إسلام ويب

الحجاب بين الفقه الأصيل والفقه البديل [1]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من نعم الله على الإنسان نعمة اللباس الذي جعله الله جل وعلا ستراً وزينة يتجمل بها الإنسان ويستتر بها. ومن الألفاظ العامة والمصطلحات الشائعة مصطلح الحجاب، وهو مصطلح عام يدخل فيه الاستتار بجميع أنواعه سواءً كان الاستتار مع شخوص الجسد وبروزه، أو كان حجاباً للجسد كاملاً، وكذلك ما تستر به المرأة نفسها، فإنه يدخل في باب الحجاب، سواءً كان ذلك ما يتعلق بجسد المرأة عاماً، أو ما كان بجزء من أجزائها مما يتعلق بالوجه والكفين، أو يتعلق بالقدمين، أو الأطراف ونحو ذلك.

    1.   

    نعمة اللباس

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن الله سبحانه وتعالى قد أنعم على الخلق بنعم كثيرة جليلة القدر، ومن هذه النعم نعمة اللباس الذي جعله الله جل وعلا ستراً وزينة يتجمل بها الإنسان ويستتر بها، ولهذا كرم الله سبحانه وتعالى بني آدم على سائر مخلوقاته بهذه الكرامة، وذلك أن الله جل وعلا قد أنزل عليهم لباساً، وأنزل عليهم ريشاً، واللباس في كلام الله سبحانه وتعالى على نوعين:

    النوع الأول: هو ما يستتر به الإنسان سواءً كان ذلك على سبيل التجمل، أو كان ذلك ستراً لعورة من عوراته.

    النوع الثاني: هو اللباس المعنوي الذي قال الله جل وعلا فيه: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].

    والمراد بهذا هو تفضيل لباس التقوى على غيره؛ لأن لباس التقوى هو الذي يجلب غيره، وأما غيره فلا يجلب لباس التقوى، وهذا معلوم، فإن الإنسان قد يستتر ظاهراً، ولكنه لا يستتر باطناً، فإذا استتر باطناً وصلح باطنه صلح ظاهره واستتر، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب )، هذه المضغة التي يصلح بها الإنسان ظاهراً، إن صلحت باطناً ولا ترى بالعين، ولكن لازم استدامة سلامة الظاهر هو سلامة الباطن، وأما السلامة العارضة التي تطرأ على الإنسان فإنه يقابلها سلامة طارئة ظاهرة على الإنسان، ولهذا فإن الإنسان الذي يستديم السلامة الظاهرة، فإن السلامة الباطنة مستديمة، ولا يستطيع الإنسان أن يكون منكشفاً متعرياً في باطنه ويستديم الستر في الظاهر، وهذا لا يكون إلا بتكلف على أزمنة وأحوال معلومة.

    1.   

    مصطلح الحجاب

    وهذه المحاضرة عنوانها (الحجاب بين الفقه الأصيل والفقه البديل) هذه الكلمة كلمة الحجاب لها معانٍ ودلالات كثيرة متنوعة، قصد الله سبحانه وتعالى شيئاً منها في كتابه العظيم، وقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء منها، والشريعة في ذلك كتاباً وسنة يكمل بعضها بعضاً، ولهذا أمر الله سبحانه وتعالى بطاعته وطاعة رسوله وقرنهما ببعض: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء:59].

    وجعل الله جل وعلا الذي يعصي نبيه عليه الصلاة والسلام في مقام ومنزلة من عصا الله سبحانه وتعالى، ولهذا من آمن بالقرآن ولم يؤمن بسنة النبي صلى الله عليه وسلم كفر وخرج من الملة بإجماع أهل الإسلام، ومن آمن بالسنة وجحد القرآن فإنه من باب أولى أظهر في الكفر والردة.

    إن مسألة الحجاب قبل الولوج فيها ينبغي أن يعلم أن مرد الألفاظ في الشريعة إلى تقرير المشرع، وأن أقرب الناس فهماً للمصطلحات هو صاحب المصطلح من الناس، وهذه قاعدة معلومة، والمشرع إذا أطلق مصطلحاً من المصطلحات فإنه يفسره النصوص الواردة في كلام ذلك المشرع، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أعلم الناس بقوله، ويليهم بعد ذلك أعلم الناس بقوله عليه الصلاة والسلام، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا جاء فضل الصحابة على غيرهم ببيان المنزلة والمرتبة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكفي في ذلك أن الأمة تطبق على أن الصحابة أفضل الخلق بعد أنبياء الله، وهذا من الأمور المشتهرة المعلومة المتقررة، ويتفرع عن ذلك أن هذا الفضل وهذه المنزلة يلزمها اقتداء واتباع، وذلك الاقتداء والاتباع هو فرع عن ذلك العلم الذي أحاطوا به، وذلك لمعرفة الحال وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من جملة من الدلالات لبعض ملفوظاته عليه الصلاة والسلام.

    إن جهل الإنسان بالمصطلحات له أثر عظيم على جهله بفروع تلك المصطلحات فضلاً عن النوازل التي تطرأ على ذلك المصطلح من تقلب، وكذلك أيضاً من مغايرة في بعض النوازل، فإن اللغة العربية لغة عامة يستعملها الإنسان في موضع، ويستعملها في موضع آخر لعمومها، ويخالف الموضع الأول الموضع الثاني، وهذا أمر معلوم.

    ومن الألفاظ العامة والمصطلحات الشائعة هو مصطلح الحجاب، ومصطلح الحجاب هو مصطلح عام يدخل فيه الاستتار بجميع أنواعه سواءً كان الاستتار مع شخوص الجسد وبروزه، أو كان حجاباً للجسد كاملاً، ولهذا يتفرع عن مسألة الحجاب ومصطلحه سائر أنواع الحجاب، ويدخل في هذا مسألة الاختلاط اختلاط النساء بالرجال، أو احتجابهن عن الرجال، ويدخل في ذلك أيضاً مسألة الحجاب بأنواعه، وكذلك ما تستر به المرأة نفسها، فإنه يدخل في باب الحجاب، سواءً كان ذلك ما يتعلق بجسد المرأة عاماً، أو ما كان بجزء من أجزائها مما يتعلق بالوجه والكفين، أو يتعلق بالقدمين، أو الأطراف ونحو ذلك، فإن هذا مما يدخل في مصطلح الحجاب، والله سبحانه وتعالى قد استعمل لفظ الحجاب في كتابه العظيم على ما هو شامل لسائر هذه المعاني، وهذه المعاني تتفرع عنه، وذلك بسؤال أمهات المؤمنين عليهن رضوان الله تعالى، ولهذا قال الله جل وعلا: فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب:53]، والمراد بذلك من وراء ساتر، يستترن به عن أعين الرجال، وهذا يدخل فيه مسألة ستر البدن، ويدخل في ذلك أيضاً من باب أولى ستر الجسد عن الرجال بالكلية، وهذا ما يتفرع عن مسألة الاختلاط، وهذا المصطلح هو مصطلح يتباين بحسب السياق، وكذلك أيضاً بحسب الدلالة الواردة فيه بحسب ما جاء به النص من كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك بحسب ما جاء فيه الدليل المخصص بقول أو فعل في موضع آخر، أو ما تقرر عليه الإجماع كما يأتي بيانه بإذن الله.

    1.   

    مصطلح الحجاب عند المتأخرين

    مسألة الحجاب غلب على المتأخرين الاصطلاح على مسألة الحجاب، هو ما تستر به المرأة نفسها، ويتعلق هذا بحسب البلدان، وبحسب المفاهيم يتباينون بإسقاط هذا اللفظ، والمواضعة لمصطلح من المصطلحات في زمن من الأزمنة ينبغي ألا يغلب ذلك فرضاً على المصطلح الشرعي، فتجير الألفاظ الشرعية بحسب وضع الناس لذلك المصطلح، وهذا من الأمور الخاطئة التي ينبغي للناس أن يدركوها حق الإدراك، ولهذا شاع عند كثير من الناس معنى من معاني الحجاب، فأخذ ينظر في نصوص الكتاب والسنة، ويفسر تلك الألفاظ الواردة بذلك التركيب على المعنى الذي استقر فيه، ولهذا العلماء يقولون: إن من أظهر الخلط عند الناس هو جهلهم بالمصطلحات، وذلك أنهم يحملون مصطلحاً عاماً على بعض أجزائه الذي اشتهر عندهم، ويغلبونه على مراد الله جل وعلا ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من أظهر ما يخطئ به الناس.

    والمصطلحات إذا كانت تنقلب من جهة المعنى بحسب الأزمنة يجد الإنسان أن بعض الأزمنة تستعمل لفظاً من الألفاظ يخالف الأزمنة المتأخرة، أو العكس أيضاً كلفظة الاستهتار، فإن هذه تغلب في استعمالات الناس المتأخرين مرادفة لكلمة الاستهزاء، وأما في لغة العرب فإنها أبعد من ذلك، فالاستهتار هو غلبة المودة والحب، فإذا أحب الإنسان شيئاً فإنه يكون مستهتراً به، والألفاظ التي يتواضع عليها الناس من جهة الاصطلاح ينبغي ألا يغلبوها على سائر اللفظ من جهة وروده في كلام الله جل وعلا، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إن مسألة الحجاب التي نتكلم عليها هي ما يتعلق بلباس المرأة بعيداً عن شطره الآخر، وهو ما يتعلق بمسألة احتجاب المرأة عن الرجال، وهو ما يسمى بفصل الرجال عن النساء، والتي اصطلح عليها العلماء بمسألة الاختلاط، فهذه لها مباحث أخر ينظر فيها، فمسألة الحجاب مسألة عامة من المسائل التي ينبغي أن تؤخذ بعمومها، وأن ينزل النص بحسب السياق الذي جاء عليه، ومن الأمور المهمة أيضاً أنه ينبغي للناس حال نظرهم في النصوص الشرعية أن يفهموا النص بحسب الحال التي نزل عليها النص الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان القرآن قد نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بلسان عربي وبلسان قريش يجب أن يفهم ذلك على وجهين: على ذلك اللسان كذلك على الحال التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحوال الناس تتقلب من زمن إلى زمن، فقد يألف الناس في زمن من الأزمنة نوعاً من اللباس ويظنون أن هذا اللباس هو الذي كان عليه الأوائل، فالرجال في زمننا على لباس في سائر البلدان لم يكن عليه الناس قبل مئات السنين فضلاً عن زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك يتغير من زمن إلى زمن، فإذا كان هذا في أمر الرجال، فإنه كذلك أيضاً في أمر النساء من باب أولى؛ لهذا ينبغي فهم السياق، وكذلك فهم العمل، فإن العمل الذي كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقرت عليه النفوس لا يأتي النص فارضاً له بألفاظ كثيرة؛ لأن النفوس قد استقرت عليه، بخلاف النفوس التي تأنف من تطبيق ذلك العمل، فإن الشريعة في ذلك تشدد عليه، النفوس تأنف من كثير من الأحكام الشرعية التي جاءت الشريعة بالتشديد فيها، وسبب الأنفة من ذلك ابتداءً؛ لأن هذه النفوس كانت مبدلة في الجاهلية على نوع من التبديل كمسألة عبادة الأوثان كانوا يأنفون مثلاً من السجود أو الركوع ونحو ذلك؛ لأن هذه النفوس طرأ عليها نوع من التبديل، فهذا التبديل ينبغي ألا يلتفت إليه، وهذا إذا كان في الوثنية وترك عبادة الله جل وعلا، فإنه في الأمور الجزئية في الأخلاق والمعاملات يطرأ عليها التغيير من باب أولى، وأكثر ما يحاجج به الناس في مقاومة النصوص أنهم يقولون: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23]، يعني: أننا نسلك ذلك المسلك، ويجهلون أن الحكمة أو التحاكم في ذلك ينبغي أن يكون إلى الحكم الشرعي والنص من كلام الله سبحانه وتعالى، وأكثر ما يواجه به الناس النصوص ولكن يكون بمصطلحات كثيرة أن هذا العمل هو العمل السائد، أو هذا هو عمل جمهور الناس، وهذا هو الغالب ونحو ذلك، فالمقاومة الفردية للحق الشائع هي من أصعب أنواع المقاومة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قاوم كفار قريش قاوموه بأنهم توطنوا على هذا الأمر، وهذا الأمر الذي توطنوا عليه هو نوع من التبديل لما كان من الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام بقرون يسيرة، وهذا كما لا يخفى فيه تدرج عبادة الأوثان ونحو ذلك، والناس تجتالهم الشياطين، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم كلما ذهب نبي خلفه نبي آخر )، المراد بهذا تسوسهم أنبياؤهم أن حال الناس وإن كانوا من العقلاء الذين رزقهم الله جل وعلا اللب والفهم والإدراك، فإنه يطرأ عليهم من الانحراف، والانحراف يكون على أمرٍ دقيق ينحرف جيل من الأجيال شعرة في باب، بحسب تمسك الفطر، وتقبلها لذلك الانحراف، فيتدرجون في اللباس، ويتدرجون مثلاً في الأقوال والأخلاق شيئاً فشيئاً حتى يأتي جيل لا يدرك درجة ذلك الانحراف، فيظن أنه وجد على هذا الأمر، ومقاومة هذا الانحراف بعد انخراط العقد من الأمور الشاقة، وهذا في الأخلاق والقيم وكذلك أيضاً في أمور العقائد وغيرها، والانحراف الذي طرأ على الجاهليين وكفار قريش في مكة هو أعظم وأدعى أنواع الانحراف، انحراف في الأخلاق، انحراف في التوحيد، وانحراف كذلك أيضاً في أمور المعاملات المادية وغير ذلك كما طرأ عليهم ربا الجاهلية وغير هذا، فكانوا يقعون في ذلك بل يقع فيها أشرافهم، وهذا نوع من التبديل الذي طرأ على سبيل التدرج، وهذه من سياسة إبليس التي تقاومها سياسة الأنبياء، ولكن لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين كان الذي يسوس الناس أهل العلم والمعرفة ورثة الأنبياء ممن حملوا العلم كتاباً وسنة، وفهموا مراد الله جل وعلا، ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم على النحو الذي يريده الله، ويريده رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف أو تبديل، وأن يرجعوا الناس إلى المعنى الذي جاء في كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    طريقة الشرع في إيراد النصوص على المسائل

    قد يطرأ فهم للنص على خلاف ما نزل عليه الدليل، وذلك كما تقدم الإشارة إليه، الشريعة لا تؤكد على ما كان مستقراً لدى الناس وهذا أمر ينبغي أن يعلم، وهذا معلوم حتى في حياة الناس في سائر العصور، الأنظمة والقوانين لا تشدد على أمر لا يخالف فيه الناس، وإنما يشددون ربما على جزئيات يتمرد عليها الناس والفطر تخالفها، فتجد مثلاً من الأنظمة والقوانين التي تطرأ على الناس ويشدد فيها السلاطين، ويأمرونا بها ونحو ذلك على سبيل التشديد، لماذا؟ لأن الناس يتمردون عليهم، وهناك من الأمور والأحوال التي الناس لا يتمردون عليها، ويأنفون من الوقوع فيها ربما في بعض البلدان لا يشرع لها قوانين، لماذا؟ لأن النفوس لا تقاوم ذلك الفعل وهي فطرة تأنف منه، ولهذا نقول: إن الإنسان غرس فيه وازعين:

    الوازع الأول: هو وازع الطبع، وهو الأمر الفطري الذي يأنف منه الإنسان، وإذا كان الإنسان يأنف من هذا الأمر لا يحتاج إلى توجيه الناس، لهذا تجد الإنسان في داره لديه أبناء ولديه ذرية ولديه أزواج، ولديه إخوة ولديه أخوات لا يحذرهم مثلاً من الأمور البعيدة عنهم لاستقامة أحوالهم، لا يحذرهم مثلاً من الشذوذ، من اللواط، ولا يحذرهم من الزنا، ولا يحذرهم مثلاً من نوع من الألبسة ونحو ذلك، ولكن تجده يشدد على نوع من السنن، ويحذر شديداً على المكروهات ونحو ذلك، لماذا؟ لأن البيئة بيئة مستقيمة في هذا الباب.

    وتجد في بعض البيئات ونحو ذلك هو عكس هذا فيطرأ على بعض الأسر من الانحراف، فيشدد على هذا ويغفل عن الجانب الآخر، جاءت الشريعة الإسلامية، والعرب كانوا يأنفون من إظهار عورات النساء إلا في أبواب ضيقة كمسألة الطواف، فإنهم كانوا يطوفون عراة، وكانت المرأة تطوف عند البيت عارية لله جل وعلا تديناً بجهل، وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله، وبعض الرجال يفعلون ذلك، ولكنهم في غير ذلك فإنهم يشددون في هذا الأمر، ويتساهلون في نوع من الأمور كمسألة البغاء في بعض الجواري ونحو ذلك، ولهذا جاءت الشريعة في بيان أمر الحجاب مخففاً مع كونه من الأمور المتحتمة الضرورية، ولهذا جاءت النصوص فيها على سبيل التأكيد ببيان نوع من المعاني، حتى يفهم هذا الأمر تجد كثيراً من الناس يتعلمون كثيراً من العلوم ويدعون علوم حتى في العلم الذي يتعلمون فيه ذلك العلم، لا يقبلون عليه لأن تلك المعلومة ولو كانت أعظم من غيرها مسلمة ولا يستحضر لها الإنسان دليلاً كمسألة مثلاً الصلوات الخمس بصلاة الفجر ركعتين، أو الظهر أربعاً، والعصر أربعاً، لو سأل الإنسان نفسه ما هو النص الذي يستند إليه بكون الظهر أو العصر أربعاً؟ أو الفجر ركعتين ما هو الدليل بذكر الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام؟ تجد أنه لا يستحضر دليلاً، وربما لو أخذ في ذهنه ساعة أو ساعتين لا يستحضر من ذلك دليلاً، ولكن يحضر الدروس التي تفقهه في الجزئيات البعيدة؛ لماذا؟ لأن هذا الأمر من الأمور المستقرة، واستقر عليها الأمر، والنصوص في ذلك مع كونها موجودة في الصحيحين وغيرهما إلا أن إظهارها للناس من الأمور التي لا تتداعى الهمم على إظهارها، وهذا أمر ينبغي أن يؤخذ على أمر الموازنة، ويفهم عليه ذلك الأمر الأصلي من جهة التشريع وروداً.

    الشريعة جاءت منضبطة، ولكن كثرة وقلة وقوة وضعفاً بحسب إقبال النفس على المنكر، أو إحجامها عنه، وبحسب إقبالها على الخير وبحسب إحجامها عنه، لهذا ينبغي للإنسان أن يفهم النصوص فاهماً لذلك بالعمل الذي كانوا عليه من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، كان الجاهليون يستترون وكانت النساء يحتجبن عن الرجال، وإن كان جزء من الحجاب يظهر ويخالفون فيه كمسألة الاختلاط، فإنهم كانوا لا يتحاشون من اختلاط النساء بالرجال في بعض الصور، فجاءت الشريعة في ضبط هذا الأمر، وضبط كذلك جملة من الأمور والأحكام فيه بنصوص ظاهرة من كلام الله جل وعلا، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقول الشاعر الجاهلي النعمان يصف عشيقته حينما مرت من أمامه وسقط خمارها من غير أن تشعر.

    سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد

    يعني: أنها أخذت خمارها بيد وغطت وجهها باليد الأخرى حتى لا يراها الرجال حتى ترفع خمارها فتدرك فتغطي وجهها بخمارها، ثم تزيل يدها عن وجهها إشارة إلى أن هذا من الأمور التي كانت مستقرة لدى الجاهلية، فوازع الطبع موجود في الشريعة، فجاء تأكيد النصوص على الشريعة الأمر الذي يتوافق مع وازع الطبع، لهذا نجد النفوس في بعض الأحيان في مسألة وازع الطبع -وهذا من الأمور المهمة حتى يفهم الإنسان هذه المسألة- أن وازع الطبع في الإنسان أقوى من وازع الشرع في بعض الصور، مثال ذلك: الإنسان مهما كان صالحاً تقيا ًورعاً عالماً بكتاب الله، عالماً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز له أن يخلو بالأجنبية، ولا أن يسافر معها، أما بالنسبة للكافر الملحد وكذلك أيضاً بالنسبة للذي يسجد للأصنام يجوز للمرأة من المسلمين إذا كانت أختاً له أو أماً أن تسافر معه إذا كان محرماً لها، فهذا إنما جاز لها أن تسافر معه لوجود وازع الطبع فيه، أن الإنسان يستحيل أن يقدم على الإتيان على أخته وأمه ولو كان كافراً، أما بالنسبة لوازع الشرع فإنه يضعف في بعض الأحيان، ويقوى عليه وازع الطبع، لهذا الشريعة تعتبر بوازع الطبع وتقويه، فإذا وجد وازع الطبع جاءت النصوص ضعيفة جداً لتقرير هذا الأمر؛ لأن هذه الأمور من الأمور المستقرة التي يكفي بها وازع الطبع، لما جاء الإسلام كان الناس أصحاب حمية وغيره، وكذلك النساء أصحاب استتار وحياء وعفاف ونحو ذلك، وبعد عن مواضع الشبهة، وهذا أمر مستقر لدى العرب في الجاهلية، جاءت الشريعة ببيان هذا الأصل وتقريره؛ لأن الشريعة تامة ومحفوظة لسائر الأجيال ولسائر الأزمنة، كذلك أيضاً جاءت النصوص مبينة ومشددة لبعض المواضع اليسيرة من أمر الحجاب، ولو لم تكن هذه أعظم من الأصول التي قل فيها النص، لهذا ينبغي للإنسان أن يفهم أمر الموازنة، وأنه إذا طرأ نوع تبديل على أحوال الناس أن يتعامل مع هذا التبديل على النحو والسياسة الشرعية في الموازنة بين وازع الطبع ووازع الشرع، وهذا أمر من الأمور المهمة.

    1.   

    الحجاب من المسائل الفطرية

    مسألة الحجاب هي من المسائل الفطرية التي فطر عليها الناس، وهي تتفرع عن مسألة الحياء ومسألة العفاف، ومسألة الغيرة، وغير ذلك من الأخلاق، حتى كان الجاهليون وما قبل الجاهليين من الشرائع السابقة كان النساء يحتجبن عن الرجال، وكذلك أيضاً كن يستترن، بل كن يغطين وجوههن عن الرجال، ولهذا لما ذكر الله جل وعلا قصة موسى ذكر الله جل وعلا قال: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص:25].

    ذكر عمر بن الخطاب عليه رضوان الله كما رواه الخطيب البغدادي ، وكذلك رواه الدارمي من وجه آخر من حديث أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب قال: جاءته إحداهما تمشي على استحياء، وقد غطت وجهها، وجاء هذا أيضاً عند الدارمي في كتابه السنن من حديث الضحاك عن ابن حازم أنه قال: جاءته إحداهما تمشي على استحياء وقد غطت وجهها، وفيه إشارة إلى أن النساء يغطين وجوههن، وهذا كان في زمن بني إسرائيل، وهذا الخبر عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، ولا يعهد عن عمر بن الخطاب أنه حدث عن بني إسرائيل حديثاً واحداً، ومثل ذلك لا يقال من قبيل الذات، وإنما مرده في ذلك إلى الوحي، إما من خبر قدسي وإما من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    كذلك أيضاً فإن المتقرر عند العلماء أن ما جاء من تفسير كلام الله جل وعلا عن الصحابة أنه في حكم المرفوع، كما نص على ذلك الحاكم في كتاب المستدرك، وكذلك أيضاً في كتاب علوم الحديث، وقد حكى الإجماع على ذلك أن تفسير الصحابة لكلام الله جل وعلا له حكم الرفع.

    وهذا أيضاً في كثير من الأزمنة كما تقدم في مسألة الجاهلية، وكذلك أيضاً في شعر النعمان ، وكذلك أيضاً في قول الشاعر عن البراقع يقول:

    جزى الله البراقع خيراً ما بقينا عن الفتيان دوماً ما بقينا

    يوارين الحسان فلا نراها ويوارين القباح فيزدهينا

    وهذا شاعر جاهلي يشير إلى أن النساء كن يلبسن البراقع في الجاهلية، فجاءت الشريعة على هذا الأمر، والنساء على هذا الأمر، فجاء الأمر على مثل هذا من جهة التأكيد لبيان الحال، لهذا نحن أحوج ما نكون في مسألة حجاب المرأة أن نبين الحال الذي كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان الناس يحتجبون، ثم ننزل النصوص التي جاءت في الشريعة أن ذلك العمل قد ركب على ذلك النص، والشريعة كما تقدم تأتي وازع الطبع على وازع الشرع، فبحسب قوة وكذلك تمرد وازع الطبع بحسب قوة يكون وازع الشرع قوياً كحال الرياح حينما تأخذ مثلاً قميصاً أو تأخذ منديلاً ونحو ذلك إذا كانت قوية، يأتي الإنسان يضع حجرا ًقوياً حتى يمسك ذلك، وإذا كانت الأمور هادئة لا يضع شيئاً، وإذا كان الأمر خفيفا ًوضع حجراً يسيراً.

    كذلك الشريعة حينما تأتي على حال اضطراب وتمرد في وازع الطبع يأتي النص قوياً جداً حتى يقوى وازع الطبع ويتواكب أيضاً مع وازع الشرع، وإذا كان وازع الطبع قوياً جاء وازع النص ضعيفاً لماذا؟ حتى تكون في ذلك الموازنة، وتكون الشريعة في ذلك وسطية، وهي الأمة الوسطية التي ذكرها الله جل وعلا في كتابه العظيم، وهذا ما ينبغي علينا فهمه.

    1.   

    الإجماع على وجوب الحجاب

    الله جل وعلا قد ذكر أمر الحجاب، وحتى نحرر الأمر والمسألة في هذا اتفق العلماء على أن الحجاب بمعانيه العامة هو ما يتعلق بلباس المرأة، وما يتعلق باحتجابها عن الرجال، وأنه على أنواع وصور، واتفقوا على جملة من الصور، من هذه الصور اتفق العلماء قاطبة على أنه من المشروع للمرأة وينتبه للفظة المشروع أنه من المشروع للمرأة أن تغطي جميع جسدها، وهذا جميع الجسد يشمل في ذلك سائر أعضائها سواءً كان الوجه والكفين أو الأصابع أو أظفارها هذا من جهة المشروعية، وأما من جهة الوجوب فقد اختلفوا في ذلك ويأتي الكلام عليه بإذن الله.

    أما بالنسبة للوجوب أجمع العلماء أيضاً على أنه يجب على المرأة أن تستر وجهها في حال الافتتان بها، وأنها إذا علمت أن رجلاً ينظر إليها ولو كانت متجالة أنه يجب عليها أن تستر وجهها وجوباً، وهذا لا خلاف فيه عند العلماء قاطبة، من سائر الطوائف الفقهية، ومن سائر الملل والمذاهب، وكذلك أيضاً مما ينبغي أن يحكى أنه أجمع العلماء قاطبة، على أنه يحرم على المرأة أن تلبس لباساً يشف جسدهاً، أي يظهر ما وراءه، كاللباس الرقيق ونحو ذلك، وأجمع العلماء قاطبة على أنه يحرم على المرأة أن تلبس لباساً يصف جسدها، ومعنى يصف الجسد اللباس الملتصق على الجسد بحيث يظهر تقاسيم الجسد، بحيث أن المرأة يظهر منها أن تكون عريضة أو ضعيفة، أو ممتلئة ونحو ذلك أنه يحرم عليها ذلك اللباس، وأنها تلبس شيئاً فضفاضاً وهذا محل اتفاق عند العلماء، وإنما الخلاف عند العلماء في بعض فروع هذه المسألة ويأتي الكلام عليها بإذن الله تعالى.

    1.   

    كلام العلماء على حجاب المرأة في الصلاة وخارجها

    من الأمور التي ينبغي أن نقدم بها قبل الخوض في مسألة إيراد النصوص وكذلك إيراد أقوال العلماء في هذه المسألة أن نبين أن العلماء لتقرر مسألة الحجاب إذا أردنا أن ننظر في كلام الأئمة الأربعة، كلام الإمام أحمد ، وكلام الشافعي و أبي حنيفة والإمام مالك في مسألة حجاب المرأة نجد أن العلماء ينصون على حجاب المرأة في الصلاة، ويندر أن يوجد نص عن هؤلاء الأئمة في غير الصلاة، وحينما يبحث الباحث وهذا يظهر في كثير من الكتابات الذين يتكلمون على عورة المرأة يأخذون كلام العلماء في مسألة الصلاة فيقولون: المرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين، وهذا في مسألة الصلاة فيضعونها في مسألة عورة الرجال، عورة النساء في غير هذا الموضع، وهذا أمر ينبغي أن يؤخذ بقدره فإن مسألة لباس الصلاة أمر منفصل عن ذلك حتى يفهم الدليل، وذلك أن الله جل وعلا أمر الرجال أيضاً بأن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد، وجاء تفسير الزينة في بعض النصوص، من ذلك ما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل بثوب ليس على عاتقه منه شيء، وهذا أمر خارج عن العورة، ومعلوم أن عورة الرجل هي من سرته إلى ركبته، ولكن ما زاد عن ذلك هل يجوز له أن يكشفه أم لا في حال الصلاة، فمسألة حكم الصلاة تختلف عن غيرها، ولهذا ينبغي أن يعلم أن ثمة عورة وهذه العورة عورة لباس، وثمة عورة هي عورة نظر، عورة اللباس ما يجب على المرأة أن تسترها من جهة نفسها، وأما عورة النظر فيجب على الرجل والمرأة أن يستر نفسه في ذلك عند رؤية غيره له، وهذا أمر قد نص عليه غير واحد من العلماء، من المفسرين وغيرهم، ويأتي الكلام على ذلك، وهذا يجعلنا نعلم أن كثيراً من النصوص التي تنقل عن الأئمة الأربعة في هذه المسألة أنها نصوص متكلفة، تنقل في غير مواضعها، ولا أعلم نصاً صريحاً في هذه المسألة في مسألة تدقيق حجاب المرأة وخاصة ما يتعلق بوجهها وكفيها عن الإمام أبي حنيفة أو عن الإمام الشافعي نصاً صريحاً في ذلك، وإنما هي قرائن يأتي الكلام عليها بإذن الله تعالى.

    ويوجد عن الإمام مالك عليه رحمة الله وعن الإمام أحمد أيضاً من النصوص في ذلك، وهي شيء يسير يأتي النص عليه، وفي هذا إشارة إلى أن هذه المسألة من الأمور المستقرة، لهذا نصوص العلماء لا تأتي متظافرة كثيرة وفرة في زمنهم، كذلك أيضاً الذي ينبغي الكلام عليه بعض النصوص التي يريدها العلماء، أو يريدها بعض من يتكلم على هذه المسألة في قضية الحجاب واللباس ونحو ذلك، وبعض الحجج النقلية أو الحجج العقلية نذكرها في الأخير، ونورد الدليل ونبين كذلك الحجة فيه، وكذلك الضعيف إن كان ضعيفاً، وكذلك أيضاً وجهة النظر وقوتها وضعفها بإذن الله تعالى.

    نكتفي بهذا القدر، ونصلي ونسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.