إسلام ويب

الفتوى ضوابط وأحكام [2]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجب على أئمة الإسلام أن يحوطوا هذا الدين من كل دخيل فيه، وأن من أراد أن يفتي بغير علم, وجب إبعاده وتنحيته، ومن آداب المفتي: تفريقه بين المسائل الدقيقة والمسائل الظاهرة, والنظر إلى المآلات في الفتوى، وأن يكون صاحب سعة صدر فيمن خالفه في فتياه, وفي قوله الذي قال به، ما كان المخالف له دليل وأثر، وأن يعلم أن المفتي كما أنه يفتي بقوله فكذلك له فعلٌ ينبغي أن يتقي الله جل وعلا فيه.

    1.   

    التصدر للفتيا بين المشروع والممنوع

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله سلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

    ومن المسائل المهمة في باب التصدر للفتيا: ما يتعلق في فتوى العالم وتصدره للناس من غير أن يصدر, كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتون ما بلغهم العلم وثبت لديهم الدليل, هذه المسألة وهي مسألة التصدر للفتيا, وإفتاء الناس, وما يتعلق فيها من مسائل في هذا الباب في مسألة تخصيص الفتيا بأناس معلومين, أو كذلك منع أفراد معلومين.

    إحاطة الدين من كل دخيل فيه

    فينبغي أن يُعلم أنه يجب على أئمة الإسلام من العلماء, وكذلك الأمراء أن يحوطوا دين الإسلام من كل دخيل فيه. وهذا مما لا خلاف فيه, بل ينبغي أن يُعلم أن ذلك من أعظم مهمات الولاية في الإسلام, أن يحوطوا دين الإسلام من كل دخيل فيه, وأن يبلغوا دين الله جل وعلا, كما أنزله الله سبحانه وتعالى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم طرياً من غير أن تشوبه شائبة, قدر الإمكان والوسع، وأن من أراد أن يفتي بغير علم, وكان من أهل الجهالة في ذلك, وجب إبعاده وتنحيته.

    من يمنع من الفتيا

    ولكن ثمة مسائل معدودة في هذا الأمر, وهذه المسائل مسائل متعددة بعضها يتداخل في بعض, وكثير من الناس ربما تستشكل عليه مسألة بأخرى, ويجمل بعض المسائل على سبيل الإجمال في هذا الباب:

    أولاً: من ظهر منه المخالفة لأمر الله جل وعلا, وتكرر منه ذلك القول بلا علم وبينة, وجب على أهل العلم وكذلك أهل الأمر أن يمنعوه من الفتيا بغير حق, وذلك أن حياطة الدين أولى من حياطة الأبدان, ومن تطبب بشيء من الطب في أبدان الناس بجهالة, فأفسد عليهم صحتهم وجب أن يمنع.

    وقد جاء في المسند والسنن بيان التهديد في ذلك, كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( من تطبب ولم يعلم منه طبٌ, فهو ضامن ), كحال الإنسان الذي بادر بقتل شخص وهو متعمد, فإذا كان الإنسان قد تطبب وهو يعلم أنه إنما يخرص خرصاً ويطعم الناس الأدوية والسموم ونحو ذلك, حتى يهلكوا أن يضمن ذلك, ويكون الضمان بحسب جنايته في ذلك, وبحسب قوته في الجهالة ورسوخه فيها, وتعمده الإضرار بأبدان الناس.

    وكذلك في مسائل الدين, فإن الإنسان ينبغي له أن يحتاط في هذا الأمر، فمن أفتى بجهالة وجب على ولي الأمر أن يمنعه، وأن يضمنه ذلك.

    والضمان في ذلك على نوعين: ضمان من جهة الآثام التي تترتب على تلك الفتوى, من جهة أن من دل الناس على شر؛ فإنه يلحقه ذلك الإثم الذي يتلبس به الناس, وإن تكرر إلى قيام الساعة من غير أن ينقص من آثامهم شيئاً.

    ومن وجوه الضمان في هذا الأمر أنه يستحق التأديب والتعزير في هذا الأمر, من أهل الأمر, وهذا لا يتحقق إلا فيمن ظهرت فيه الجهالة، وتكررت منه الفتيا بغير حق.

    من لا يمنع من الفتيا

    أما من أفتى بقولٍ قد خالف فيه الإجماع في المسألة الواحدة ونحو ذلك, وكان من أهل العلم والدراية والمعرفة, فإن هذا مما لا يجوز منعه, وكذلك حجر الفتيا عليه, وذلك من وجوه متعددة:

    أولها: إذا قلنا بالإطلاق في ذلك, فإنه لا يخلو أحد من علماء الإسلام على مر العصور, إلا ويروى عنه قول ينسب أنه قد خالف الإجماع في ذلك, ومقتضى نفي الكمال عن البشر ورود الخطأ والزلة في القول والقولين.

    ولكن ينبغي أن يعلم أن الفتيا بالباطل أو الفتيا بالقول الشاذ, أو ما خالف الإجماع في المسألة الواحدة ونحو ذلك التي نتكلم عليها هنا تتصور لأهل العلم والدراية والمعرفة الذين لهم أثر في الناس, في أبواب العلم, وليس الذين لم يظهر لهم أثر في أبواب العلم والفتيا, وإنما تطفلوا على المسألة الواحدة والمسألتين, فشذوا فيها, وهذا ما ينبغي أن ينظر إليه في مسألة اغتفار الزلة والخطأ في هذا الباب, وكذلك ما يتعلق في مسألة الحجر ومنع المفتي في هذا الباب.

    وزلة الزال في المسألة الواحدة, ممن لم يعرف من أهل الفتيا, ولم يكن له أثر في فتيا الناس, هذا يحجر عليه في المسألة الواحدة, باعتبار أن هذه السيئة التي وردت منه, لم يكن ثمة حسنات تغمر فيها, بخلاف أهل العلم على مر العصور الذين صنفوا ودونوا مسائل في الدين, كالأئمة الأربعة, والأجلة من العلية ممن سلف وتقدم أيضاً من الصحابة والتابعين وأتباعهم وأئمة الإسلام, فلا تخلو أقوالهم وفتاواهم أيضاً من مسائل قد خالفوا فيها عامة أهل الإسلام ومجموعهم, وهذه المسائل التي يخالفون فيها تنغمس في بحر علمهم وخيرهم الذي نفع الله جل وعلا بهم الأمة.

    أما من انبرى لمسألة واحدة كالذين يفتون في مسألة واحدة, ويضلون فيها, ويفتون بما يخالف الإجماع ونحو ذلك, فهذا ليس في بابنا أن يقال أنها زلة تغتفر في حسناته.

    وينبغي أن ينظر أن حسنات الناس تتباين, فهناك من الناس من له حسنات في أبواب البر والصلاح والديانة, ومن الناس من له حسنات في أبواب الإنفاق والإحسان إلى الناس, وكسوة الناس العراة, وإطعام الجوعى, وإنشاء المساجد, وعمارة الأرض ونحو ذلك من الخير العميم.

    وهذا إنما تغمر سيئاته في بحر حسنات من جنسها, ولا تغمر سيئاته في غير جنسها, فإذا كان الإنسان الذي يكون مثلاً من أهل الإنفاق أو من أهل الإحسان إلى الناس ونحو ذلك, فإذا جاء بفتيا باطلة وجب الحجر عليه؛ لأن هذه الفتيا لم يكن ثمة فتيا في أبوابها من الحسنات تغمر فيها, وإذا كان على سبيل المثال ثمة رجل من أهل الإحسان والإنفاق في سبيل الله جل وعلا, وعمارة الأرض وتشييد المساجد وكفالة الأيتام, فزل في باب من أبواب الإنفاق فإن هذا يغمر في حسناته تلك, وهكذا يؤخذ من جنسها.

    ويخلط كثير من الناس في هذا الباب, فيوجد من يضل في مسائل الفتيا بمسائل الدين، وله باب من أبواب الخير والإحسان, وليس هو من مباحث ومسائل الفتيا, فيزعم أنها تغفر في حسناته, وهذا ليس من هذه المباحث, وهذا من الخلط الذي ينطلي على كثير من طلاب العلم فضلاً عن عامة الناس, ولهذا ينبغي لطلاب العلم أن يفرقوا بين منزع المسائل, وذوات من وقع عليه ذلك الحكم.

    وينبغي أن يعلم أيضاً أن مسألة من ظهر فيه القول والقولين فيما يخالف أمر الله جل وعلا, وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, أن هذا قد حكي الإجماع إلى أنه لا يحجر عليه, ما دام من أهل الفتيا والعلم, وظهر قوله في الناس في أبواب العلم, وكذلك تبليغ مسائل الدين والكلام على الأحكام, فالفتوى التي يخالف فيها الدين من جنسها إذا كانت من الشاذ تغمر في بحور الحسنات, وإلا لاقتضى ذلك الحجر, وإتلاف مصنفات العلماء على مر العصور, ومنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلا يكاد أحدٌ يسلم من مخالفة الدليل, وهذه المسألة ينبغي أن تكون ظاهرة بينة.

    منع بعض الأفراد من الفتوى

    ومن الصور المتعلقة في هذا الباب: ما يسمى بمنع الأفراد بعينهم، وهذا قد جاء في زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فمنع أفراد معينون من الفتيا لبعض المصالح العامة, وهذا من المسائل التي وقع فيها خلاف, وهي من المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد.

    كما جاء عن أبي ذر عليه رضوان الله تعالى وجندب بن جنادة عليه رضوان الله تعالى, فقد منع أبو ذر من الفتيا في زمن أحد الخلفاء الراشدين عليه رضوان الله تعالى, لكنه لم يمتنع، فقد جاء عند الدارمي عليه رحمة الله من حديث الأوزاعي عن أبي كثير عن أبيه قال: رأيت أبا ذر عليه رضوان الله تعالى عند الجمرة الوسطى، والناس قد اجتمعوا إليه يستفتونه، فجاءه رجل قال: ألم تمنع من الفتيا؟ قال: أرقيب أنت عليّ؟ والله لو وضعوا الصمصامة على هذه وأشار إلى قفاه, ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنفذتها قبل أن تجهزوا علي.

    وأراد بالصمصامة السيف والسلاح, قال: لو وضعتموه على الرقبة ثم ظننت أني أبلغ كلام عاماً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لبلغته قبل أن تجهزوا علي.

    وما جاء عن أبي ذر عليه رضوان الله تعالى في هذه المسألة يؤخذ بحسب سياقه, وإسناده صحيح, وقد علقه البخاري في الصحيح في كتابه العلم مجزوماً به.

    1.   

    تولي أهل الولايات للفتيا

    وأما المسائل العامة مما يتعلق بمسألة كون أهل الولايات هم أهل الفتيا, فإن هذا كان في الزمن الأول, في زمن الخلفاء الراشدين, حيث كانوا يولون العلماء على البلدان.

    وهنا ينبغي أن يعلم أن التغير الذي طرأ على مجتمعات المسلمين إنما هو تغير في نوع الولايات, فقد كان في صدر الخلفاء الراشدين الأربعة, وفي منتصف زمن الخلفاء الراشدين الأربعة كان كثيراً ممن يولى من الولايات في زمنهم هم من أهل العلم, وكانوا هم أهل الفتيا, فكانوا يؤمرون بالفتيا بما يضبط أحوال الناس, مما لا يخرجون عنه.

    وهذا أمر قد أحياه جماعة ممن سار على نهجهم, كـعمر بن عبد العزيز عليه رحمة الله, كما جاء عنه عند ابن سعد وغيره, من حديث حماد بن سلمه عن حميد : أن عمر بن عبد العزيز قال: لو حملت الناس على شيء, فقال: ما أحب أن لو اجتمعوا, يعني: على شيءٍ, قال: أي: أن اختلافهم رحمة, قال: ثم أمر أمراءه على الآفاق والبلدان, أن يفتي المفتون على ما اجتمع عليه فقهاؤهم, ولم يلزم أهل البلدان كل بلد بحسب المسألة التي يفتي بها البلد الآخر, وإنما لكل بلد أمره فيما ساغ فيه الاجتهاد, وليس المراد بذلك هو بالتشهي؛ أن يفتي الإنسان بحسب ما يريد السائل وما يريد المجتمع ونحو ذلك, وهذا ما تقدم الإشارة إليه, بل ينبغي للإنسان أن يفتي بأمر الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    الإفتاء بالرأي

    ومن المسائل المهمة أن يفرق بين من يفتي بالدليل الظاهر البين المحكم, وبين من يفتي بالرأي, فمن أفتى بالرأي وجب منعه, أو استحسان العقل ونحو ذلك, وهذا يسلكه الكثير ممن يتشبث ببعض المسائل الظاهرة في حاجة الناس ونحو ذلك, ويأخذ بالأدلة الضعيفة أو ببعض المشتبهات، ويدع المحكمات ونحو ذلك, فهذا نوع من الإفتاء بالرأي والهوى.

    وقد كان عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى يمنع الصحابة من ذلك, كما جاء في مسند الإمام أحمد أنه جاءه أن زيد بن ثابت يفتي برأيه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فناداه عمر فقال: بلغني أنك تفتي برأيك يا عدو نفسك! فقال زيد بن ثابت عليه رضوان الله تعالى: إني لا أفتي برأيي, ولكن فيما حدثني أعمامي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأمسك عنه عمر .

    ولهذا ينبغي لأهل العلم من أهل الولايات, وينبغي لولي أمر المسلمين أيضاً أن يمنع من أفتى في دين الله بلا علم, أو أفتى بقول شاذٍ, وظهر هذا الشذوذ فيه حتى طغى, وهذا مرده وأمره إلى حال ذلك المفتي, وإدراك أهمية حياطة الدين, والنظر إلى تلك المسألة التي قد خولف فيها النص, فإن من المسائل ما هي مسائل يسيرة ينبغي للإنسان أن يقدرها بقدرها, وألا يتجاوز الإنسان أمرها.

    1.   

    بعض المسائل المهمة المتعلقة بالمفتي

    التفريق بين المسائل الظاهرة والمسائل الدقيقة

    ومن المسائل المهمة في مسائل الفتوى, أنه ينبغي للعالم المفتي أن يفرق بين المسائل الدقيقة اليسيرة وبين المسائل الظاهرة التي تحتاج إلى إظهار, وألا يحملنه أهل الهوى والجهال إلى إعطاء مسائل دقيقة أعظم من حجمها الذي قدرها لها الشارع.

    وكثير من الناس على سبيل المثال تجدهم يحررون مسائل في دقائق الدين ومسائل يسيرة جداً, كمسائل السواك أو بعض المسائل الدقيقة في بعض صفات الصلاة ونحو ذلك, ويشنعون على غيرهم, وهذا مما لا يليق بالعالم؛ أن يجعل المسائل تظهر أكبر من قدرها التي جعلها الشارع عليه, ولا ينبغي أن يحمله الجهلة على إظهار مسائل لا يريد إظهارها, وألا يستفزوه بذلك، وإذا عنفوا عليه بقول هو باطل قد أفتى به على ذلك النحو، فخالفوه في ذلك فردوا عليه، فينبغي ألا يسايرهم في ذلك الأمر حتى لا تكون المسألة أعظم من المراد الذي قدره الشارع له, فيكون حينئذٍ من أهل الاحتراز.

    التفريق بين المستفتين من أهل الولايات

    وينبغي للعالم والمفتي أن يفرق بين المستفتين من أهل الولايات، ومن غيرهم, وأن يحترز في فتياه تلك, فإذا كان المستفتي من أهل الولايات وأهل الديانة, عليه أن ينظر وأن يسبر حاله من جهة الاعتداد بالفتوى والأخذ بالدليل, وإذا كان ممن لم يعتد بالفتوى ولا يأخذ بالدليل, وإنما جاء في هذا الموضع وسأل عن حكم الله جل وعلا في هذا الأمر ينبغي أن يحتاط في قوله وفعله ونحو ذلك؛ لأنه ربما أراد أن يأخذ هذه الفتوى على غير مساقها ليضر غيره, وأن يحتاط في دين الله جل وعلا, وأن يكون من أهل الحصافة والعقل, وأن الإتيان بالدليل والرمي به جزافاً أن هذا ليس من العقل والدراية.

    صحيح أن هذا الدليل قد جاء على سؤال، والسؤال ظاهره الجهالة، فوافق هذا وهذا, ولكن ينبغي أن ينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ أن ينظر إلى سياقات الأدلة, وسياقات حال السائل واستفتائه في هذا.

    وإذا كان الإنسان على سبيل المثال يعلم أنه ليس للشريعة مقام وزن عنده ونحو ذلك, فأراد أن يسأل عن مسألة من المسائل التي تتعلق بأمر الناس وعامتهم ونحو ذلك, فيظهر من سؤاله هذا أنه أراد سوءاً بالناس, فيحترز في مثل ذلك, وينظر إلى حال السائل وقيمته من جهة الدليل, واحتياطه في ما هو أعظم من ذلك, وليس المراد من ذلك هو أن يكتم الإنسان علماً, وإنما المراد بذلك أن يحتاط فيما هو أعظم من ذلك.

    وهل للإنسان في هذا أن يقول: الله أعلم, أو أن يكله إلى غيره, أو أن يشدد عليه؟

    أولاً: ينبغي له أن يحترز في بيان الجواب، وكذلك أن يحذر فيما هو أبعد من ذلك, ينبغي أن يحترز فيه, ولهذا من سأل من أهل العراق لما قتلوا ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وجاءوا يسألون عن قتل المحرم للذباب, استنكر عليهم ما هو أعظم من ذلك, مع إمكان الجواب إلى ما هو دونه, أي: أنك ينبغي لك أن تعتني بما هو أعظم من ذلك وأولى وأكثر ديانة ونحو ذلك, حتى تعلم ما أمرك الله جل وعلا به على سبيل الطاعة والامتثال, لا أن تأتي وتنتزع المسائل بحسب الهوى, فتظن أنك قد وافقت أمر الله جل وعلا, وتدينت بالدين الحق, وهذا مرده في ذلك إلى أهل العلم والدراية.

    معرفة أحوال المستفتين من جهة الضرورة وعدمها

    وينبغي للعالم أن يعرف أحوال المستفتين من جهة الضرورة وعدمها, هل هم ممن وقعت أو نزلت بهم الضرورة؟ فربما أفسد عليهم دينهم، وأفسد عليهم دنياهم, ووجود الأصل والدليل لدى الإنسان لا يخوله أن ينزله في كل موضع.

    ورسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي سلمة قال: ( كنت أسأل عائشة عليها رضوان الله تعالى عما كان يستفتح به رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل, فقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم فاطر السماوات والأرض, عالم الغيب والشهادة, اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أنت تحكم بين عبادك فيما اختلفوا فيه، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ), أي: الحق الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو الكتاب المنزل, ولماذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل الله جل وعلا الهداية لما اختلف فيه من الحق, فأي حق يختلف فيه والكتاب المنزل بين يديه, فالحق الذي قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ورود صورة تتفق مع الدليل إنزالاً ينبغي ألا ينزل عليها الدليل, كما في جملة من المسائل التي لم ينزل النبي عليه الصلاة والسلام فيها الدليل, كقتل بعض المنافقين, وعمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى كان يطلب منه أن يطبق الدليل على حد سواء, فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم وأدرى منه بكلام الله جل وعلا, فوفقه الله جل وعلا إلى الحق والصواب في ذلك، وعصمه عليه الصلاة والسلام من أن يخالف مراد الله جل وعلا, فكان عليه الصلاة والسلام على هداية ورشاد في هذا الأمر.

    ولهذا ينبغي للإنسان أن ينظر إلى أحوال المستفتين من جهة الضرورة وعدمها, وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في المسند والسنن في قصة الصحابة الذين كانوا في سفر, فشج رجلاً منهم فنام فاحتلم, فسأل أصحابه: (هل يجدون له رخصةً؟ فقالوا: ما دمت تستطيع أن تمس الماء لا نجد لك رخصة, فاغتسل فمات, فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأخبروه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قتلوه قتلهم الله, هلا سألوا إذ لم يعلموا، فإن شفاء العي السؤال, إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر ).

    وقول رسول الله صلى الله عليه سلم: ( إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر ), وقوله عليه الصلاة والسلام: ( قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال ), أي: أنهم أهل جهالة وإن كانوا من أهل الدليل, فكان لديهم دليل، وهو أنه يجب عليه أن يتيمم, فهذا دليل وأنزله في موضعه, وذلك أنه يجب عليه أن يتوضأ وهو من أهل الاستطاعة, ولكن العذر الطارئ وهو الضرورة كان مخالفاً لتلك القاعدة الأصلية, فوجب عليهم أن يحترزوا, فسماه النبي عليه الصلاة والسلام عياً وهو الجهل, وهذا مما ينبغي للإنسان أن يكون من أهل الدراية فيه؛ أن يدرك المواضع التي يجهل فيها الإنسان ذلك الأمر, وأن يحتاط، وأن يكل الأمر والعلم إلى عالمه.

    النظر إلى المآلات

    وكذلك ينبغي له أن ينظر إلى المآلات، فمن المستحبات ما تكون واجبة بسبب المآل الذي يطرأ عليها، وهذا في كثير من الوسائل, فإن الوسائل لها حكم المقاصد, وكذلك ربما تكون من الوسائل الفاسدة التي ينبغي للإنسان أن يحترز معه.

    ومن أظهر وجوه التدليس والتلبيس في زماننا الذي ينطلي على كثير من أهل العلم بحسن نية وقصد, أن يفتوا من أراد سوءاً في بعض مسائل الدين فيما يتعلق بالأموال أو العورات ونحو ذلك, فييسر لهم المسائل بسوق الخلاف, أو بالترخص في بعض المسائل ونحو ذلك, وهؤلاء ما أرادوا إلا ما هو أبعد من ذلك.

    ولهذا ينبغي للإنسان أن ينظر إلى الذين يسألون من جهة قيمة الدين عندهم, هل هم من أهل الاحتراز ونحو ذلك؟ فهل يقبل من أحدٍ -على سبيل المثال- يسأل عن مسألة من مسائل حجاب المرأة, فيسأل عن حكم تغطية المرأة لكفيها، وهو ممن لا يبالي بما هو أعظم من ذلك من إظهار المرأة لشعرها ووجهها وساقيها ونحو ذلك, فلا يمكن أن يجاب بجواب يختلف عن غيره, بل يقال: إنه ينبغي على المرأة ويتأكد في حقها, وقال جماعة من العلماء بوجوب ذلك, وأن تستر المرأة عورتها, وأن ينبغي أن يفرق بين العامة والخاصة من طلاب العلم، ويسوق لهم المسائل بحسب الغايات التي يريدون.

    فتحرير المسائل أمر مهم لطلاب العلم, وكذلك النظر لمن يتربص بالحق، ويريد ما هو أبعد من ذلك, أن يجاب بحسب المقصد والغاية التي يريدها, وليس هذا شقاً عن قلوب الناس, وإنما هو التماس, وإنما هو حكمة ودراية وعقل يلتمسها العالم بحسب خبرته ونظره في الناس, وهذا من الفراسة التي ينبغي أن يتحلى بها العالم, وهذا يتضمن أنه ينبغي للعالم أن يتصدر للناس, وأن يخالطهم على اختلاف أنواعهم وأجناسهم, فيخالط العامة ويخالط الخاصة, ويخالط الجهال, ويخالط المتعلمين, وأن يقضي حاجته بنفسه حتى يتلبس بأحوال الناس, فيسبر أحوالهم, وأن لا يتكل على غيره, وأن يكون في موضع عالٍ عنهم.

    ولهذا من كان على هذا النحو, يجهل أحوال الناس, فربما أفتى وهو يظن أنه أفتى بحق, وقد أفتى بما يجر للإسلام الشر.

    معرفة جهل الناس بالفتيا

    وينبغي أن يعلم العالم حال الفتيا بحسب جهل الناس فيها؛ فإذا كان الناس على سبيل المثال يجهلون مسألة من المسائل دقيقة, ولبس عليهم فيها وقلبت ونحو ذلك, فينبغي أن يبين أمرها بحسب الجهالة التي طرأت عليها, وأما ما كان من المسائل الظاهرة البينة لدى الناس, فينبغي أن يقلل فيها بحسب استقرارها في نفوس الناس, وظهورها وجلائها عندهم، وعدم ورود الجهالة والتلبيس فيها, وألا يلبس عليه وأن يقال: لماذا ترك فلان؟ أو ترك ذلك المفتي البيان والإجابة على المسألة الفلانية ولم يجب على المسألة الفلانية, فيقال: إن هذا مما لا ينبغي أن يميل معه المفتي والعالم, بل ينظر إلى قدر الجهالة التي سئل عنها, وألا يؤخذ من أهل الأهواء والزيغ بحسب ما يريدون.

    الامتناع من الفتيا مع ظهور الحق من جهة أخرى

    ومن الصور والمسائل المهمة في أبواب الفتوى أن المفتي والعالم إذا منع من الفتيا, على أي وجه كان، وظهر الحق من غيره أن يمتنع إذا كان ثمة مفسدة, وقد كان غير واحد من العلماء كالإمام أحمد عليه رحمة الله, لما كان الحق قد ظهر وبين في مسألة خلق القرآن وحكمها عند الله جل وعلا, وأفتى الناس بذلك, منع من الظهور للناس والفتيا, فامتنع لأن الحق قد ظهر وكتب فيه عليه رضوان الله تعالى ورحمته فتيا في ذلك, وتناقلها الناس، وعرف الناس رأيه.

    خروج المسائل عن قدرها الشرعي

    ولا ينبغي للعالم وكذلك المفتي أن يجعل من مسائل العلم ومسائل الفتيا تخرج عن قدرها الشرعي, فتنقلب عن بيان الحق إلى مسألة من مسائل العناد والمناكفة ونحو ذلك, فثمة قدر لا يدركه إلا أهل العلم والدراية, وألا ينساق العالم إلى قول الرعاع والجهال والغثاء من الناس، بل ينبغي أن يبين الحق بقدره, وأن يقدر الضرورات بقدرها, بما أمره الله جل وعلا, فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي يسأله، والعالم هو الذي يجيب, ولن يجيب أحد عن أحد, كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38], والله جل وعلا قد جعل الإنسان يجيب عن نفسه بين يديه، فينبغي أن يعد للسؤال جواباً من نفسه لا من غيره.

    تعامل المفتي مع مسائل الخلاف

    ومن المسائل المهمة: أن يقدر المفتي مسائل الخلاف, وألا يعنف ويبدع ويضلل ما وجد المخالف دليلاً محكماً وسلفاً من الأئمة السالفين من الصحابة والتابعين والعلية من أئمة الإسلام, وأن يفرق بين المسائل الشاذة والمسائل التي يسوغ فيها الخلاف, وألا يخلط هذا بهذا حتى لا يضل ويُضل, وكذلك حتى لا يمكن القول الباطل.

    وكذلك ينبغي له أن يفرق بين القائلين بمسائل الخلاف على سبيل الاعتراض وبين من يلتقط مسائل الخلاف, ويكون منها مسائل عامة للناس, أن يفرق بين هذا وهذا, وألا يناكف أولئك, ولو كانوا أخذوا عن مجتهدين أن يبين بغيهم في ذلك الباب, وهو الخلط والجمع بين هذه المسائل التلفيقية, وكذلك يفرق بين الفقه والدراية, الذين أخذوا المسألة والمسألتين, فإن هذا من المسائل اليسيرة التي ينبغي للإنسان أن يفرق بينها.

    التماس التيسير في مسائل الأفراد

    وينبغي للعالم فيما يتعلق في مسائل الأفراد أن يلتمس التيسير لهم قدر وسعه, خاصةً فيما يتعلق بمسائل الأموال والنكاح والطلاق ونحو ذلك, فإذا علم أن الذي يسأله في ضرورة وحاجة ونحو ذلك, وأن الفتيا التي يفتيه بها والرأي الذي يراه وإن كان راجحاً, هو فيه إضرار ينبغي أن يحيله إلى غيره ممن يأخذ بقولٍ يخالفه في ذلك.

    ولهذا الإمام أحمد عليه رحمه الله جاءه رجل فسأله عن طلاقه لامرأته فقال: تطلق, فلما وجده قد شد عليه قال ذلك الرجل: أترى لو ذهبت إلى فلان, وسألته وقال: زوجتي لا تطلق, قال: ماذا ترى؟ قال: لا تطلق, يعني: اذهب إليه واسأله, فإن أفتاك فلا تطلق زوجتك, فينبغي في هذا الأمر أن ييسر للناس فيما يتعلق في مسائل الأفراد وقضاياهم, فإن هذا من المسائل اليسيرة التي ينبغي للإنسان.

    الاحتياط في المسائل الظاهرة دون المسائل الخاصة

    وكذلك على المفتي أن يحتاط، فالاحتياط في المسائل الظاهرة يختلف عن المسائل الظاهرة العامة التي تعم مجموع الناس تتباين وتختلف عن المسائل الخاصة التي تتعلق بمسائل الأفراد, كمسائل البيوع وغيرها, وإحالة الإنسان إلى غيره لمصلحة فردٍ ونحو ذلك, ليس من كتمان العلم, بل من باب التيسير ودفع المشقة, فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا وتباينت أقوالهم, في جملة من مسائل الدين وفروعه.

    سعة صدر العالم

    وينبغي للعالم أن يكون صاحب سعة صدر فيمن خالفه في فتياه, وكذلك في قوله الذي يقول به، ما كان المخالف له دليل وأثر من كلام الله جل وعلا, وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأقوال الصحابة عليهم رضوان الله تعالى.

    وينبغي له في حال جهله أن يكل العلم إلى من تأمن البراءة به، وأن يحتاط ممن وقع في شيء من الشبهات ممن أثر على دينه وفتواه, ممن تلبس بشيءٍ من لبوس الهوى والزيغ وتتبع الأقوال الشاذة, والأقوال الفريدة والغرائب ونحو ذلك, فيبتعد عنها.

    الفتوى بالقول المرجوح

    وينبغي للمفتي أن يعلم أنه لا حرج عليه أن يفتي بالقول المرجوح, وما كان له أصل إذا كان ذلك مما تجتمع عليه كلمة الناس, وتتألف عليه قلوبهم, فقد كان جماعة من السلف الصالح يفتون بذلك جمعاً للكلمة, وكان الخلفاء الراشدون يأمرون بذلك، وقد كان عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى لا يخرج عن قول عمر في زمن عمر، فلما توفي عمر أظهر المسائل التي يخالف فيها عمر، جمعاً للكلمة وتأليفاً لجماعة الناس.

    حسن نية المفتي والعالم في فتواه

    وينبغي أن يعلم العالم وكذلك المفتي وطالب العلم, أنه في قوله وفتواه أن يستحضر جمع الكلمة, وأن يفرق بين المسائل التي يقع فيها الاضطراب وتشتت الرأي, واللغط ونحو ذلك, في مسائل فرعية يسيرة لا تؤثر, وبين مسائل مهمة ينبغي أن يحتاط فيها، وأن يفرق بين المسائل التي تؤخذ على سبيل الانفراد ونحو ذلك.

    وينبغي للعالم أن يفرق خاصة في زمننا بين اللغط المصطنع, والفتنة المصطنعة التي لا تمثل ميزاناً لأهل العلم والدراية، وبين اللغط والفتنة الحقيقية, وأن يفرق بين الصورة وكذلك الحقيقة, فنحن في زمنٍ قد عم فيه التدليس، ولبس الحق بالباطل, فكثير من وسائل الإعلام تلبس الحق بالباطل, وتثير فتناً ليست بفتن, وتبين باطلاً تلبسه بلبوس الحق وليس بحق, وتبين تارةً الحق على أنه باطل وليس بباطل، بل هو حق محض, وتثير مخالفين ومعاندين, فينبغي ألا يلتفت إلى ذلك ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلاً, وأن يبين الحق بالعلم والدراية والحكمة والعقل والرزانة، بعيداً عن قول أهل الأهواء والزيغ.

    احتراز المفتي في قوله

    وينبغي للعالم والمفتي أن يحترز في قوله، ويحتاط قدر وسعه حتى لا يتربص بقوله, فيضل من أراد الضلال، فربما سئل سؤالاً وأريد به غير هذا السؤال على سبيل الإلزام، أو أن يجر هذا الحكم على مسألة أخرى, فيفرق بين أهل الأهواء والزيغ, الذين يسألون العلم لا للعلم، وإنما يسألونه لأجل إثارة الفتنة واستدرار مسائل أخرى شاذة ونحوها, أو المسائل التي يسأل عنها العالم لمناكفة عالم آخر, فيريد أهل الأهواء مصادمة أهل العلم بعضهم ببعض، ولا يريدون من ذلك أن يزيلوا جهلاً, فينبغي للعالم أن يدرك أبعاد المسائل, وأن يدرك أيضاً محل تنزيلها، فإنه إن أدرك ذلك, وأخلص لله جل وعلا, وفقه الله سبحانه وتعالى.

    المراقبة والخوف من الله

    وينبغي للعالم أن يراقب الله جل وعلا, وأن يكون من أهل الخشية ومراقبه الله جل وعلا في قوله وفعله وتقريره.

    إتباع القول في الفتيا بالفعل

    وينبغي أن يعلم أيضاً أن العالم يفتي بفعله كما يفتي بقوله, فكما أنه يفتي بقوله فكذلك له فعلٌ ينبغي أن يتقي الله جل وعلا فيه, فكم من الناس من أهل العلم وطلاب العلم, ضل الناس بسبب أفعالهم مع كونهم يقولون الحق, ولكن ضل الناس لمخالفتهم لأقوالهم, فضعفت أقوالهم عن أن يستمسك بها العامة, وأن يتشبثوا بها؛ لأنهم أهل اضطراب وزيغ وانحراف وعدم رسوخٍ في موافقة القول والفعل, فإن من خالف فعله قوله, دل على عدم ثباته ويقينه، وحينئذٍ يضعف ذلك القول، ووجب عليه أن يتقي الله جل وعلا, فقول العالم وفعله يختلف عن قول غيره, فكلما كان أظهر للناس وأتبع, وكذلك أهيب في قلوب الناس, وجب عليه أن يحترز في القول والفعل, وأن يكون المستحب عليه واجباً, وأن يكون المباح عليه مكروهاً قدر وسعه وطاقته.

    وليس المراد من ذلك أن يشدد الإنسان على نفسه, فأمره من جهة الإباحة واسع، ولكن ما كان في زمن الفتن, فينبغي للعالم أن يحترز قدر وسعه وإمكانه, وأما في خاصة أمره وعند أهله ومن أمنه من الناس ونحو ذلك, فيختلف ذلك الأمر عن غيره, ولا ينبغي للإنسان أن يتوسع في المباح حتى لا يؤثر المباح على حكم غيره في أبواب الكراهة والاستحباب، وكذلك ما يتعلق في أبواب المحرمات والوجوب ونحو ذلك.

    الاحتراز من المؤثرات في الفتوى

    وينبغي للمفتي أن يحترز مما يؤثر في فتواه, من مخالطة أهل الدنيا من أهل المال والرئاسة ونحو ذلك, وما يقدم بين تلك الفتاوى من أعطيات وهبات, ومحامد ومدائح وقصائد ونحو ذلك, ألا يستزله ذلك وألا يؤثر عليه في الحق شيئاً, فينبغي ألا يجامل أحداً في دين الله سبحانه وتعالى, وأن يكون أقل الناس مداً ليده وحاجةً للناس, وأن يقضي حاجته بنفسه قلت أو عظمت, ما استطاع إلى ذلك سبيلاً, فإن هذا أسلم لدينه, فإن معه دين يختلف عن غيره.

    ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يتعامل بالبيع والشراء, إلا مع من كان يأمنه عليه الصلاة والسلام من أصحابه، وكان لا يتعامل عليه والصلاة والسلام مع الأبعدين, وربما عليه الصلاة والسلام, وهو من عصمه الله جل وعلا, فلا يتعامل إلا مع من لا يرجى ولاءه لشدة مفاصلته.

    ورسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث عائشة : ( مات ودرعه مرهونة عند يهودي ), وكثير من الناس ينظر إلى هذا الخبر ويسوقه مساق تقلل النبي عليه الصلاة والسلام من أمر الدنيا, ولكن ثمة مساق آخر، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام لماذا لم يلجأ إلى أهل المال والديانة من أصحابه ونحو ذلك, ومال إلى هذا, وتعامل مع هذا اليهودي؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد أن يحابى وأن يجامل عليه الصلاة والسلام في أمر الناس ودنياهم, ولما كان اليهود هم أهل مال ودقة في أمر حسابهم، ولا يجاملون أحداً, فإنهم من أهل حظوظ الدنيا, فيعظمون الدنيا أعظم من أمر الآخرة, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إنصافاً لنفسه وما حمله من رسالة, أن يتعامل معهم، ولا أن يكثر من التعامل مع غيرهم, مع كونه عليه الصلاة والسلام تعامل بالبيع والشراء على نحو الدقة والامتثال مع جملة أصحابه عليه الصلاة والسلام, وكذلك مع جملة ممن قرب منهم من أهل الديانة والكمال, كما تعامل مع عمر وأبي بكر وعبد الرحمن بن عوف وجابر بن عبد الله وغيرهم, ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يكن ممن يكثر في ذلك.

    الحذر من الاستدراج في الفتوى

    وينبغي للمفتي أن يحترز ممن يستفتي استدراجاً, ولديه علم, إما على سبيل الاختبار؛ يريد أن يختبر العالم هل لديه علم في هذه المسألة أم لا, وألا يجيبه في ذلك وأن يزجره، أو يقول: الله أعلم، أو يكله إلى عالمه ونحو ذلك.

    وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, كما روى الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاوية أنه قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأغلوطات), والأغلوطات يعني: أغلوطات المسائل, أي: أن يتغالط العالم والجاهل بمسألة من المسائل وهو لا يريد بذلك طلب حقٍ، فينبغي أن يفرق بين طالب الحق, وبين الذي يريد مماكسة ومماراة.

    عدم قبول المال على الفتوى

    وينبغي للعالم في فتواه ألا يقبل عليها مالاً بعد الفتوى, ولهذا كان أنبياء الله جل وعلا يقولون: لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [هود:29] وذلك أصفى للقلب وأبعد عن ميل القلب أن يميل إلى الدنيا، وأن يركن إليها يمنة ويسرة, فإن (القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء).

    سؤال المفتي عن أحوال أهل الآفاق

    وينبغي للعالم -وقد تقدم الإشارة إلى أصله- أن يسأل عن أحوال أهل الآفاق, وأن يقدر أحوال الأبعدين ممن يختلف عن غيرهم, فيما يتعلق في مسائلهم وأحوالهم في معيشتهم, وأن يقر كثيراً من الناس على عاداتهم ما لم تخدش أو تخالف أمراً من أوامر الله سبحانه وتعالى.

    معرفة مراتب مسائل العلم

    وينبغي للعالم أن يعرف مراتب مسائل العلم، فيفرق بين المهمات والمسائل الأهم منها, ويفرق بين مسائل الشر، فربما يفتى الإنسان بمكروه لوقوعه في محرم، ويفتى بجواز مكروه لوقوعه في محرم، وربما يفتى بترك الواجب؛ لأن ذلك الواجب يفضي إلى موبقة، فيكون ذلك من جملة الضرورات التي يترخص فيها العالم.

    أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم ممن يهتدي بهدي نبيه عليه الصلاة والسلام, وأن يستن بسنته, وأسأله جل وعلا أن يسلك بي وبكم منهجاً قويماً وصراطاً مستقيماً, إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    1.   

    الأسئلة

    المقصود بالخاصة

    السؤال: ما المقصود بقولكم الخاصة؟

    الجواب: الخاصة هم أهل العلم وطلابه، وأهل الدراية فيه, وأهل الإدراك, أما العامة فهم أهل الجهل، والذين فيهم بساطة في القول ونحو ذلك, فينبغي للإنسان أن يتعامل معهم على قدر يختلف عن غيره, وهذا كما أنه في العلم والفتيا, كذلك في مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ولذلك الأعرابي الذي بال في المسجد, وزجره الناس, ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام؟ زجر من زجره، وقال: (لا تزرموه)، وكذلك الرجل الذي بصق في القبلة ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام؟ احمر وجهه, وغضب عليه الصلاة والسلام, وقال: ( إن الله تلقاء وجهه )، وهذا مع كون الفرق بين البول والبزاق معلوم وظاهر، ولكن كون ذلك الذي بال في المسجد جاهل، وجهله في ذلك مركب, والحكمة من اللين معه كان ثمة فرق، والذي بزق في المسجد من الصحابة وإن جهل هذه المسألة لكنه من الخاصة, فينبغي أن يشدد فيه, وأن يعتب عليه مثل هذه الزلة, وقد يكون من العامة من يسأل سؤالاً ويكون ذلك السؤال يسيراً، أو سؤال ينم عن جهل وحمق ونحو ذلك, فينبغي للعالم أن يتبسط معه, وأن يلين وألا يضحك على سؤاله.

    والنبي عليه الصلاة والسلام سئل جملة من الأسئلة المضحكة، وكان عليه الصلاة والسلام يزجر من ضحك، وقد جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر : ( أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويظهر أنه كان خياطاً فقال: يا رسول الله! ثياب أهل الجنة تخلق خلقاً أو تنسج نسجاً, فضحك الصحابة عليهم رضوان الله تعالى, فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أتضحكون من جاهل يسأل عالماً؟! فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنها تخرج من ثمر الجنة ), وقد يكون هذا السائل خياطاً يريد أنه يمارس المهنة في الجنة, وهذا محتمل، قد تسأل هذا السؤال, وقد سئل النبي عليه الصلاة والسلام نحو هذا السؤال, فجاءه رجل فقال: ( يا رسول الله! إني أحب الإبل، أفي الجنة إبل؟! )، يعني: كأنه يساوم, يريد أن يبايع، لكن بشرط أن يكون في الجنة إبل تحلب وتركب, يعني: كأن الجنة في مفهوم هذا السؤال ليس لها قيمة في نظره، ولكن لما كانت عقول الناس تتباين كان النبي عليه الصلاة والسلام يعامل كل سائل بحسبه, ويقول عليه الصلاة والسلام: ( إن دخلت الجنة فلك ما شئت منها ), وجاءه آخر وقال: ( يا رسول الله! إني أحب الخيل, أفي الجنة خيل؟! فيقول له النبي عليه الصلاة والسلام: إن شئت كنت على خيل من ياقوتة حمراء، تطوف بك الجنة كيفما شئت ).

    ولهذا ينبغي للعالم والمفتي ألا يستصغر وأن يحتقر سؤال سائلٍ ما وجد جواباً له, وينبغي ألا يوبخه عند غيره, وألا يوبخه على سؤاله, وطبعاً يتباين في هذا في مسائل طلاب العلم الذي ينبغي منهم أن يكون السؤال عن معرفة ودراية، فيسألون مسائل لا ينبغي, وتبين لهم؛ لأن التأديب لا يمكن أن يكون إلا ببيان موضع الخطأ, وإلا فالأصل في ذلك هو اللين والرفق والرأفة والرحمة بالناس, كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يرأف ويرحم من كان معه ممن يسأله عن جهل أو عن علم.

    تخير السائل بين فتاوى العلماء

    السؤال: هل للعامي أن يتخير بين فتاوى العلماء؟ وما الضابط في اختيار الفتوى؟

    الجواب: العامي لا حرج عليه أن يأخذ بفتوى من يثق بدينه، لكن ليس على سبيل الانتقاء، فيكون على سبيل المثال لديه محل تجاري، ويسأل عن التورق, وعن بعض صور الربا في الثمار, وبعض العقود, وينشئ قائمة من يقول بالجواز، ومن يقول بالجواز، ثم يضع الأمر أمامه هل يجوز هذا؟ هذا لا يجوز، هذا تتبع للرخص وتلفيق في الدين, ولكن إذا كان يثق بقول فلان فيقول: أنا أثق بقول فلان من الناس، ويأخذ بقوله على سبيل الاطراد، ولكن في مسألة من المسائل خرج عن قوله وقال بقول فلان, نقول: لا حرج في ذلك ما لم يكن ثمة ديدن في اقتناص الفتاوى بحسب الهوى.