إسلام ويب

شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري [2]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العبد في سيره إلى الله يكون بين المحبة والخوف والرجاء، وأعظم الثلاثة المحبة، ومن أعظم المحاب محبة رسول الله، لأنه المخبر عن الله سبحانه والسبب في إيمان الخلق، وهذه المحبة منها ما يتعلق بذاته صلى الله عليه وسلم أو قوله أو فعله أو صفته، وهي محبة واجبة، وقد يوجد منها ما هو مستحب، ومن المحاب العظيمة أيضاً محبة المؤمنين، وتكون بحسب الإيمان، ومن تحققت فيه هذه المحاب ذاق حلاوة الإيمان كما أخبر ذلك صلى الله عليه وسلم

    1.   

    باب حب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد: فاللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل.

    قال الإمام أبو عبد الله البخاري رحمنا الله وإياه: [ باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان].

    شرح حديث أبي هريرة: (فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده)

    قال رحمه الله: [ حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، قال: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ) ].

    في قول المصنف رحمه الله: (باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان) الحب تقدم الكلام عليه، وحب الرسول صلى الله عليه وسلم هو أعظم الحب على الإطلاق؛ وذلك لتعلق العبادة بالمخبر عليه الصلاة والسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن رب العالمين، فإذا نقص قدر المحبة فيه نقص قدر بلاغه للناس، وكذلك اتباعه، والله جل وعلا قد أمرنا باتباعه عليه الصلاة والسلام والاقتداء به، وكذلك توقي ما توقاه عليه الصلاة والسلام، ولا تتحقق الطاعة مع قصور المحبة، وتتحقق مع كمالها.

    يقول العلماء عليهم رحمة الله: إن المحبة التي شرعها الله عز وجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، على نوعين: محبة واجبة، أي: ما يكون فيها الإتيان بالتكليف الواجب، فما أمر الله سبحانه وتعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغه لعباده فهذه لا بد أن تنشأ عن محبة واجبة للنبي عليه الصلاة والسلام، وهو ما يلزم معه الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات. النوع الثاني: المحبة المستحبة: وهي التي ينشأ عنها فعل محبوبات يحبها المحبوب، مثل السنن، والنوافل وكثير من القربات، فإن الإنسان لا بد أن ينشأ فعله ذلك عن محبة في قلبه، وهذه المحبة تترد بين تلك المحبتين، ومن أطاع غيره من غير محبة فلا بد أن يكون أطاعه لسبب آخر وهو الخوف منه أو الرجاء فيه مع البغض له، وأعلى مراتب الطاعات هي الطاعات الناشئة عن محبة، وأما الطاعة الناشئة عن خوف والناشئة عن رجاء فإنها زائلة بزوال قوة الذي يخاف منه، وكذلك بزوال قدرته على الإنعام.

    فالإنسان يتقلب في طاعة الله سبحانه وتعالى بين ثلاثة أمور، فيركب أمراً وله جناحان، يركب المحبة على سبيل الدوام، والجناح الأيمن جناح الخوف، والثاني: هو جناح الرجاء، فيخاف من الله عز وجل ويرجوه، وأما المحبة فهي ملازمة له على الدوام؛ ولهذا يقول العلماء: إن الإنسان بين الخوف والرجاء كحال الطائر بالنسبة للجناحين، فإذ اختل أحدهما اختل جانب العبادة معه، وإذا فقدت المحبة فإنه لا يتحقق له حياة على الإطلاق، فتكون المحبة كحال قلبه، والخوف والرجاء كحال الجناحين، ومن عبد الله جل وعلا بالمحبة مجردة من غير خوف ولا رجاء فهذه عقائد الزنادقة، ومن عبد الله جل وعلا بالخوف مجرداً فهذه عبادة الحرورية الخوارج، ومن عبد الله بالرجاء مجرداً فقد عبد الله على طريقة المرجئة.

    فالإنسان يتوسط بين هذين، فيلتزم المحبة ويتوسط بين الرجاء والخوف، ولا يغلب جانباً على جانب إلا في حالين:

    الحالة الأولى: يقدم فيها الخوف على الرجاء، وذلك في حال ورود المتشابهات، والدليل على ذلك حديث النعمان بن بشير، كما جاء في الصحيحين وغيرهما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام )، فقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتغليب جانب الحيطة، وهي الخوف في حال وورد الشبهة، فإذا أراد الإنسان أن يقدم على شيء من الأعمال المترددة بين الحل والتحريم فعليه أن يغلب جانب التحريم، وهو تقديم الخوف على الرجاء، والذي يقدم الرجاء على الإطلاق في كل متشابهات لا بد أن يقع في الحرام ويفرط.

    وأما الحالة الثانية: وهي تقديم الرجاء على الخوف، وهذا يكون في حال عجز الإنسان عن العمل، بأن يكون الإنسان قد حضره الموت، أو أصابه الله جل وعلا بعاهة تمنعه من العمل، كحال الإنسان المقعد الذي لا يستطيع الحج ولا الجهاد ولا الإتيان بالصلاة قائماً، فمخاطبته بفرضية الصلاة وفرضية الجهاد هذا مما لا يشرع، بل يجعله يقنط من رحمة الله، والأفضل في ذلك أن تبين له رحمة الله سبحانه وتعالى، فيغلب هنا جانب الرجاء بالله جل وعلا؛ لأن الإنسان العاجز لا يمكن أن يعمل، وتعليم العمل للعاجز يدفعه إلى العمل وهو لا يستطيع، وهذا يحمله على القنوط؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يفرغ ما في باطنه من هم لذلك المأمور به إلا بالعمل، فإذا لم يفرغه بالعمل انعكس عليه وأورثه ذلك قنوطاً، لهذا لا يعلم ولا يخوف العاجز عن العمل؛ لأن الإنسان يمتثل أمر المأمور باتقاء عقابه، ورجاء ما عنده بذلك العمل، وإذا علم أنه عاجز عن العمل حمله ذلك على القنوط.

    ومن أعظم أنواع المحبة الموصلة إلى الله هي محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ناقل الوحي وهو سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، فكل محبة واجبة لمؤمن وجب أن تكون للنبي عليه الصلاة والسلام أكثر منها، وذلك أنه سبب محبة أهل الإيمان، وإن تقسم الإيمان في العباد فإنه مجتمع في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجب على هذين الوجهين أن يحب عليه الصلاة والسلام أكثر من غيره، وقد جاء في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له عمر بن الخطاب : ( يا رسول الله! إني لأحبك أكثر من نفسي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا والذي نفسي بيده يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال: يا رسول الله! إنك لأحب إلي حتى من نفسي، فقال: الآن يا عمر ! ) يعني: أن الإنسان لا يمكن أن يتحقق فيه الإيمان حتى يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أهله وولده ونفسه.

    وقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( فوالذي نفسي بيده )، وهذا إقسام من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عادة لا يقسم إلا على أمر عظيم مهم، وتقدم معنا أن النبي عليه الصلاة والسلام بين محبة العبد لأخيه، وقال: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) من غير قسم، ولما كان الأمر يتعلق بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر القسم فيه؛ لأهميته وجلالة قدره، وتقدمه كذلك على أنواع المحبوبات.

    ومحبة رسول الله صلى الله وعليه وسلم على أقسام منها: محبة متعلقة بذاته، ومحبة متعلقة بعمله، ومحبة متعلقة بوصفه عليه الصلاة والسلام، سواء كان ذاتياً وهي الصفات الخلقية، أو مكتسباً بالصفات الخلقية التي رباه الله جل وعلا وعلمه إياها، وهذه فرع عن أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يقسمها العلماء إلى أفعال عبادة، وأفعال جبلة، وأفعال عادة، ومنها ما يستوجب الامتثال مما يكون على سبيل الاستحباب، وهذا في أفعال العبادة، ومنها ما يكون فيه الاقتداء لحب الفاعل، ويؤجر الإنسان على حب الفاعل لها لا على ذات العمل، بخلاف أفعال العبادة فإن الإنسان يؤجر على محبته للمقتدى به وهو النبي عليه الصلاة والسلام، ولمحبته أيضاً لذلك الفعل، ولهذا نقول: إن الإنسان ينافق إذا كره فعل العبادة، ولا ينافق إذا كره فعل الجبلة؛ لأن الإنسان قد يكره شيئاً من الأمور التي يجبل عليها، فلا يكون ذلك دافعاً إلى اتهامه بالنفاق؛ لأن الإنسان يجبل على هذا، فالنبي عليه الصلاة والسلام قد يحب طعاماً من الأطعمة، كالدباء، فكراهة الإنسان لهذا الطعام مع كون النبي عليه الصلاة والسلام يحبه ليس هذا أمارة على النفاق، ولكن إذا كره عبادة أتى بها النبي عليه الصلاة والسلام فهذا من أمارات النفاق، ولهذا يفرق بين الأشياء المكتسبة والأشياء التي يفطر عليها الإنسان، والخطاب هنا في مسألة المحبة هي المحبة الشرعية المكتسبة، والأمور الشرعية المكتسبة، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة : ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) .

    وفي قوله عليه الصلاة والسلام: ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ) هذا لا يخرج نفس الإنسان، ولكن لما ذكر الوالد والولد دل اجتماع هذه الأشياء التي يفديها الإنسان بنفسه وماله على أن نفسه كذلك من باب أولى، لهذا ربما يزهد الإنسان بفرد من أفراد أهله ولكنه لا يزهد بمجموعهم، فلما ذكر المجموعة دل على دخول النفس من باب أولى كما أفاده حديث عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى.

    ونفي الإيمان هنا هل هو نفي صحة أو نفي كمال؟ بالنسبة لهذا النفي هو نفي صحة، فإذا قال الإنسان: أنا أحب أبي وأمي أكثر من رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزم من ذلك تقديم طاعة الوالدين على طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقدم معنا الإشارة فيما يتعلق بمحبة الإنسان، وأن معنى قوله: ( يحب لأخيه ما يحب لنفسه )، أنها المحبة القلبية، وليس التساوي بأمر الظاهر، بل هو في العمل الباطن، والدليل على هذا ما جاء في الصحيح من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله! ما منا إلا وماله أحب إليه من مال وارثه )، وهذا دليل على الإقرار، فلما كانت الأمور حسية كان ثمة افتراق، ولكن في الأمور القلبية يجب أن يكون ثمة تساوي، فأحب لك أن تكتسب مثلما أكتسب، ولكن مقاسمة المال على السوية هذا أمر زائد عن ذلك؛ لهذا الإنسان ماله أحب إليه من مال وارثه، فإذا كان هذا في مال وارثه فإنه في غير مال وارثه من الأجانب عنه من باب أولى، وهذه هي المحبة القاصرة وهي محبة الآخرين.

    وقوله: ( لأخيه ) يدخل في ذلك أهل الإيمان، ويخرج من ذلك غيرهم.

    وقوله: ( حتى أكون أحب إليه من والده وولده ) يدخل في الوالد: الأب والأم، وذلك على سبيل الإجمال، وإن كان الوالد يسمى والداً، والوالدة تسمى والدة، وأما في الأولاد فيدخل في ذلك الأبناء والبنات؛ ولهذا أوصانا الله عز وجل بأولادنا فقال: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، فيدخل في ذلك الذكر والأنثى، وهذا على سبيل التغليب، فلما كان الأب ينسب إليه الإنسان، ويتكسب من جهته، وينفق عليه، فهو وليه، وغلب ذلك على الأم لا من جهة الاستحقاق فإن الأم تقدم على الأب من جهة الحق، ولكن الغلبة في الاصطلاح والحادث في أمر الدنيا، وهذا أمر معلوم، كما في قولهم: الأسودان، وكذلك القمران بالنسبة للشمس والقمر، وللتمر واللبن.

    شرح حديث أنس: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)

    قال رحمه الله: [ حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ح، وحدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ) ].

    النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس بن مالك هذا ذكر زيادة على حديث أبي هريرة وهي قوله: ( الناس أجمعين ) فيدخلون فيه من باب أولى، ويدخل في هذا من كان لا يتصل الإنسان به نسباً، كالزوجة أو الأقربين من ذوي الأرحام وغيرهم، وذلك دفعاً لحظ النفس المتعلق بشيء من لذائذ الدنيا ومتاعها، فينبغي للإنسان ألا يقدم ذلك على محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما ذكر ( الناس أجمعين )؛ لأنه يدخل تبعاً في أمر الناس وما يتعلق بأموالهم، وأحوالهم من وجاهة، وما يلحق أيضاً به من سبب ونسب، فإن ذلك ينبغي أن يدخل فيه، وذلك أيضاً فيه دفع للتوهم؛ لأنه ربما يظن بعض الناس أن ثمة أحد من المعظمين ممن يختص بخصيصة، كأهل الفضل من أهل العلم، وكذلك أهل الطاعة وأهل الديانة أنهم يقدمون على الوالدين أو الوالد ونحو ذلك، هذا دفع للتوهم أن يدخل في ذلك سائر الناس مهما كان فضله.

    1.   

    باب حلاوة الإيمان

    قال رحمه الله: [ باب حلاوة الإيمان.

    حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) ].

    في قول المصنف رحمه الله: (باب حلاوة الإيمان) للإيمان حلاوة، وهي اللذة التي يجدها الإنسان في عمله؛ لهذا ربما يعمل الإنسان عملاً من الأعمال في ذهابه ومجيئه وغدوه ورواحه، وربما أيضاً في طعامه وشرابه ويجد من حلاوة ذلك العمل ما يجده صاحب الإيمان؛ ولهذا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وجد حلاوة الإيمان ) يعني: أنه ربما يكون الإنسان ممن يدعي أنه على الحق ولكن لم يذق طعم الإيمان، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الثلاثة وهو: ( أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار )، وذلك للتوطن على العبادة، وهذا لا يمكن أن يتحقق للإنسان إلا مع توطن واستمرار في العبادة.

    ولهذا الإنسان يتوقى كربات الدنيا وأذاها ويتقي النار ويتقي الحر، ويتقي أيضاً ما يفسد عليه دنياه، ويجب عليه كما يتقي ذلك أن يتقي الكفر، وإنما ذكر الكفر في ذلك وما ذكر الذنوب والمعاصي؛ لأن الكفر هو أقصى ما يصل إليه الإنسان من ظلمه لنفسه وتعديه على حق رب العالمين، وأما ذكر المعاصي والذنوب ففي ذكرها مشقة على الإنسان؛ وذلك أن المعاصي تتباين وتتفاوت منها ما هي صغائر ومنها ما هي كبائر، فإذا قيل: إن الإنسان لا يجد حلاوة الإيمان حتى يكره أن يقع في معصية ولو كانت صغيرة كما يكره أن يقذف في النار، لشق ذلك على بني آدم، والله عز وجل رحيم بعباده، وإنما قدم محبة الله جل وعلا ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم على محبة غيرهما لله جل وعلا؛ لأن محبة غيرهما ولو كانت في الله إذا لم تكن من غير واسطة محمد صلى الله عليه وسلم فإنها محبة مشوبة، كالذي يحب الناس لله جل وعلا ولكن على غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، إما على يهودية أو على نصرانية ونحو ذلك فهذا قد اتبع غير سبيل المؤمنين، وهذه المحبة ليست هي المحبة المقصودة، ولهذا جاء في محبة الأخ في الله بعد محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم حتى يتفرع عنها محبة الغير، لهذا يقال: إن أعظم المحبوبات في ذلك هو أن يحب الإنسان ربه جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما كان ثمة تلازم بين محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يمكن أن يصل الإنسان إلى محبة الله إلا بواسطة النبي عليه الصلاة والسلام؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن رب العالمين، ومن رام قصداً لمحبة الله من غير محبة نبيه عليه الصلاة والسلام، أو بواسطة من غير واسطة محمد صلى الله عليه وسلم فهو يروم محالاً، ويقصد في ذلك وهماً.

    والإيمان كما تقدم أنه: قول اللسان، واعتقاد القلب، وكذلك عمل الجوارح، وأن للقلب قول وفعل، وكذلك أيضاً للسان قول، وللجوارح عمل، وهذه لا بد من توفرها في حق الإيمان، وهذه الحلاوة هي داخلة في هذه الأنواع الأربعة، في فعل القلب، وفي قول القلب، وفي قول اللسان، وعمل الجوارح، ومن أراد لذة الإيمان فلا بد أن توجد فيه هذه الأعمال، وإنما ذكر محبة غير رسول لله صلى الله عليه وسلم بعد محبة الله إشارة إلى الأمر اللازم والمتعدي، واللازم في ذات الإنسان أن يحب الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم، والمتعدي في علاقته مع الناس حتى لا يكون عمل الإنسان لأمر الدنيا فقط، بل يأخذ ويعطي لله، فيجد في ذلك الحلاوة.

    فالإنسان إذا أعطى لله ومنع لله، لم يغضب ولم يتذمر إذا لم يشكر على عمله؛ لأنه لم يعمل لفلان وإنما عمل لله، ولما كانت العلاقة بين الناس مترددة بين العطاء والمكافأة كان ثمة بذل ومراقبة للمكافأة، ولكن إذا كانت المحبة لله وجد اللذة؛ لأن الغالب في أحوال الناس أنهم يكفرون شكر المنعم ولا يؤدونه ولا يبذلونه له، ومن بذل الفضل لغيره من إخوانه ولم يحبه لله فإن عطاءه وأداءه لم يكن لله، فلا بد أن ينتظر شكراً، فإذا منع الشكر -ولا بد من ذلك من الخلق؛ لأن نفوس كثير من الخلق مجبولة على المنع- فحينئذٍ لا يجد حلاوة العمل فاضطرب، وورد لديه كثير من المشقة في عمله، لهذا وجب على المؤمن أن يقدم المحبة للناس قبل بذلهم وعطائهم، لأنه الذي يغرس الإيمان في نفس الإنسان، ويوجد الحلاوة لديه.

    وأما قوله: ( أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) فالكفر على نوعين: كفر أكبر، وكفر أصغر، وإنما سمي كفراً لتغطيته لذنب الإنسان وإحباطه لعمله، ويغلب استعماله هنا إذا عرف بأل للكفر الأكبر المخرج من الملة، والكفر: هو ما أخرج الإنسان من الملة شعر به أو لم يشعر، والإنسان ربما يقع في الكفر من غير قصد له بذاته، وسبب وقوعه فيه أنه قصر في الاحتياط منه، كالذي يذهب في طريق ولم يتوق، وهذا الطريق في الغالب أنه محاط بأذى، فيذهب ويهيم على وجهه يبحث عن بلدة كذا وكذا، فهذا إن وقع في أذى فتاه في الأرض، أو أدركه العطش ونحو ذلك قصر، فالناس يلحقون اللائمة عليه؛ لأن السؤال بين يديه، والناس الذين يدلونه عن يمينه وشماله.

    لهذا الإنسان ربما يقع من غير قصد في الأذى فيحاسب على ذلك؛ لأنه قصر في التحقق من مجموع الأذى لا من ذات الأذى بعينه؛ ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الرجل ليتكلم بكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً )، في عدم الإلقاء لها بالاً: أن الإنسان يتكلم، ويكثر من الكلام، ويسهب في ذلك من غير توقي، وهذا لا بد أن يأتي بشيء من الكلام الذي يغضب الله مما يؤاخذ به، وهذا دليل على عدم علمه بعين الشيء الذي يغضب الله جل وعلا فلا يرفع عنه التكليف؛ لأنه قصر في التعلم والحيطة في ذلك، وأسرف في القول والعمل.

    تقدم معنا أن المحبة إما مكتسبة وإما فطرية، فالمحبة الفطرية مما يغلب على الإنسان عدم المؤاخذة عليها، وكذلك الكره الفطري، وأما الكره المكتسب فهو الذي يحاسب عليه الإنسان، فالإنسان يجبل على أشياء من المحبة ومن الكراهة فلا يعاقبه الله جل وعلا عليهما؛ ولهذا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعض التشريعات ويضيف الكراهة إليها، كما في قوله عليه الصلاة والسلام وهو في الصحيح: ( وإسباغ الوضوء على المكاره )، كأن يتوضأ الإنسان في حال برد ونحو ذلك، فهذا الفعل يفعله الإنسان وهو كاره؛ لشدة برودة الماء وميل الجسم إلى الدفء، فحين يضيف الماء على جسده وهو كاره فهذا أعظم أجراً عند الله، وإثبات الكره هنا لا ينافي الإيمان، ولكن الكره الفطري إذا دفع الإنسان عن الإقدام على عمل يغضب الله، أو الإحجام عن شيء أمر الله عز وجل بعدم الإحجام عنه فإن هذا مما يحاسب الله جل وعلا عليه عبده؛ لهذا قال الله سبحانه وتعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216]، أي: أن الإنسان يكره أن يقتل، أو يفقد ماله، أو يفقد أهله ونحو ذلك، وكل هذا كره فطري، ولكن ما منعه هذا من الخروج إلى الجهاد والذب عن دين الله سبحانه وتعالى، كذلك أيضاً حين يقوم الإنسان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقع الناس في عرضه فيذهب وهو كاره، وهذا الكره هو أمر فطري لكن لا يحجزه عن القول وكذلك العمل.

    وإنما ذكر ( أن يقذف في النار )؛ لأن جزاء الكافر هو دخول النار، ودخول نار الآخرة أعظم من دخول نار الدنيا؛ وذلك أن الإنسان إذا وعد بعقاب فإنه يقدم العقاب الأدنى خوفاً من العقاب الأعلى، وخوف الإنسان أن يقذف في نار الدنيا، وأن يحب دخولها نار الدنيا قبل أن يقع في الكفر وهذا أمارة إيمان، فإذا كان هذا في أمر الدنيا فإنه يكون كذلك في أمر الآخرة.

    وأما بالنسبة لما يتعلق بتوطين النفس على حلاوة الإيمان، وكذلك كراهية بعض الأعمال فهذه يختلف ويتباين في الناس بحسب الإيمان، كلما يقدم الإنسان على عمل ابتداء يشق عليه -خاصة عند مخالفة الناس- حتى يتوطن الإنسان عليه، ثم بعد ذلك يحب العمل ولا يجد فيه كراهة، وكلما كان الإنسان كارهاً للعمل وأقدم عليه فإنه أعظم ثواباً عند الله.

    وإذا أقدم الإنسان على عمل من الأعمال وهو محب لهذا العمل، فنقول: إن هذا لا يخلو من حالين:

    الحالة الأولى: أن تكون المحبة قد جاءت بعد كره طويل حتى توطن الإنسان على هذا العمل فهذا ثوابه كثوابه الأول؛ لأن هذا ما جاء إلا بعد كره مديد وثقل على الجسد، وهذا كمقام كثير من العباد، وكحال الأنبياء والصديقين، فالنبي عليه الصلاة والسلام غفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فأمنه الله جل وعلا من العقاب، ومع ذلك جعل الله قرة عينه في الصلاة؛ لأنه قد تقدم قبل ذلك كلفة بالإتيان بالعبادة وبأمر الله جل وعلا، ثم بعد ذلك أصبح ذلك الأمر قرة عين رسول لله صلى الله عليه وسلم، فجاء ذلك من جهة الثواب على درجة التمام والكمال.

    والنوع الثاني: إذا أقدم الإنسان على شيء من غير كلفة فإنه يصبح عمله في ذلك قاصراً؛ لأن الإنسان إذا أطاع الله جل وعلا في زمن الناس على خلافه فهو أعظم ثواباً عند الله؛ ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أجر الذين يأتون في آخر الزمان يؤمنون بصحف يقرءونها، فقال: ( أجر العامل منهم كأجر خمسين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقابض على دينه منهم كالقابض على الجمر )؛ وذلك لورود المخالفة، إذا وجد الإنسان في بلد أو بيئة يهودية أو نصرانية ويؤدي العبادة فإنه أعظم من الذي يؤديها في أوساط المؤمنين، خاصة إذا كان الإنسان لا يجد سبيلاً إلى الهجرة.

    1.   

    باب علامة الإيمان حب الأنصار

    قال رحمه الله: [ باب علامة الإيمان حب الأنصار ].

    شرح حديث أنس: (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار)

    قال رحمه الله: [حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني عبد الله بن عبد الله بن جبر، قال: سمعت أنساً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار ) ].

    الآية هي: الأمارة والعلامة، وقد جعل الله جل وعلا علامات معنوية وعلامات حسية، والعلامات الحسية يجعل الله منها ما هو في السماء وما هو في الأرض، وما هو في السماء، كالنجوم والأفلاك، وكذلك السحب فإنها أمارة على نزول المطر أو قربه، أو احتمال وقوعه، وكذلك أيضاً بعض الأمارات في الأرض، كالجبال والأودية تسمى منارات الأرض؛ ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لعن الله من غير منار الأرض )، وهذه علامات يجد بها الإنسان شيئاً، كوجود الأثر، فإنه أمارة على وجود مسير، وإذا وجد الإنسان أثراً فهو علامة على وجود أقوام.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى وجود أمارة على النفاق، وأمارة على الإيمان، وثمة تضاد بين النفاق والإيمان، والمراد بالنفاق: هو أن يبطن الإنسان شيئاً يخالفه في ظاهره، لكن هل هذا التعريف دقيق أم لا؟ فإن الإنسان قد يبطن الإيمان ويظهر المخالفة في زمن خوف، هل يسمى هذا منافقاً أو ليس بمنافق؟ نقول: إنه لا يسمى منافقاً.

    فالتعريف الدقيق للنفاق أن يقال: إن المنافق الذي يضمر الشر ويظهر الخير، وأما بالنسبة لما يبطنه الإنسان من معاني الخير ويظهر الشر تقية في بعض المواضع التي رخص الله عز وجل فيها فهذا مما عفا الله عز وجل عنه، وإنما جعل النفاق مقابلاً للإيمان، والنفاق محله القلب باعتبار أن أصل الإيمان وجذوته هو القلب، وأول ما يقع من الإنسان هو الإقرار بقلبه، ثم يأتي بعد ذلك قول اللسان، ثم يأتي بعد ذلك عمل الجوارح، وأما من تلفظ بشيء من غير إقرار في قلبه فإن ذلك لا يسمى إيماناً، وإذا فعل الإنسان شيئاً من غير إقرار بقلبه لا يسمى إيماناً؛ ولهذا نعلم أن الإيمان إذا وقع في قلب الإنسان ولم يتمكن من القول والعمل به فهو مؤمن، كالإنسان الذي يؤمن بالله، ولكن لا يدري كيف يدخل الإيمان؛ لأنه لا يعرف الشهادتين ولا النطق بهما، فمات قبل ذلك، هل هو مؤمن أم لا؟ اختلف أهل السنة في ذلك على قولين:

    القول الأول: قالوا: إنه لا يدخل في الإسلام حتى ينطق بالشهادتين، وأن إيمانه بالقلب لا ينفعه.

    القول الثاني: وذهب إليه جماعة من العلماء واختاره ابن تيمية رحمه الله، وهو أن الإنسان إذا وقع الإيمان في قلبه ولم يتمكن من النطق بالشهادتين لعدم وجود الملقن، أو عدم معرفة حقيقة الدخول في القول أو العمل، فهذا يدخل في الإسلام، وحكمه حكم أهل الإسلام، وأما ضده فلا، فالذي ينطق بالشهادتين ولا يعلم معناها، أو لم يعمل بمقتضاها فهذا لا يدخل في الإيمان؛ ولهذا ذكر الإيمان؛ لأنه يخفيه، وجعله في مقابل النفاق، وذكر أيضاً المحبة؛ لأن محلها من جهة الأصل في القلب، فلما لم يستطيع أحد أن يظهر ثمرة المحبة لكل أحد خوطب القلب بذلك؛ لهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )، قال: ( لأخيه )، لأن الإنسان يملك المحبة القلبية للجميع، ولكن لا يستطيع أن يبذل المحبة البدنية بنفع الناس بجسده؛ لأن هذا مما لا يطيقه أحد من الخلق، أما المحبة القلبية، فيستطيع أن يحب أهل الإيمان من الشرق والغرب؛ لأنهم يدينون لله جل وعلا بالتوحيد، فخوطب بالمحبة القلبية ولم يؤمر بذلك بالجوارح؛ لأن تطبيقه متعذر؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( آية الإيمان حب الأنصار )، فيكتفى بوجوده ذلك في القلب.

    قال: ( وآية النفاق بغض الأنصار )، وذلك لفضل الأنصار ومنزلتهم، وإنما كانت منزلتهم كذلك لمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، والأنصار كانوا قبل قدوم النبي عليه الصلاة والسلام على قسمين: وثنيين وهم الأوس والخزرج، وأهل كتاب وغالبهم من اليهود، سواء كانوا من بني قريظة أو من بني النظير ممن أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدخلون في هذه الدائرة، وغلب على الأوس والخزرج أنهم ناصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم لدخول مجموعهم في طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأطلق على الأوس والخزرج أنهم الأنصار، وحب هؤلاء من الإيمان؛ وذلك لعملهم وطاعتهم واقتدائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحب النبي عليه الصلاة والسلام لهم، فالواجب على الإنسان أن يحب محبوبه، ويحب ما يحبه من الأشخاص، وكذلك أيضاً من المعاني، فالإنسان يستطيع أن يحكم على أحد بالإيمان بوجود القرينة المتعدية لحبه لما يحبه المحبوب، فمن ادعى محبة النبي عليه الصلاة والسلام وكره ما يحبه ذلك المحبوب فهذا أمارة على كذبه، وهذا من جملة النفاق؛ لأن انصراف المحبة للمجموع إنما يقع على حب ما يشتركون فيه، وما يشترك فيه الأنصار يتباينون فيه من جهة المال، ويتباينون من جهة الجمال، ويتباينون من جهة الحسب، ويتباينون من جهة النسب، ويشتركون بشيء واحد وهو نصرة النبي عليه الصلاة والسلام، فمن كره مجموعهم كره ما اشتركوا فيه، وهو ما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحبة، فدل هذا على أن محبتهم هي محبة للنبي عليه الصلاة والسلام، وأن كرههم هو كره لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن ادعى الكره لغير ذلك فإنه كاذب في هذا لتباينهم في تلك المرتبة.

    لهذا نقول: يدخل في هذا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن كره واحداً منهم بعينه فإن هذا لا يدخل في الكفر إلا من ثبت الدليل فيه متواتراً بتزكية وبيان محبته، فنقول حينئذٍ بأن كراهة ذلك الصحابي كفر، كالذي يكره أبا بكر والله جل وعلا قد زكاه، أو يسب أبا بكر عليه رضوان الله تعالى، أو يلعن عائشة، أو يتهمها في ذاتها ونحو ذلك فهذا كفر وإن كان واحداً، لا لذات الشخص، وإنما لقوة الدليل الذي زكاه، وتبع ذلك تزكيته بذاته، وبيان منزلته التي وجب أن نعمل بها.

    وأما ما لم يرد فيه الدليل متواتراً وإنما دخل ضمن مجموع فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكرهه بذاته، نقول: هذا وقع في البدعة، لماذا قلنا: وقع في البدعة؟ لأنه غلب جانباً مادياً على جانب الدين وهو القرب من النبي عليه الصلاة والسلام، فينبغي أن تغلب تلك المحبة الشرعية له؛ لقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلقته، أو على هيئته، أو على شيء بدر منه، فمن نظر إلى شيء معين من صحابي فكأنه ما ملأ قلبه ذلك الفضل الذي كان من ذلك الصحابي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأما من طعن في جمهور الصحابة فهذا لا يمكن أن يقبل منه إلا ما اشتركوا فيه وهو صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لهذا نقول: إن هذا كفر وردة، ولا خلاف عند العلماء أن من طعن في الصحابة كلهم أو في مجموعهم فهو طاعن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كافر في ذلك، وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد من العلماء.

    شرح حديث عبادة بن الصامت: (بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا...)

    قال رحمه الله: [ باب: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وكان شهد بدراً وهو أحد النقباء ليلة العقبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: ( بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه ) فبايعناه على ذلك ].

    قال المصنف رحمه الله: (باب) وإنما لم يذكر ترجمه لهذا الباب؛ للحوقه بالأبواب السابقة، ففي قوله: (أن عبادة بن الصامت عليه رضوان الله تعالى وكان شهد بدراً) أراد بذلك بيان منزلته وتقدمه في الإسلام، ومعلوم أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام السابقين الأولين يقدمون على غيرهم من المهاجرين ويقدمون على الأنصار، وكذلك أيضاً من شهد بيعة الشجرة وشهد بدراً؛ فإنهم يقدمون على غيرهم، ومن آمن وأسلم قبل الفتح فإنه أفضل من الذي أسلم وآمن بعد الفتح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله عصابة من أصحابه: ( بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً ) فالمبايعة مشتقة من الباع وهو: أن يمد الإنسان يده يريد قبض مبايعه، ويسمى البيع بيعاً من هذا الاشتقاق؛ ولهذا يقدم الإنسان يده ليقبضها المبتاع حتى يبايعه على ما يريد، سواء كان سلعة أو شيئاً من المعاني.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يبايع قوماً قبض أيديهم، ولا يصافح النساء وإنما يبايعهن عليه الصلاة والسلام قولاً؛ ولهذا فرسول صلى الله عليه وسلم بايع أصحابه قبضاً إشارة إلى التأكيد والإلزام، فإن التأكيد في أمر الإسلام أعظم وأظهر من التأكيد في قضايا الأموال قال: ( بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا )، وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع أمته على التوحيد ابتداء؛ لأنه لا يقبل من أحد عمل إلا بعد التوحيد، ولا يقبل الله جل وعلا عمل مشرك، وهذا مما لا خلاف فيه، إلا إذا وقع من المشرك عمل، ثم بعد ذلك دخل في الإيمان فإن الله عز وجل يقبل منه ما فعله خالصاً لله عز وجل في أمر جاهليته، والإشراك مع الله عز وجل إنما سمي شركاً؛ لأن الإنسان قد شرك في فعله هذا غير الله جل وعلا معه فيما هو من حق الله، فوقع في أعظم ما يحذر الله عز وجل منه وهو أعظم الظلم، والله جل وعلا لا يغفر لعبد شركاً، وإنما عظم الشرك على غيره لجملة من الأمور منها: أن الشرك يحبط سائر الأعمال، ومنها: أن صاحبه مخلد في النار، ومنها: أن الله عز وجل لا يقبل للمشرك عدلاً ولا صرفاً حتى يتوب بنفسه، ولا يكفر الله عز وجل عنه شركه إلا بالمبادرة بالتوبة، بخلاف بقية المعاصي التي يقترفها الإنسان من الكذب والسرقة والزنا وغير ذلك فإن الله عز وجل يغفر له ذنبه ببعض المكفرات، وذلك يدخل تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى، كذلك فإن الشرك ليس مما يقابله كفة أخرى، فلا يوجد كفة للحسنات وإنما هي كفة للسيئات؛ ولهذا قال الله جل وعلا: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة:5] .

    ذكر النبي صلى الله عليه وسلم جملة من الأحكام الشرعية التي يحتاج إليها في زمنه، وإنما خص منها السرقة، وأخذ أموال الناس، وقطع الطريق، وكذلك الوقوع في الزنا، والاستهانة بالأعراض؛ لاشتهارها عندهم، فإن الزنا مما يشتهر عندهم خاصة الزنا بالإماء، بل كان لأشراف قريش وسادتهم إماء يتاجرون بها ويكسبون منها الأموال؛ ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن كسب الأمة؛ لأن غالب كسبها في ذلك الزمن هو من الأمر الحرام.

    قال: ( ولا تقتلوا أولادكم )، وإنما خص النبي عليه الصلاة والسلام قتل الأولاد؛ لاشتهاره، ولم يذكر القتل فيما عداه؛ لاستقرار ذلك الأمر وشناعة قتل الأولاد، ( والنبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك. قيل له: ثم ماذا؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك )، وقتل الأولاد خشية أن يطعم مع الإنسان أو لغير لذلك هذا لا شك أنه من أكبر الكبائر، وإنما ذكر الأولاد هنا ومع أن غالب ما يفعله الجاهليون من العرب هو قتل الإناث، فهم يقتلون الإناث للمعرة والفاقة، ويقتلون الذكور خشية الفاقة فقط، إذاً: فقتل الذكور هنا ليس للمعرة، وإنما هو خوف الفقر، وأما بالنسبة للبنات فإنهم يقتلوهن للفقر وخشية المعرة.

    وقوله هنا: ( ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم )، إنما ذكر بين الأيدي، وهو ما يتعلق بشهادة الزور، وبين الأرجل وهو ما يتعلق بالزنا، وذلك تأكيد لتحريم الزنا وبيان جرمه وغلظ تحريمه، والنهي إذا تكرر ووقع على فعل بذاته فهذا دليل على تأكيد تحريمه؛ ولهذا المحرمات في الشريعة يعلم قدرها بكثرة النصوص الواردة فيها، فإنما تتكرر النصوص تأكيداً للنهي، وإذا قل النهي عن فعل بعينه فهذا دليل على عدم تأكيد الشارع عليه، وإن كان يدخل في جملة المنهيات؛ ولهذا نجد المكروهات التي ينهى الشارع عنها كراهة تنزيه يرد فيها نص أو نصان، وأما ما كان من المحرمات فإنه يرد فيها أكثر من نص وما كان من الكبائر فالنصوص فيها متواترة، وهذا أيضاً له وجه آخر، وهو أن الشارع إذا نهى عن شيء وكان متأكداً فإنه يأمر بضده، وإذا أمر بشيء وكان متأكداً فإنه ينهى عن ضده؛ ولهذا أمر بالتوحيد ونهى عن الشرك، وأمر بالصلاة ونهى عن تركها، وأمر بالزكاة وبين عقوبة تاركها.

    قال صلى الله عليه وسلم: ( ولا تعصوا في معروف )، وهذا فيه أمر عظيم جليل القدر، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام مع علو منزلته، وتمام سيادته، وعصمة الله جل وعلا له وهو سيد ولد آدم إلا أنه عليه الصلاة والسلام قال: ( ولا تعصوا في معروف )، والمبايع للصحابة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الخطاب إذا توجه في مبايعة النبي لرعيته وأتباعه فإنه في غيره من باب أولى من الحكام والسادة والوجهاء والملوك وغيرهم ألا يطاعوا إلا بالمعروف، وأما طاعتهم في المعصية فهذا ضلال، ومن قال: إن الحاكم والسلطان يطاع في المعصية، وأن ذلك جائز فذلك كفر؛ لأنه قد جعل ذلك مشرعاً بمجرد أمره، فحلل ما حرمه الله؛ ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31] .

    ولهذا جاء في السنن: أن عدياً عليه رضوان الله تعالى قال: ( يا رسول الله! إنا لم نعبدهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليسوا إذا حرموا شيئاً أحله الله حرمتموه، وإذا أحلوا شيئاً حرمه الله أحللتموه؟ قال: نعم، قال: فتلك عبادتهم )، فمن قال: إنه يسوغ لحاكم أو لنظام أن يشرع تشريعاً ولو حرم ما أحل الله أو العكس فإن ذلك كافر بالله العظيم، ولا أعلم في ذلك خلافاً عند سائر أئمة الإسلام من السلف والخلف من أئمة السنة، وهذه مسألة خارجة عن مسألة حكم الإنسان.

    ولهذا العلماء حينما يذكرون في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله أن ذلك لا يلزم منه صحة التشريع، فتلك مسألة منفكة، ومن قال: إن له التشريع فذلك نازع الله عز وجل في حقه؛ لأن الله جل وعلا جعل حكمه عبادة، قال الله سبحانه وتعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، وينبغي أن يفرق بين التشريع، وهو تسويد ذلك العمل، وبين الحكم وبين التحكيم، والحكم يقع من السلطان، والتحكيم يقع من المتحاكم وهو الراعي، فالتحاكم يكون من الإنسان؛ ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65]، أي: الناس يتحاكمون إلى السلطان، والحكم يكون من السلطان، والتشريع يكون منه ولكن يرتبط به تحليل وتحريم، وهذا هو الذي لا يخالف العلماء فيه.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: ( فمن وفى منكم فأجره على الله )، أي: من وفى فيما أمر الله جل وعلا به فقد وقع أجره على الله، والله سبحانه وتعالى يجزيه في ذلك ثواباً جزيلاً، وينبغي أن يعلم أن الثواب إذا أضمر في الدليل فإن ذلك دليل على فضله ومنزلته وعظمه، وإذا ذكر بعينه فإن ذلك دليل على قصوره عليه، وإذا أضمر العقاب فهذا دليل على عظمه عند الله؛ ولهذا أضمر الشارع ثواب الصائم، فقال رسول الله صل الله عليه وسلم عن ربه جل وعلا: ( كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ) ما هو الثواب؟ وكيف يكون التضعيف؟ أمره إلى الله، فإذا أضمر فإن هذا دليل على تعظيمه، وفضل الله عز وجل في ذلك واسع.

    قال: ( ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له )، الإنسان إذا وقع في شيء من الذنوب والمعاصي فنزل عليه عقاب، مثلاً: زنا وهو غير محصن فجلد، أو عزر على شيء من الذنوب وقع فيها فإن ذلك كفارة له، وهذا عند جماهير العلماء.

    ووقع في هذه المسألة خلاف هل له كفارة بمجرد وقوع ذلك العقاب، أو يلزم من ذلك التوبة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: ذهب جمهور العلماء إلى أنه كفارة لظاهر هذا الحديث، قال: ( فهو كفارة له )، وذهب بعض العلماء إلى أن هذا ليس بكفارة، واستدلوا بحديث أبي هريرة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا أدري أيكفر الله عز وجل للإنسان ذنبه أم لا؟ )، يعني: إذا عوقب على ذلك، وهذا غايته أنه لا يعلم متى ورد الدليل السابق من اللاحق، وإن كان أبو هريرة عليه رضوان الله تعالى ممن تأخر إسلامه، إلا أنه يقال: إن في هذا الحديث ظهوراً وهو الأليق أن يحمل عليه فضل الله عز وجل أن ينزل على عبده عقابين، ومعلوم أن العقاب الذي نزل على الإنسان هو من الله سبحانه وتعالى.

    قال صلى الله عليه وسلم: ( ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له )، الذي شرع الحدود هو الله سبحانه وتعالى، فإذا أنزل العقاب على عبد لذنب وقع فيه فرحمة الله عز وجل ولطفه يقتضي ألا ينزل عليه العقاب مرة أخرى، وأما بالنسبة للتوبة فإن التوبة تقع من النفس الزكية المقبلة على الله عز وجل، وهي التي تزيل الذنب إذا صدق الإنسان في توبته تلك، فإن الله عز وجل يقبلها من عبده، فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

    قال صلى الله عليه وسلم: ( ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله )، وهذا دليل على أن الإنسان إذا وقع في الذنب فهو على حالين: إما أن يعاقب على ذلك في أمر الدنيا فذلك كفارة له، وإما أنه لم يعاقب وستره الله، فهذا نقول: لا يخلو من حالين: إما أن يتوب إلى الله ويصدق في توبته، فالمرجو من الله عز وجل أن الله يقبل توبة عبده، وإذا لم يتب فأمره إلى الله، وإذا تاب الإنسان فقبل الله عز وجل توبته فهو كمن لا ذنب له، ومن العلماء من قال: إنها لا تمحى من صحيفته ويقر بها يوم القيامة ولكن لا يعذب عليها.

    وهنا قال صلى الله عليه وسلم: ( ثم ستره الله )، ثم قال: ( فهو إلى الله )، وما قال: فليبادر إلى إقامة الكفارة عليه، وإنما أرشده إلى التوبة، كذلك أيضاً فيه الإشارة إلى أهمية وفضل ستر الله، ومن ستره الله عز وجل فيجب عليه أن يستر نفسه، وألا يبدي ذنبه، فإن وقوع الإنسان في الذنب إثم، ووقوع الإنسان في الإعلان والمجاهرة بذنبه ذنب آخر، فقد أضاف إلى ذنبه ذنباً؛ لأن الله عز وجل توعد الذين يحبون إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: ( إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه )، هذا في كل الذنوب إلا الشرك، فالله عز وجل لم يجعله تحت مشيئته سبحانه وتعالى من جهة الغفران أو عدمه، وإنما قضى الله عز وجل فيه العقاب فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، أي: يجب على المشرك أن يتوب في الدنيا، فإن مات على كفره فهو من أهل النار.

    1.   

    باب من الدين الفرار من الفتن

    قال رحمه الله: [ باب من الدين الفرار من الفتن.

    حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن ) ].

    يقول: (باب من الدين الفرار من الفتن) يعني: الوقاية مما يخدش الدين من الدين؛ ولهذا جاءت الشريعة بالمدافعة، وهذه المدافعة لأعداء الإنسان، وهم ثلاثة: نفسه الأمارة بالسوء، وشياطين الإنس، وشياطين الجن، هؤلاء هم أعداء الإنسان، فعلى الإنسان أن يتوقى من هؤلاء الخصوم في هذه الأرض.

    وقول المصنف رحمه الله: (من الدين الفرار من الفتن )، إنما ذكر الفرار هنا؛ لأن الإنسان في أمر دينه يحتاط ويفزع ويوجل، كحال الذي يفر من القتل؛ لأن أهم ما يحوطه الإنسان هو الدين فهو أولى من حفظ النفس، والفتن من جهة الأصل في حقيقتها هي: الاضطراب، أو ما أدى إلى عدم معرفة الحق؛ لهذا قال الله جل وعلا: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ [التوبة:48]، فتقليب الأمور وعدم معرفة موازينها هذا من الفتن، فكل سبب يفضي إلى هذا المعنى فهو فتنة؛ ولهذا جعل الله عز وجل الأبناء والأزواج والأموال فتنة؛ لأنها تفقد الإنسان شيئاً من معاني الحق، وهذا الإدراك لهذه المعاني يتباين الناس فيه: منه ما هو معاني لا يدركه إلا من كان في مقام النبوة؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى الحسن والحسين يقدمان ويعثران بثوبيهما نزل من منبره عليه الصلاة والسلام، فقال: ( صدق الله: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15] ).

    وهذا المقدار من الفتنة يدركه مثل مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا التباين حتى في تقديم بعض المتفاضلات اليسيرة على بعض في شيء من أمر الدنيا يدركه الإنسان بقوة إيمانه، ومن الناس من لا يدرك الأمور المتفاضلة التي هي كأمثال الجبال، فتجد الأمر الفاضل كأمثال الجبال، وتجد ما هو دونه كحال الحصى، ولا يدرك أن هذا فاضل على هذا؛ لقصور وضعف الإيمان في قلبه.

    لهذا كلما كان الإنسان قوياً في إيمانه مستمسكاً به أدرك مواضع الفتنة التي تحول بينه وبين معرفة الحق بذاته، والفتن لا يكاد يسلم منها أحد في هذا المعنى العام، وإنما سميت هذه الوسائل فتناً؛ لأنها تؤدي إلى اضطراب الإنسان في رأيه، في عقيدته، كذلك في عمله، فالفتنة تصرف الإنسان عن العبادة، وتصرفه عن إصابة الحق والقول به، فينبغي للإنسان أن يبتعد ويفر عنها.

    والفرار على نوعين: هو فرار بدن، وفرار نفس.

    وفرار النفس يكون عن النظر والرؤية في إطلاق البصر في ما يعطي الله عز وجل الناس من متع الدنيا ولذائذها، فإذا وجد في قلبه ضعفاً، وربما يتشرب هذا الشيء ويصرفه عن الزهد في الدنيا، ويتعلق بهذا الأمر، وربما دفعه ذلك إلى انصراف القلب عن أمر الآخرة ونحو ذلك، فهذا لم يفر من الفتن، وأطلق بصره في ذلك، كذلك أيضاً السمع، فإذا أطلق سمعه لكل قائل فهذا ربما وقع في الفتن.

    وأما الفرار بالبدن فينبغي للإنسان أن يبتعد ببدنه عن مخالطة الناس حتى يبتعد، والثانية لازمة للأولى، فإذا انصرف الإنسان ببدنه فإنه لا يخالط الناس ببصره وسمعه إلا في زمننا، فالإنسان ربما يبتعد مثلاً عن بلد ويكون بينه وبينها آلاف الكيلومترات لكنها موجودة في القنوات الفضائية؛ ولهذا ربما تجد في البر أعرابياً في خيمة -وهو بيت شعر- ولديه الدش يأتي بأخبار الشرق والغرب، هذا جلب الفتنة إليه، هل فر بدينه؟ هذا فر بجسده، وأما نفسه فهي في الفتن، أو كان الإنسان مثلاً ممن يقرأ في مدونات أهل الضلال والزيف وفي شبههم ولو كان في أرض قفر، فهذا قد وقع في الفتنه ولو انفرد بجسده، فمسألة الفرار من الفتن التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام إنما صلاحيتها في ذلك الزمن، أما في زماننا هذا فالأسلم له الفرار بسمعه وبصره؛ لأن الفتن تتبع الإنسان أينما حل وأينما ذهب، فإذا لم يملك الإنسان نفسه فإنه يقع فيما يخشى منه لزوماً؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتتبع بها شعف الجبال ومواطن القطر )، وإنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ( غنم يتبع بها شعف الجبال )، لأنه يستحيل عند ذلك ممارسة التجارة، وإنما الإنسان منفرد، وأمر التجارة والمضاربة في الأسواق إنما يكون مع الاحتكاك بالناس، والغنم هي التي ينفرد بها الإنسان ويتقوت منها، ويدخل في ذلك غيرها وإنما ذكر الغنم على سبيل المثال، أو لأن ذلك هو الأمر السائد، أو الأمر الذي يدركه كل أحد من تلك البهائم، وقد يقال: إن هذا أيضاً تفضيل لها فقد جاء في حديث أم هانيء أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( عليكم بالغنم فإنها بركة )، وهو في المسند.

    لهذا قد يقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: ( يوشك أن يكون خير المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ) فيه تفضيل للتجارة على الغنم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( يوشك أن يكون ) وهذا ليس حالاً الآن، وإنما يأتي بعد ذلك، ولعل هذا يعضده ما جاء في حديث نعيم بن عبد الرحمن في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( تسعة أعشار الرزق في التجارة، والعشر الباقي في سائر الخلق ).

    قال عليه الصلاة والسلام: ( يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن )، أي: من أسباب الفتن، سواء كان في فتن الدين، أو فتنة المال، أو فتنة الأهل، أو فتنة الأعراض، ونحو ذلك.

    1.   

    باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (أنا أعلمكم بالله)

    قال رحمه الله: [ باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنا أعلمكم بالله ) وأن المعرفة فعل القلب؛ لقول الله تعالى: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة:225] .

    حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم، أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله! إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه، ثم يقول: إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا ) ].

    في قول المصنف رحمه الله: (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنا أعلمكم بالله )، وأن المعرفة فعل القلب )، وإنما أخذ ذلك من قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أنا أعلمكم بالله )، فقد أحال إلى العمل الظاهر، وحينما أراد أصحابه عليهم رضوان الله تعالى أن يخالفوه أحالهم إلى شيء من أمر الباطن لا يعلمونه، وأنه يدرك من معرفة الله جل وعلا ما لا يدركونه.

    وهنا ثمة أمر: وهو أن الإنسان يقع في قلبه ما هو أقوى مما يظهر على الجوارح؛ لهذا لا يخلو من شعب النفاق غالباً إلا من كان في مقام النبوة، كرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن ما كان لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم من علم في الباطن أعظم من أمر الظاهر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام محكوم بأمر ظاهره العبادة والتشريع، فلا يستطيع أن يجعل صلاة الفجر مثلاً أكثر من ركعتين، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يؤدي عبادته فيما يرخص الله عز وجل به من أمر قيام الليل، وفي القلب من اليقين ما لو فاض لكان أعظم أثراً من ذلك العمل، ولكن العباد في غير مقام النبوة أعمالهم قاصرة عما في قلوبهم، وهذا فيه نوع من النفاق، وكذلك أيضاً العكس فيما يفعله الإنسان وليس في قلبه يقين مما يشير إلى شيء من التصنع أو أبواب الرياء والسمعة.

    وقول عائشة عليها رضوان الله تعالى: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم، أمرهم من الأعمال بما يطيقون )، فيه رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخلق فهو بهم رءوف رحيم، وكذلك أيضاً فإن هذه الشريعة سمحة لهذه الأمة؛ ولهذا جاء في المسند وغيره وأصله في الصحيح عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما بعثت بحنيفية سمحة )، والمراد بذلك هو اليسر، أي: أن الإنسان يطيق الإتيان بها، والشريعة إنما نزلت بما يطيقه مجموع البشر لا ما يطيقه الأفراد؛ ولهذا لا عبرة بقوة أفراد معينين، لأن التشريع لا يختص بهم بل يتعدى إلى غيرهم، فإذا جاء أحد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرادوا أن يأتوا بالعبادة لأن التشريع ما نزل لهم التشريع نزل للأمة كلها؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام ربما تخفى ببعض العبادة خشية أن تفرض على الخلق، كما تخفى بعبادة قيام الليل ابتداء خشية أن تفرض عليهم؛ لأنه يطيق بذاته وهم لا يطيقون، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجع ربه في فرض الصلاة من خمسين حتى أصبحت خمساً رحمة بالأمة، وإن كان يطيق لذلك، فهي قرة عينه.

    وفي هذا إشارة إلى أهمية رأفة الآمر والمسئول والقائم بأمر الله ولطفه ورحمته بالخلق، وتكليفهم بما يطيقون، وكذلك إيصال الخطاب إليهم باللين من غير قسوة مهما كان الخطاب قوياً وكان الإنسان أيضاً على يقين.

    ولهذا حينما جاء بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وقالوا: ( يا رسول الله! إنا لسنا كهيئتك، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر )، وفي هذا إشارة إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما غفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه وما تأخر لتمام عمل القلب الذي لا يؤثر فيه ورود التكليف عليه، لقوة المحبة للخالق سبحانه وتعالى ودوامها، وفيه أيضاً أن النبي عليه الصلاة والسلام اختص بغفران ما تأخر من الذنب، ولم يرد عمل من الأعمال في الشريعة يغفر الله به ذنب الإنسان الذي يتأخر على الإطلاق إلا ما كان في هذا الموضع، وما كان من إلماحة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل بدر: ( افعلوا ما شئتم )، وكذلك أيضاً في قوله لـعثمان : ( ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ) إشارة إلى أن رحمة الله عز وجل تغلب عليه، وإن وقع الإنسان فإن الله عز وجل رحيم، ولكن هذا من غير يقين وقطع بعدم المؤاخذة؛ ولهذا كل حديث جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام رتب الله فيه غفران الذنب المتأخر على عمل من الأعمال فهو خبر منكر، ولا يثبت عنه عليه الصلاة والسلام.

    وفي قوله هنا: ( فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه )، النبي عليه الصلاة والسلام يغضب، ولا يغضب إلا إذا انتهكت محارم الله، أو أرد الإنسان شيئاً من الدين وهو من أمور الإحداث والابتداع بحسن قصد أو غير قصد؛ ولهذا عائشة عليها رضوان الله تعالى تقول: ( ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك فيه حرمات الله سبحانه وتعالى، وإن النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً لم يضرب بيده أحداً إلا أن يجاهد في سبيل الله ).

    ثم قال: ( إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا )، أي: أنكم ما ترون من عمل فإني أعلم به منكم، وأعلم أن هذا هو التمام، فالنبي عليه الصلاة والسلام مشرع عن ربه، ينبغي للقدوة أن يرأف بالخلق قولاً وعملاً ولو كان يطيق، إذا وجد من الناس من يقتدي به ممن حوله ونحو ذلك ينبغي ألا يظهر العمل الزائد الذي توطن عليه؛ لأن الناس يشق عليهم هذا الأمر، فربما أورثهم ذلك قنوطاً أو حملهم ذلك على التكلف وهم لا يطيقون، فينبغي له الرحمة بالخلق كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يرحم أصحابه وأمته.

    نتوقف عند هذا الحد، ونكمل فيما يأتي بإذن الله عز وجل، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    ضابط النصح للحاكم سراً وعلانية

    السؤال: ما الضابط في نصح الحاكم سراً أو علانية؟

    الجواب: بالنسبة لنصح الحاكم سراً أو علانية نقول: إن ذلك النصح لا بد أن يقع على شيء نصح لأجله وهو الخطأ، والخطأ لا يخلو من حالين: خطأ قد وقع فيه الإنسان جهاراً نهاراً، وذلك بمخالفة أمر الله، وذلك ينكر بقدره علانية؛ لأن المقصود ليس هو إقلاع الفرد بعينه، وإنما هو حماية الناس من ذلك المنكر، ولكن يلتزم الإنسان باللين والحكمة والشفقة والرحمة، ولا يكون المراد بذلك التشفي، أو الوقيعة، أو التربص أو غير ذلك، وهذا ظاهر في حديث أبي سعيد الخدري حينما قدمت الخطبة على الصلاة، قام رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة، قال له: قد ترك ما هنا لك، فقال أبو سعيد الخدري: أما هذا فقد أدى ما عليه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده )، هذا أنكره علانية مع أنه بإمكانه إذا انتهت الصلاة أن يذهب إليه ويكلمه سراً، ولكن نقول: في المنكرات العلانية ينكر علانية، ولكن بالرحمة واللين والشفقة غير تشفي، أما المنكرات التي يقع فيها الإنسان بخاصته أو بدائرة ضيقة فينبغي أن يكون المنكر على نحو تلك الدائرة، فإذا فعله عند خمسة فلا يشهره عند عشرة، وإذا فعله عند واحد لا يشهره عند الاثنين، وإذا فعله عند قوم أو في موضع معين لم يره أحد فلا يشهره عند الآخرين، فإن ذلك من الأمور المنكرة التي لا تجوز، وهذا من إشاعة الفاحشة التي ربما يقع فيها البعض بحسن قصد، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.