إسلام ويب

شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري [4]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعتبر المعاصي من الكفر الأصغر، وهي من أمور الجاهلية التي تضعف الإيمان، لكنها لا تذهبه، ومنها على سبيل المثال الاقتتال بين أهل الإيمان، وإنما الذي يذهب الإيمان هو الشرك بالله سبحانه، وكذلك النفاق الاعتقادي، أما النفاق العملي فهو يضعف الإيمان، كإخلاف الوعد أو الكذب أو خيانة الأمانة وغيرها، ويقابل ذلك أمور هي من الإيمان وتزيده كذلك، كالجهاد والاعتكاف والصلاة والزكاة وصيام رمضان وغير ذلك.

    1.   

    باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد: فاللهم إنا نسألك الفقه في الدين وعلم التأويل.

    قال الإمام البخاري رحمنا الله وإياه: [ باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنك امرؤ فيك جاهلية )، وقول الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ[النساء:48].

    حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة، عن واصل الأحدب، عن المعرور قال: لقيت أبا ذر بالربذة، وعليه حلة، وعلى غلامه حلة فسألته عن ذلك، فقال: ( إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال: لي النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم ) ].

    قول المصنف رحمه الله: (باب المعاصي من أمر الجاهلية)، الجاهلية إنما سميت جاهلية لغلبة مخالفة أمر الله عز وجل عليها، والله سبحانه وتعالى قد ذكر من يعمل سوء بجهالة يعني: يعصي الله سبحانه وتعالى، فمن عصى الله جل وعلا بعلم أو عن غير علم فقد وقع في الجاهلية ولهذا الجاهليون أكثرهم أصحاب الجهل المنافي للعلم من غير مكابرة، وإنما وجدوا آباءهم هكذا، فسميت تلك جاهلية، فمن خالف أمر الله سبحانه وتعالى متعمداً فهو عاصي، ويأثم بفعله ذلك، وإذا لم يكن عالماً فإنه قد يأثم وقد لا يأثم، إذا لم يكن عالماً وقصر في الحصول على العلم أثم في هذا، وإذا لم يقصر في تحصيل العلم بما وقع فيه فإنه لا يأثم، وهذا ظاهر في قول النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح الإمام مسلم: ( والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار )، يعني: أنه بمجرد السماع والتقصير في تتبع ذلك الحق جعل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك موجباً لدخول النار، وفي قوله عليه رحمه الله: (باب المعاصي من أمر الجاهلية) يعني: أن فيها شعبة من شعب الجاهلية، وكما أن للإيمان شعب فكذلك للكفر شعب، وكما أنا للعلم شعب كذلك أيضا فإن للجهل والجاهلية شعب.

    وفي قوله هنا: (لا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك) المعاصي التي يقع فيها الإنسان تنقص من أجره شيئاً فشيئاً، وتوجد شيئاً من شعب الكفر فيه إلا أن صاحبها لا يكفر إلا بوجود الشرك فيه، والمؤمن لا يكفر إلا بشي بين، ويكفر بوجود المكفر فيه باطناً وظاهراً، باطناً: بعمل القلب، وظاهراً: بقول اللسان وعمل الجوارح، وإذا توفرت فيه شعبة واحدة من شعب الكفر الأكبر توفر فيه الكفر كله، وإذا وجدت شعبة من شعب الإيمان لا يتحقق فيه الإيمان حتى توجد فيه شعب الإيمان، وينتفي في ذلك ضدها.

    وفي قوله: (لا يكفر صاحبها) يعني: يحال بينه وبين الإسلام، وكأنه غطى بينه وبين الإسلام، فجعله حائلاً.

    وفي قوله: (إلا بالشرك) المراد بذلك: هو الشرك الأكبر المخرج من الملة، وهو الذي ذكره الله سبحانه وتعالى بقوله جل وعلا: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ[المائدة:5]، وفي قوله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ[النساء:48]؛ ولهذا ذكرها المصنف رحمه الله تعالى بعد ذكر قوله: ( إنك امرؤ فيك جاهلية )، وإنما هنا ذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام مع أنه ذكره في الخبر، وذلك لأن التراجم أمارات ودلالات على معانٍ فيها، فربما جمع زبدة ما يريد ذكره في الباب وجعله في الترجمة، وإنما قال: (لا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بشرك)، يقول: (ارتكابها) ارتكاب الذنب يعني: ركوبه، والركوب لا يكون إلا على الدابة، ارتكب فلان معصية كذا فكأنه امتطاها كما يمتطي الإنسان الدابة، وهذا لا يكون إلا عن قصد وعمد.

    وهنا في قوله: (لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة، قال: وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه) المراد بالسب: الذم والقدح والتعيير، سواء كان ذلك بحق أو بباطل، وفي قوله: (عيرته بأمه) إشارة إلى شيء من بقايا الجاهلية من تعيير الناس بأحسابهم وكذلك بأنسابهم، والنبي صلى الله عليه وسلم حينما قال له: ( يا أبا ذر أعيرته بأمه ) فيما يظهر والله أعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام إما أن يكون سمع ذلك منه مباشرة، أو أن أبا ذر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وعادة العرب أنهم ينتقصون الموالي، وليس عندهم لأعراضهم حرمة، فيقذفونهم، ويقعون أيضاً عليهم بالضرب، وربما سلبوهم ما كان من حقهم.

    وفي قوله: ( يا أبا ذر أعيرته بأمه ) النبي عليه الصلاة والسلام نادى أبا ذر بكنيته مع أنه يحاسبه، ويريد أن يلومه على ما هو فيه؛ وذلك لأنه ربما قد وقع في خطأ من غير قصد، أو جرى على ما جرى عليه الناس، وهذا من الرحمة واللطف والشفقة بالمخالفين، وفي قوله: ( إنك امرؤ فيك جاهلية ) أي: لم تقع في الجاهلية، وإنما وقعت في شيء أو شعبة من شعبها.

    وفي قوله عليه الصلاة والسلام: ( إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم ) جعل النبي عليه الصلاة والسلام العبيد والإماء من الإخوان؛ وذلك لأخوة الإيمان، وأن كونهم تحت أيديهم لا يعني ذلك أن الإنسان يتسلط عليهم بأخذ شيء من حقوقهم ولو قل، والله جل وعلا قد خول هؤلاء الأسياد ما كان من أمرهم ونهيهم.

    وقوله: ( خولكم ) يعني: أن الله جل وعلا جعل أمرهم تخويلاً لكم بالأمر والنهي، وقد جعله الله عز وجل تحت أيديكم، وهذا على سبيل المعنى، أي: أنكم تأمرونهم وتنهونهم، وربما أنزلتم عليهم شيئاً من العقوبة، إشارة إلى انخفاض حالهم عنكم، وذلك بأخذ الأمر والنهي، والإنسان إذا كان يأمر غيره فإنه في الغالب لا يحب المشاكلة له باللباس والمركب، وكذلك المسكن، فهو يحب أن تكون منزلته دونه؛ ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ذلك بين السيد وبين عبده، وإنما يلبسه كما يلبس، ويركبه كما يركب، إذا كان لديه فضل مال، وهذا بالنسبة للعبد.

    أما إذا كان مثلاً أجيراً له فإن إجارته أن يعطيه حقه فيما قدره له، سواء كان ذلك مقيداً بزمن، أو كان ذلك مقيداً بعمل محدود، فيعطيه أجره، وما عاد ذلك فإنه حر يملك أمره، يستطيع أن يذهب ويجيء، وأما بالنسبة للعبد فإنه لا يملك حيلة، ولا يهتدي سبيلاً، وهو تحت سيده لا يملك لنفسه إعتاقاً ولا حرية، وإنما هو رقيق، وأمره بيد سيده، فلما كانت العبودية في ذلك تامة وجب عليه أن يعوضه شيئاً مما فقده من اختياره.

    وفي قوله: ( فليطعمه مما يأكل ) النبي عليه الصلاة والسلام قال -كما جاء في الخبر وهو في الصحيح-: ( إذا جاء أحدكم خادمه بطعام فإن لم يجلسه فليعطه اللقمة واللقمتين )، يعني: إذا لم تستطع أن تجلسه معك لوجود حرج في ذلك، كأن يكون الطعام قليلاً، ودعوت ضيفاً لا يكفيه، أو ضيفين أو نحو ذلك، فعليك أن تعطيه ما يدفع شيئاً في نفسه، وهذه السياسة من رسول الله صلى الله عليه وسلم سياسة عالية ونبوية جليلة القدر، وذلك أن الخادم وكذلك العبد إذا حمل في نفسه على سيده ربما دفعه ذلك إلى الانتقام منه، وكذلك حمل الغل والحقد عليه، وربما دفعه ذلك إلى الحرام، فإذا لم يجد ما يلبس ربما دفعه ذلك إلى التكثر من سيده بغير حق، فأخذ من ماله من غير إذن منه.

    كذلك أيضاً في أمر من كان تحت يدك ولو كان قاصراً، فإذا لم تعطه حقه، ولم تمنع عنه ما منعه الله عز وجل من الاحتقار، أو سلبته ما يتنعم به من لباس أو نحو ذلك، وكان بإمكانك، فإن هذا ربما يدفعه إلى أذيتك، وكذلك ربما دفعه ذلك إلى الغل والحقد، وهذا أمر محرم.

    ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: ( لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تناجشوا )، والنبي عليه الصلاة والسلام يريد بذلك ألا تأخذوا بأسباب التحاسد والتباغض، والتباغض هو: المنازعة على شيء من أمر الدنيا، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما منع أبا ذر من تعييره ذلك كأنه أشار إلى أن سبب الخصومة التي أوقعتك فيه هو أنه ربما أحب شيئاً من المشاكلة بينك وبينه، وهذا حق له؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام ذكر شيئاً من حقه زائداً عن المنع والعصمة له في دمه، فذكر النبي عليه الصلاة والسلام الإطعام، وكذلك الإلباس، ونحو ذلك، وهذا قدر زائد عن مسألة الضرب، أي: أنه ينبغي لك أن تعطيه حقه من الطعام واللباس زيادة عن كف الأذى الذي يقع منك إليه.

    وفي قوله: ( ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم )، إما أن تعينه بنفسك، وإما أن تعينه بآخر مثله، إما أن يكون من العبيد، أو يكون من الأجراء؛ ولهذا جاء عن عائشة عليها رضوان الله أنها قالت: ( ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خادماً، وما ضرب امرأة )، وهذا إشارة إلى سعة كرمه عليه الصلاة والسلام، وكذلك أيضاً قال أنس بن مالك: ( خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لشيء فعلته لم فعلته، أو لشيء لم أفعله لم لم تفعله )، وهذا مع أن أنس بن مالك كان شاباً صغيراً، وأول ما خدم النبي عليه الصلاة والسلام كان عمره عشر سنين، ويبعد بل يحال أنه لم يخطئ أو ينس أو يتجاهل وهو صبي في مثل هذا السن، فربما أمره النبي عليه الصلاة والسلام بأمر فتجاوزه إلى غيره، ومع ذلك لم يعنف عليه الصلاة والسلام، ولم يعتدي، ولم يقبح، وهذا غاية في الرحمة بالخلق، وكذلك إعانتهم على أنفسهم، وهذا ما يسمى بالتغافل، وهو الإعراض عن خطأ المخطئ حتى يدرك، والعلماء يفرقون بين التغافل والغفلة، فالغفلة: هي التي لا يشعر بها الإنسان، وتشترك مع التغافل بالأثر، فالإنسان يغفل عن شيء ولا يكون له أثر عليه، وأما التغافل فهذا شطر العافية؛ ولهذا يقول العلماء: التغافل شطر العافية. وكذلك أيضاً هو من آثار العقلاء في تصرفاتهم، وذلك أن الإنسان يعلم ويرى الخطأ ثم يسكت عنه، ويكون حاضراً في ذهنه، ثم يجمع إليه غيره وغيره وغيره وهكذا حتى يتخذ أمراً بعد ذلك، وأما الغفلة: فهي الإعراض عن خطأ المخطئ حتى يفسد على الإنسان نفسه، أو يفسد عليه دينه، أو يفسد عليه ماله وولده وعرضه.

    1.   

    باب (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)

    قال رحمه الله: [ باب وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا[الحجرات:9]، فسماهم المؤمنين.

    حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا أيوب ويونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس قال: ( ذهبت لأنصر هذا الرجل فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل. قال: ارجع فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. فقلت: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه ) ].

    في قول: الأحنف بن قيس: ( ذهبت لأنصر هذا الرجل فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل. قال: ارجع فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا التقى المسلمان بسيفيهما ) إشارة إلى الفتنة التي وقعت بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكرة ممن اعتزل الفتنة.

    وفي قوله: ( فلقيني ) جاء في بعض الأخبار ( أنه لقيه ومعه سيف، فسأله: أين تريد؟ فقال: أنصر هذا الرجل )، فالنصرة تكون للظالم والمظلوم، فأما بالنسبة للمظلوم فنصرته على الظالم، وأما بالنسبة للظالم فبدفع ظلمه عن المظلوم، وذلك رحمة به وشفقة.

    وفي قوله: ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار )، ترجم المصنف عليه رحمة الله في قوله: قال: [ فسماهم المؤمنين ] على قول الله عز وجل: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[الحجرات:9]، الطوائف إنما سميت كذلك لأنه يطاف من حولها لكثرتها، والطواف على شيء هو الاستدارة عليه، وكأنهم من قوتهم وعصمتهم وكثرتهم وتضافرهم مع بعضهم يطوف طرفهم على وسطهم لوجود أمير ونظام فيهم.

    وفي قوله: اقْتَتَلُوا[الحجرات:9] ذكرنا أن المقاتلة شيء والقتل شيء، فالمقاتلة هي: مفاعلة تكون بين اثنين كل واحد منهم حريص على قتل صاحبه، أما القتل فهو الذي يكون من شخص واحد، والآخر لا يريد القتل، وهذا كقتل النائم، أو قتل الغافل، أو الذي لا يعلم عن ذلك شيئاً.

    وهنا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما )، يعني: أن المسلمين يتخاصمون، وربما بلغت تلك الخصومة إلى التقاتل، وإراقة الدماء، وهذا لا ينزع عنهما اسم الإسلام، ولهذا سماهم الله جل وعلا المؤمنين وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا[الحجرات:9]، فذكر اقتتالهم سبحانه وتعالى ومع ذلك سماهم المؤمنين، وهنا في تسميتهم المؤمنين مع أنهم على الاصطلاح يسمون بالمسلمين؛ وذلك لوقوعهم في شيء من الذنب، ولكن يقال: إن الإيمان إذا انفرد دخل فيه الإسلام، وكذلك الإحسان، وإذا اجتمعا فإنهما يختلفان، كما في قصة قَالَتِ الأَعْرَابُ[الحجرات:14]، وهذا فيه إشارة إلى أن الإسلام والإيمان يختلفان عند اجتماعهما، ويتفقان عند افتراقاهما، فيشمل أحدهما الآخر.

    وفي قوله هنا: ( بسيفيهما ) إشارة إلى الغلبة، فقد يكون ذلك بالرماح، وقد يكون بالنبال، أو كذلك أيضاً ربما بالحجارة ونحو ذلك، ولكن هذا هو الأغلب، يعني: غاية ما يحرص عليه الإنسان في القتل هو أن يحمل السيف، أما الالتقاء بغير ذلك فإنه لا يكون غالباً، كما أنه ليس المراد به القصر على السيف.

    قال: ( فالقاتل والمقتول في النار )، وهذا فيه إشارة إلى مسألة تتعلق بالإيمان، وذلك أن القاتل هو أحرص من المقتول من وجهين:

    وذلك أنه قد جاء بسيفه؛ لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما )، فلما جاء بسيفه دل على أنه حريص بداهة على قتل صاحبه، وإذا لم يكن حريصاً ما جاء بالسيف، ويحتمل أنه جاء بالسيف ليدافع عن نفسه، ويدفع صولة الصائل عنه، وهذه الصولة إذا كانت من مؤمن في مسائل الفتنة وجب عليه ألا يرفع السيف، خاصة في قتال الفتنة، بخلاف صولة الفاسق فإنها تدفع، ( ومن قتل دون ماله فهو شهيد )، أما في حال الفتنة ومقاتلة طوائف المسلمين لبعضها فالأولى للمسلم في ذلك ألا يرفع السيف؛ لأنه ربما حمله شيء من نعرات الجاهلية، أو أمر من الشبهات على قتل صاحبه؛ ولهذا قال: ( فالقاتل والمقتول في النار )، وفيه مخاطبة على عمل القلب، مع أن المقتول ما قتل، وهذا فيه إشارة إلى أن ذنب القلب كذنب الجوارح، فنقص الإيمان سواء وجد الذنب في القلب أو وجد في الجوارح، ويتسبب أيضاً بكفر الإنسان إذا وقع مكفراً في القلب أو وقع في الجوارح، ومن وقع في مكفر ظاهر استوى بمن نوى ذات الفعل في قلبه ولم يستطع عليه؛ لهذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام حكمهما واحداً، من قتل وباشر، ومن حرص على أن يقتل ولكنه لم يقتل، فهؤلاء من جهة الحكم واحد؛ ولهذا لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ( فقيل: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه )، والحرص يكون بالقلب.

    ولهذا قلنا: إن الإيمان قول وعمل واعتقاد، فمن كان معتقداً لشيء ولم يعمله بجوارحه أُخذ به كما لو عمله أحد، لهذا من اعتقد شيئاً بقلبه، وعمله بجوارحه لا يختلف عمن اعتقده بقلبه ولم يعمل بجوارحه، بل هما على السواء؛ لأن ذلك الناقص للإيمان وجد في الإنسان، سواء وجد في قلبه أو وجد في جوارحه ويكون هذا على حد سواء، كذلك أيضاً في أمر المكفر إذا وجد في القلب، أو وجد في الجوارح، أو وجد كذلك في اللسان، فإن أثره على الإنسان واحد، كذلك أيضاً في أمر العبادة، إذا وجد اعتقاد عمل والحرص على عمل، ولكن لم يتيسر له أداء ذلك فهو من جهة الثواب واحد، وهذا أثر محبة الله لعباده.

    كثير من الناس لا يظهر منهم أثر العبادة بالإكثار منها، ولكنه يكون من القاصدين الذين يأتون بشيء من العبادة، ويكتفون بشيء من النوافل مع فرائضهم ونحو ذلك، ولكن ربما يحرصون على شيء من الأعمال، ولا يوفقون إليها، وهؤلاء بعمل القلب يصلون إلى مراتب غيرهم من جهة القبول في الأرض، وكذلك أيضاً من جهة الفضل والمنزلة العلية عند الله سبحانه وتعالى؛ لهذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام الحرص القلبي، كحال الحرص الجسدي.

    1.   

    باب ظلم دون ظلم

    قال رحمه الله: [ باب ظلم دون ظلم ].

    الظلم هو: وضع الشيء في غير موضعه، فإذا وضعت شيئاً في غير موضعه فقد ظلمت نفسك، وظلمت غيرك إذا كان في حق غيرك، والإنسان الذي يأخذ مال أحد غصباً، أو يأخذه سرقة، أو تغريراً وتدليساً عليه، أو يأكل الربا، فهو ظالم؛ لأنه أخذ مالاً من موضع ووضعه في موضع آخر، فأخذه من حيازة أحد ووضعه في غير موضعه، فهذا ظالم، وكذلك أيضاً السارق، وكذلك أيضاً من لم يكف يده عن الناس، فقام بالضرب واللطم فهذا ظالم؛ لأنه وضع شيئاً في غير موضعه مما أمره الله، فالله وضع اليد في المباحات، وكذلك في المستحبات والواجبات، وهي أمور كثيرة، فإذا تعدت إلى غيرها فقد ظلم نفسه.

    ولهذا جعل الله عز وجل الشرك ظلماً؛ لأنه وضع للقلب في غير موضعه، هذا إذا كان في عمل القلب، وإذا كان في عمل الجوارح، كوضع الجوارح ساجداً على صنم فهذا في غير ما وضعه الله له، أو وضع الجوارح مثلاً إلى جهة ما أمر الله عز وجل بها، فقد وقع في الظلم، فقد سمى الله عز وجل الشرك ظلماً، وفي قوله: (باب ظلم دون ظلم) إشارة إلى مراتب الظلم بحسب مقامه في الشريعة، وكذلك بحسب أثره في الناس.

    قال رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة ح، قال: وحدثني بشر، قال: حدثنا محمد، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ[الأنعام:82] قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينا لم يظلم؟! فأنزل الله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[لقمان:13] ].

    قوله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ[الأنعام:82]، كما أن اللباس يكون في الحس فهو كذلك في المعنى أيضاً، فمن جهة فعل الإنسان يكون لباساً وتجرداً، وكذلك يكون من جهة أمور المعاني، وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ[الأنعام:82] الظلم هنا المراد به: الشرك، والأمان المراد به: الأمان يوم القيامة من الفزع، وكذلك الهول والخوف من النار، فالله عز وجل يعطي الإنسان أماناً من ذلك يوم القيامة، وذلك بورود التوحيد، والمؤمن إذا لم يقع في الظلم - أي: الشرك - فهو آمن، فإن الله عز وجل حرم على النار من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه.

    وفي قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ[الأنعام:82] هنا عرف المؤمنين بأنهم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وذلك من باب التفسير، لا من باب التفصيل، يعني: أنه يوجد قسيم لهؤلاء من المؤمنين لبسلوا إيمانهم بظلم، ويحتمل أن المراد بهذا الظلم جميع أنواع الشرك، سواء كان الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر.

    ومعلوم أن الظلم على نوعين: ظلم العبد لنفسه، وظلم العبد لغيره، وظلم العبد لنفسه أعلاه هو الإشراك مع الله عز وجل غيره، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[لقمان:13]، وإنما كان ظلماً لما تقدم الإشارة إليه بوضع القلب والجوارح في غير ما أمر الله عز وجل به وهو أعلى مراتب الظلم، وهو الذي لا يغفره الله عز وجل لعبده على الإطلاق إلا أن يتوب، كما تقدم معنا.

    وعلى هذا نعلم أن المكفرات التي بينها الشارع كثيرة منها: الطاعات التي تأتي على الحسنات كما في قول الله جل وعلا: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ[هود:114]، هذه حسنات تذهب بالسيئات، فكل حسنة يأتي بها الإنسان تكفر شيئاً مما يقابلها من السيئات، فإذا الإنسان بر أباه وبر أمه، أو تصدق ونحو ذلك، فهذا يأتي على شيء مما يقابلها من السيئات، وكلما استكثر الإنسان من الطاعة فإنه يأتي على ما يقابلها من السيئات؛ لهذا كانت السيئات أيضاً تمحو الحسنات.

    ومهما أكثر الإنسان من الحسنات وهو مشرك فإنها لا تأتي على التوحيد؛ لأنه لا يجري القلم عليها، فليست بحسنات؛ لأنه خارج من ملة الإسلام، ويستثنى من ذلك إذا وقع الإنسان في الشرك الأصغر، وهو من ظلم الإنسان لنفسه، فجاء الإنسان بشيء من الحسنات فهذا على قول بعض العلماء أنها تجري عليها بعض المكفرات، وهذا فيه نظر، والذي يظهر والله أعلم أننا إذا قلنا: إن الشرك الأصغر لا يخرج الإنسان من الملة، والكبائر التي يقع فيها الإنسان لا تمحوها المكفرات، كالصلوات والصيام ونحو ذلك، فإن الشرك الأصغر يجعله العلماء في مرتبة بين الكبائر وبين الشرك الأكبر، كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله في "إعلام الموقعين" قال: إن الشرك الأصغر بين الكبائر وبين الشرك الأكبر. من قال من العلماء: إن الكبائر لا تكفرها الطاعات فمن باب أولى الشرك الأصغر؛ لأنه أعلى منها مرتبة.

    والنوع الثاني من الظلم: هو ظلم الإنسان لغيره، وظلم الإنسان لغيره على أنواع: ظلم في أبواب الدماء، وظلم في أبواب الأموال، وظلم في أبواب الأعراض، وهذه المظالم مما لا يغفرها الله جل وعلا للإنسان، حتى يعيدها لأصحابها، ودليل ذلك ما جاء في الصحيح في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها من قبل أن يأتي يوم لا دينار فيه ولا درهم )، وأيضاً يدل على هذا ما جاء في حديث علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله، وتارة يرويه عن عبد الله بن أنيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يحشر العباد حفاة عراة، فيناديهم الله جل وعلا بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد، فيقول: أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وعليه حق لأحد من أهل النار حتى أقصه منه حتى اللطمة. قالوا: كيف وإنا نأتي الله جل وعلا حفاة عراة، فقال: بالحسنات والسيئات ).

    وهذه الحقوق قلنا: إنها لا تدخل في دائرة توبة الإنسان، فمثلاً: إذا أخذ الإنسان من أحد من الناس ديناراً أو درهماً قرضاً، أو مظلمة بينه وبينه عن طريق السرقة أو الغصب فإنها لا تدخل تحت المغفرة؛ لأن وهذا الله عز وجل أخذ على نفسه أن هذه الأمور لا يغفرها للعباد، فلا بد فيها حتى تسقط من أمرين: الأمر الأول: المسامحة والاستحلال في الدنيا. الأمر الثاني: أن يكون ذلك بالقصاص في الدماء وبإعادة الحقوق إلى أصحابها، إن كانت من الموادعات، وأما ما يتعلق بالوقيعة في أعراض الناس، وكذلك أمور الغيبة، أو ما يتعلق بالقذف ونحو ذلك، فيقال: الاستحلال إن علموا بذلك، وإذا لم يعلموا فإن على الإنسان أن يكثر من الاستغفار والتوبة إلى الله أن يتوب عليه.

    وليس للإنسان أن يخبر غيره أنه تحدث به وهو لا يعلم؛ لأن هذا مما يدعو إلى الضغينة والحقد ونحو ذلك، فإذا تكلم الإنسان في مجلس لا يسمعه إلا واحد، ولم ينقل ذلك الخبر، ليس له أن يأتي إلى من تكلم بهم ويخبرهم بذلك؛ لأن ذلك يفضي إلى الخصومة والشقاق، لكن يكثر لهم من الاستغفار والتوبة، وفيما يظهر لي أنه إذا وقع فيهم بباطل أن يقوم بتصحيح الباطل عند من أبطل حقه عندهم، كأن يكون مثلاً قال: فلان كذاب، فوقع فيه، يأتي إليهم ويذكر أنني افتريت على فلان، وفلان والله إنه صادق، أو فلان يسرق، فيأتي إلى من كذب عنده فيقوم بتصحيح ذلك الأمر، وأرى أن هذا كفارة له مع الاستغفار والتوبة له.

    وأما فيما يتعلق بأمور الأموال فإنها تعاد، وإذا لم يستطع الإنسان إعادة المال لفقر ونحو ذلك فالحق في ذلك باقٍ، والدليل على هذا ما جاء في صحيح الإمام مسلم في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا من لا دينار له ولا متاع، قال: المفلس من يأتي يوم القيامة بأعمال كالجبال، ويأتي وقد ضرب هذا، ولطم هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا )، كل هذه فيما يتعلق بحقوق الآخرين، لا في حق الله عز وجل المحض، وهو داخل في النوع الأول، بجميع أنواعه، فمثلاً: شرب الإنسان للخمر لا علاقة للإنسان فيه، هو من الكبائر وكبيرة وأم الخبائث، والله عز وجل توعد صاحبها بنوع من أنواع العذاب، لكنه تحت مشيئة الله جل وعلا، لهذا نقول: إن ما يتعلق بتفريط الإنسان وتقصيره بالعبادات، كمن أفطر يوماً من رمضان متعمداً، أو أخر صلاة، أو شرب مسكراً، أو وقع في شيء من المحرمات في ذاته، هذه وإن كانت كبائر إلا أن مردها إلى الله إن شاء عذب العبد، وإن شاء غفر له، وأما ما يتعلق بحقوق الآدميين فإنه لابد فيها مما تقدم.

    وحقوق الآدميين يكون الفصل فيها بعد الخروج من النار، وهذا على التفصيل السابق، فما كان من حق أهل النار مع حق أهل الجنة في حقوق بني آدم فإن ذلك يكون قبل الفصل؛ لأن أهل الجنة سيدخلونها، ويحرم عليهم أن يدخلوا الجنة قبل أخذ حق أهل النار منهم، وأما أهل النار فيما بينهم فإنهم يتقاضون الحقوق بعد الخروج من النار، فإذا خرجوا من النار كانوا على قنطرة بين الجنة والنار، كما جاء في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري قال عليه الصلاة والسلام: ( يخرج المؤمنون من النار، فيوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتصون حقوقاً كانت بينهم ).

    لهذا ينبغي للإنسان أن يعلم أن أعظم ظلم يقع فيه هو الإشراك مع الله عز وجل غيره، لهذا ينبغي أن يحترز منه، وقد تقدمت الإشارة معنا لماذا كان الشرك من أخطر الذنوب، وذلك أنه هو الذي يخرج الإنسان من الملة، وأن الله عز وجل لا يغفره لصاحبه إلا أن يتوب بنفسه، وكذلك أيضاً ما يتبع ذلك من المواريث، وكذلك أيضاً من الاستغفار والصلاة عليه؛ وهذا لعظم جرمه في حق الله سبحانه وتعالى.

    والظلم في قوله جل وعلا: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ[الأنعام:82] اختلف فيه المفسرون من السلف، هل الظلم المراد في هذه الآية هو الشرك؟ نقول: إن هذا الحديث فاصل في ذلك، ونستطيع أن نقول: إن هذا الخلاف لا يعول عليه؛ لأنه جاء عن علي بن أبي طالب وجاء عن عكرمة، والآثار في هذا التفسير ضعيفة، والأحاديث كذلك فيه ضعيفة، والذي ورد عن المفسرين من الصحابة في هذا أن المراد بذلك هو الشرك، وقد نقول: إن الأحاديث أو الآثار عن الصحابة في تفسير الظلم في هذه الآية هي في الشرك، ويتفقون في ذلك في الأخبار الصحيحة، أما في قول الله عز وجل: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[لقمان:13] فهو مفسر لتلك الآية كما في هذا الحديث، وفي هذا أيضاً أن الصحابة قد تغيب عنهم بعض معاني القرآن، فإذا غاب عن الصحابة فإن ذلك لمن بعدهم من باب أولى.

    1.   

    باب علامة المنافق

    قال رحمه الله: [ باب علامة المنافق ].

    شرح حديث أبي هريرة: (آية المنافق ثلاث...)

    قال رحمه الله: [ حدثنا سليمان أبو الربيع، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: حدثنا نافع بن مالك بن أبي عامر أبو سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان ) ].

    قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( آية المنافق )، وهي التي ترجمها وبينها المصنف رحمه الله في قوله: (باب علامة النفاق)، فجعل الآية المراد بها: العلامة، والعلامة تكون ثابتة. قوله: ( آية المنافق ) الآية والأمارة لا بد أن تكون ثابتة لا أن تكون عارضة، ولهذا السحب لا تكون أمارة لشيء في الأرض، فلا تقول: هذه السحابة فوق بلدة كذا وكذا، ثم توصف للناس، وتقول مثلاً: إن الرياض علامتها أن فوقها سحابة، فإن السحابة تذهب، ولكن تستطيع أن تقول: فيها جبل، أو فيها تل، أو فيها وادٍ، أو علامتها من الأشجار كذا.

    ولهذا نستفيد من هذا فائدة وهو أن المراد بالأمارة هنا: هو أن يغلب هذا الشيء على الإنسان فكأنه ثابت، فإذا كان دائماً يحلف ويكذب، فهذا هو الشيء الثابت عنده، بخلاف الشيء العارض فإنه لا يسمى أمارة، ولا يسمى علامة، ولا يسمى آية؛ لأن هذا شيء عارض، والشيء العارض لا تسميه العرب علامة ولا أمارة، بخلاف ما كان ثابتاً أنه إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، اليوم وغداً وبعد غد، فأصبح علامة عليه، فهذا آية على نفاقه، وكذلك أيضاً في مقامه من أمر الأمانة.

    وفيه أيضاً ما تقدم الإشارة إليه أن النفاق كالإيمان، النفاق فيه شعب، وهذه الشعب منها ما تكون عظيمة، كالكذب فهو يدل على خبث في النفس، وعلى احتقار لحقوق الآخرين، والغالب أن الإنسان يكذب في حق الناس، في الأموال والأعراض والدماء ونحو ذلك، أي: أنه ربما يتعدى عليه، إذاً فهو فرع عن مجموعة شعب، فإذا اعتاد ذلك الأمر فهذا يعني: أنه قد قصر في تلك الحقوق كثيراً، كذلك أيضاً فيما يتعلق بالوعد والإخلاف، الغالب أن الوعد يكون بين الناس فيما يتعلق بالحقوق، فإذا لم تكن لحقوقهم هيبة، وكذلك لأعراضهم هيبة فإن الإنسان يقصر في ذلك.

    كذلك أيضاً في أبواب الأمانة، فإن الإنسان إما أن يؤتمن على قول، أو يؤتمن على شيء من المال، أو يؤتمن على عرض، كأن يؤتمن الجار على جاره فإن ذلك أعظم الذنوب في حال الخيانة؛ لأنه موضع أمانة، ولهذا لما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أكبر الذنوب قال: ( أن تزاني بحليلة جارك )، وهذا فيه إشارة أنه كلما كان الإنسان محل ثقة وأمان فإن وقوعه في الذنب أعظم جرماً؛ لأن هذا في موضع غفلة، بخلاف البعيد، فما يغلب على الناس يشدد فيه الشارع احتياطاً من هذا.

    شرح حديث عبد بن عمرو: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً...)

    قال رحمه الله: [ حدثنا قبيصة بن عقبة، قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ) ].

    وهذا شبيه بما تقدم، في قوله: ( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها )، هذا فيه إشارة إلى زيادة الإيمان ونقصانه، وكذلك أيضاً كما أن للإيمان شعب، فكذلك للكفر والنفاق شعب، فتجتمع هذه الشعب حتى تعطي الإنسان أمارة على أنه ليس من أهل الإيمان، وهذه الأمارات هي قرائن ودلالات، ولو لم يبح الإنسان، ووجود هذه الأمارات هل تجعل الإنسان يقطع ويحكم؟ يحكم على الإنسان يقيناً إذا وجدت هذه الأمارات؟ نقول: قد يقطع أهل العلم العارفون بذلك، فإنهم يسوغ لهم أن يقطعوا في بعض الأحوال أن فلاناً لا يمكن أن يتحقق فيه الإيمان لوجود شعب كثيرة من النفاق قد اجتمعت فيه، ومثله لا يمكن أن يتحقق معه إيمان؛ ولهذا قال: ( كان منافقاً خالصاً )، والنفاق الخالص: هو الذي يقع من الكافر الأصلي الذي لم يظهر الإيمان في قلبه إلا لأجل المجاملة والمحاباة، والتماس رضا الناس ومرآتهم.

    وقوله: ( ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها )، وهذا فيه إشارة كما تقدم أن الإنسان يخاف من خصال النفاق لربما تجتمع فيه شيئاً فشيئاً، ويقع في النفاق الأكبر، كذلك أيضاً فإن الإنسان عليه أن يحذر، فإن النفاق يجر بعضه بعضاً كما أن أعمال الطاعات تجر بعضها بعضاً، والإنسان في مصارعة ومنازعة لأمثال تلك الأعمال، فعليه أن يتقلل وأن يحذر من ذلك قدر وسعه وإمكانه.

    وفيما يتعلق بأمر النفاق وأثره فإنه ينبغي للإنسان أن يعلم أن النفاق هو: أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن، وأدق من ذلك أن يظهر الإنسان خيراً ويضمر شراً بخلاف ما يبطن؛ لأنه ربما يبطن الطاعة ويظهر المعصية على سبيل الخوف على الدين، والاستتار بذلك، كما كان ذلك حاصلاً في الزمن المكي لبعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإطلاق أنه يظهر خلاف ما يبطن يجعل وجهاً معاكساً لحال المنافقين ينطبق عليه هذا التعريف لا يدخل فيه.

    وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يخشون على أنفسهم من النفاق، وكانوا يحذرون من ذلك؛ لهذا ينبغي للإنسان أن يحذر منه، وأعظم ما يحذر الإنسان به من ذلك هو ما يتعلق بعبادة السر، فكلما أكثر الإنسان من عبادة السر حيث لا يراه إلا الله كان ذلك مما يقوي أعمال الظواهر، وأكثر الناس الذين يعانون من الرياء والسمعة سبب ذلك أنه ليس لديهم عبادة في السر، ومعنى عبادة في السر، يعني: هل لديك صلاة لا يعلم بها أحد؟ هل لديك تسبيح وتهليل وصدقة لا يراها أحد، تسر بها؟ هذه تقوي أوتاد العمل الظاهر، ولهذا جاء عند ابن عساكر في تاريخ دمشق من حديث عمران، أنه سأل حذيفة عليه رضوان الله تعالى فقال: هل أنا من المنافقين؟ قال: أتصلي إذا خلوت؟ قال: نعم، قال: فما جعلك الله منافقاً.

    فالإنسان الذي ليس له عبادة إلا أمام الناس، ليس له سنة يتخفى بها، وليس له تسبيح وتهليل واستغفار وتضرع لله ودعاء وصدقة في حال الخفاء، هذا هو الذي يعاني من النفاق، وهذا يقع فيه لا محالة، فعليه أن يقلل النفاق الظاهر بعبادة السر، وكلما أكثر الإنسان من عبادة السر قل باب النفاق عنده؛ لهذا نقول: فضلت عبادة الليل على عبادة النهار؛ لكونها في الخفاء، وهي أقرب إلى الإخلاص من غيرها.

    1.   

    باب قيام ليلة القدر من الإيمان

    قال رحمه الله: [ باب قيام ليلة القدر من الإيمان.

    حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، قال: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من يقم ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) ].

    وهنا يشير إلى أن الأعمال تكون من الإيمان ولو كانت ظاهرة، وفي قوله: (باب قيام ليلة القدر من الإيمان) هذا استنباطاً من هذا الحديث، وإلا فكل قيام الليالي من الإيمان، سواء ليلة القدر أو غيرها، وإنما أرد أن يدلل على الشيء من نصوص الشريعة في نسبة الأعمال الظاهرة أنها من الإيمان، وهذا فيه رد على المرجئة -كما تقدم- الذين يخرجون الأعمال من مسمى الإيمان في قولهم: إن الإيمان هو عمل القلب، وقول اللسان، ويخرجون عمل الجوارح من الإيمان، وهذا ضلال.

    وقوله: ( من يقم ليلة القدر إيماناً واحتساباً )، الإيمان المراد به: التصديق، وأما الاحتساب: فهو رجاء الثواب، وفرق بين الإيمان والاحتساب، فالاحتساب هو فرع عن الإيمان، والإيمان لا يتفرع عن الاحتساب ولا يلزم من الإيمان احتساب، ويلزم من الاحتساب الإيمان؛ لأن الإنسان لا يرجو ثواباً إلا ممن آمن بقدرته على الإثابة، لهذا أعلى مراتب العمل هو أن يؤمن الإنسان بأن هذا الشيء تشريع، وأن يعلم قدره في الشريعة، حتى يعلم قدر الإثابة، فإذا عرف قدر الإثابة عرف سعة علم وفضل وكرم الرازق والواهب سبحانه وتعالى، فإذا كان يعبد إيماناً هكذا دون معرفة للثواب فإن ذلك فيه نوع قصور في علمه بذلك المعبود سبحانه وتعالى، وإذا آمن بالتشريع وعرف قدر الثواب، فإن ذلك يدفعه إلى أن يعرف قدر نعمة المنعم، وفضله عليه، وسعة عطائه، مع كثرت حاجة الناس وسؤالهم، وكثرت المصلين، وكثرت المتعبدين ومع ذلك يعطيه لوحده على هذا العمل، هذا يعطي الإنسان قوة من الإيمان والتعبد، وكذلك يغرس في قلب الإنسان الخوف والطمع والرجاء في فضل الله سبحانه وتعالى؛ لهذا ذكر الاحتساب مع الإيمان.

    قال: ( غفر له ما تقدم من ذنبه )، من تحقق فيه ذلك يغفر له الذنب على ما سبق، كذلك أيضاً فإن الإنسان كلما زاد إيمانه واحتسابه أتى ذلك على ما مضى من عمله، وأما بالنسبة لمن تحقق فيه الإيمان التام والاحتساب التام جاء ذلك على المعاصي كلها السابقة، وإذا كان إيمانه ضعيفاً، واحتسابه ضعيفاً، فذلك يأتي على نوع قاصر بالغفران، ولا يقال: إن الغفران ينتفي بجميع أجزائه إلا لمن كان مؤمناً إيماناً تاماً، ومحتسباً احتساباً تاماً هذا لا يأتي على أصول الشريعة، بل إن كل متعبد ولو قصرت به عبادته عن تمامها على وجه التشريع فإن عمله ذلك يأتي على شيء يقابله، وينبغي أن نعلم أن في قوله عليه الصلاة والسلام: ( غفر له ما تقدم من ذنبه ) إشارة إلى ما تقدم أن الحسنة تذهب السيئة، كذلك أيضاً فإن السيئات تذهب الحسنات، وهذا ما يجهله كثير من العامة وقد أشار إلى هذا غير واحد من العلماء، وقد نص عليه الإمام أحمد، وكذلك أيضاً ابن رجب، وكذلك أيضاً ابن القيم رحمهم الله، والأدلة في ذلك معلومة.

    وقد جاء في المسند من حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى أنها قالت لـأم زيد بن أرقم: ( أخبريه أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب)، وهذا لما تبايع بالعينة، وفيه إشارة إلى أن الذنب إذا وقع فيه الإنسان يأتي على شيء من الطاعات؛ ولهذا تجد بعض المذنبين في وجوههم ظلمة؛ لأن ظلمة المعصية ونور الطاعة يتصارعان بين ظلمة ونور، سواء كان ظاهراً أو باطناً، وكلما أكثر الإنسان من المعصية أثر ذلك عليه، ولهذا فللمعصية أثر على باطن الإنسان وظاهره، على باطنه من جهة الذنوب وما يتعلق بها من نماء وزيادة، وكذلك أيضاً من جهة الحسنات فإنها تمحو السيئات، وبين الحسنات والسيئات صراع، هذه تمحو وهذه تمحو، والغلبة في ذلك للأغلب.

    ولهذا نقول: إن محو السيئات للحسنات على نوعين:

    محو كلي بالكامل، وهذا يقع من الشرك في مقابل سائر الحسنات، فليس ثمة حسنة مع الشرك.

    النوع الثاني: هو محو السيئة لبعض الحسنات لا لكلها، وهذا على نوعين:

    محو سيئة لحسنة ليست من جنسها، وهذا كحال كثير من السيئات كما في قول عائشة: (أخبريه أنه قد أبطل جهاده)، فبيع العينة شيء، والجهاد شيء، فقد أبطلت سيئة عملاً يختلف عنها؛ وذلك لأن العينة ربا، والربا محاربة لله ورسوله، وهو يضاهي في أبواب الحسنات الجهاد في سبيل الله؛ لهذا نقول: إنها كبيرة قابلة كبيرة وعملاً جليلاً في عمل الطاعات، فتلك تصارع تلك وتمحوها.

    أما النوع الثاني: وهو ما كان من جنسه، أي: يقابله، وذلك كحال الصدقة، فالإنسان إذا تصدق بشيء، ثم قال: أنا تصدقت على فلان، والمن يقابل الصدقة؛ ولهذا قال الله جل وعلا: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى[البقرة:264]، فإبطال الصدقة بالمن والأذى أي: أن الإنسان يمن على ذلك الذي تصدق به، فيقول: أعطيتك كذا في يوم كذا، وهذا فيه قدح بالإخلاص، كذلك أيضاً الأذى للمتصدق عليه بذكره عند الناس أنه أعطاه، أو يطلب منه مكافأة له على تلك الصدقة، فهذا ينقص أجر الإنسان؛ لهذا ينبغي للإنسان أن يعلم أن السيئات لها أثر عليه في باطن أو في ظاهر، وعلمها أو لم يعلمها؛ ولهذا كلما أكثر الإنسان من السيئات بَعُد خطوة عن الله جل وعلا حتى يشعر الإنسان أنه ليس من أهل الإيمان، وذلك لقوة الظلمة في قلبه.

    1.   

    باب الجهاد من الإيمان

    قال رحمه الله: [ باب الجهاد من الإيمان.

    حدثنا حرمي بن حفص، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا عمارة، قال: حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير قال: سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل ) ].

    قول المصنف رحمه الله: (الجهاد من الإيمان)، المراد بالجهاد: هو بذل الوسع، وإجهاد النفس في طلب مرضات الله سبحانه وتعالى، وهو على نوعين: جهاد الإنسان لنفسه، وجهاد الإنسان لغيره، وجهاد الإنسان لنفسه يكون بما يتعلق بمحاربة عدوه، ومعلوم أن أعداء الإنسان ثلاثة: نفسه، وشيطان الإنس، وشيطان الجن، وهؤلاء أعداؤه الثلاثة، وهم الذين يجاهدهم الإنسان، وجهاد الغير يكون باللسان وبالسنان، وأما ما كان باللسان فهو جهاد المنافقين والعصاة في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وكذلك إبطال حججهم ونقضها، وبيان شبهاتهم وتفنيدها حتى لا تتسلل إلى أذهان الناس، فهذا من أعظم الجهاد، وسماه الله جل وعلا جهاداً كبيراً كما في قول الله جل وعلا: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا[الفرقان:52]، والمراد بذلك هو: القرآن، وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك خبر الجهاد الأكبر والأصغر، وليس له أصل يعتمد عليه.

    وبقي الجهاد بما يتعلق بالسنان، وفضله ومنزلته عظيمة وجليلة القدر، ويكفي في ذلك أن الله عز وجل يغفر لمن قُتل في سبيله كل خطيئة اقترفها يمينه من أول قطرة تخرج منه، إلا الدين، ويكفي في ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام تمنى أن يقتل في سبيل الله، وأن يحيى ويقتل، وأن يحيى ويقتل لمنزلة المجاهد والقتيل في سبيل الله، كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( وددت أن أقاتل في سبيل الله ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل )، والجهاد في الغالب يحتاج إلى الشدة والقسوة على المخالفين في الحق، وسبب ذلك أن كثيراً من القلوب تحتاج إلى ضرب، وهذا الضرب، كحال الإنسان الذي يأتي مثلاً إلى بساط قد تراكم عليه الغبار ونحو ذلك فيضربه حتى يزيل ذلك، كذلك القلوب يكون عليها من الران والغشاوة فتحتاج إلى رهبة وتحتاج إلى سياط، تسوطها إما بالسيوف أو كذلك بالكلمات ونحو ذلك، حتى يوجل الإنسان؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما دعا بمكة فترة طويلة ما آمن له إلا قليل، لكن لما رفع السيف نفض الغبار الذي على القلوب وأصبحت ناصعة؛ ولهذا يقول حسان بن ثابت :

    دعا محمد دهراً بمكة لم يجب وقد لان منه جانب وخطاب

    فلما دعا والسيف صلت بكفه له أسلموا واستسلموا وأنابوا

    لماذا؟ لأن الحقيقة زالت، فكأنه أتاهم بشيء من المنظفات فأصبح الزجاج واضحاً، والسبب في ذلك أن القلوب تحتاج إلى تخويف، وهذا التخويف يكون بالتهديد والوعيد والترهيب والإقذاع، ويكون كذلك أيضاً بضرب السياط الكريمات ببيان الحجج، وكذلك أيضاً ببيان العقاب لهؤلاء المخالفين عند الله سبحانه وتعالى، وما أعد لهم في النار، وكذلك أيضاً ما أعد لهم من العذاب عذاب الدنيا وعذاب القبر، هذا مما يعيد القلوب ويجعلها تتأمل وتتفكر، فهذه القوة مطلوبة، واللين كذلك مطلوب.

    وأما الدعوات العصرية التي يقول أصحابها: نحن في زمن اللين والمسامحة والرأفة والرحمة فإذا لطمك بخدك الأيمن وجهه إلى الأيسر، ونحو ذلك، ودعوى التشديد، وكذلك أيضاً منابذة الناس ونحو ذلك، هذه كلمات لطيفة وهي من المعاني الجميلة، ولكن يراد بها باطل، وعلى هذا نهدر كثير من آيات الوعيد في القرآن وكذلك في السنة، وجهاد النبي عليه الصلاة والسلام، بل إن سائر الأنبياء أيضاً كانوا يجاهدون ويقاتلون، وهذا ظاهر في هذا السياق في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي )، يعني: في هذا الأمر أن الدافع لذلك هو الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام وأن شريعة سائر الأنبياء هي على هذا الأمر، وثمة قول بأن الجهاد إنما فرض على الأمة المتأخرة، ولم يكن من شرائع الأمم السابقة، ولكنها دعوة مجردة.

    وفي قوله: ( انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان وتصديق برسلي ) الأصل أن المراد بذلك هو الاحتساب والطاعة، ولكن إذا احتفت بذلك قرينة فإنه ينصرف إلى الجهاد في سبيل الله، وغلب في اصطلاح العلماء في قوله: ( في سبيل الله ) أنه ينصرف إلى الجهاد، وهي المقاتلة باللسان، والمقاتلة بالسنان.

    وفي قوله: ( أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة ) إشارة أنه لا حرج على الإنسان أن يسعى إلى مرضات الله سبحانه وتعالى، وما جاءه على سبيل الاعتراض من كسب أو رزق أو نحو ذلك فإن هذا لا يقدح في النية، والنبي عليه الصلاة والسلام قد جعل للراجل سهم وللفارس سهمين، أي: أنه لا حرج على الإنسان أن يضرب أجراً لمن أراد أن يعمل عملاً لله كمثل العاملين في مجال الإمامة والأذان والدعوة، وكذلك أيضاً للعاملين في جوانب الاحتساب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن ذلك مما لا حرج فيه، فإن الشارع إذا جعل الأجر للمجاهد في سبيل الله، وهو أعظم من كثير من التشريعات التي يأخذ الناس عليها أجوراً، فيقال: شريطة أن ذلك لا يؤثر على إيمان الإنسان ونيته.

    قال: ( ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولو وددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل )، وفي هذا إشارة إلى فضل الجهاد في سبيل الله، وكذلك القتل، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يتمنَ ميتة على الإطلاق كتمنيه للشهادة، وهو من هو بهذه المنزلة والعلو يتمنى مرتبة الشهيد، وهذا يدل على تلك المرتبة، وكذلك أيضاً يدل أيضاً على حرمة المجاهدين في سبيل الله، وحرمة أيضاً الذين يقتلون في سبيل الله، وأن الوقيعة فيهم تقارب الوقيعة في الأنبياء، فالله عز وجل يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ[الحجرات:2]، هذا النبي عليه الصلاة والسلام تمنى منزلة أولئك الذين قضوا في سبيل الله، فالوقيعة في أعراضهم والطعن فيهم، والتهكم فيهم، والاستهزاء بهم، ونحو ذلك هذا من أعظم الشؤم على العبد، وكم رأينا من الناس دخلوا هذا الباب فطمس الله على قلوبهم، وحرفهم على طريق الحق.

    لهذا ينبغي للإنسان أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى صان عرض العبد في ذاته فالمتجرد من أعمال الطاعات، والذي يقع في شيء من المخالفات ونحو ذلك، وهو داخل في دائرة الإسلام، هذا أيضاً فيمن زكاه الله عز وجل وبين منزلته.

    1.   

    باب تطوع قيام رمضان من الإيمان

    قال رحمه الله: [ باب تطوع قيام رمضان من الإيمان.

    حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) ].

    هنا ذكر المصنف رحمه الله (تطوع قيام رمضان من الإيمان)، وما قال: (قيام رمضان من الإيمان) كما قال: (ليلة القدر من الإيمان)، وإنما ذكر التطوع، زيادة على ما في هذا الخبر، وكأنه أشار إلى لطيفة وفائدة أن ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان ثواب طاعة مجرداً أن هذا من قرائن الاستحباب الذي يصرفها عن الوجوب، فإذا جاء بيان منزلة عمل من الأعمال فإن هذه المنزلة لا تجعل ذلك العمل واجباً، وقوله: ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) هذا على ما تقدم فيه الإشارة إلى أن أعمال الظاهرة هي تكون من الإيمان، كذلك أيضاً في غفران الذنب فإن الحسنات تذهب السيئات.

    1.   

    باب صوم رمضان احتساباً من الإيمان

    قال رحمه الله: [ باب صوم رمضان احتساباً من الإيمان.

    حدثنا ابن سلام، قال: أخبرنا محمد بن فضيل، قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) ].

    المراد بالصوم: الإمساك، أي: أن يمسك الإنسان عن شيء، سواء كان عن كلام، أو كان عن أكل، أو نحو ذلك؛ ولهذا يقول الشاعر:

    خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجُمَا

    والمراد بذلك: أن منها ما تصهل، ومنها ما لا تصهل؛ لأنها تعلك اللجام لحماسها في القتال، كذلك في قول الله عز وجل: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا[مريم:26]، يعني: لا أتكلم، فالصيام هنا يقع في الإمساك عن الأكل، والإمساك عن الكلام، والإمساك أيضاً عن الخروج ونحو ذلك، وهنا المراد بذلك هو: الإمساك عن الأكل والشرب، وعن سائر المفطرات.

    وقوله: ( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) في هذا ما تقدم بأن أبواب التروك أيضاً من الإيمان، تقدم معنا مسائل العمل، والصيام من أبواب التروك، والتروك هنا هي: أن يدع الإنسان التناول، فإمساكه في ذلك هو في أبواب التروك، كترك الإنسان عملاً من الأعمال مثلاً: تركه للضرب، تركه عن الاعتداء، تركه للسرقة، تركه للغصب، ونحو ذلك هذا من الإيمان إن أخلص لله عز وجل؛ لهذا نقول: إن الأعمال من الإيمان، سواء كانت أفعالاً، أو كانت تروكاً، وهذا يدخل في ذلك لكن لا بد لها من نية حتى يحق الأجر للإنسان، كما في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى )، أي: ليس له إلا ما نواه، سواء كان من أمور الأعمال، أو كان من أمور التروك.

    1.   

    باب الدين يسر

    قال رحمه الله: [ باب الدين يسر.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة ) .

    حدثنا عبد السلام بن مطهر، قال: حدثنا عمر بن علي عن معن بن محمد الغفاري عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة ) ].

    قول المصنف رحمه الله: (باب الدين يسر) أخذ هذا من الحديث، والمصنف رحمه الله يشتق من الأحاديث تراجم، وقوله: (الدين يسر) المراد بذلك: هو السهولة، ويأتي الكلام عليه، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة ) هذا الحديث علقه المصنف بصيغة الجزم، وقد أخرجه الإمام أحمد من حديث محمد بن إسحاق عن داود بن حصين عن عكرمة عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسناده لا بأس به، وإن كانت رواية داود بن حصين عن عكرمة فيها كلام، إلا أن ما كان من طريق محمد بن إسحاق عن داود بن حصين فإنها جيدة، وأما ما كان من غير طريقه -وهو أكثر مرويات داود بن حصين عن عكرمة، فإنها من طريق إبراهيم بن أبي يحيى عن داود بن حصين عن عكرمة- فإنها منكرة، كما ذكر ذلك غير واحد من الحفاظ.

    وقوله: ( أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة )، المراد بالحنيفية السمحة هي: ملة إبراهيم، والحنيف: هو المائل من الباطل إلى الحق، وأحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة بعيداً عن اجتهاد في مغالاته أو تشدده كذلك أيضاً ما كان من عكس ذلك وهو مبالغته أو تفريطه في أمر الله سبحانه وتعالى.

    وقوله: ( أحب الدين إلى الله الحنيفية ) إشارة إلى أنه يوجد من بعض صور الدين ما هو في ذاته لا يطيقه إلا أفراد، وارتكاب بعض الأفراد له ليس من الحنيفية السمحة، وذاك لا يخرجه عن كونه ديناً؛ ولهذا قال: ( أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة ) إذاً: يوجد دين عند الله، ولكن ليس من الحنيفية، وهو في ذاته دين، كما يأتي في بعض التشريعات التي لا يطيقها الإنسان، فمثلاً: الله عز وجل أمر بالمتابعة بين الحج والعمرة، ولكن المتابعة بين الحج والعمرة تشق على الإنسان، نقول في هذا: ليس من الحنيفية السمحة، وهذا الذي يستطيع هذا من الحنيفية السمحة.

    وعلى هذا نقول: إن إنزال أمثال هذه الأحوال وهذا الدين هو بحسب فاعله، والتشريع بمجموعه دين الإسلام هو حنيفية سمحة للعاملين بها، ولا يوجد حكم من أحكام الشريعة فرضه الله على العباد ديناً على الأعيان ويكون ليس من الحنيفية السمحة، بل يقال: إن جميع الأحكام الشرعية التي جعلها الله فرضاً على الأعيان أو جعلها على الكفاية هي مما يستطيعه الناس وهي في ذاتها سمحة على جميع الخلق، إلا من عذره الله سبحانه وتعالى، فالقيام للصلاة جعله الله عز وجل فرضاً، فإذا قام الإنسان فيها وهو لا يستطيعه ويؤذي نفسه، نقول: قد أخذ ما أوجبه الله عز وجل عليه وترك الرخصة في ذلك، وهذا ليس من الحنيفية في شيء.

    وقوله هنا: ( إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ) إشارة إلى أن المشادة التي وقعت على الدين إنما هي من الأفراد لا من الدين الحق، والمراد باليسر في الشريعة هو: ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لا فيما يظنه الإنسان، فكثير من الناس يتخيل منهجين، ويرسم خطين، ويتوسط بينهما ويقول: هذه هي الوسطية، وهذا من الخطأ، الوسطية في ذلك لا أن تضع نفسك بين طرفي نقيض، ثم تتوسط وتقول: أنا متوسط، ولو استحضر الإنسان شيئاً في ذهنه من العقائد والأفكار ثم جاء بينهما لساغ أن نجعل كل عقيدة في الأرض أنها وسطية بين اثنين، وتأتي بين إبليس وفرعون وتتوسط وتقول: هذه الوسطية، وتأتي مثلاً بين كفار قريش وبين النبي عليه الصلاة والسلام وتقول: أبو طالب من الوسطيين. لكن هذه وسطية أم يسر؟ نعم وسطية ويسر، فالنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود: (خط خطاً وخط خطوطاً عن يمينه وشماله)، فهذه الخطوط ليس للإنسان أن يقف بين خطين يقول: أنا متوسط. لا وإنما تأتي إلى المنتصف وهذا هو الحق، المنتصف ما هو؟ هو الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: ( هو ما على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي )، كما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: ( تفترق اليهود على إحدى وسبعين فرقة ) إلى آخر الخبر.

    وفي قوله: ( ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا )، اليسر في الشريعة يؤخذ من معاني، فأصل التشريع يسر، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ[البقرة:185]، فالإرادة الشرعية التي أرادها الله عز وجل بنا هي يسر في سائر التكاليف الشريعة فامتثالها يسر.

    الأمر الثاني: التدرج في حال المخاطبين، فإذا وجدت أحداً أراد الإسلام فتتدرج في المخاطبة له، فتقول: قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فرض الله عليك الصلوات الخمس، ولا تخاطبه بما عدى ذلك، لماذا؟ لا تأتيه بالإسلام جملة؛ ولهذا يقول عمر بن عبد العزيز: إنك لن تعطي الناس الإسلام جملة، إلا وتركوه جملة، فأنت مثلاً حين تأتي إلى شخص ملحد ولم يؤمن بالله عز وجل، وليس لديه من تعاليم الإسلام شيء، ثم تدعوه إلى الإسلام، ثم يدخل في الإسلام، ثم تأتيه بالفقه، وتأتيه بالمغني، وتقول: هذه شريعة الإسلام، يجب عليك أن تصلي الصلوات الخمس، وتصوم رمضان ثلاثين يوم، ما تأكل ثمان ساعات أو عشر ساعات، وعليك في مالك اثنين ونص في المائة في كل سنة، ويجب عليك أن تفعل كذا وتفعل كذا، هل يقبل الإسلام؟ ينفر منه، فهذا الذي فرضه الله عز وجل على نبيه في أكثر من عشرين سنة تعطيه أنت في لحظة واحدة، هذا لا يقبله الإنسان.

    ولهذا التدرج شيئاً فشيئاً حتى يقبل الإسلام؛ لأن الإنسان لا يقبل على حقيقة برمتها وتكون لديه صحيحة؛ لأن فطر الكفار في الغالب مبدلة، ويحتاج إلى معالجتها شيئاً فشيئاً، يؤمر بالأهم بالتوحيد، ثم يؤمر بالصلاة، كذلك أيضاً في حال المخالفين حتى الفساق والعصاة ينبغي للإنسان أن يكون رءوفاً رحيماً بهم، فمثلاً: إذا كان صاحب كبائر أو صاحب صغائر فإنه يدعوه إلى ترك أعظم ذنب عنده، فإذا كان من أهل الخمر ويفرط فيه أو يقع مثلاً في بعض المخالفات مثل شرب الدخان أو الإسبال أو نحو ذلك، دع هذه كلها وادعه إلى المنكر الأعظم حتى يتوطن ويرجع إلى الحق، ثم بعد ذلك تدرج معه في معرفة الحق كما جاء التيسير في شريعة الإسلام على سبيل التدرج.

    من معاني التيسير: إنزال الخطاب على المخاطب بحسب قدرته واستطاعته؛ لهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما بعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن، قال: ( بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا )، والمراد بالتعسير هنا ليس الذي عند النبي عليه الصلاة والسلام عسر، فقال: خذوه. لا، المراد بذلك هو: التطبيق، أحياناً يكون لديك حق، ولكن تطبيقه من جهة المخاطب غلط، والمراد بذلك: أنك إذا وجدت رجلاً معانداً تخاطبه بلين، ولهذا الخليل إبراهيم عليه السلام لما رأى أنه يذبح ابنه، ماذا قال؟ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى[الصافات:102]، يعني: ما هو رأيك؟ حكم الله عز وجل هل يقال فيه للإنسان: ما هو رأيك؟ لا يقال ذلك، لكن هو سيطبق، ولكن عرضه بأسلوب سهل يسير يدعو الإنسان إلى فهمه.

    ولهذا بعض الناس إذا تلقى أمر من مديره ونحو ذلك يأتي ويدعو الناس من حوله: لدينا أمر حازم اليوم لا بد أن يطبق، ومن لم يطبق سيفعل فيه كذا وكذا، أين اللين والحكمة؟ ولكن ينبغي أن يقول ماذا؟ يقول: إن هذا الأمر أتانا وما رأيكم؟ كيف ترون وسيلة العمل به؟ ونحو ذلك، لا يقال: إنا سنفعل كذا، ونفرض العقوبة، المرة الأولى إنذار، الثانية إنذار، ثم بعد ذلك يكون إنزال عقوبة، هذا ليس من هدي النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يحمل النفوس على التمرد؛ لأنه أطاعك خوفاً، فالطاعة خوفاً ليس كالطاعة حباً ومودة، والطاعة للمودة هي التي تدعو الإنسان إلى الموافقة في السر والعلانية.

    إسماعيل إذا خالف أباه إبراهيم عليهما السلام، وقال: لا تذبحني، هل سيطيعه في ذلك؟ لن يطيعه في ذلك؛ لأن الأمر وحي، فمع كونه حتماً إلا أنه لآن معه في توجيه الخطاب.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: ( بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا )، يسرا في العرض، والتدرج، ومعرفة أعذار الناس، والتماس العذر لهم، لماذا؟ حتى يقبلوا الحق؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام استعمل الطريقين: الطريق الثاني، والطريق الثالث معهما، كما جاء في حديث أبي معبد عن عبد الله بن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام بعث معاذاً إلى اليمن، فقال: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك )، أي: توطنوا على هذا الأمر، ( فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك إلى ذلك فأخبرهم )، أي: على التدرج ثم جاء على أركان الإسلام؛ لهذا نقول: إن مسألة اليسر تأتي من جهة الدين الأصل، فكله يسر، وتأتي من جهة التدرج، كذلك أيضاً من معرفة أحوال المخاطبين؛ لهذا لا بد من توطين النفس على الخطاب.

    وفي قوله: ( ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه )، أي: أن الدين ثابت، ليس لك أن تزيد فيه، ولا تنقص فيه، وكما جاء عند البزار في زيادة في معنى هذا الحديث قال: ( فإن المنبت لا ظهراً أبقى، ولا أرضاً قطع )، يعني: الإنسان إذا ركب مطية وأراد أن يسرع بها، وهو يريد أن يصل إلى الغاية فإن الدابة ستعطب، ولم يقطع ما يقطعه الناس إذا كانوا يمشون بتؤدة، قال: ( لن يشاد الدين أحد إلا غلبه )، يعني: أن الذي ينقطع هو أنت، والدين ثابت على ما هو عليه.

    وفي قوله: ( فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة ) وهذا نوع من الاستعارة، أي: كحال الإنسان في أمر الدين عليك أن تأخذ بمشي النهار، وشيء من مشي الليل، وتستريح فيما بينهما، فالإنسان الذي يسافر ويصل الليل بالنهار هذا لا ظهراً أبقى، ولا أرضاً قطع، والنبي عليه الصلاة والسلام يشبه حال الإنسان في أمر الدين، كحال الإنسان في حال المسير، فقوله: (استعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة ) يعني: عليك بشيء من مشي الليل، وشيء من مشي النهار، ثم استرح فيما بينهما، حتى تحصل على هدوء؛ لهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( سددوا وقاربوا، وأبشروا ) والمراد بذلك: في أنفسكم، واجعلوا غيركم يستبشر بذلك، كذلك أيضاً فيه أن يعلم الإنسان أن اليسر فيه البشارة، وأما غلو الإنسان في نفسه، وتشدده عليها، وتشدده أيضاً في خطاب الآخرين هذا ليس من الأمور المحمودة.

    نقف عند هذا الأمر، ونكمل إن شاء وننتهي في الغد بإذن الله. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (سددوا وقاربوا)

    السؤال: ما معنى: ( سددوا وقاربوا

    الجواب: التسديد والمقاربة، التسديد أتم من المقاربة، والمقاربة لا تعني تسديداً، والتقارب بين الشيئين هو ما لم يستطع الإنسان الوصول إليه، كالإنسان مثلاً يريد أن يصل إلى فلان ولم يستطع أن يقرب منه، يريد أن يسلم عليه ولم يتمكن أن يدنو منه، فهذا من الاقتراب، وأما التسديد: فهو إصابة الشيء الذي يقصده الإنسان، كأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: سدد إن استطع أن تسدد وتصيب الهدف، أو قاربه، وهذا من رحمة الله عز وجل ولطفه، ثم قال: ( وأبشروا ) يعني: أبشر في الحالين، سواء كنت أصبت أو لم تصب فأجر الله عز وجل يأتيك لأنك مجتهد، وحريص على تحقيق التمام، وإن تعذر.

    من جاهد ثم وقع في الربا ثم تاب

    السؤال: إذا ذهب الإنسان إلى الجهاد، وكان ممتثلاً الطاعة، ثم وقع في ربا، هل يمحى هذا الجهاد، وإذا تاب من الربا، هل يرجع ي الجهاد؟

    الجواب: هذا الأصل أنه يرجع، فضل الله واسع.

    ذهاب الحسنة بالسيئة

    السؤال: [ هل السيئة تذهب بالحسنة؟].

    الجواب: نعم السيئة تذهب، والحسنة إذا مسحت تذهب أيضاً، ويذهب أثرها وبركتها على الإنسان، والثواب عليه أيضاً، والسيئة كذلك لو مسحت، أما بالنسبة للسيئة لو وقع فيها الإنسان إثمها باقٍ على الإنسان، وإذا وقع في حسنة، وهذه الحسنة كفرت السيئة مسحت السيئة ويذهب شؤمها وإثمها وتبقى الحسنة.

    تدرج الخطاب الشرعي مع أهل الإسلام

    السؤال: لو أن أهل قرية أو أهل بلد دخلوا في الإسلام هل نتدرج معهم كما تدرج النبي عليه الصلاة والسلام، فنخاطبهم بالمنسوخ أم لا؟

    الجواب: نقول: لا، لا يخاطبون؛ لأن هذا الأمر نسخ وقضي، ولكن نتدرج معهم في الخطاب، ونعفو عنهم في بعض الكبائر التي يقعون فيها، على نحو الذي كان من النبي عليه الصلاة والسلام، يعني: مثلاً لو أن المسلمين دخلوا بلدة من بلدان الكفار في الغرب يدعوهم إلى التوحيد والصلاة، فيأتونهم ويقولون مثلاً: يجب الحجاب، ما في اختلاط إلى غير ذلك، هل يمكن هذا؟ لا، لا يمكن، دعهم على ما هم عليه، وادعهم إلى التوحيد، فإن أجابوك وتوطنوا على التوحيد فأمرهم بالصلوات، ثم تدرج كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يتدرج، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما جاء بكثير من الأحكام إلا متأخراً، فكأنك تنزلها عليهم، ولكن لا تخاطبهم بها فتقول: هذا مباحة على الخمر، أو تقول: اشربوا الخمر، لا، هذا تشريع؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما قال لهم ذلك، بل تركهم، فتقوم أنت بالترك، فإذا رأيت الرجال مع النساء اتركهم، وادعهم إلى التوحيد وادعهم إلى الصلاة، أو تراهم مثلاً يقعون في شرب الخمر دعهم، أو يتعاملون بالربا دعهم، فالسكوت لا يعني الموافقة.

    ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان في قرارة نفسه يعلم أن هذه الأمور مخالفة، فلم يقع فيها، ولو كان يتصورها كما يتصورها المسلمون وكما يتصورها أصحابه لوقع فيها كما وقعوا، ولكن لا يتكلم فيها، لماذا؟ لأنه لم يؤذن له بالكلام، لأن النبي عليه الصلاة والسلام فطرته لم تبدل ولم يطرأ عليها ذلك، وكان على تربية الله عز وجل له، وجعله الله عز وجل على خلق عظيم؛ لهذا نقول: إن الإنسان في مخاطبته للناس يسكت ولا يشرع.

    براءة الأنبياء ومن كان قريباً من مرتبتهم من النفاق

    السؤال: ذكرتم في الدرس الماضي أنه ما من أحد إلا وفيه شعبة من النفاق، إلا الأنبياء ومن داناهم؟

    الجواب: من كان قريباً من مرتبة الأنبياء كالصديقين وأضرابهم فهؤلاء لا يقعون في النفاق؛ لأن الإيمان تم ظاهراً وباطناً، والأصل في تعريف الإيمان أنه يخالف في ظاهره ما يعتقده في باطنه، إما أن يكون لديه يقين بعمل لكنه لا يعمل به؛ لهذا تجد من بعض الناس يعلم أن الصلاة واجبة، لكنه لا يعمل بها، وهذا شعبة من شعب النفاق، فالأنبياء لديهم من اليقين في باطنهم أكثر من عملهم الظاهر، وكذلك الصديقون، لكن لا يستطيعون أن يعملوا؛ لأن الشريعة محدودة ليست لهم، وإنما للأمة، فلا يستطيع أن يزيد عن خمس صلوات، وإنما لديه أبواب دائرة النوافل؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يجعل جهده في قيام الليل، فيقوم حتى تتفطر قدماه؛ لأنها دائرة مباح، أما ما عدا ذلك فهو مشرع عليه الصلاة والسلام، ولو أُذن له لتعبد أكثر مما هو عليه؛ ولهذا في مثل من كان على حال النبي عليه الصلاة والسلام ومن على نحوه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول: إن قصورهم في الظاهر عن يقينهم في الباطن لا يكون في مرتبة النفاق؛ لأنهم على التشريع، وربما يؤجرون على ذلك إذا أرادوا أن يعملوا، ثم يمنعهم الشارع فيمتثلون، وهذا يؤجر عليه الطائع في أبواب الترك، أما ضده المقصر من العباد الصالحين من المسلمين العامة الذي في قلبه يقين يقال له: اعمل ولا يعمل، يعلم فضل قيام الليل لا يقوم، يعلم مثلاً السنن الرواتب لا يصلي، يعلم مثلاً أن الصيام فريضة ولا يصوم رمضان، هذا لديه يقين وأمكنه العمل أن يعمل به ولم يعمل فهذا أمارة على النفاق، وكل من كان لديه يقين بعمل ولم يؤده ففيه شعبة من النفاق توازيه وقد تكون قليلة، اتضح الأمر، يعني: لا يفهم من كلامي أني أقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام حتى الصحابة فيهم نفاق، لا، أنا أقصد من كان مقام النبي عليه الصلاة والسلام ومن داناه من مرتبة الصديقية ونحوها الذين يأتون بالشريعة بتمامها، وما في قلبهم من اليقين هو أكثر من ذلك؛ لأن أصل النفاق أن يكون لدى الإنسان من صوره، أن يكون لديه شيء من العلم واليقين ولكنه لا يعمل، وذلك أن ترك الحق المعلوم به شعبة من شعب النفاق.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.