إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الطهارة [5]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المعلة حديث: (ما ألقى البحر أو جزر عنه ميتاً فكلوه وما طفا عليه ميتاً فهو حرام) ، وحديث: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)، وحديث: (ستر ما بين عورات بني آدم وأعين الجن قول: باسم الله). ومما ينبغي لطالب العلم مراعاة تركيب الإسناد، فقد يكون الراوي مشهوراً بالرواية عن شيخ لكنه أحياناً يذكر واسطة لم يشتهر بالرواية عنها. وعليه أيضاً أن يراعي أموراً عند الحكم على رواية المدلس منها: معرفة نوع التدليس، وأن المدلس أحياناً لا يدلس إلا عن أناس محدودين، ومن اشتهر بكثرة الرواية من المقل ونحو ذلك.

    1.   

    حديث: (ما ألقى البحر أو جزر عنه ميتاً فكلوه وما طفا عليه ميتاً فهو حرام)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فنتكلم في هذا اليوم على جملة من الأحاديث المعلة في أبواب الطهارة.

    الحديث الأول: حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ما ألقى البحر أو جزر عنه ميتاً فكلوه، وما طفا عليه ميتاً فهو حرام ).

    هذا الحديث رواه أبو داود و ابن ماجه في كتابه السنن من حديث يحيى بن سليم الطائفي عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد اختلف في رفعه ووقفه، وقد تفرد بروايته على هذا الوجه يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ، و إسماعيل بن أمية مع كونه ثقة إلا أنه قد خولف في هذا، فرواه جماعة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله موقوفاً عليه، فرواه سفيان الثوري و ابن جريج و زهير و عبيد الله بن عمر و أيوب و حماد بن سلمة كلهم عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله موقوفاً عليه وهو أصح.

    وقد اختلف فيه على سفيان الثوري بين الوقف والرفع, فرواه وكيع و عبد الرزاق و عبد الله بن وليد العدني و مؤمل و أبو عاصم كلهم عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله موقوفاً.

    ورواه أبو أحمد الزبيري عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله مرفوعاً وهو وهم وغلط، والصواب في ذلك أنه موقوف على جابر بن عبد الله .

    وقد جاء من وجوه أخرى أيضاً لا تصح مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد رواه ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله مرفوعاً، وهذا الإسناد مع كون ظاهره الحُسْن إلا أن البخاري عليه رحمة الله تعالى قد أعله، كما نقل ذلك الترمذي في كتابه العلل أن البخاري عليه رحمة الله قال: إني لا أعرف لـابن أبي ذئب عن أبي الزبير حديثاً، والمراد من ذلك أن ابن أبي ذئب في روايته عن جابر بن عبد الله لا يروي بواسطة أبي الزبير , وإنما بواسطة غيره، فإنه يروي عن شرحبيل بن سعد عن جابر بن عبد الله , ويروي عن المقبري عن جابر بن عبد الله , ويروي عن المقبري عن القعقاع عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتارة موقوفاً.

    أهمية معرفة التركيب في الإسناد عند الحكم على الحديث

    وهذا الإعلال من البخاري عليه رحمة الله لرواية ابن أبي ذئب عن أبي الزبير هو إعلال مهم لطالب العلم أن يتوقف عنده، والمراد من هذا أن طالب العلم لا ينبغي له أن ينظر إلى ذات الرواة ورسومهم، وإنما ينظر إلى تراكيب الإسناد وإن كان ظاهر الإسناد الصحة، فإننا إذا نظرنا إلى رواية ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله نجد أن ظاهرها الحسن والصحة والجودة، ولكن إذا نظرنا إلى هذا التركيب نجد أن ابن أبي ذئب مع كونه له أحاديث عن جابر بن عبد الله إلا أنه لا تعرف له رواية عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ، وهذا مرده إلى السبر؛ وأنه ينبغي لطالب العلم أن يسبر أحاديث الرواة، فيكون سابراً مثلاً لأحاديث جابر بن عبد الله ، وسابراً أيضاً لأحاديث أصحابه، فما خرج عن تلك القاعدة من رواية المشهورين فإنه لا ينبغي قبوله مع ظهور التوثيق فيه.

    والعلة في رواية ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله يظهر أنها فيمن دون ابن أبي ذئب ، فإن ابن أبي ذئب مع كونه ثقة، وروايته عن أبي الزبير , و أبو الزبير أيضاً ثقة ويروي عن جابر بن عبد الله ؛ فالوهم حينئذ من غيرهم, فكان هذا الإسناد مركباً.

    وبه نعلم أن معرفة الأسانيد المركبة والمقلوبة حيث أبدل راو براو أنه لا يمكن أن يتحقق للإنسان إلا بإدامة نظر, وضبط للأسانيد, ومعرفة للشيوخ والتلاميذ، فإذا نظرنا في ترجمة ابن أبي ذئب فإننا لا نجد أنهم يذكرون من شيوخه أبا الزبير ، وكذلك حينما يترجمون لـمحمد بن مسلم بن تدرس وهو: أبو الزبير لا يذكرون من تلامذته ابن أبي ذئب ، وبهذا نعلم أن هذا من القرائن التي تدل على نكارة هذا الطريق.

    وبه نعلم أيضاً أن هذا الطريق الذي يروى به مرفوعاً أنه منكر، والحمل في ذلك على الحسين بن يزيد , فإنه قد تفرد بهذه الرواية، وهو مضعف ولين الحديث.

    وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر من حديث يحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصح، والصواب في هذا الوقف.

    وهل هذا الوقف صحيح ويقال به؟

    أولاً: يقال بالنسبة لرفعه فإنه منكر ولا يصح؛ وذلك لما تقدم من الترجيح في أبواب الإسناد.

    ثانياً: لما ثبت في ظاهر كلام الله جل وعلا، وظواهر النصوص من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عليه عمل الصحابة أن ميتة البحر حلال بالإطلاق، سواء ما طفى عليه ميتاً أو ما قذفه البحر.

    وهذا الحديث حديث جابر بن عبد الله يفرق بين الحالين، أن ما قذف به البحر بأمواجه إلى الشاطئ ومات على ذلك ووجد ميتاً، وما جزر عنه البحر، بمعنى: أنه كان على سطحه ثم جزر عنه البحر وبقي على أطرافه فهذا حلال، وأما ما طفى عليه ميتاً فهذا حرام، وهذا التفريق لا دليل عليه، والأصل في ميتة البحر أنها حلال، وجاء النص في ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحليل ميتة البحر الطافية, فجاء عن أبي بكر الصديق و عمر بن الخطاب و أبي هريرة و أبي أيوب و عبد الله بن عباس و عبد الله بن عمر , وجاء أيضاً عن جماعة من فقهاء البلدان، فروي هذا عن سعيد بن المسيب , و عطاء بن أبي رباح , و مكحول و قتادة و إبراهيم النخعي ، وجماعة من فقهاء الكوفة وغيرهم، وكذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث جابر بن عبد الله نفسه, -وهذا أيضاً من وجوه الإعلال- من الإطلاق في حلية ميتة البحر على سبيل العموم، وهذه القرائن التي دلت على نكارة هذا الحديث مرفوعاً.

    لكن هل تدل على نكارته موقوفاً أم لا؟

    بعض العلماء يميل إلى نكارته موقوفاً أيضاً, باعتبار أن ما عليه عمل الصحابة وظواهر الأدلة يخالف ذلك، وأنه يبعد على جابر بن عبد الله أن يفتي بمثل هذا القول، ويقال: إن إعلال الحديث مرفوعاً لا إشكال فيه، وأما بالنسبة للوقف فالإعلال فيه نظر، وذلك أن الأسانيد في ذلك صحيحة، فإنه قد رواه جماعة عن أبي الزبير , فرواه أيوب و ابن جريج و زهير و سفيان الثوري و حماد بن سلمة كلهم عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله موقوفاً عليه، وقد صحح الوقف غير واحد من الأئمة ورجحه على الرفع، واحتمال ضعف الموقوف فيه نظر؛ وذلك أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يجتهدون في أبواب التصحيح وفي أبواب الأحكام؛ ففي أبواب الحلال والحرام لهم اجتهادات في ذلك يخالف بعضهم بعضاً، فالإعلال بمجرد ذلك فيه ما فيه، وأما كون ذلك ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصح عنه فإنه بحاجة إلى نقله بما هو أصلح وأقوى من هذه الطريق، خاصة لثبوت العموم في كلام الله جل وعلا بحل ميتة البحر، وكذلك ما جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما تقدم معنا في حديث أبي هريرة : ( هو الطهور ماؤه، الحل ميتته )، وما جاء في حديث عبد الله بن عمر : ( أحلت لنا ميتتان ودمان )، وغير ذلك من الأحاديث.

    تفرد الراوي عن شيخه برواية حديث في مسائل الأصول دون غيره من مشاهير زملائه

    ومن قرائن التعليل التي يستفاد منها في الكلام على هذا الخبر، النفس الذي ظهر من كلام البخاري بإعلاله لهذا الحديث أنه قال: بتركيب طريق ابن أبي ذئب عن أبي الزبير ، وهذا حينما يقف عليه، وقد وقف عليه بعض المتأخرين وحكم عليه بالصحة، باعتبار أن ابن أبي ذئب قد تابع إسماعيل بن أمية في روايته عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ، وقال: هذه المتابعة قوية وتكون حينئذ صحيحة، وهذا فيه نظر فإن تراكيب الإسناد مردها إلى معرفة الأخذ، فــأبو الزبير له أحاديث كثيرة عن جابر بن عبد الله ، وهذه الأحاديث التي يرويها أبو الزبير عن جابر بن عبد الله أخذها عنه أصحابه، وثمة من أصحابه من هو مشهور بالأخذ عنه، وممن أخذ عنه شعبة بن الحجاج وجماعة، وأمثال هذه الرواية التي تروى بمثل هذا الأصل الذي جاء النص فيه في كلام الله جل وعلا وتفرد به من هو دونه دليل على النكارة ولو لم يركب الإسناد؛ لأنه بحاجة إلى ما هو أقوى من ذلك.

    ولهذا ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يتكلم على حديث من الأحاديث ووجد متابعات أن ينظر في الشيوخ والتلاميذ، وأن ينظر في بلدان المحدثين وأصحابهم، وأن ينظر في عدد الأحاديث التي رواها، فإذا نظرنا في رواية ابن أبي ذئب عن أبي الزبير فإننا لا نجد له أحاديث إلا هذا الحديث, وهذا من علامات النكارة التي يرد بها الحديث.

    1.   

    حديث: (كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك)

    الحديث الثاني: حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك ).

    هذا الحديث رواه أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجه ، و الدارمي و ابن خزيمة و ابن حبان و الحاكم وجماعة من حديث إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي عن يوسف بن أبي بردة عن أبيه أبو بردة بن عبد الله بن قيس عن عائشة عليها رضوان الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث قد تفرد بروايته إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة ، و يوسف بن أبي بردة لا تعرف حاله وهو من المستورين، وهذا الحديث قد جاء من هذا الوجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ بقوله: ( غفرانك ).

    قد جاء عند ابن خزيمة في بعض النسخ: ( غفرانك ربنا وإليك المصير )، وجاء في نسخة: ( غفرانك وإليك المصير )، وهذه الزيادة زيادة منكرة، قد أنكرها غير واحد من الأئمة كالإمام البيهقي عليه رحمة الله تعالى كما في كتابه السنن، وقال: لعله زادها بعض أصحابه، أو بعض النساخ فزادها فيه؛ وذلك لعدم ورودها في مجموع المصنفات والطرق التي جاءت في الحديث عن إسرائيل عن يوسف بهذا, فلم تأتي من وجه من الوجوه.

    قد جاءت في بعض النسخ كما ذكر البيهقي وغيره كـابن الملقن أنه قد جاء هذا الحديث في بعض النسخ الصحيحة، ولم تذكر هذه الزيادة مما يدل على اطراحها وعدم صحتها.

    وهذا الحديث قد تفرد به يوسف بن أبي بردة عن أبيه عن عائشة , وهو كما قال أبو حاتم : أصح شيئاً جاء في هذا الباب، والتفرد في ذلك قد نص عليه الترمذي و البزار و الدارقطني و الطبراني وغيرهم.

    وأما قول أبو حاتم عليه رحمة الله: أنه أصح شيء جاء في هذا الباب، فيظهر من كلامه أنه يعل ما جاء في هذا الباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: في أبواب الدعاء عند الخروج من الخلاء، لا عند الدخول، فإن حديث الدخول في الصحيحين من حديث أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أعوذ بالله من الخبث والخبائث )، ومراده بذلك عند الخروج.

    والغرابة في هذا الحديث في قول بعض الأئمة كـالبزار والترمذي وغيرهم: أنه لا يعرف إلا من حديث يوسف بن أبي بردة عن أبيه عن عائشة عليها رضوان الله تعالى، فيقال: إن مرادهم بذلك أنه لا يعرف من وجه يحتمل ويثبت، وإلا فقد جاء من وجه آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير حديث عائشة ، فقد رواه ابن عدي في كتابه الكامل من حديث علباء بن أحمر و عبد الله بن بريدة عن أبيه، و علباء بن أحمر يرويه عن علي بن أبي طالب ، و عبد الله بن بريدة يرويه عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا الخبر منكر؛ فقد تفرد به حفص ، كما ذكر ذلك ابن عدي في كتابه الكامل، ولا يصح هذا الحديث إلا من حديث عائشة .

    وأما العلة التي أعله بها بعض العلماء فإن هذا الحديث قد أعله بعض الحفاظ كـابن الجوزي في كتابه العلل المتناهية، فإنه أورد هذه الخبر في كتابه الموضوعات، وكذلك ذكره الدارقطني عليه رحمة الله في كتابه الأفراد والغرائب, وقال: إنه قد تفرد به يوسف بن أبي بردة عن أبيه عن عائشة وهو معل له بذلك.

    وقد أعله أيضاً في ظاهر سياقه الذهبي عليه رحمة الله في كتابه ميزان الاعتدال، فإنه أورد هذا الحديث في ترجمة يوسف بن أبي بردة عن أبيه عن عائشة عليها رضوان الله تعالى.

    بعض قرائن قبول حديث: (كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك)

    وهذا الحديث قد احتمله بعض الأئمة ولم يعله جماعة منهم ممن تكلم عليه، وإنما استعملوا عبارة أخرى وهي قولهم: أصح شيء في الباب، كما جاء عن أبي حاتم كما نقل عنه ابن أبي حاتم في كتابه العلل قوله: أصح شيء في الباب، مع كون الحديث في هذه العلة وتفرد يوسف وهو مستور إشارة إلى احتمال قبوله، واحتمال القبول جاء من وجه وهو أن يوسف بن أبي بردة مع كونه مستوراً فإنه يروي عن أبيه، ورواية المستور عن أبيه الثقة، وأبوه هو ابن أبي موسى الأشعري ، و ابن أبي موسى معروف وهو من الأئمة الثقات، يروي عن أبيه وعن عائشة عليها رضوان الله تعالى، ويروي أيضاً عن جماعة، فرواية المستور عن أبيه وهو أدرى بأبيه وإن كان مستوراً, فإذا أمنا نكارة المتن، وكذلك عرفنا القربى بين الراوي المستور وشيخه فإن هذا من قرائن القبول.

    كذلك فإن الذي تفرد بروايته عنه إسرائيل وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي هو من الثقات النبلاء, وهو من رجال الصحيحين، وقد رواه عن إسرائيل بن يونس جماعة من الثقات، وعنه اشتهر واستفاض.

    فلهذا يقال: بأن هذا الحديث محتمل التحسين ولا بأس به، ومن أعله فإعلاله فيه نظر؛ وذلك لما تقدمت الإشارة إليه.

    الأمر الثاني: أن هذا الحديث لم يرو في بابه ما هو أقوى منه كحال الدخول، ولو ورد في الباب ما هو أقوى منه لملنا إلى إعلاله.

    وقول أبي حاتم عليه رحمة الله: أصح شيء في الباب، إشارة إلى أنه ما جاء في الباب ما هو أصح منه فيعل، ولو ورد في الباب ما هو أقوى منه بإسناد أظهر قوة لدعانا إلى إعلاله، ولما كان كذلك لم يرد في الباب إلا هو فاحتمل.

    الأمر الثالث: أن هذا الحديث في أبواب الأدعية والأذكار, وهو من أدنى مراتبها لا من أعلاها، وذلك أن الأذكار التي يراد منها حمد لله سبحانه وتعالى، ويراد منها حرز، والحرز يكون قبل مباشرة الحدث، يعني: قبل دخول الإنسان إلى الخلاء، ولهذا الدخول إلى الخلاء جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك بأسانيد كالشمس، وأما حديث الخروج لكونه متضمناً لحمد الله سبحانه وتعالى على نعمته فكان دون الدخول مرتبة, فحمل من هو دون ذلك، والرواة الكبار في روايات الأدعية والأذكار يهتمون بضبط الأحاديث التي فيها حرز في بابها، وأما ما كانت من جملة مطلق الأدعية والأذكار التي لا تتضمن حرزاً وإنما من الأذكار التي يثاب عليها الإنسان من حمد الله سبحانه وتعالى وتسبيحه وغير ذلك، فإن هذا يرويه الواحد منهم ويدعه الجماعة، وهذا ظاهر في هذا الحديث.

    وأيضاً فإن ذلك دلت عليه الأصول العامة وهو أن الإنسان إذا أزال الله جل وعلا عنه الأذى فإنه يحمد الله سبحانه وتعالى على ما أنعم عليه من زوال ذلك.

    واختلف تعليل العلماء في سبب سؤال الله الغفران في علل مختلفة متباينة، ولا يظهر لي رجحان شيء منها.

    وهذا يؤخذ منه أن الراوي المجهول لا يعل بإطلاق, وإنما يحتمل قبول روايته في بعض الأحيان، بالنظر إلى جملة القرائن المحتفة ببعض المتون، وكذلك النظر إلى شيوخه؛ فإذا كان مجهولاً يروي عن أبيه أو عن أمه، أو كان من النساء، أو أبوه أو جده ونحو ذلك, أو من بيت صحبة ونحو ذلك فإن ثمة وازعاً من الطبع يبعده عن الخلط المتعمد، أو عدم العناية بضبط المرويات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن يوسف بن أبي بردة يروي عن أبيه وجده أبي موسى الأشعري عليه رضوان الله تعالى، و أبو بردة هو من أجل التابعين وخيارهم وفضلائهم، وكذلك فإن روية الثقة عنه وهو إسرائيل مع تفرده بهذا الحديث وإخراج الأئمة لهذا الحديث في هذا الباب من قرائن قبوله.

    1.   

    حديث: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)

    وأما الأحاديث التي جاءت في هذا الباب التي أشار إليها أبو حاتم عليه رحمة الله تعالى بقوله: أصح شيء جاء في هذا الباب، فهي إشارة إلى أن ثمة أحاديث قد جاءت في هذا الباب وهي دونه مرتبة, وذلك ما جاء في حديث أبي ذر و أنس بن مالك , و حذيفة بن اليمان عليهم رضوان الله تعالى، وذلك في قوله: ( الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني )، وهذا الحديث -هو الحديث الثالث- قد رواه ابن ماجه في كتابه السنن من حديث إسماعيل بن مسلم عن الحسن و قتادة عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد جاء من حديث أبي ذر , وجاء أيضاً موقوفاً على أبي ذر , وموقوفاً على حذيفة بن اليمان , وجاء مرفوعاً وموقوفاً من حديث عبد الله بن عباس.

    وحديث أنس بن مالك قد تفرد به إسماعيل من هذا الوجه، وحديثه في ذلك ضعيف.

    وقد جاء من حديث عبد الله بن عباس كما رواه الدارقطني في كتابه العلل من حديث زمعة عن سلمة بن وهرام عن طاوس عن عبد الله بن عباس , فيرويه زمعة عن سلمة بن وهرام عن طاوس عن عبد الله بن عباس , وجاء على وجهين:

    فجاء من قول طاوس بن كيسان , وجاء من حديث عبد الله بن عباس ، والصواب في ذلك أنه من قول طاوس بن كيسان لا من حديث عبد الله بن عباس , كما رجح ذلك الدارقطني .

    وقد جاء أيضاً عند ابن أبي شيبة ورواه الدارقطني في كتابه السنن من حديث شعبة بن الحجاج عن منصور بن المعتمر عن أبي الفيض عن ابن أبي حثمة عن أبي ذر مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خالف شعبة سفيان الثوري في روايته لهذا الحديث، فرواه عن منصور عن رجل عن أبي علي عبيد بن علي عن أبي ذر ، ورواه سفيان الثوري عن منصور عن أبي عبيد علي بن عبيد عن أبي ذر موقوفاً عليه، وصوب الوقف ورواية سفيان الثوري جماعة من الحفاظ؛ كـأبي زرعة والدارقطني , وذهب بعض العلماء إلى أن شعبة بن الحجاج قد وهم في رواية هذا الحديث في اسم أبي الفيض ، والصواب أن الكنية التي يتكنى بها هي أبو علي عبيد بن علي عن أبي ذر، والصواب في ذلك أيضاً الوقف، وجاء بالحديث على وجهه سفيان الثوري فقال: يرويه منصور وتارة يقال: عن رجل، وتارة يقال: منصور عن أبي علي عبيد بن علي عن أبي ذر موقفاً، وقال أبو زرعة : إن شعبة وهم في اسم الراوي، وضبطه سفيان الثوري , وقال: إن وهْم شعبة في أسماء الرجال كثير, و شعبة بن الحجاج مع جلالة قدره فإنه ربما يهم في أسماء الرجال.

    والأئمة عليهم رحمة الله في ذكرهم هذا عن شعبة بن الحجاج الوهم في أسماء الرواة كـأبي حاتم والبيهقي , والإمام أحمد إشارة إلى شدة ضبط هذا الإمام، وأنه مع شدة ضبطه الوهم الذي يرد عنه مقارنة بالمتون فإنه يهم في الأسانيد ولا يكاد يهم في المتون، وإذا أردنا أن نقارن وهم شعبة بن الحجاج في أبواب الأسانيد مع وهم الثقات المتوسطين لوجدنا أن أوهام شعبة بن الحجاج عنده لا تذكر، وإنما يريدون من ذلك أمرين:

    الأمر الأول: أنه عند المخالفة، إذا خالفه من هو أجل منه في أبواب ضبط الأسانيد كـسفيان الثوري فإن سفيان الثوري يقدم، ومع جلالة سفيان الثوري في هذا الباب فإن أبا حاتم قد توقف في هذا، قال: ولا أدري أيهما الصواب، يعني: لا شعبة ولا سفيان لجلالة هذين الإمامين، وعند التضاد فإنه إذا كان في جلالة شعبة أو من هو فوقه أو قريناً له فإنه يقدم عليه عند اختلاف أسماء الرواة، فإنه ربما وهم شعبة في هذا، وبعض العلماء قد جمع الأوهام التي وهم شعبة فيها في أسماء الرواة.

    الأمر الثاني: أن الاختلاف في أبواب الأسانيد ينبغي ألا يصرف إلى اختلاف الذات، فإننا إذا نظرنا إلى هذا الإسناد فإنه يروى من حديث منصور عن أبي الفيض ، وتارة يقال: عن أبي علي , فالكنية هنا متباينة، والوهم في ذلك محتمل من أحد الرواة، ولهذا إذا وجد الإسناد مغايراً في الرجل فينظر إلى ذات الراوي الذي يروي ذلك الإسناد، هل هو ممن يوصف بأنه يغلط في أسماء الرواة أم لا؟ حتى لا يقال: إن فيه راوياً مجهولاً تابعه راو آخر ونحو ذلك، وهذا ينظر فيه في تراجم الرواة, ومن تكلم على أبواب الأسانيد من الأئمة.

    وجاء هذا الحديث أيضاً من حديث جويبر عن الضحاك عن حذيفة بن اليمان موقوفاً عليه, كما رواه ابن أبي شيبة في كتابه السنن، وهذا الحديث ضعيف بجميع طرقه.

    وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض المراسيل كما جاء ذلك من حديث إبراهيم التيمي, ولا يصح منها شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حديث علي: (ستر ما بين عورات بني آدم وأعين الجن قول: باسم الله)

    الحديث الرابع: في هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ستر ما بين عورات بني آدم وأعين الجن قول: باسم الله ).

    وهذا الحديث قد رواه الترمذي وغيره من حديث أبي إسحاق عن أبي جحيفة عن علي بن أبي طالب، وقد تفرد به شيخ الترمذي محمد بن حميد الرازي وهو مضعف.

    وهذا الحديث قد نسبه بعضهم إلى الإمام أحمد في مسنده وليس في المسند المطبوع، وقد رواه كذلك أيضاً ابن ماجه في كتابه السنن.

    وهذا الحديث حديث علي بن أبي طالب معلول بـمحمد بن حميد , وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أنس بن مالك و أبي سعيد الخدري , فحديث أنس بن مالك رواه ابن عدي و الطبراني من حديث الأعمش عن زيد العمي عن أنس بن مالك ، وجاء أيضاً من حديث جابر بن عبد الله رواه ابن منيع في كتابه المسند من حديث زيد العمي عن جعفر العبدي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزيد العمي ضعيف, وقد وهم فتارة يجعله من مسند أنس بن مالك ، وتارة يجعله من مسند أبي سعيد الخدري وكلها وهم وغلط.

    وبعض من تكلم على هذا الحديث جعل حديث أبي سعيد الخدري شاهداً لحديث أنس بن مالك وهذا وهم وغلط.

    وقد جاء هذا الحديث مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء أيضاً موقوفاً على بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا يصح من هذه الطرق شيء.

    علل حديث علي: (ستر ما بين عورات بني آدم وأعين الجن قول: باسم الله)

    وأُعل حديث علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى هذا بعلل:

    منها: أنه تفرد به محمد بن حميد الرازي وهو شيخ الترمذي .

    العلة الثانية: أن أبا إسحاق قد روى هذا الحديث ولم يصرح بسماعه، و أبو إسحاق مع كونه مدلساً إلا أنه من الثقات، وقد أخرج له البخاري و مسلم , وانتقيا من حديثه ما يحدث به خاصة أصحابه؛ كـشعبة بن الحجاج و سفيان الثوري و إسرائيل بن أبي إسحاق وهو حفيده، أبو إسحاق السبيعي رجل أعمى وكان شيخاً كبيراً، وأوثق الناس بـأبي إسحاق هو حفيده إسرائيل ، وإنما كان أوثق الناس بروايته عن أبي إسحاق لأن أبا إسحاق كان له قائد، وقائده هو حفيده إسرائيل ، وهو الذي يأتي به إلى الصلوات الخمس ذهاباً ومجيئاً، و البخاري يقدم إسرائيل على رواية شعبة و سفيان ، ونجد أن الحديث إذا رواه إسرائيل عن أبي إسحاق ومعه شعبة و سفيان فإنه يقدم رواية إسرائيل على رواية شعبة بن الحجاج ؛ وذلك للخصيصة التي اختص بها، وذلك من وجهين:

    الوجه الأول: أنه حفيد له، وأنه من أهل بيته.

    الوجه الثاني: أنه قائد له، ولو كان قائداً له وليس من أهل بيته لكان هذا من الخصائص التي اختص بها غيره، فإنه يحضر سماع الآخرين، وله سماع خاص بذهابه ومجيئه، فربما سمع ما لم يسمعه الآخرون. وعند التضاد في الروايات سواء ما يتعلق بتغير الطرق والزيادة والنقصان وكذلك المتون فإن إسرائيل يقدم على غيره. كذلك في أبواب الوصل والإرسال.

    ما ينبغي لطالب العلم التركيز عليه عند النظر في تراجم الرواة

    وهذا يدلنا إلى قاعدة مهمة، تقدمت الإشارة إلى أصلها، وهي أن طالب العلم إذا وقف على إسناد من الأسانيد فإنه لا ينبغي له أن يكتفي بالنظر إلى ترجمة الراوي مجرداً، وإنما ينظر إلى ترجمة الراوي وعلاقته بالمروي عنه، فهذا قدر زائد عن ترجمته، وألا يكتفي بأبواب توثيق الراوي المطلقة فربما زاد بخصيصة عن غيره، فنحن إذا نظرنا إلى إسرائيل في ترجمته الخاصة لوجدنا أن ألفاظ التعديل لـشعبة بن الحجاج و سفيان فوق إسرائيل ، فإذا أخذنا هذه الألفاظ وقارناها بألفاظ التعديل لـإسرائيل قدمنا هؤلاء على إسرائيل بالإطلاق، وهذا فيه نظر، بل نقول: إنه ينبغي أن ينظر إلى ألفاظ التوثيق بذاته، وأن ينظر إلى ألفاظ التوثيق والتعديل في خصيصة هذا التلميذ بشيخه، وهذا باب واسع يفيد طالب العلم في أبواب الترجيح، وفي أبواب صيغ السماع.

    الأمور التي ينبغي مراعاتها عند الحكم على رواية المدلس

    وأما ما يتعلق بصيغ السماع التي يذكرها العلماء عند معرفة الراوي هل سمع من شيخه أو لم يسمع وأنه إذا لم يصرح بالسماع فإنه يرد، فنقول: إنه ينبغي لطالب العلم في أبواب التدليس ألا يعل حديث المدلس بمجرد وصفه بالتدليس، وإنما لا بد من النظر إلى أحواله في رواية الراوي، فالراوي إذا كان مدلساً فلا بد من النظر إلى أمور:

    الأمر الأول: أن يُنظر إلى نوع التدليس فيه، فإذا كان الراوي قد وصف بتدليس الشيوخ، أو بتدليس التسوية ونحو ذلك، فإنه ربما لا يشترط الإلزام بتصريحه بالسماع من شيخه، وإنما يُحتاج إلى التصريح بسماعه من شيخ شيخه, وربما يشدد في ذلك أيضاً، فبعض الرواة يكون مدلساً ويكون تدليسه في روايته عن شيخه.

    وكذلك أيضاً بعض الرواة يوصف بالتدليس، وتدليسه يراد به نوعاً معيناً من الأنواع ويمكن معرفته واكتشافه من غير نظر إلى صيغ السماع؛ وذلك كـالحسن البصري فإننا نجد أن العلماء في ترجمته يذكرون أنه يدلس، ومراد العلماء بذلك أن الحسن البصري يدلس عن الصحابة, فيروي عنهم أحاديث لم يسمعها منهم، أي: يروي عن أناس عاصرهم ولم يسمع منهم؛ كروايته عن عبد الله بن عباس ، فإنه لم يسمع منه, والحل هنا ليس أن نبحث عن صيغ السماع، وإنما ننظر إلى ثبوت لُقِيَّه بهذا الراوي وعدمه وحينئذ فمجرد صيغة السماع لا تغنينا في ذلك شيئاً.

    الأمر الثاني: أن الحسن البصري إذا روى عن تابعي عن صحابي فلا نعل هذا الحديث؛ لأن تدليس الحسن عن الصحابة وليس تدليسه على التابعين، ومن نظر إلى ترجمة الحسن البصري وجد أن الأئمة يقولون: الحسن البصري مدلس، فإذا أخذنا بهذا نجد أن روايات الحسن البصري كثيرة يرويها عن تابعي عن صحابي ولا يذكر صيغة السماع، فإذا أعللناها بذلك فهذا دليل على عدم المعرفة ودليل على الجهل، فإن تدليس الحسن البصري المراد في وصف الأئمة له أنه يروي عن الصحابة أحاديث لم يسمعها منهم وقد عاصرهم، وإذا عرفنا أن ذلك الراوي روى عن رجل أحاديث لم يسمعها منه قطعنا بذلك فإذا وجدنا صيغة السماع فنرد صيغة السماع ونقول: الصيغ التي تُشعر بالسماع غلط, ومن ذلك أن الحسن البصري تارة يروي عن عبد الله بن عباس ويقول: خطبنا عبد الله بن عباس ، وتارة يقول: أخبرنا عبد الله بن عباس , فهذه الصيغة من الحسن البصري إنما يقولها لأنه يحدث ناس يعلمون أنه لم يسمع من عبد الله بن عباس ولو كان معاصراً؛ لأن عبد الله بن عباس دخل البصرة وكان الحسن خارجاً منها فلم يره، وخطب عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى في الناس في عرفة وفي غيرها، فيقول: خطبنا عبد الله بن عباس يعني: خطب في أهل البصرة، وليس المراد بذلك أنه خطب في الناس و الحسن البصري موجود, وهذا معلوم أن العرب يتجوزون في أمثال هذه العبارات ولا يريدون بذلك تدليساً وتلبيساً أي: خطب عبد الله بن عباس في أهل بلدنا وقال: كذا وكذا، وأمثال هذه الروايات فنرد صيغة السماع ونقبل الحديث؛ لأنه استفاض ومثال ذلك: ما جاء عن الحسن البصري أنه قال: ( خطبنا عبد الله بن عباس يوم عرفة, وعرف بالناس في المسجد )، أي: جمعهم يوم عرفة وألقى عليهم خطبة في يوم عرفة, هذا أمر مستفيض، ومن أعله بالانقطاع ليس له وجه.

    الأمر الثالث: ينبغي لطالب العلم أن يفرق بين الراوي المشهور بكثرة الرواية وبين مقل من الرواية، فمن يوصف بالتدليس وهو مكثر الرواية فإذا كان قليل التدليس فلا ترد روايته؛ مثال ذلك: رواية المغيرة بن مقسم عن إبراهيم النخعي ، إبراهيم النخعي له أحاديث كثيرة موقوفة ومرفوعة وله آثار مقطوعة أيضاً ... عبد الله بن عباس , و المغيرة بن مقسم يدلس خاصة عن إبراهيم النخعي , فإذا أردنا أن نسبر المرويات التي يرويها المغيرة بن مقسم عن إبراهيم النخعي وجدنا أنها بالمئات، فهل يعني هذا أن نرد كل الأحاديث التي يرويها المغيرة بن مقسم عن إبراهيم النخعي لوصفه بالتدليس في بعض الطرق؟ فالعلماء يصفون بعض الرواة بالتدليس لشدة الاحتراز لوقوعه في بعض المرويات لا في كلها، ولهذا الراوي إذا كان من المكثرين بالتدليس فلا تعل روايته لمجرد الوصف، وإنما ينظر إلى كثرة روايته، وكثرة الرواية لا يمكن لطالب العلم أن يتحقق منها إلا وقد سبرها.

    ولهذا من الأمور التي يتلافى الإنسان فيها الخطأ أن يسبر المرويات، فيسبر مرويات إبراهيم النخعي التي يرويها عنه المغيرة بن مقسم، وينظر في عددها، فإذا كان الراوي قد وصف بالتدليس وليس له عن شيخه إلا عشرة أحاديث فلا تقبل روايته، بل ترد ويقال: إن روايته مردودة ولم يصرح بالسماع؛ وهذا نظيره من يروي عن شيخه مائة حديث ودلس في خمسين فلا يقبل؛ لأنه تدليسه في ذلك كثير.

    الأمر الرابع في مسألة التدليس: ينبغي لطالب العلم أن يحذر من صيغ السماع, فإنه يرد فيها الغلط، وصيغ السماع وصيغ الرواية والنقل التي يذكرها العلماء في الأسانيد كقولهم: قال فلان، وعن فلان، هذه العنعنة والأنأنة وكذلك الإخبار والإنباء ونحو ذلك، ما كان من صيغ السماع الصريحة بالسماع الأصل نقلها على وجهها، أما ما كان من غير صيغ السماع أو إحالة صيغ السماع إلى غيرها وأنها تكون من التلاميذ لا من الشيخ الذي يحدث عن شيوخه؛ وذلك أن الشيخ إذا قام يريد أن يحدث التلاميذ لا يقول لتلاميذه: عن فلان، فهذا غلط وإنما يقول: أن فلاناً قال، إذا كان لم يسمع منه، فإذا سمع منه يقول: أخبرنا، ثم تلميذه يقول: قال شيخنا عن فلان، فيقلب أخبرنا إلى عن، وهذا ينبغي ألا ينظر إلى صيغ السماع بالنظر إلى المتون، وذلك أننا إذا وجدنا متناً فيه زيادة لفظه، وهذه اللفظة قد زادها راو على عشرة فنقول: إن هذه الزيادة غير محفوظة؛ لأنه قد زاد نقلها على عشرة وهذا من قرائن الإعلال، فإذا وجدنا عشرة رواة يروونه عن شيخ، وراو يقول: حدثنا، ونقل صيغة السماع، فلا نقول: هذه زيادة زادها فتكون مردودة لأنه زاد على عشرة؛ لأن صيغ السماع تغيرت، وليس فيها من مقاس لضبط الرواة إذا كانوا يقطعون بسماع الشيء خاصة من المتعاصرين أو ممن لم يعرف بالتدليس.

    وعند التعارض والتضاد في كلام الأئمة أن فلاناً سمع فلاناً، وفلان لم يسمع من فلان، فإنه ينظر في ذلك، مع كون هذا من أنواع الاختلاف المشهور عند العلماء، وبعض العلماء يصف بعض الرواة من النوع بالتدليس فيجعلون الانقطاع ممن لم يسمع منه إذا كان معاصراً له وأن هذا نوع من التدليس إذا حدث عنه ولم يسمع منه، فيكون تدليساً عند طائفة، وليس بتدليس عند طائفة أخرى.

    الأمر الخامس: أنه ينبغي لطالب العلم إذا وجد راوياً وصف بالتدليس أن ينظر في حقيقة التدليس الذي يوصف به، فربما وصف بالتدليس عن رجل واحد، كحال الوليد بن مسلم ، فـالوليد بن مسلم وصف بالتدليس، فتجد من يعل رواية الوليد بن مسلم بالتدليس على سبيل الإجمال، ويقول: إن روايات الوليد بن مسلم على سبيل الإطلاق معلولة، ولا تصح إلا ما صرح به بالسماع, فنقول: إن الوليد بن مسلم لا يدلس إلا عن الأوزاعي , وتدليسه عن الأوزاعي خاصة، ولكن نجد في ترجمة الوليد بن مسلم في كتب الرجال إجمالاً فيقول: وكان مدلساً أو يدلس، فلا نأخذ هذه العبارة ونعل بها كل إسناد فيه الوليد بن مسلم وليس فيه سماع، هذا من الغلط، ولهذا ينبغي لطالب العلم في أبواب التدليس أن يأخذ المراتب التي تقدمت الإشارة إليها فينظر إلى نوع التدليس وحقيقته، إذا عرف نوعه ينظر إلى التخصيص هل هو مطلق فيدلس عن كل أحد، أم يدلس عن الثقات أم عن الضعفاء، حتى نضبط تحديد صيغة السماع أين تكون مطلوبة، في شيخه أم شيخ شيخه أم في كل الإسناد، فبعض الرواة يوصف بشر أنواع التدليس فيلزم من ذلك أن يصرح بالسماع في سائر أنواع درجات الإسناد وطبقاته.

    كذلك أيضاً ما كان يذكره العلماء على سبيل التجوز مما يلحقونه بأبواب التدليس، وهو معروف في أبواب الانقطاع، وهذه الأمور معروفة.

    من الأمور المهمة التي تتعلق بأبواب التدليس: أن العلماء يذكرون بعض الرواة ويصفونهم بالتدليس، ويثبت سماعه من شيخ وهو مكثر عنه، وإكثاره عنه لا يحتمل لقي ذلك التلميذ لذلك الشيخ هذا الإكثار؛ وذلك أن الشيخ ليس بصاحب كتب، إذا عرفنا أن ذلك الشيخ قد دخل البصرة أو دخل المدينة أو دخل أياماً مكة ثم خرج منها، ثم وجدنا له مائة حديث يرويها هذا ففي الأغلب أنه لا يحتمل منه ذلك، إلا من شيخ له كتاب، فيكون حينئذ على سبيل الإجازة وهذا يحتمل، وأما من ليس له كتاب وهو يترفع عن تحديث الغريب من المتوسطين بكل حديثه، وإنما يحدث ببعض الأحاديث ثم يحتجب عن الناس حتى يضبطوها، فالعلماء عليهم رحمة الله في مجالسهم في أبواب الحديث لا يحدثون بالأحاديث وفرة؛ حتى لا يغلط السامعون، بل يعطونهم مائة حديث فيسمعون هذه الأحاديث ثم يغادرون؛ لأن هذه الأحاديث إذا أخذوها كثير منهم يريد أن يتحفظها، فإذا أراد أن يتحفظ هذه الأحاديث فلا يكاد يبقى معه شيء؛ لأن غداً سيلقي عليه مائة, وبعده مائة, وهكذا, وإنما يعطيهم بقدر، فإذا جاء راو قد مر على مكة في موسم حج وغادر, أو إلى المدينة وغادر والتقى بشيخ أياماً، ثم وجد لديه أحاديث فنقول: إن من القرائن التي يعرف بها الإنسان أن هذا الراوي لم يسمع أننا ننظر في تلاميذ ذلك الشيخ في بلده كم عدد الأحاديث التي رووها، فإذا كانت دون ذلك أحاديث الراوي الغريب فكيف ينفرد ذلك المغترب بمائة حديث وبَلَدِيُّه الذي يلازمه ويعتني به ومكثر من الأخذ عنه روى عنه خمسين حديثاً؟! هذا من القرائن أنه ما سمع منه إلا الواحد والاثنين، وإن نص العلماء على أنه سمع منه يريدون بذلك أنه شاهد وأخذ عنه، ولا يعني هذا أنه سمع منه كل شيء، ومن يأخذ السماع مرة ومرتين ولا يفرق بين قليل وكثير هذا يخطئ، ولهذا نجد الأئمة عليهم رحمة الله يعلون كثيراً من الأحاديث فيقولون: فلان لم يسمع من فلان مع كونه قد لقيه وسمع منه، فإذا وجدت في كتب الرجال والتراجم والمراسيل أن فلاناً سمع من فلان، وإعلال الأئمة لبعض الأحاديث فقد يضرب هذا بهذا؛ والسبب في ذلك عدم العناية.

    فإثبات السماع عند العلماء لا يعنيهم في تصحيح جميع الروايات، وإنما ينظرون إلى وفرة الأحاديث التي يرويها من سمع ذلك الحديث، وكم عدد هذه الأحاديث، وهل تليق بتعديل ذلك الشيخ وتلاميذه وغير ذلك، ثم تارة يعل الحديث الذي يصرح فيه بالسماع فيصحح، والأحاديث التي ليس فيها تصريح بالسماع فتعل وتضعف، ويوصف الراوي بالتدليس ولو لم نقف على رواية صريحة أنه ذكر الواسطة.

    كيفية معرفة التدليس في الإسناد

    بقي لدينا مسألة مهمة وهي: كيف نعرف التدليس في الإسناد؟

    يعرف التدليس في الإسناد بأحوال:

    الحالة الأولى: أن يروي الراوي المدلس الحديث عن شيخه، والشيخ عن شيخه، ثم يروى هذا الحديث من طريق آخر وتذكر الواسطة، فإذا كان هذا الراوي يوصف بالتدليس فهذا من تدليسه، وإذا كان لا يوصف بالتدليس فنقول: هذا من المزيد في أبواب الأسانيد، والمزيد في الأسانيد أن يأتي الرواة بعض الرواة يريد التفنن، فيقول: حدثنا فلان عن فلان، ويقول: حدثنا فلان عن فلان، وذلك يكون عند المكثرين لا عند المقلين.

    وثمة قرائن يعرف فيها أيضاً، فيعرف فيها الوهم والغلط فتارة يرجح المزيد على الناقص مع إمكان السماع، وذلك عند الأئمة الذين يشددون في أبواب الأسانيد النازلة، فلا يريدون الأسانيد النازلة كـشعبة بن الحجاج ، فـشعبة بن الحجاج يكثر من الشيوخ، ولكن إذا روى إسناداً عن شيخه، ثم رواه بواسطة، فنقول: إنه وهم الراوي عن شعبة إذا كان متوسط الثقة أو خفيف ضبط ونحو ذلك، ونقول: الصواب في ذلك الإسناد النازل لا الإسناد العالي؛ لأن شعبة بن الحجاج إذا صح الإسناد النازل عنه بأوثق من إسناد النازل، وكلها ظاهرها الصحة، فنصحح النازل ولا نصحح العالي، ولا نقول: هو صحيح على الوجهين؛ لأن شعبة يكره الأسانيد النازلة، ولا يضطر إليها إلا حين لا يجد العالي وهكذا، فإذا وجدنا أنه جاء من طريق والراوي قد وصف بالتدليس فجاء من طريق وذكره عن شيخه ثم من طريق وذكر الواسطة، فنقول: إنه قد دلس في هذا الموضع، وقد نقطع في بعض الأحيان أن صيغة السماع في الإسناد الذي لم يذكر الواسطة ليست بصحيحة وأنها وهم من بعض الرواة.

    الحالة الثانية التي يعرف فيها التدليس: أن ينص أحد الأئمة الأوائل الحذاق على أن هذا الراوي دلس في هذا الإسناد، وذلك أن كثيراً من الطرق لم تصل إلينا، وإنما يعل الأئمة على ضوئها الأحاديث ويتوقفون، فيقولون: دلس فلان في هذا الحديث، والأئمة الأوائل هم من أعلم الناس بالأسانيد ووفرتها، وتنوع أخذ الرواة، ويعلمون أن فلاناً ارتحل في العام الفلاني إلى بلدة كذا، وفلان ارتحل في العام الفلاني إلى بلدة كذا، ويعرفون قدر أخذ كل راو، ويعرفون أصحاب الرواة, ... أولى وأحرى برواية هذا الأحاديث.

    وأبواب القرائن في أبواب العلل تتداخل، منها ما يقدم الخصائص، واختصاص الراوي بالراوي له أثر في قبول التدليس، ومعرفة تدليس راو عن غيره ونحو ذلك.

    الحالة الثالثة: التي يعرف فيها التدليس: أن هذا الراوي الذي يروي الحديث وقد وصف بالتدليس يرويه عن شيخه بلا واسطة، ويرويه من هو أعلى منه وأوثق وأكثر ملازمة عنه بواسطة، فيروي البعيد الحديث بلا واسطة، ويرويه القريب بواسطة، وهذه الواسطة قد تكون أقدم منه سماعاً ونحو ذلك، فهذا من القرائن أن الراوي دلس، فأسقط الشيخ الذي بينه وبين شيخه، وذلك أنه يصعب ويشق خاصة عند المعتنين بالأسانيد أن يكون الإسناد لدى شيخهم الذي أدركوه وعلموه عنه في حال حياته، ثم لا يأخذونه عنه مباشرة، ويأخذونه من أحد التلاميذ، فمن باب أولى ما كان دونهم.

    الحالة الرابعة: في معرفة تدليس الرواة: ما تقدمت الإشارة إليه، وهي: قلة الملازمة مع كثرة الحديث، فإن هذا مع وصف الراوي بالتدليس من قرائن التدليس.

    دواعي التدليس عند الرواة

    ودواعي التدليس كثيرة عند الأئمة منها: الأمر الأول: ما يكون لشرف الانتساب إلى الأعلى وترك الأدنى، ولا يريدون بذلك الكذب.

    الأمر الثاني: أن يكون الراوي فيه مطعن عند غيره وهو يثق به، فإذا حدث به عند غيره وذكر اسمه طرحوه مع أنه يثق بصدقه في هذا الموضع، وهذا يرد عند بعض الأئمة.

    الأمر الثالث: أن يراد به الكذب والتدليس وهذا عند جملة من الكذابين والوضاعين.

    الأمر الرابع: أن يختصر الراوي الشيوخ، وهذا يوجد عند بعض الأئمة، ولا يوصفون بالتدليس، فالذين يقطعون الإسناد إما أن يكون لمعرفة التلاميذ به، فيعرف التلاميذ أنه لم يسمع من شيخه، وإنما يحدد الواسطة المعروفة فذكر في هذا الموضع، فكان في المجلس غريب, فسمع هذا الإسناد ورواه على هذا الوجه.

    والتوسع في إطلاق التدليس على أئمة كبار ونحو ذلك مع كون هذه اللفظة شديدة، ويشدد فيها الأئمة فيه ما فيه، وقد توسع بعض الأئمة المتأخرين في إطلاق التدليس حتى شُمل البخاري بوصف التدليس, فجعل من طبقة متأخرة من المدلسين، وهذا ليس المراد به التدليس المعروف المذموم، وإنما يراد به أنه لا يصرح بالسماع عن بعض شيوخه، مما يحتمل معه التدليس.

    وبهذا القدر نكتفي.

    1.   

    الأسئلة

    الرد على من وصف البخاري بالتدليس

    السؤال: [ كيف نرد على من وصف البخاري بالتدليس؟ ]

    الجواب: يرد عليه أن التدليس إنما يكون برواية الراوي إذا روى عن شخص لم يسمع منه، أو عن شيخ يسمع منه بعض الحديث ولم يسمع منه البعض الآخر، وكل المرويات التي ينقلها البخاري عن هشام بن عمار كلها من مسموعاته, سواء الطرق التي ينقلها في كتابه الصحيح، أو في الأدب المفرد أو في التاريخ أو غيرها، ولم يرو البخاري حديثاً صحيحاً عن هشام بن عمار ويكون بينه وبين البخاري واسطة ضعيفة، وهذا ينبغي أن يؤخذ، ويكفي في هذا أنه قد جاء في بعض المرويات أن البخاري روى هذا الحديث مباشرة عن هشام بن عمار تصريحاً.

    فقد جاء موصولاً بما يبين قوته، كذلك الإمام لا يصاب بالتدليس إلا عند اليقين والبينة, لا عند الظنون.

    ومنها أيضاً أن من عرف بالتدليس في موضع له قرائن أخرى تقرن تدليسه، و البخاري من أشد الناس احتياطاً في هذا، ومن أشد الناس محاربة لأوهام المدلسين بالرواية عن أخص الناس بهم.

    الأحاديث التي دلسها الوليد بن مسلم

    السؤال: [ ما هي الأحاديث التي يدلسها الوليد بن مسلم ؟ ]

    الجواب: الأحاديث التي يدلسها تكون من حديث الأوزاعي ، يرويها عن الأوزاعي ويجعل الأوزاعي يروي عن شيخه بالعنعنة أيضاً.

    فهو يذكر الأوزاعي ، ولا يذكر صيغة السماع بين الأوزاعي وشيخه، ولا بينه وبين الأوزاعي .

    القول بأن من قرائن قبول الحديث قلة ألفاظه

    السؤال: هل نقول: إن من قرائن قبول حديث (غفرانك) قلة الألفاظ؟

    الجواب: هذا أيضاً من القرائن الصحيحة، وهو أن الحديث الطويل لا يضبطه الضعيف الخفيف الضبط، وأما القصير فيضبطه أدنى الناس حفظاً.

    تضعيف حديث: (غفرانك) بقرينة أن ابن أبي بردة لم يرو عن أبيه غيره

    السؤال: [ لماذا لا نقول: إن من قرائن ضعف حديث (غفرانك) كون يوسف بن أبي بردة لم يرو عن أبيه غيره ]؟

    الجواب: قد يكون يوسف بن أبي بردة ممن حدثه أبو بردة بأحاديث ولكنه لم يحدث بها، وهذا يوجد أن بعض الرواة يكثر الأخذ ولكنه يقل التبليغ، وهذا معلوم، والرجل في بيت أبي بردة وأورد مثل هذا الحديث الذي غالباً أن الإنسان يعمل به لحاجته إليه في اليوم مرات، فنقول في مثل هذا: هذا مدعاة إلى الضبط والقبول، ولو كان بعيداً عن أبي بردة لقلنا: بضعفه، ولكن لما كان في داره، فليس لنا أن نقول: إن يوسف بن أبي بردة ليس لديه حديث عن أبي بردة إلا هذا الحديث، وإنما نقول: روى هذا الحديث، إما لكفاية غيره أو لانشغاله بمؤنة أبيه، أو بأهل داره ونحو ذلك، أو غير ذلك من المصالح الأخرى، والمستور لا يعرف من حاله من جهة التوثيق والضبط شيء لقلة المرويات.

    حمل رواية أبي إسحاق السبيعي على السماع إذا عنعن

    السؤال: أبو إسحاق السبيعي إذا روى وعنعن هل الأصل حمل روايته على السماع أم لا؟

    الجواب: لا يخلو ذلك من النظر إلى تلاميذ أبي إسحاق ، فإذا كان من كبار الحفاظ والثقات كـإسرائيل و شعبة و سفيان فإنه يحمل على السماع؛ لأن هؤلاء يحترزون جداً، فإذا انضم احتراز هؤلاء مع ثقة أبي إسحاق فإنه يقال: إن روايته -ولو عنعن- تحمل على السماع، أما إذا روى عنه غير هؤلاء وكان المتن يعل بأدنى علة، فإنه يعل بالعنعنة ويطلب حينئذ السماع.

    فالأصل قبول رواية إسرائيل و شعبة و سفيان بخلاف غيرهم؛ لأن أبا إسحاق له أصحاب كثر.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.