه من التناقض بالنصوص؛ حيث أن ذلك يجوز له في الباطن ولا يجوز له في الظاهر؛ فإن ذلك من البعد عن فهم مقاصد الشريعة, وسياسة العلماء بالأخذ بذلك، ولهذا الإمام أحمد عليه رحمة الله يعمل القاعدة في كثير من المسائل؛ كمسألة الوكالة: فمثلاً: حينما يوكل الشخص غيره ببيع أرض أو بيع بيت أو بيع مزرعة يقول: ليس له أن يبيع لنفسه؛ لأن هذا يفضي إلى مفاسد، ومن هذه المفاسد: التهمة؛ أن يتهمه الوكيل أنه باع لنفسه بسعرٍ دون سعر الناس، لكنه لو باع تلك الأرض لغيره بأقل من السعر الذي يشتري به فرضاً لما وقع في نفس مالك الأرض شيئاً، فلما كان ذلك سداً للذريعة منع منه, قال: ولو باع الوكيل لنفسه لفسد، وقال بذلك أيضاً الشافعية.

    وقد منع الحنفية جملة من المسائل التي هي من جهة الأصل مباحة عملاً بهذه القاعدة، فقد منع ابن عابدين عليه رحمة الله -كما نص على ذلك في الحاشية- من بناء الدور والحجرات والأماكن في المساجد التي هي معمولة في زماننا هذا؛ قال: لأنها تفضي إلى جملة من المفاسد والمحرمات في المساجد؛ كالاختلاء على الأنظار, والتشبه بالبيوت, ونحو ذلك، فتنزه المساجد عن ذلك, فهذه مفسدة قد رآها سداً للذريعة, لكن قد يعمل بها آخرون؛ لأنهم لا ينظرون إلى ذلك المآل، ومن نظر إلى هذا وجد أن الأئمة عليهم رحمة الله تعالى قاطبة يعملون بذلك.

    1.   

    المحترزات التي ينبغي على المفتي مراعاتها عند تطبيق قاعدة سد الذرائع

    ويجب على المفتي عند تطبيق هذه القاعدة أن يحترز من أمور عديدة:

    أولها: أن يمعن النظر في مقاصد الشريعة والمآلات، وهذا مطلب مهم, وهو أحد شرطي الاجتهاد.

    الأمر الثاني: أن يمحص النظر بالأدلة والنصوص من كلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن النظر في الذرائع التي قد ثبت نص قطعي بذاته في تلك الوسائل, وأن يدخل ذلك في أبواب القاعدة؛ من القصور عند العلماء, وإن كان هذا قد يفتح جملة من الأبواب الضيقة التي ينبغي للعالم أن يضيق السبيل إليها حتى لا تهدر النصوص، وكذلك أن يميز الناظر في هذه النصوص الأدلة القطعية من الظنية، وكذلك ما كان قطعياً في ثبوته، وما كان ظنياً، فإن الأدلة منها ما هو قطعي في ثبوته، ومنها ما هو قطعي في دلالته، وقد يكون قطعياً في الدلالة، ولكنه من جهة الثبوت ظني، وقد يكون من جهة الثبوت ظنياً، ولكنه في الدلالة قطعي، وقد يكون قطعي الدلالة؛ ككلام الله عز وجل الثابت المحكم التنزيل؛ لكنه من جهة الدلالة ظني، فيكون حينئذٍ الحكم فيه ظنياً، فيغلب الجانب بالأخذ بهذه القاعدة سداً للذريعة؛ لأن النص محتمل فلا يدخل فيه على الأغلب ما سواه، وقد يكون النص قطعياً، لكنه ظني الثبوت؛ ككثير من النصوص المعلولة التي يعلها العلماء, لهذا ينبغي للعالم أن يكون عالماً بالسنة حفظاً وضبطاً لها، عالماً بالصحيح من الضعيف، وأن يكون من أهل النقد والدراية في ذلك، ومعرفة سبل الرواية, وإعلال العلماء، ومعرفة مسالك التعليل, ومناهج النقاد في ذلك؛ حتى لا يستدرك عليه، أو لا يعمل بأثر ضعيف فيخالف في ذلك الشريعة من إهدار قاعدة معتبرة في نصوص الشرع.

    الأمر الثالث مما ينبغي للمفتي أن يعتد به: أن يتجرد لله عز وجل ويكون غير مبالٍ بنقد ناقد، أو وصف واصف، وأن يتجرد لله عز وجل وإن وافق قوله قول غيره من المبطلين، وهذا من الأبواب الشائكة، فمثلاً: حينما نقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام منع من سب آلهة المشركين؛ امتثالاً لأمر الله سبحانه وتعالى، فإننا نجد أن كثيراً من الناس يعنف أو يشدد في أن ذلك تقليل في الولاء والبراء؛ الولاء لأهل الإيمان, والبراء من أهل الشرك والزيغ.

    ويصعد قول أهل النفاق في زمن من الأزمنة من التهوين في ذلك, حينما ترد هذه المسألة؛ وهي سب الطواغيت، وأنهم كفرة، وأن هذا كفر بالله عز وجل, وهي أصنام وأوثان تعبد من دون الله؛ فيجد الإنسان في نفسه ثقلاً؛ أن إظهار أمثال هذه المسألة في زمن يظهر فيه قول المنافقين أنه قد يفهم من هذا أنه يكون في ركبهم، وهذا يفتقر إلى تجرد، وينظر فيه حال الأمر إلى مآل الأمر, وامتثال النص إن ورد فيه نص، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل بكثير من الأمور التي تخالف قوة الإسلام؛ كطمسه عليه الصلاة والسلام لوصف شرعي وصفه الله عز وجل به؛ وهو أنه رسول الله؛ كما في صلح الحديبية، كذلك أيضاً حينما يفتي العالم ويرى المصلحة راجحة في زمن كثر فيه المداهنة للمشركين، وترك المسلمون الجهاد، وظهرت فيه الذلة, ورأى المصلحة راجحة في صلح المسلمين مع فئة من المشركين، فإن أفتى بذلك أركبه الناس في ركب المداهنين، وهذا يفتقر إلى ورع شديد، وتتبع للنص ظاهر، وكذلك عدم الوجل من سطوة أهل النفاق؛ من أن يوصم الإنسان بتشدد بفعل، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل من المرتدين، وترك بعض المنافقين، وقتل من المشركين, وفك بعضهم، وقد يرى العالم أن في فكاك أحد الأسرى مصلحة في زمن ذلة، ويرى بعض المسلمين أن في عدم فكاكه مصلحة أعظم، واختلاف ذلك يرجع إلى اختلاف الإنسان في باب المصلحة، ولهذا لما كانت هذه القاعدة مما يجمع عليها العلماء أخذاً, ويختلفون فيها تطبيقاً, وكانت محل اعتبار عند العلماء قاطبة, وهي من الأبواب الشائكة؛ كانت من أكثر أبواب المنافقين ولوجا ًودخولاً إليها من التقليل من شأنها، وعدم الاعتبار بها.

    1.   

    شبهات المنافقين في قاعدة سد الذرائع وتفنيدها

    وشبهات المنافقين في ذلك لا تخلو من أحوال:

    النظر إلى ذات الفعل من غير نظر إلى مآله

    الحالة الأولى: النظر إلى ذات الفعل من غير نظر إلى مآله، كتجريد الأفعال عن المآلات، ولهذا ينبغي عند الرد على الشبهات أن ينظر إلى المآلات وتقرر، وألا ينظر إلى ذات الوسائل، أو أن يبالغ بتلك الوسائل، وهذا ما يرجع فيه إلى حكمة العالم؛ لأن المنافقين إذا قللوا من هذه القاعدة بالنظر إلى تلك النوازل وأنها مباحة بذاتها يهملون جانب المفاسد، وإظهار هذه المفاسد يبين للناس تلك الحرمة، ولهذا ما من أمر الله عز وجل به إلا بين الله عز وجل المفسدة التي تئول بخلافه، وهذا ظاهر، ولهذا حينما نهى الله سبحانه وتعالى عن سب آلهة المشركين بيّن العلة في ذلك، وما سكت، وهي أن يسب الله عدواً بغير علم، وبيان المآلات من واجبات العلماء، وألا يكتفي العلماء ببيان تحريم الوسائل، فإن تحريم الوسائل مع انتشار أقوال كثير من المنافقين مما يقوي قول المنافقين على قول أهل الحق، وهذا ما ينبغي أن يأخذه أهل العلم والفتوى بالاعتبار.

    الطعن في قاعدة: سد الذرائع بما يخرمها من نصوص الشريعة الأخرى

    الأمر الثاني من أحوالهم في ذلك: أن يطعنوا في هذه القاعدة بما يخرمها من نصوص الشريعة، وفتاوى العلماء ونحو ذلك، وهذا يبين حاله ببيان هذه القاعدة وأصلها في الشريعة والاعتداد بها، واعتداد المخالف بذلك في مواضع أخرى، فإن العالم إذا اعتد بهذه القاعدة في مواضع أخرى، وخالفها في مواضع أخرى دل على أنه ما خالف هذه القاعدة، وإنما خالف على الاعتداد بذلك المقصد، وذلك المآل، وفي هذا نقض للاحتجاج بأقوال من قال بمخالفة ذلك، ولهذا نجد في أقوال كثير من حملة الأقلام في وقتنا الذين يلبسون الحق بالباطل: التقليل من كثير من الأحكام الشرعية بأحكام شرعية أخرى، فمثلاً: في مسألة الاختلاط يقولون: إن اختلاط الرجال بالنساء محرم لأجل الذريعة أي: أنه يفضي إلى محرم، وهذه الذريعة منتفية مع وجود المحرم, أو منتفية إن كانت في أوساط الرجال، أو منتفية إذا كان ذلك في جمع غفير، أو منتفية لوجود صور قد رخص الشارع فيها؛ كوجود ذلك في المسجد الحرام حال الطواف، وفي المسعى، وفي وجود صف النساء خلف صف الرجال، وفي بيع النساء للرجال، وفي بيع الرجال للنساء في الصدر الأول, وغير ذلك من وقائع الأعيان.

    كذلك الاستدلال ببعض الأحوال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة الخلوة بالأجنبية، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يذهب إلى أم حرام عليها رضوان الله تعالى، فيذهب إليها في دارها، ويضع رأسه في حجرها؛ فتفليه عليه الصلاة والسلام، والخبر في الصحيح، فقالوا: وهذا فيه دليل على عدم تحريم الخلوة بالأجنبية، وهو انتزاع لنص في مقابل نصوص كثيرة، ومواجهة أمثال هذه النصوص بالاستدلال للتهوين من قاعدة سد الذريعة: أن تبين حقيقة تلك الأحوال، وأن يدلل على أن الشارع أخذ بكثير من الأحوال اعتداداً بهذه القاعدة، وأن تزال الشبهة عن تلك النازلة، فحينما كان النبي عليه الصلاة والسلام يذهب إلى أم حرام عليها رضوان الله تعالى حمل غير واحد من العلماء ذلك على أن النبي عليه الصلاة والسلام هو أبو المؤمنين، وهو أملك لإربه في نسائه فغيرهن من باب أولى، فلما كان النبي عليه الصلاة والسلام نساؤه أمهات المؤمنين، فهو أبوهم، كما جاء في قراءة أبي بن كعب كما عند ابن جرير الطبري وغيره قال: (وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم)، وكذلك جاء في قراءة عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى في قول الله عز وجل: مِنْ أَنفُسِكُمْ [التوبة:128]، وفي قراءة سبعية: (من أَنْفَسِكُم)، قال: (وهو أبوهم تقريباً للمودة منهم).

    قال غير واحد من العلماء: إن النبي عليه الصلاة والسلام في حكم آباء المؤمنين، وأن الخلوة في حقه تختلف عن غيره عليه الصلاة والسلام، ويختلف من ذلك ما تكون فيه الذريعة ظاهرة فيحرم ذلك حتى عليه، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام مع أنه أبو المؤمنين لا يصافح النساء؛ لأن في ذلك ذريعة علانية، فإنه لما كان في البيعة امتنع من مصافحة النساء، وأناب غيره؛ لأن في هذا إظهار للأمر، ولهذا قد يقع من العالم في بعض الأحيان في السر ما لا يقع في العلانية في ما هو داخل في أبواب سد الذرائع مما يلحق في مسألتنا السابقة، ولهذا يقول العلماء والفقهاء: إنه ينبغي للمفتي أن يصوم التطوع سراً، ويظهر الفطر فيما ثبت الدليل فيه؛ إذا خشي أن صيامه يفهم منه العامة الوجوب، كمداومة الناس الآن لصيام ست من شوال، فلا حرج على العالم أن يظهر الفطر ويكتم الصيام, فيقول: أنا مفطر هذا اليوم؛ لأن في ذلك سداً لذريعة أعظم مع تحقق تلك المصلحة.

    وكذلك أبو بكر وعمر لم يضحيا، ولم يقل أحد: إن عليهما أن يضحيا في السر؛ لأن الأضحية تبين، والكذب في ذلك يظهر، وفي ذلك سد لذريعة أعظم, وجلب لذريعة مفسدة أعظم، فيقال بسد ذريعة عظمى، وهي خلط شريعة ظاهرة بشريعة أخرى ما قصدها الشارع؛ بارتكاب ما هو أدنى من ذلك؛ وهو الفطر في صيام الست أو عدم الأضحية في عيد الأضحى, وغير ذلك من المسائل.

    1.   

    ضرورة تجرد العالم في الفتوى في ما لم يعايشه بذاته

    من تلك الأحوال التي ينبغي للعالم أن يكون على بينة فيها عند الكلام على هذه القاعدة: أن يتجرد في الفتوى فيما لم يعايشه بذاته، كالفتيا لمجتمع لم يعيشه الإنسان، مثل: الفتيا لأهل الأقليات الإسلامية الذين يعيشون في بلد الغربة، فمن يعيش في بلد الغربة يحكمه حاله، وإذا كان من أهل الورع عنده فيفتيه بقدر الحاجة، فإن الأحوال في ذلك تختلف وتتباين، فالفتيا لمن كان في بلد الإسلام تختلف عن رجل يعيش لضرورة بين ظهراني المشركين، فهذا يختلف فيه بقدره، ويعظم الإشكال في وقتنا؛ لأن الفتوى من العالم تنتشر؛ بخلاف السابق فقد يفتي الإنسان أحدٌ بخصوصه، ولا يشكل على أحد من عامة الناس، ولكن الآن الفتوى تظهر حتى وإن كانت للخاصة، فيظهرها الناس باعتبار ظهور الوسائل الحديثة، فيتأكد على العالم شدة التحري والاحتراز، وهذا لا يهمل ولا يغفل إظهار أصل الشريعة؛ من أن الشريعة أوجبت كذا, وحرمت كذا، لكن يباح فتحاً للذريعة كذا، كما يباح للمغترب مثلاً أن يلبس زي المشركين إذا كان في ذلك مفسدة عليه؛ كأن يتعرض لأذية، أو سلب، أو سب، ونحو ذلك, فلا حرج عليه أن يلبس زيهم، وقد ثبت عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما في المصنف- أنهم كانوا في غزوة فدخلوا وفتحوا بلاد المشركين، ولبسوا من لباسهم، وإسناد ذلك عنهم صحيح، فيحترز العالم في الفتيا في الأمور المشكلة خاصة إذا كان الرجل في أمن ويفتي لمن كان في خوف، أو كان في خوف ويفتي لمن كان في أمن، فليس لأحد ركن إلى الدنيا أن يفتي لأهل الثغور والجهاد، وهو في مأمن من أمره، وليس لأحد أن يفتي وهو في أوساط المسلمين أن يفتي لأحد من المغتربين في مسألة لم يعايشها، ولكن هذا -كما تقدم- لا يمنع من تقدير المسألة على وجه العموم في الشريعة, وأن الأمور تقدر بقدرها على وجه الإجمال، وذلك أن الناس يتباينون من جهة الأخذ والاعتداد بالفتوى، فمنهم من يترخص ويتساهل، ومنهم من يأخذ الضرورة والحاجة بقدرها، ولهذا لما كان الناس على مثل هذه الحال وجب على المفتي أن يكون شديد الاحتراز.

    1.   

    المصالح المرسلة وارتباطها بقاعدة سد الذرائع

    وهنا جملة من المسائل تشكل على بعض طلاب العلم عند الكلام على مسألة سد الذرائع وفتحها, وما يتعلق فيها، فمنها: مسألة المصالح المرسلة ونحو ذلك، المصالح المرسلة هي من جهة الأصل فرع عنها قاعدة سد الذرائع، فإذا فهم الإنسان المصلحة بنى عليها سد الذريعة، فإذا ترجحت المصلحة فتح الذريعة فيها, وإذا ترجحت المفسدة سد الذريعة، وإذا ترددت بينهما أخذ الإنسان بباب الاحتياط، وأخذ أيضاً بجانب الورع.

    1.   

    أحوال الذرائع عند العلماء

    ولهذا العلماء عليهم رحمة الله يقسمون الذرائع إلى أحوال:

    الحال الأولى: ذريعة محرمة بالنص؛ كسب آلهة المشركين، وشرب القليل من الخمر.

    الحال الثانية: ذريعة غير معتبرة بالنص؛ كالمنع من زراعة العنب أو التمر؛ لأنه يتخذ خمراً، فهذه ذريعة ليست بمعتبرة.

    الحال الثالثة: ذريعة مترددة بين ذلك أي: بين الاعتبار وعدمه، وأمثال ذلك: ما يتعلق بأبواب البيع مما يفضي إلى الربا، والعلماء يختلفون في ذلك، والإمام مالك عليه رحمة الله يكثر من سد الذرائع المفضية إلى الربا، فيشدد في جملة من صور التورق، ويشدد في كثير من المعاملات التي تفضي إلى الربا، فقد قال: فما آل إلى ربا نظر إلى مقصده وحرمت سائر وسائله.

    ومن العلماء من لا يأخذ ببعض الصور؛ تغليباً لحاجة الناس، ولهذا الشريعة قد رخصت في العرايا ما فيها من الغرر؛ فتحاً للذريعة وحاجة الناس، والعرايا هي أن يبيع الإنسان ما في النخل خرصاً بالتمر، ومعلوم أن الإنسان بحاجة إلى رطب عند جذاذ النخل، ومعلوم أن التمر لابد أن يكون مثلاً بمثل، فإذا باع التمر على رءوس النخل مخروصاً، فهذا جائز، إذا كان ذلك فيه مصلحة للناس، وإذا انتفت فلا يقال بالمنع؛ لثبوت النص بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهل يرخص في أبواب الجهالة والغرر في بعض الأحوال فتحاً للذريعة؟ وهل يخالف هذا النص؟

    يقال: قد تفتح الذريعة في بعض الأحوال وإن خالفت النص الصريح؛ حملاً لذلك على الضرورة، مثال ذلك: إذا سئل شخص -وقد سئلت هذا السؤال شخصياً- فقال له السائل: والدي مسجون في دين، وقدره مائة ألف، وبحثت عن فكاك أبي فلم أجد، ولم أجد إلا شخصاً يعطيه الربا، ويقول: وأبي له في السجن أربع سنين، ولم أجد محسناً يفكه وهو مريض، ووراءه أسرة تعوله، ولم أجد فكاكه إلا بربا، فهل لي أن آخذه وأفكه لما فيه من أذية وما في ذلك من مصلحة؟ فهل يفتى له بالجواز أو يقال: يبقى على مرضه ويموت في السجن؟ نقول: يجوز، ومع ذلك لا يقال للربا: إنه حلال، بل يبقى على أمره, ويعظم الربا, ويفتى لمن هذه حاله بجواز ذلك، ففتحت الذريعة هنا نظراً للمقصد والمآل، والمقصد والمآل في هذه الحال هو موت الرجل؛ لأنه مصاب بمرض عضال، ويحتاج إلى علاج، ولديه عائلة يعولها، ولا يعمل إلا هذا الابن، وكان يساعده أبوه في النفقة على الأسرة، فقد يقال بجواز ذلك في مثل هذه الحال، مع أن الربا محرم بالنص، فألحقت تلك المسألة بأبواب الذريعة إلحاقاً لما حرم عيناً بما حرم للحاجة، وهذا يلحقه العلماء في جملة من المسائل؛ كحال مسألة الضرورة في أكل الميتة، وكذلك أيضاً مسألة شرب الخمر لمن غص بلقمة وخشي الهلاك، ووجد عنده خمر, ونحو ذلك، وغير هذه المسائل النادرة، لكنها لا تنقض لذلك أصلاً، فالتفقه في هذه المسائل من المهم لطالب العلم خاصة مع التباس كثير من المسائل عند العامة، وكذلك نشوء كثير من المنافقين من حملة الأقلام الذين تسلموا كثيراً من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة؛ ببث كثير من الشبهات من التقليب بأحكام الشريعة, وعدم الاعتداد بها، وهم الآن يمرون بمرحلة انتزاع مسائل الخلاف الشاذة، حتى إذا انتشرت للناس أتوا إلى أصول الشريعة الصريحة التي ليس فيها خلاف فهدموها، فإذا ظهر في الناس القول الشاذ وما بقي إلا القطعيات حينئذٍ ابتدروا إلى القطعيات, وطمس الإسلام، ولهذا ينبغي لأهل العلم إذا أخذوا بقواعد سد الذرائع أو فتحها أن يبينوا أصل الشريعة في ذلك، وأن فتح الذريعة في باب لا يعني تعطيلاً لنصوص الشريعة.

    1.   

    حذر العالم من الاغترار بأقوال الناس في تعظيم المصالح

    كذلك أيضاً ينبغي للعالم حال الإفتاء أن يتجرد لله عز وجل كما تقدم الإشارة إليه، وألا يغتر بكلام الناس في المباحات أو تعظيم المصالح ونحو ذلك، فنحن حينما نقرأ لكلام كثير من المعلقين على أحوال العمل في بلاد المسلمين الذين يدعون إلى الاختلاط فهم يتعللون فيقولون: إن نصف المجتمع معطل، وأن المرأة تعمل مع أخيها الرجل، وأن المرأة تكد، ويحتجون بقاعدة سد الذرائع أنها ربما تلجأ في ذلك إلى الفواحش والمحرمات، أو يلجئون للسرقة، وعمر بن الخطاب ترك القطع عام الرمادة ونحو ذلك، وهذا كأنه إغفال لجانب عظيم؛ أن الشارع رخص للمرأة من جهة الأصل بأن تعمل ما تشاء؛ لكن لا تخالف أمر ربها، كأن تختلط بالرجل وتخلو به، والأبواب المباحة في ذلك معلومة، ولهذا كن -حتى في الصدر الأول- يأتين إلى الأسواق ويشترين، والرجل يبيع، ولهذا يقول علي بن أبي طالب كما في المسند: إن نساءكم ليزاحمن العلوج في الأسواق -يعني: الأعاجم- أما تغارون؟ إنه لا خير فيمن لا يغار، وهو ولي أمر المسلمين لكن ما منع من ذلك، ولهذا نجد مثلاً حينما يتكلم البعض يقول: لماذا المرأة لا تبيع في المحلات التجارية، وكيف الرجل الأجنبي يبيع للمرأة؟! وتعظم جوانب من المفاسد, وتظهر للناس من أناس هم من جهة الأصل لا يؤمنون بأمثال هذه المفاسد، ويرونها من جهة التحقيق مصالح، فينبغي للعالم والمفتي أن ينظر لمن يتكلم في أمثال هذا الكلام، وألا يجرد تلك المعاني عن قائلها، فيلحق القول بقائله، وكذلك ينظر إلى أبواب أخرى لا يبرزها القائل، فيتجرد في البحث والنظر والتنقيب في كثير من المصالح، وكلام كثير من الناس حينما يجد كثيراً من الكتاب حين يتكلمون في خلوة الرجل بالمرأة، يبطلون هذا الأمر ويقولون: لماذا لا تخلو المرأة بالرجل؟ هذا عدم ثقة بالمرأة، وعدم ثقة بنزاهتها, وشك بنية المرأة ونحو ذلك، فإذا جاءت قيادة المرأة للسيارة قالوا: كيف تجعلونها تخلو بالأجنبي، ولا تقود بنفسها, هذه عدم غيرة ونحو ذلك، وقد شاهدت ذلك من كاتب واحد، ونسي أنه كتب عن الخلوة أنها ليست من الشريعة، وأن هذا شك بالمرأة، وعدم ثقة بها، وحينما تكلم على مسألة قيادة المرأة للسيارة قال: كيف نجعلها تخلو بالأجنبي، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما )؟ وروى ذلك الإمام أحمد من حديث فلان، وصححه ابن حجر وغيره، وغير ذلك من الكلام الذي ينبغي ألا ينطلي على العالم المتجرد للنص.

    1.   

    خطأ الاحتجاج بوقائع مجتمعات على مجتمعات أخرى

    ثم أيضاً من الأمور المهمة أيضاً: أنه ينبغي أن يعلم أن احتجاج كثير من الناس بوقائع في مجتمعات وحملها على مجتمع آخر لا يعني بالضرورة أنها تصلح لذلك المجتمع، كما يحتج كثير من الناس في مسائل الحجاب: أن أكثر نساء المسلمين يتحجبن بكشف الوجه فلماذا نساء هذا البلد؟

    فنحن نقول: إنه ينبغي أن يكون حاضراً للتاريخ أن مجموع بلاد المسلمين تعرضت للاستعمار، وأن ينظر في كلام متأخري الفقهاء عن المتقدمين، وأن من الفقهاء من أفتى خضوعاً للواقع، وتقليلاً للأمر، وحمل المرجوح على الراجح، وأفتى بالمرجوح لمصلحة أعظم، ثم أي مصلحة راجحة في أن تكشف المرأة وجهها في مجتمع مصون، والأولى أن يقال للدول الأخرى: غطوا وجوهكم كما أن نساء المسلمين في بلاد المسلمين وعقر التوحيد يفعلن ذلك، ولكنهم لا يقولون ذلك؛ لأنه لا يوافق الغايات والأهواء، ولما كثر القائلين بأمثال هذه الدعاوى الذين يلبسون الحق بالباطل، ويلبسون على كثير من العامة ينبغي للعالم أن يكون من أهل الاحتراز، وكثير من الناس يقرأ كثيراً من المعاني، ويجرد هذه المعاني عن النظر في التاريخ، أو النظر في الأدلة المنسوبة، ويجرد ذلك ربما عن قائلها، ويحمله بحسن النوايا، كما يحمل ذلك كثير من الناس، فهذا ينبغي ألا يكون خاصة في زمن عمت فيه الفتنة، كما قال عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى: كيف بكم إذا أضلتكم فتنة يهرم فيها الصغير, ويكثر فيها الشر، ويعمل بها بغير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا عمل بالسنة قيل: قد تركت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: ما ينبغي أن يتوقف عنده: أن عمل سواد الناس وجمهورهم ينبغي ألا يتأثر به الإنسان في مقابل النص والدليل، وإن عمل الناس وسوادهم على خلاف ذلك؛ لأن كلام العلماء ونصوصهم في مسألة الاعتداد بالعمل، هذا قد انتفى أكثره باعتبار انتزاع ذلك في الواقع؛ لأنه قد اختلط الحابل بالنابل، ومن يعلق كثيراً من النصوص التي يتكلم بها العلماء على ترك الناس على ما يألفون، وعدم إلحاق الشذوذ بهم, وحملهم كذلك على القول المرجوح إذا كانوا يعملونه مع أن الراجح ظاهر، والدليل فيه والنص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن, هذا فيه ما فيه خاصة في زمننا، فالفتيا تنتقل من المشرق إلى المغرب، ومن المغرب إلى المشرق بأسهل طريقة, وأيسر سبيل، وهذا مشاهد، ولهذا كثير من الأقوال الشاذة تطير حتى عند العامة؛ لسهولة الوصول إلى أمثال هذه الأقوال، وبهذا القدر كفاية، وأجيب على ما ورد إليَّ من أسئلة.

    1.   

    الأسئلة

    التدرج في الأحكام الشرعية وتطبيق الشريعة

    السؤال: هنا سؤال مهم جداً يقول: هل للعالم أن يتدرج في الأحكام بمعنى: ألا يحرم الخمر ابتداءً إذا كان في بلد ينتشر فيه الخمر؟ وما ضابط التدرج؟

    الجواب: هذا له علاقة بمسألتنا، فالتدرج في تطبيق الشريعة، والتدرج في الأحكام الشرعية مطلب مهم، وقد جاءت شريعة الله سبحانه وتعالى على هذا النحو، ونزل القرآن منجماً، ففرض الله سبحانه وتعالى العبادات تدريجاً، فالصلاة في ابتداء الأمر ( كانت مفروضة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فزيدت في الحضر, وأقرت في السفر ), كما جاء في حديث عائشة في الصحيحين، وكانت في ابتداء الأمر نافلة، ثم فرضها الله سبحانه وتعالى على عباده.

    كذلك الصيام كان في ابتداء الأمر نافلة على الإطلاق، ثم جعل الله جل وعلا رمضان نافلة، ثم فرض الله عز وجل يوم عاشوراء، ثم فرض الله عز وجل رمضان، وجعل عاشوراء نافلة، وبقي رمضان حكمه، وكل هذا لأجل الوصول إلى أن رمضان واجب، وهذا التدرج ينبغي أن يتنبه أنه لا يعطل به حكم شرعي، والخلاف في العمل مع تعطيل النصوص الشرعية أن العمل ينبغي أن يأخذه العالم, وأن يحمل الناس عليه مع بقاء النصوص وثباتها، ودليل ذلك ما رواه الإمام أحمد في المسند من حديث نصر بن عاصم عن رجل منهم: ( أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الإسلام على ألا يصلي إلا صلاتين، والشريعة خمس، فأذن له النبي عليه الصلاة والسلام بألا يصلي إلا صلاتين )، مع أن الشريعة فرضت خمس صلوات، فلو جاء رجل ملحد وثني يهودي نصراني فقال: أريد أن أدخل الإسلام، لكن لديَّ من أعمال الدنيا ومطامعها ما يجعلني لا أقوم بهذه الصلوات الخمس، فهل يقال له: إن شريعة الإسلام ما فيها إلا صلاتين فقط أو يقال: فيها خمس؛ لكن صل صلاتين؟ يقال: صل صلاتين، والشريعة فيها خمس صلوات؛ لأن هذا لا يغير من شريعة الله عز وجل شيئاً، فيكون في العمل بالنظر إلى الذريعة والمصلحة، ولهذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخذ والعمل به.

    كذلك أيضاً في البلاد التي يفتحها المسلمون, والتي يصل إليها الإسلام؛ ينبغي أن ينشر فيها الإسلام على سبيل التدريج، فإذا فتحت بلد من بلدان المسلمين أرى أنه من غير الصواب: أن يطوف المسلمون على المحلات التجارية ويمنعونهم من الربا، وأن يأتوا إلى مدارس العجم ويمنعوهم من الاختلاط، وأن يأتوا إلى بعض معاملاتهم في البيع والشراء فيحرمونها، وكذلك بعض عاداتهم، وإنما يتدرج فيهم في ذلك؛ بتقرير التوحيد وأصول الديانة، ثم ينزل مع ذلك شيئاً فشيئاً، فيترك العمل ولا يبين أنه مباح؛ لأنه لو قيل: إنه مباح في الشريعة فهذا تبديل، وهذا الذي لا يجوز، فلو دعا المسلمون المشركين إلى مثل ذلك فقد دعوهم إلى كفر وزندقة، فلو قالوا: إن الربا مباح في الشريعة فبيعوا، فإن هذا كفر, وليتهم ما فتحوا هذا البلد، فهم دعوا هذا البلد إلى شريعة مبدلة ومحرفة، لكن لو فتحوا هذا البلد ووجدوا الناس يبيعون وتركوهم، وهذا قد وقع فيه جملة من المجاهدين في سبيل الله في بعض البلدان التي دخلوها في أعصار ماضية، فمنعوا الربا في الدكاكين، ومنعوا جملة من المحرمات التي تحتاج من جهة الأصل إلى التدرج؛ لأن هذا يوغل نفوس الناس وينفرهم، خاصة في أمثال الجزئيات التي يتعاملون معها على وجه الإكثار، وكذلك يلحق هذا في بعض بلدان المسلمين التي استحكم فيها الطغيان, والتي بدلت شريعة الله عز وجل على وجه الإجمال، وحكمها طواغيت لا يحكمون بالشريعة؛ يتجرد في ذلك تحقيقاً للمصلحة، وفتحاً لذريعة عظيمة، وهو أنه إما أن يتحقق الكمال عبر هذه القلة، وإما أن يمنع ذلك كله، وهذا يرجع إلى من وقع في مثل هذه الحال من أهل العلم فيفتي في ذلك، وهذا يرجع إلى ما تقدم الكلام عليه أنه ينبغي للعالم ألا يفتي فيما بعد عنه ونأى؛ حتى يشدد في تصور هذه المسألة، ولهذا ما فعله جماعة من المجاهدين الذين يرجى لهما الإخلاص في مثل هذا في بعض البلدان التي دخلوها ما جعل لهم فيها القبول، وما بقوا فيها إلا مدة يسيرة، فقد ألب عليهم أعداء الإسلام الناس أنفسهم؛ لأنهم وجدوا في نفوسهم أبواباً، ودخلوا في مطامع، ولو حببوهم في ترك بعض الأفعال من غير تبديل، وبعض الناس يخلط في هذا الباب خلطاً عظيماً؛ فيهدم الإسلام ويثلمه في عدم فهم هذه الأمور، فالشريعة أمرت بتحكيمها، والحكم بما أنزل الله واجب؛ ولكن ترك ذلك لا يعني الحكم بغير ما أنزل الله؛ لأنك لا تملك نزع ذلك كله، ولهذا جاء عن عمر بن عبد العزيز عليه رضوان الله تعالى نحو هذا المعنى بحمل الناس على التدرج.

    وهذا ما يسمى أيضاً بالتدرج بتطبيق الشريعة إذا دخل جملة من المسلمين فاتحين في بعض البلدان فيطبقون الشريعة على التدريج؛ بناءً على الأهم والأعظم من الشريعة؛ بمنع الأوثان والأصنام، هذا ابتداءً، ولا مساواة فيه؛ لأنه لو بقي ما كان ثمة حاجة إلى الفتوحات أصلاً، ثم بعد ذلك عمارة المساجد وبنيانها, ودعوة الناس، وكذلك يتدرج في ذلك ببيان المسائل الظاهرة، نكاح المحارم التي تنفر منه الفطر السليمة، وكذلك بعض الأمور الشاذة من الأخلاقيات التي تسود في المجتمعات المنحلة.

    مدى كون غض البصر من باب سد الذريعة

    السؤال: يقول: هل الأمر بغض البصر سد للذريعة؟

    الجواب: الأمر بغض البصر هو سد للذريعة، ولهذا لو احتاج الإنسان إلى النظر جاز له، كنظر الرجل إلى المخطوبة، أو نظر الطبيب إلى المريضة لحاجة، وهذا يرخص فيه لحاجة؛ لأنه حرم من جهة الأصل للذريعة، لكن ما حرم له من جهة الأصل، لا يقال بأنه يباح للضرورة كالزنا، فلا يقول الإنسان: أنا مضطر للزنا, لا، لا يوجد ضرورة في ذلك، لهذا الشارع أتى بجملة من الأحوال التي تدفع الإنسان عن ذلك المحرم لعينه، فأمر بالصيام فإنه له وجاء، وأمر بالزواج والحث على ذلك، وأمر بالتسري إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يتزوج، فكل هذا دفعاً وصداً للزنا؛ لأنه لا يمكن أن يجوز بحال.

    الحكم على حديث: (سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته)

    السؤال: يقول: ما صحة حديث: ( سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته

    الجواب: الحديث قد رواه الإمام مالك في كتابه الموطأ من مرسل ابن الزبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يصح.

    حكم غيبة الكفار والاستهزاء بهم

    السؤال: يقول: هل يجوز غيبة الكفار والاستهزاء بهم؟

    الجواب: الاستهزاء بهم لا حاجة إليه، لا يعرف معروفاً, ولا ينكر منكراً، ولكن أن يبين الإنسان خطر الشرك، وما هم عليه من ضلال وزيغ، ويجتنب الاستهزاء؛ لأن هذا يجلب استهزاء المشركين بهم، وهذا للأسف الشديد ما يشاهد في كثير من الوسائل الإعلامية، فمن يشاهد مثلاً بعض القنوات التي لديها حماس للتوحيد، أو بعض الصحف، أو في الإنترنت ونحو ذلك؛ يجد أن كثيراً من المتحمسين لدعوة التوحيد يتخذ الاستهزاء بالمشركين والكفرة وسيلة للدعوة إلى الله عز وجل، وهذا فيه ما فيه، وهذا ليس من الهدي من جهة الأصل.

    ونحن نجد أن كثيراً من المشركين أو الملحدين ما تجرأ على الاستهزاء بالإسلام إلا بسبب بداية أن بعض المسلمين قاموا بالاستهزاء بأفعالهم، وهذا أيضاً يحصل بين الطوائف الإسلامية التي تنتسب الإسلام، وقد يقال بعدم دخولها في الإسلام، فمثلاً: الرافضة حين يأتي يوم عاشوراء نجد جملة من المسلمين يدخل في باب الاستهزاء بالأفعال، وأرى أن هذا محرم، كجملة تحريم سب آلهة المشركين، فالرافضة ممن يخالف الإسلام أصولاً، هذا أصل لا أشك فيه، لكن فعل ذلك بدعوى تنفير الناس من أفعالهم فيه ما فيه، ولهذا يغفل كثير ممن لديه حماس للدعوة إلى الله عز وجل بيان عوار شريعة الرافضة، وأنهم يعبدون غير الله عز وجل، ويعبدون الأصنام، ويؤلهون أئمتهم، ويجعلونهم يعلمون الغيب, وغير ذلك، فكثير من العامة لا يعلم من الرافضة إلا التطبير ويوم عاشوراء، وكذلك الجلد وإسالة الدماء ونحو ذلك؛ بسبب أن كثيراً من المسلمين لا يظهرون من أحوالهم إلا هذا، وأصبح عند كثير من العامة قصور، فيتأثرون بكثير ممن يدعو إلى التقارب مع الرافضة، ويقولون: إنه لا يوجد خلاف معنا في الأصول بأنهم يصلون ويصومون؛ لأنه لا يعرف غير ذلك، لكن لو بين للعامة أنهم يعبدون غير الله، ويسبون الصحابة على وجه العموم ويستثنون القليل فقط، ويؤلهون أئمتهم، ويجعلونهم يعلمون الغيب، ويساوونهم بالنبي عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك من الكفريات؛ لبان للناس العوار, واتضح لهم الحق من الباطل.

    حكم التشهير بمن ثبت نفاقه أو محادته لله ورسوله

    السؤال: هل التشهير بمن ثبت نفاقه أو محادته لله ورسوله جائز مطلقاً، أم هو مرتبط بالنظر إلى المآلات؟

    الجواب: هذا مرتبط بالنظر إلى المآلات، فهو يرجع إلى المآلات، وهذا يرجع إلى أهل العلم والمعرفة، وأنا سبق أن قلت: إن النبي عليه الصلاة والسلام بيّن أنه في آخر الزمن ينتشر القلم، وبيّن في نص آخر أنه يقبض العلم، وأن القلم هذا لكثرة حملته هو الذي أفسد على كثير من المسلمين الوصول إلى الغايات بأيسر سبيل؛ لأنه حمله الصغير الجاهل الغر المندفع في كثير من الأحوال في محاربة جملة من أعداء الله عز وجل، فصد كثيراً من الناس عن الإيمان بالله سبحانه وتعالى أو اتباع الحق، فكثير من الناس هم أصحاب عناد واستكبار، لكن ما يمنع أنه يئوب؛ لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، فنصب العداء لشخص ما نصب العداء للشريعة ولديه من الشر في ذاته ما هو فيه، لكنه يستتر فيه، هذا يجعله يكابر، ويبقى على ما هو عليه، كذلك انتزاع الأقوال المغمورة لبعض الذين يقولون فيها ممن ينحرف عن الشريعة وهو داخل في جملة الإسلام، وإشهارها للناس، هذا يحمل ذلك القائل بالتمسك على هذا القول، خاصة إذا كان القول مغموراً، أما إذا كان ظاهراً وينافح عنه ويدعو إليه فهذا يختلف، فهذا يناكف ويواجه ويبين حاله ويعرى للناس، ولهذا يتباين الناس في هذا، ولهذا ينبغي للعالم أن يتجرد لله عز وجل، وألا تحمله الحمية لنفسه أو لقوله.

    كثير من الناس يظن أنه يدافع عن دين الله عز وجل بينما هو في الحقيقة يدافع عن حميته، أو الحمية لبلده ونحو ذلك، ولهذا لو وجد شخص يطعن في نجد مثلاً، فإن الإنسان إذا كان من هذه البلد يجد في نفسه حمية, وربما يلبسها من حيث لا يشعر أن هذا هو الدين، فيبالغ بزجر المخالف؛ لأن المقابلة بالمثل مشروعة، والنظر إلى المآل مشروع، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: وكم يفعل الإنسان ما يهواه ويظن أنه يفعله لله، وهو ما يفعله إلا لشيء يراه، هذا شيء كامن في النفس، ونجد هذا في الإنسان في كثير من المسائل التي تتعلق مثلاً بالقبائل أو تتعلق بالأقاليم، أو تتعلق بالمذاهب، وغير ذلك، فيكون لدى الإنسان حمية، ولهذا نجد أن الإنسان ربما يؤلف مجلداً كبيراً في مسألة فرعية، ويظن أن دافعه في ذلك الحمية للدين، بينما هو قد ترك عقائد الإسلام تهدم وتثلم، ولم يؤلف فيها شيئاً، وألف في جزئية يسيرة في ذلك، فلا يساء الظن في كل كاتب في مثل هذا؛ لأن الدوافع تختلف، وقد يكون أخلص في ذلك وهو ما وفق، لكن ينبغي للإنسان أن يفتش عن الدوافع، وألا يغلب الحمية الشخصية فتنطلي على حمية الإسلام أو يدثرها باندثار الإسلام، وأن يتجرد الإنسان للدليل قدر إمكانه، فالحق من جهة الأصل أنزله الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم, وما أنزله على غيره، الحق قد يوجد عندي, وقد يوجد عندك، وقد يوجد عند فلان، وقد يبدل في بلد، ولا يبدل في بلد أخرى، ولكن من جهة الأغلب الشريعة محفوظة في بلد الإسلام ومعقله، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( إن الإيمان ليئرز إلى المدينة كما تئرز الحية إلى جحرها )، الإسلام له بلده, فإذا بدل في معقله فحري أن يبدل في غيره، وإذا بدل في غيرها فليس بالضرورة أن يبدل في معقله، وهذا معلوم، وهذا من القرائن التي يأخذ بها الإنسان، ولهذا العلماء حينما يعلون الأحاديث -في باب الإعلال والنقد- إذا وجدوا حديثاً -وإن كان إسناده صحيحاً- عراقياً أو مصرياً أو شامياً؛ لكنه لا يرجع إلى المدينة من جهة الإسناد فإنهم يعلُّوه وينكروه؛ لأن الشريعة ما نزلت في الكوفة، وما نزلت في البصرة، وما نزلت في مصر والشام، بل نزلت في المدينة، ونزلت في مكة، وإسناد لا يرجع إلى المدينة ومكة، أو لا يوجد أصله في المدينة ومكة حري ألا يعمل به.

    توجيه في ترك العالم الفتوى خوفاً من لمز وغمز المنافقين

    السؤال: يقول: إذا كان عدم إظهار الفتوى؛ بسبب خوف المفتي من لمز وغمز المنافقين، علماً أنه يرى أن المصلحة في عدم تشويه صورة الإسلام؛ لأن الناس ربما يسمعون ما يقوله المنافقون؟

    الجواب: أولاً: النبي عليه الصلاة والسلام قد أخذ بهذه القاعدة من جهة الأصل، فترك بعض الأحكام خشية أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه؛ لأن محمداً هو المشرع، وهو الناقل عن ربه التشريع وحده، ولهذا من نظر في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أتريد أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه؟ ), قال: الناس مع من في المدينة مسلمون، وقد أجلى النبي عليه الصلاة والسلام اليهود منها، وما بقي فيها من الكفار إلا شيء من الموالي ونزر يسير من أهل الذمة، إذاً: من الذي ينقل الأمر إلى الناس؟ ربما ينقله أحد من أهل الإسلام بإحسان ظن، أو ينقله أحد من المنافقين.

    ثم ثمة نكتة لطيفة في قوله عليه الصلاة والسلام: ( لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه )، وهي: أنه لم يقل: صاحبه, مع أن القضية على واحد فقط؛ لأن الناس تضخم الأمر، فقال: (أصحابه), ولم يقل: (صاحبه)؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا قتل واحداً، فإنه يذهب الشخص فيقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قتل واحداً، والثاني يقول: قتل اثنين, والثالث يقول: قتل ثلاثة، حتى يقول الأخير: إنه قتل الحي كله، ثم يتصور المنافقون حول المدينة أو المشركون أن النبي عليه الصلاة والسلام معه السيف, وأنه يقتل الناس في مسجده في المدينة، فبين النبي عليه الصلاة والسلام ذلك بقوله: ( لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه )، وهذا مشاهد حتى في الناس، حينما يقع من الإنسان تصرف يجد أنه في أقصى الأرض صوِّر بصورة أخرى، ويعلم أن الذين وجدوا عنده كلهم صالحون وأهل ديانة وثبت، لكنه خرج بحسن نية وقصد، فهذا من جهة الأصل موجود العمل به في الشريعة، لكن هل يدع الإنسان ذلك لأجل هذا القول؟ يقال: إن الناس يتباينون في هذا، فمن يؤخذ بقوله على أنه صدر في الإسلام ينبغي عليه أن يحترز حتى في المباحات، ولهذا ينبغي للعالم أن يمتثل الحق قدر إمكانه، وأن يدع المباحات؛ خشية أن يساء الظن به حتى من أهل الإسلام، وأن يحترز من ذلك، وينبغي للإنسان أن يحتاط ولا يأتي في مواضع الشبهات، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام مرسلاً، وجاء موصولاً عن عمر من حديث سعيد بن المسيب عن عمر قال: من وقع فيما يشتبه عليه فلا يلومن إلا نفسه. وهذا تحذير من الوقوع في الشبهات، مع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاءته صفية وهو معتكف، وجاءت وحدها فهنا ثمة مفسدة ومصلحة، فالمفسدة أن ترجع وحدها؛ لأنها جاءت إليه في أول الليل، فخشي أن ترجع وحدها في آخر الليل, فهذه مفسدة، وخشي أن يضايقها الناس وهي أم المؤمنين.

    والمفسدة الأخرى: هي موضع الشبهة؛ أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من معتكفه، ويخرج معه امرأة في الليل، وهذه ذريعة للمنافقين في الطعن بالنبي عليه الصلاة والسلام، وقد طعن فيما هو دون ذلك، فذهب النبي عليه الصلاة والسلام فتحاً لهذه الذريعة وغلب مصلحة إيصالها؛ لأن الذين يأتون إلى المسجد في الأغلب ويدنون منه هم الصالحون والصحابة في الخارج أو الداخل، هذا أمر.

    الأمر الثاني: أن النبي عليه الصلاة والسلام جهز للذريعة التي ستفتح سداً؛ فلما خرج ورأوه قال: إنها صفية، فسد الأمر، فلهذا ينبغي للإنسان إذا فتح الذريعة أن يوجد لها سداً، وهذا من سياسة العالم وحنكته في الفتوى.

    كذلك أيضاً في ما يتعلق في هذه المسألة: أن الإنسان يحجم عن بعض المسائل للإفتاء بها خشية أن يتعلق بها الناس، فيقال: إن مسائل الدين الظاهرة ما يتعلق بالتوحيد هذا لابد من القول به, ولا يتوانى الإنسان، أما الوسائل هذه التي يتحقق بها التوحيد يختلف فيها الأمر، كمسألة سب آلهة المشركين وعدم سبها، هذا يرجع فيه، مع أنه من جهة الأصل سب آلهة المشركين عبادة، فلو أن إنساناً بينه وبين نفسه يقول: لعن الله الطاغوت الفلاني، أو لعن الله من عبد من دون الله وهو راضي كما يفعل آل فلان ونحو ذلك، يقوله بينه وبين نفسه، فهذا لم يفعل محظوراً؛ لأن الذريعة مسدودة، لكن أمام الناس تفتح فوجب سدها؛ لأن الأمر يتعلق بالذريعة فتحاً وسداً.

    ومسألة تربص المنافقين أدرك المنافقون هذه العلة, وأن اقتناص الأقوال في الشريعة وإظهارها للمنافقين أو تشويهها، أو إظهارها للكفرة من اليهود والنصارى، وأنها تصور الإسلام ونحو ذلك؛ أن هذا قول للمسلمين ونحو ذلك، فأكثروا من طرحه, وتربص العلماء في هذا الباب؛ لهذا ينبغي للعالم أن يكون محترزاً في هذا، لهذا يقول عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى لما سئل عن تلك الحال التي تكثر فيها الفتن, قيل له: متى يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثر قراؤكم, وقل فقهاؤكم, وقلت الأمانة فيكم، وكثر الأمراء، وابتغي بالدين الدنيا, والذي يبتغي بالدين الدنيا هو العالم, فهو الذي يبتغي بالدين الدنيا ليتربص فيه، فإذا كان يتزود من الدنيا قدر إمكانه، ويحضر مجالس السلاطين صباحاً ومساءً من غير نكير قلت قيمته عند الناس, فإذا أمر بأمر ما حمل على الحق، وإذا نهى عن شيء ما حمل على أنه أراد بذلك وجه الله، ولو صان نفسه وصان العلم لصانه، ولو أفتى فيما يوافق السلاطين؛ لأنه فعل ذلك ديانة لله عز وجل، وهذا معلوم ومشاهد على مر العصور.

    الفرق بين الردة والنفاق

    السؤال: ما الفرق بين الردة والنفاق؟

    الجواب: يأتي الكلام عليه في أبواب الردة.

    نكتفي بهذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.