إسلام ويب

أسباب النزول [3]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف العلماء في المرويات المتعلقة بأبواب التفسير بين الوقف والرفع لأدلة ذكروها في هذا الجانب، وأما ما كان من أسباب النزول فقد نص بعضهم على أن لها حكم الرفع، ولهم حالات في التعامل معها بين التشديد والتساهل، فيشددون في المرفوع والوارد في آي الأحكام وما كان خاصاً ما لا يشددون في غيرها. وقد اعتنى الأئمة بأسانيد أسباب النزول رواية وتصنيفاً إلا أن في مصنفاتهم ذكر الصحيح والضعيف مما ينبغي على طالب العلم أخذ الحيطة في الاستفادة من ذلك، والنظر في صور التمييز بينها.

    1.   

    تعامل العلماء مع المرويات في أبواب التفسير

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:

    فتقدم معنا الكلام على جملة من مسائل أسباب النزول, وفي هذا المجلس بإذن الله تعالى نتكلم على ما يتعلق بأسانيد أسباب النزول, وكذلك مظانها من جهة الصحة والضعف, والمصنفات الممكنة في ذلك, وكذلك طرائق العلماء في التعامل مع هذه الأسانيد. وهذا من الأمور المهمة, وهي خلاصة ما نتكلم عليه من أسباب النزول.

    وينبغي لطالب العلم أنه ما دخل علماً من العلوم إلا ويعتني بصحته ونقاوته من الدخيل فيه, وذلك أنه لا يخلو علم من العلوم أياً كان، سواء كان من العلوم العقلية أو العلوم النقلية إلا ويوجد دخيل فيها, فعناية طالب العلم بذلك من أعظم المهمات وأجلها.

    وذلك أن عدم العناية بذلك يؤثر على عمله بذلك المعلوم, فإذا كان ضعيفاً كان عمله ضعيفاً, وإذا كان ذلك المروي أو ذلك المعلوم خطأ كان العمل خطأ, وإذا كان ممزوجاً بخطأ وضعف كانت نسبة الخطأ في العمل بقدر نسبته في الضعف. وهذا أمر معلوم.

    أولاً: العلماء عليهم رحمة الله كما تقدم يتعاملون مع المروي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبواب التفسير على أنه في حكم المرفوع, وقد تقدم هذا أنه على قولين عند العلماء, منهم من قال: إنه على الإطلاق سواء كان في أسباب النزول أو كان في غيرها.

    وهذا جاء الإشارة إليه في كلام بعض العلماء كما تقدم الكلام عليه عند الحاكم كما في كتابه المستدرك, وكذلك في علوم الحديث وغيرها.

    ومنهم من قال: إن لها حكم الوقف وليس لها حكم الرفع, ويستثنون من ذلك ما كان من أسباب النزول, قال: وما كان من أسباب النزول فقد حكي الإجماع على هذا.

    وقد نص بعض العلماء أن ما كان من أسباب النزول فإنه على الإجماع له حكم الرفع.

    وإذا قلنا بذلك, والمتقرر في طرائق الأئمة النقاد أن الحكم على الأحاديث يتباين, فالمرفوع يشدد فيه ما لا يشدد في الموقوف, وما كان من أبواب الأحكام فإنه يشدد فيه ما لا يشدد في غيره, وهذا من الأمور التي ينبغي أن يعتني بها طالب العلم, أي: أنه يميز بين مراتب المتون التي يحكم عليها.

    وقد أشار غير واحد من العلماء في أثناء كلامهم على التفريق بين الموقوف والمرفوع, ونحن في أبواب التفسير وفي أبواب أسباب النزول يندرج الخلاف في هذه تحت خلاف آخر, وهو: هل هذا في حكم المرفوع أم لا؟

    فيتبع ذلك خلاف, وهو الخلاف الذي يقع فيه في التعامل مع تلك المرويات التي هي في أسباب النزول أو في أبواب التفسير على وجه العموم. وطرائق العلماء في التعامل معها, وهذا ما سنتكلم عليه بإذن الله تعالى.

    أولاً: من أشار إلى أن المرويات في أسباب النزول قد تقدم تعليلهم في ذلك, والوجه الذي قالوه: إن لها حكم الرفع, وأما من قال: إن جميع مرويات التفسير لها حكم الرفع, وهذا مروي عن بعضهم كما تقدم الكلام عليه.

    وتعليلهم في ذلك: أنه لا يجوز لأحد أن يخوض في كلام الله جل وعلا إلا ببينة ودليل, فإذا كان كذلك فهو مستندهم للرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فوجب حينئذ في هذا أن يرجع إلى التعامل مع المرويات الموقوفة في أبواب التفسير في تعاملنا مع المرويات المرفوعة. وإذا كان كذلك فإننا نشدد فيها من هذا الوجه.

    وكذلك قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أنزل الله جل وعلا عليه كتابه فإن التأويل إلى الله, كما تقدم الإشارة إليه: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة:19] , أي: أنه ليس عليك ولا على غيرك, وإنما هو من حق الله جل وعلا, فليس لأحد أن يخوض في كلام الله سبحانه وتعالى بظن أو بغلبة ظن إلا بالرجوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وما أقر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على تأويل فله حكم الرفع, وذلك أن المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون من القول والفعل والتقرير.

    فكان اللسان العربي نزل عليه القرآن فأدركوا ذلك المعنى, فيكون حينئذ خطاب القرآن إلى الصحابة كخطاب النبي صلى الله عليه وسلم إليهم من جهة إدراك المعنى, فهم يدركونه على حد سواء, بل إن كلام الله جل وعلا أفصح وأدق وأشمل من سائر كلام البشر, وهذه مزية لكلام الله سبحانه وتعالى ليست لغيره من سائر أنواع الكلام.

    ولكن من جهة الأصل ينبغي قبل الولوج في الخوض في أحكام العلماء على أسانيد أسباب التنزيل أن ينبه على مسألة: أن العلماء من جهة الأصل والتقعيد يخففون في النظر في أسانيد التفسير على وجه العموم. وإذا كان كذلك فهل يندرج في هذا أسباب النزول باعتبار أنها من وجوه التفسير أم لا؟

    وهذا ما ينبغي أن ندقق فيه، وأن نفرق بين أمرين:

    الأمر الأول: أن نفرق بين المرويات التي تسمى النسخ, أي: أسانيد مدونة ومكتوبة ولم تكن مما ينقل في الحفظ, وما كان كذلك فإنه لا ينظر إليه بالنظر في أبواب الأحكام, وخاصة في أسباب النزول التي تدل على سبب معين لآية دلت على الأحكام, فإننا نتعامل معها بتعامل يختلف عن غيرها.

    وذلك أن النسخة التي تروى وفيها سبب نزول هي نسخة لا ينظر فيها إلى الضبط, وذلك أن الضبط على نوعين: ضبط صدر, وضبط كتاب, وضبط الصدر هو الذي يعتني به الإنسان، بضبط المروي من تلقاء نفسه وما ملكه من ملكة الضبط والحفظ والإتقان من غير أن يقيد من ذلك شيئاً في ورق أو رق أو جلد أو غير ذلك, فإنه لا يدون هذا باعتبار أنه يعتمد على محفوظه.

    وأما من يدون في النسخ فإنه لا ينظر إلى الضبط وإنما ينظر إلى العدالة, وعدالة الإنسان هي ما كان مسلماً وما كان مأموناً من الفسق, وكذلك يؤمن من الكذب, أما الضبط فإنه لا ينظر إليه في هذا الباب.

    لهذا ينبغي لطالب العلم أن يهتم بمعرفة النسخ المروية في ذلك, ومن نظر في الكتب المصنفة في هذا الباب ممن يتكلم على علل مرويات التفسير وأسباب النزول على سبيل التخصيص يجد أنه لا يفرق بين النسخ, ولا يفرق أيضاً بين أسانيد التفسير وغيرها, وهذا من الخطأ والخلل.

    وذلك أن الشخص حينما يأتيك بمكتوب ورسالة من شخص حملها إليه, وهذا الرجل ثقة في دينه لكنه لا يحفظ, وكانت هذه الورقة فيها كلام كثير أو منظومة شعرية في ثلاث صفحات أو أربع صفحات أو ملحمة أو مدونة ونحو ذلك, ثم أتاك وسلمك إياها, هل تنظر إلى حفظه هل هو يحفظ الكلام أو لا يضبط الكلام؟

    نقول: لا تنظر إلى ذلك, وإنما تنظر إلى عدالته وشدة احترازه, يعني: أنه هل إذا أتى إليك رمى الكتاب في موضع ثم تركه, وربما أتى شخص وأخذ الكتاب ووضع مكانه كتاباً آخر وهو غافل عنه, أو هو رجل حريص يقدر معنى الأمانة, فإذا كان هو من أهل العدالة في ذلك فلا ينظر إلى ضبط صدره.

    وما يدون في كتب الرجال هو من الضبط الذي يسمى ضبط الصدر لا ضبط الكتاب, وهذا ينبغي أن يلتفت إليه، أنه في أبواب الجرح والتعديل للرواة، العلماء يتكلمون على ضبط الصدر ولا يتكلمون على ضبط الكتاب.

    وإذا وجدت راوياً في أبواب التفسير قد تكلم عليه العلماء بضعف أو توثيق فإنهم يريدون بذلك في الأغلب ضبط الصدر لا ضبط الكتاب, وهذا من الأمور المهمة التي ينبغي أن يعتني بها طالب العلم.

    وإذا قلنا بهذا: فما هو المرد والفيصل في التمييز بين ضبط الصدر وضبط الكتاب؟

    نقول: يجب على طالب العلم أن يرجع في ذلك إلى مظانها من كلام العلماء في أبواب العلل وغيرها.

    العلماء لهم كلام مفرق في أبواب العلل, وكذلك أيضاً في كتب التفسير وطرائقهم في التعامل مع تلك المرويات المنثورة وليس لها قاعدة في ذلك.

    ثمة مصنفات في أبواب العلل نشير إليها مراراً, منها كتاب العلل لـــــابن المديني, كذلك العلل لـــــ ابن أبي حاتم والتاريخ الكبير للبخاري , وكذلك العلل للدارقطني , والضعفاء للعقيلي , والكتب التي اعتنت بالمفاريد، كالأفراد والغرائب للدارقطني، وكذلك مسند البزار , ومعاجم الطبراني . وكذلك الكتب التي اعتنت ببيان المعلول من الأحكام ولو اشتمل على شيء من معاني القرآن ككتاب سنن الدارقطني وغيره.

    ينبغي أن يرجع فيها إلى مظانها، فإن من كان له نسخة في ذلك فأمره يسير, بمعنى أن الراوي في أبواب ضبط الكتاب المشقة في ذلك أنك تنظر إليه, فإذا وجدته ضعيفاً فإنك تعمل ذلك في كل مروي من مروياته, وهذا يخضع إلى جملة من الضوابط لا توجد في ضبط الكتاب.

    ضبط الكتاب أنك إذا وجدت أن فلاناً يروي نسخة فإنك تحتاج إلى الوقوف على حكم العلماء على هذه النسخة فقط, وتكون هذه النسخة حينئذ فيها مئات أو آلاف الروايات, فحينئذ هذا ييسر عليك شيئاً كثيراً.

    فينبغي لطالب العلم أن يعتني بمعرفة النسخ عن غيرها, وألا يستعجل بالحكم على نسخة بحكم العلماء على راو من رواتها فيقع في الوهم والغلط.

    وكذلك أيضاً ينبغي أن يعتني طالب العلم بالأسانيد المروية عن تلك النسخ, فالنسخ قد تكون متداولة, لكن يروي تلك النسخة راو لم يسمعها من صاحب تلك النسخة, فيقع حينئذ خلط بين ضبط الصدر الذي هو نقل هذه النسخة, وبين ضبط الكتاب الذي تقدم عن تلك المرحلة, فينبغي أن يميز هذا عن هذا.

    العلماء عليهم رحمة الله من جهة الأصل يتساهلون في مرويات التفسير, ولهذا يقول عبد الرحمن بن مهدي : إذا روينا في فضائل الأعمال والثواب والعقاب تساهلنا, وإذا روينا في الحلال والحرام تشددنا في الرواة, والمراد من هذا أن العلماء لا يلتفتون إلى التشديد في أبواب التفسير على الإطلاق, هذه هي القاعدة الأصلية.

    1.   

    حالات تعامل العلماء مع المرويات في أسباب النزول

    وأما ما كان من أبواب النزول فإن ذلك من جهة التعامل يمكن أن يجزأ ويفصل على أحوال:

    ‏ التشديد في أسباب النزول الواردة في آيات الأحكام

    الحالة الأولى: ما كان من أسباب النزول في آيات الأحكام, فإن ذلك يتعامل معه بتشديد إذا كان فرداً في بابه ولم يعضده عاضد, والمعنى: أنه لم يرد وارد في هذه الدلالة وهذا المعنى من الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستقلال.

    فإذا جاء حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم يوافق الآية ولم يكن ذلك من أسباب النزول، فإن هذا يعضد ذاك, وحينئذ يتساهل في قبول الخبر, ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يكون من أهل الإحاطة في أبواب الآي.

    وتقدم معنا مراراً أن من حذق طالب العلم وكذلك حسن درايته أن يجمع بين المسائل الواردة في بابها, سواء من الآيات أو من الأحاديث أو من الموقوفات, فيجمع ما كان في الباب حتى يدرك ما اختص به راو وما ووفق عليه, وهذا أمر ينبغي أن يكون على تمييز عند طالب العلم.

    لهذا الآيات التي جاءت في أسباب النزول المتعلقة بآيات الأحكام ولم يرد في الباب غيرها فإنه يشدد فيها ما لا يشدد في غيرها, وذلك لتضمنها جملة من الأحكام التي يقع فيها الخلط, فنجد على سبيل المثال ما يأتي في أسباب النزول مثل بعض الأحكام المتعلقة بالنساء, فيقول قائل: إن هذا نزل على أمهات المؤمنين فقط فلا يشمل غيرهن, فننظر حينئذ ونشدد في ذلك باعتبار أن هذا من أسباب النزول المتعلقة بالأحكام, فيشدد في هذا ما لا يشدد في غيره.

    والعلة في التشديد في هذا أن ما كان من تفسير القرآن ببيان ألفاظه من كلام الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كذلك أيضاً في المرفوع لا يشدد فيه؛ لأن العمدة في تأويل القرآن هو إلى لغة العرب, ولغة العرب يمكن أن تستقل في الفهم، ولولم يرجع في ذلك الإنسان إلى إسناد.

    والعمدة أيضاً في قبول الروايات متوسطة الضعف أن يرجع الإنسان في ذلك إلى استقامتها من جهة المعنى, واستقامة المرويات في ألفاظ التفسير من جهة المعنى مردها إلى لغة العرب, ولغة العرب النظر فيها سهل بخلاف الأحكام التي مردها إلى الغيب, ولا يمكن أن تجد ما يوافق ذلك في كلام العرب باعتبار أن مرد ذلك الوحي, على هذا ينبغي أن توجد رواية أخرى في حديث آخر مردها الوحي المجرد, وهذا فيه إعواز فإنه لا يتحصل في كل باب.

    على هذا ينبغي لطالب العلم أن يفرق بين ما كان من تفسير القرآن ببيان المعاني والمترادفات، وبين ما كان من بيان أسباب النزول مما كان في أبواب الأحكام وغيرها.

    التشديد في أسباب النزول الخاصة دون غيرها

    الحالة الثانية في تفصيل التعامل مع المرويات في أسباب النزول: ما كان من أسباب النزول الخاصة التي دل على خصوصيتها ظاهر النص من كلام الله جل وعلا أو ظاهر النص الذي جاء في سبب النزول, فإن ذلك يشدد فيه ما لا يشدد في غيره؛ لأن هذا قد جاء على عكس القاعدة التي نزل عليها القرآن, ونزول القرآن إنما كان لعموم البشر, والرسالة عامة للناس: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا[الأعراف:158] , فإذا جاءت آية مخصصة وجاء سبب النزول ببيان تخصيصها, أو جاءت آية عامة وجاء سبب النزول بتخصيصها فإنه حينئذ يشدد في ذلك؛ لأنه يلغي حكماً عاماً, وإثبات الحكم كإلغائه في أبواب الاحتياط, وأنه يشدد في ذلك ما لا يشدد في غيره.

    فينبغي لطالب العلم في آيات التخصيص أن يتشدد في مرويات أسباب النزول، ويحترز في ذلك احترازاً شديداً.

    التفريق بين الموقوف والمرفوع من المرويات

    الحالة الثالثة: في التعامل مع مرويات أسباب النزول: أن يفرق بين ما كان موقوفاً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ما كان مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام صراحة, فما كان مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صراحة فإنه يشدد فيه وإن دخل الموقوف على قولنا في حكمه باعتبار الفارق اليسير في ذلك وهو القطع, وفيه حسم لمادة الخلاف فيمن قال: إنه ليس له حكم الرفع, ويوجد ممن قال بهذا من المتأخرين، قالوا: باعتبار أن له حكم الرفع أمر من الأمور المظنونة التي ينبغي ألا يصار إليها إلا ببينة.

    وعلى هذا نقول: إن ما جاء في أسباب النزول من المرفوع فإنه يشدد فيه ما لا يشدد في الموقوف.

    ومن العلل في ذلك أيضاً أن يقال: إن المرفوع الذي يروى عن النبي عليه الصلاة والسلام يتضمن فيه التشديد من الاحتراز بأن نسبة الملفوظ من القول إلى النبي عليه الصلاة والسلام ولو كان حقاً كبيرة من كبائر الذنوب. وأما نسبة الأقوال لغير الناس من الأقوال الحقة فإن الأمر في ذلك يسير, ولا يقال بجوازه, بل يقال: إنه دون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فلو نسبت حكمة قالها رجل من عقلاء الناس وهو لم يقلها ولكنها حق يتفاخر كل الناس بنسبة هذا القول إليه, فنقول: إن ذلك خطأ, وينبغي ألا يتعمده مؤمن, وأن ينزه نفسه عن ذلك, ولكن يختلف عن نسبة الأقوال ولو كانت حقة موافقة للأدلة التي جاءت رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيشدد في المرفوع ما لا يشدد في الموقوف؛ لأنه جاء في الخبر كما في مقدمة صحيح الإمام مسلم , وجاء في سنن أبي داود، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ).

    يعني: إذا كان يظن ولا يقطع بذلك، فكيف بمن نسب شيئاً وهو يقطع بذلك بوجود كذاب أو وجود إسناد فيه إعضال ونحو ذلك، فإنه ينبغي أن يحترز في نسبة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر وأشد من أن ينسبه إلى غيره.

    التعامل مع أسباب النزول الواردة في غير آي الأحكام

    الحالة الرابعة: ما جاء من المرويات في أسباب النزول في غير آي الأحكام, وذلك مما لا يتضمن حكماً كأسباب نزول القصص على النبي عليه الصلاة والسلام في حكاية الأخبار التي كانت في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، كأحوال المغازي ونحو ذلك، ما لم يتضمن حكماً من أحكام الغنيمة والفيء والأنفال، وكذلك أيضاً العلاقة مع المؤمن والكافر ونحو ذلك, فإن هذا من مسائل الأحكام بل هو أولى من مسائل الأحكام الفقهية، فإنه يشدد فيها حينئذ.

    وأما ما لا يتضمن ذلك ببيان سبب نزول قصة يوسف على النبي عليه الصلاة والسلام أو قصة موسى أو قصة نوح ونحو ذلك وهذا يتعلق فيه التصبير والتثبيت, وهذا يتحقق ولو لم يرد سبب نزول ذلك.

    التعامل مع أسباب النزول في فضائل الأعمال

    الحالة الخامسة في ذلك: ما كان من أسباب النزول في أبواب فضائل الأعمال, فما كان من أبواب فضائل الأعمال والثواب والعقاب فإنه يتساهل في ذلك, ولكنه من جهة التعامل أكثر تشدداً من معاني القرآن وتفسير الألفاظ, وذلك أن التشدد في أبواب النزول كما تقدم سببه أن له حكم الرفع ولو كان موقوفاً, بخلاف الألفاظ التي تروى عن الصحابة ببيانها, فقد جاء عن بعض العلماء أن لها حكم الرفع, ولكن كثير من العلماء لا يقطع بذلك كقطعه في أسباب النزول, فإذا كان كذلك فإنه ينبغي لنا أن نحترز في هذا الباب ما لا نحترز في غيره, ونفرق بين درجات التشدد في هذا الأمر, وإذا احترزنا في هذه الأبواب وقسمناها على هذا النحو نستطيع حينئذ أن نقول: إن طالب العلم ينبغي له في أمثال هذا أن يفرق في القرائن المحتفة في هذه الأبواب, من التماس الشواهد، وكذلك التماس الشاهد الأعلى على الأدنى من القرآن للسنة, وكذلك الأدنى للأعلى من السنة للقرآن, وكذلك الموقوف للمرفوع, والمقطوع بالنسبة للموقوف, فإن هذا يعضد هذا.

    كذلك أيضاً بالنسبة للتفريق في أبواب أسباب النزول، فإنه ينظر في ذلك بين أسباب النزول التي تروى عند المدنيين والمكيين, وبين أسباب النزول التي تروى عند غيرهم, وذلك أن أسباب النزول التي تروى عندهم من غير نكير، فإن هذا أهون من غيره مما يروى عن الآفاقيين.

    1.   

    اعتناء العلماء بأسانيد ومرويات أسباب النزول

    المكثرون من رواية أسباب النزول ومراتبهم

    تقدم الكلام معنا أن أكثر الصحابة عليهم رضوان الله تعالى ذكراً لأسباب النزول هو عبد الله بن عباس، وأكثر التابعين ذكراً لأسباب النزول هم أصحاب عبد الله بن عباس , وقد تقدم الكلام على مراتبهم في ذلك.

    ولكن ينبغي لطالب العلم أن يفرق بين مراتبهم من جهة الفضل والجلالة والإمامة في التفسير, وبين عنايتهم في باب من الأبواب.

    هناك من الأئمة من هو جليل القدر في باب وهو من أهل العلم والمعرفة ولكنه مكثر, وإكثاره في ذلك أعطاه نوع تقصير في الباب الذي لم يعتن به, ومن الأئمة من يعتني بباب وهو مقل في الرواية، فإنه يعتنى بمرويه ذلك باعتبار التخصيص.

    والعقل والنقل يدلان على أن الإنسان إذا اعتنى بباب من الأبواب فإنه يضبطه أكثر من ضبطه لغيره, وأن من توسع في أبواب العلوم الشرعية وغير الشرعية فإنه يفوته من حظ كل واحد منهما بقدر توسعه في بقية العلوم, وهذا من الأمور التي ينبغي لطالب العلم أن يكون على بينة منها.

    ومعرفة ذلك ومرده أن طالب العلم يرجع في ذلك إلى ترجمة ذلك الراوي إذا كان من المفسرين ممن يعتني في أبواب أسباب النزول كما تقدم عن عكرمة , وكذلك أيضاً سعيد بن جبير , وكذلك أيضاً ما جاء عن مجاهد بن جبر , فهؤلاء أكثرهم عناية بالتفسير هو مجاهد بن جبر , فقد توسع في جميع أبواب التفسير من جهة الأخذ, وأما بالنسبة لروايته فإنه حكى ما كان من أبواب الألفاظ من تفسير المترادفات من أبواب التفسير، فإنه قد اعتنى بذلك أكثر من عنايته بغيره.

    المعتنون من أصحاب عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى في أبواب التفسير كما تقدم هم جمع, منهم من اعتنى في أبواب الأحكام كـــــــسعيد بن جبير , ومنهم من اعتنى في أبواب أسباب النزول كـــعكرمة مولى عبد الله بن عباس , ومنهم من اعتنى بهذا وهذا ولكنه قد أكثر من العناية في أبواب المترادفات كما جاء عن مجاهد بن جبر عليه رحمة الله. وقد تقدم التفريق بين مجاهد بن جبر و عكرمة في أبواب أسباب النزول, وهذا له أثر فيما تكلمنا عليه هنا.

    قلة عناية المتقدمين بأسباب النزول وسبب ذلك

    ومن الأمور المهمة التي ينبغي أن يلتفت إليها أن العلماء الأوائل -أعني: من طبقة التابعين وكذلك أتباع التابعين وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- لم يكونوا يعتنون بأسباب النزول كعناية المتأخرين, ولهذا فإن المصنفات في ذلك قليلة عند المتقدمين, ويوجد مصنفات في هذا كمصنف ميمون بن مهران فله مصنف في أسباب النزول, ويوجد أيضاً لـــــعلي بن المديني وهو في أوائل القرن الثالث وفي أسباب النزول, ولكن ما هو أوسع من ذلك بتفسير المترادفات لم يكونوا يعتنون بأسباب النزول كعنايتهم بذلك.

    والسبب في هذا أن العلماء اعتنوا بأبواب المترادفات وهذا هو الأصل، باعتبار أن لفظ القرآن عام وليس بخاص, والعناية بأسباب النزول تعطي طالب العلم معرفة لسياق الحكم الذي أنزله الله جل وعلا وفهم الصحابة عليهم رضوان الله تعالى لذلك السياق لا أن تزيد حكماً لديهم, وذلك لسلامة اللسان وكذلك الفصاحة والبيان التي وهبهم الله جل وعلا إياها, فليسوا بحاجة لمثل ذلك, لهذا يضعف لديهم العناية بأسباب النزول.

    وكذلك أيضاً فإن أسباب النزول الخاصة التي يعتني بها الرواة باعتبار أن ذلك نزل بهم فيعتنون برواية ذلك وحكايته أنهم يعتنون بأسباب النزول إذا كانت في فرد أكثر من عنايتهم بسبب نزول عام, وذلك لأن سبب النزول الخاص مما يحفظ ويضبط, يحفظه الراوي وكذلك من يتصل به نسباً.

    الاعتناء بمعرفة الأنساب في أسانيد أسباب النزول

    وهذا من الأمور والقرائن التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها: أن سبب النزول إذا جاء عن راو من الرواة أنه نزل فيه هذا الحكم من كلام الله جل وعلا أن يعتني بمعرفة نسبه, وهذا له دلالة على مسألة الترجيح في أبواب التصحيح والتضعيف.

    ومن قرائن التعليل عند العلماء في كلامهم على الأسانيد أنهم ينظرون إلى الأسانيد وأنساب الرواة فيها, سواء كان من النسب الذي يرجع فيه الإنسان أباً عن جد, وسواء كان من النزول والصعود, أو كان عن طريق النسب والمصاهرة, فإنهم ينظرون إلى ذلك باعتبار أن ثمة شرفاً بهذا المنزل بخصيصة فلان, ولهذا أبي بن كعب لما قال له النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن الله عز وجل يبلغك السلام, فقال: أسماني؟ قال: نعم, فبكى ) , يعني: أن له أثراً على الإنسان.

    ويعتني به من كان يتصل به بنسب وسبب, يعتني بذلك أنه نزل في جدنا أو في أبينا ونحو ذلك, والأئمة قد اعتنوا بذلك, اعتنى بهذا ابن إسحاق كما في كتابه السيرة, فيذكر الأنساب، فيقول: هذا الذي نزل به كذا, ومن ذريته فلان.

    فإذا وجدت من يحكي سبب النزول من الرواة من التابعين وحكمه مرسل بالنسبة لنا من جهة الرواية, ولكن الذي ذكر أنه نزل به هو جده أو يكون من أهل بيته, أو من عمومته ونحو ذلك أو من قبيلته، فإن هذا من دلالات التقوية والتصحيح, وهذا من الأمور المهمة.

    وكذلك أيضاً ممن اعتنى بهذا مقاتل بن سليمان في كتابه التفسير وهو مطبوع, فإذا ذكر سبب النزول فإنه يذكر الرجل الذي جاء عليه ذلك الحكم والسبب, ثم يذكر نسبه, فأنت إذا عرفت نسب من نزل به الحكم أو نزلت به الآية فانظر إلى ذلك الإسناد ومن رواه, فإذا كان يتصل به بنسب وسبب وهو من أهل العدالة في ذاته, ولو كان مرسلاً فإن هذا من قرائن التقوية والتصحيح.

    وذلك أن الراوي إنما يروي عن أهل داره وبيته, وإن لم يسمهم, فإن الراوي إذا كان له سلسلة معروفة يروي عن أبيه, ثم أسقط أباه وروى عن جده فالأغلب أنه روى عن أهل الدار. وهذا من الأمور المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها.

    عناية أهل البلدان بأسباب النزول وتقديمهم في ذلك

    وأما ما يتعلق بمسألة تقديم البلدان الأخرى في أسباب النزول على غيرها, فيقال: إن تقديم البلدان إذا عرفنا تقدم أهل الحجاز سواء كان مكة والمدينة في أسباب النزول, فإن بقية البلدان على حد سواء, لا تتباين في ذلك, إلا أن أهل الكوفة هم أقل الناس عناية بأسباب النزول, وكذلك أيضاً من جهة الضعف هم أقرب إلى الضعف من غيرهم؛ لأنهم لا يعتنون بالتخصيص, وأسباب النزول هي من قرائن تخصيص بعض المعاني, وإنما يعتنون بإحالة الألفاظ إلى مدلولها من لغة العرب, فهم يجنحون إلى التعميم, وذلك لا يتوافق مع أصولهم, ولهذا عنايتهم في ذلك بأسباب النزول ضعيفة, وهذا على سبيل العموم في مدرسة العراق مدرسة أهل الرأي, وإن كان أهل البصرة أخف منهم في ذلك, وأهل الشام فوقهم مرتبة, وكذلك أهل مصر وأهل اليمن.

    ومرجع ذلك ومرده هو إلى معرفة طبقات الشيوخ, وكذلك مراتبهم في هذا, فإن طالب العلم إذا كان من أهل الإحاطة والدراية في ذلك كان من أهل التسديد في الأحكام.

    1.   

    مصنفات الأئمة في أسانيد أسباب النزول والاستفادة منها

    وأما أن يعمد طالب العلم إلى كتاب معين بعينه فيريد أن يأخذ منه الصحيح في أسباب النزول فإن هذا معدوم, ولا يوجد كتاب من الكتب اعتنت بأسباب النزول الصحيحة مسندة عن مؤلفها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ككتابي الصحيحين: البخاري و مسلم وأمثالها, كصحيح ابن خزيمة و ابن حبان ونحو ذلك, وإنما يوجد كتب متأخرة قد اعتنت بهذا الأمر.

    وسبب عدم عناية العلماء بذلك، يقال: إن العلماء من جهة لم يوردوا ويصنفوا كتباً في التفسير واشترطوا في ذلك الصحة على الإطلاق إلا ما كان من بعض إطلاقات ابن أبي حاتم في كتابه التفسير, وعليه مؤاخذات في هذا الإطلاق في بعض المواضع, وإن كان هو أمثل من غيره وأدق.

    والسبب في ذلك أن تعامل العلماء مع مرويات التفسير ومنها أسباب النزول هو دون التعامل مع أحاديث الأحكام، ما يتعلق في أصول الديانة وما يتعلق في الأحكام الفقهية؛ فإنهم يتساهلون في ذلك أكثر من تساهلهم في أبواب الأحكام, ولهذا اعتنى الأئمة بأحكام الدين, فصنعوا في ذلك الصحيح واعتنى الأئمة بهذا.

    ولكن يقال: إن طالب العلم ينبغي أن يعتني بأسباب النزول في الكتب التي اعتنى الأئمة بصحتها إسناداً, وهذا كالصحيحين، وكذلك ما يليها قوة كالسنن الأربع وأمثالها, وثمة رسالة في أسباب النزول في الكتب الستة رواية ودراية, وقد جمعت في هذا، وهي من أمثل المصنفات لأحد الفضلاء من المعاصرين, وهي رسالة جيدة في بابها يحسن الرجوع إليها في هذا الباب.

    وإن كان الحكم فيها قد لا يتسق في بعض الأحيان مع نسق ونفس طرائق الأئمة الأوائل, وفيها شيء من التشدد في بعض الأبواب والتساهل في بعضها, وهذا يرجع فيه إلى طرائق الأئمة في أبواب التعديل. وثمة رسائل أيضاً عند بعض المتأخرين في هذا يأتي الإشارة إليها بإذن الله تعالى.

    طرائق الأئمة في أبواب التصنيف في هذا, فمنهم من اعتنى بالجمع والإكثار في كل ما ورد أنه سبب للنزول, وذلك كالإمام الواحدي في كتابه أسباب النزول, فإنه جمع فأوعى, وأكثر من ذلك، حتى إنه أورد في ذلك أسانيد فيها ظلمة ونكارة, وفيها من الوضاعين والكذابين وكذلك من المجاهيل ما ينبغي لطالب العلم أن يحترز من ذلك, وأن يعمل في الأسانيد على الطريقة التي تقدم الكلام عليها.

    كذلك أيضاً في هذه المصنفات من اعتنى بأسباب النزول ولكن لا أعلمه موجوداً ككتاب علي بن المديني عليه رحمة الله, وهو لو وجد سيكون باباً من أبواب العلل, ومدرسة في أبواب التعامل مع علل أسانيد التفسير, وكذلك علل أسباب النزول, وهو فيما يظهر كعادة مصنفه الدقة في التعامل مع المرويات، سواء كانت في أبواب التفسير أو في غيرها.

    كذلك ثمة مصنفات في هذا ككتاب العجاب للحافظ ابن حجر عليه رحمة الله، وقد اعتنى بالجمع والإكثار من ذلك, وقد استفاد أيضاً من الواحدي فائدة ظاهرة في جمعه لذلك, وقد زاد عليه أشياء, ولكن أيضاً يعوزه في ذلك الدقة في أبواب أحكام العلماء على تلك المرويات، فكان فيه ثمة جملة من التساهل, وحكاية جملة من الأسانيد وذكرها مما لا يصح, أو جملة هي في عداد المنكر والضعيف.

    كذلك في كتاب الواحدي وكتاب الحافظ ابن حجر ذكر أسباب النزول ما لا يندرج تحت هذا الباب, وإنما هو من أبواب المناسبات وهو ما تقدم الكلام عليه في النوعين, في قولنا: إن أنواع أسباب نزول آي القرآن هي على نوعين:

    أسباب عامة, وذلك بمعرفة الحال التي كانت عليها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكذلك السنة التي كانت فيها, وأحوال الناس من جهة الرخاء والشدة والغنى والفقر, وكذلك أيضاً معرفة مراتبها من جهة الأحكام, فيأتي في بعض كلام السلف، فيقول: نزلت في كذا وكذا، يعني: أن حكمها تضمن كذا وكذا ولا يتضمن غيره, فإنهم يوردونه في هذا الباب, وهذا ما لا يدخل في بابنا, باعتبار أن ثمة أصلاً متقرراً أنه ما من آية من آي القرآن إلا ولها سبب نزول, فإذا كان لها سبب نزول فإن التوسع في ذلك مما لا حاجة إليه، إلا ما جاء في كلام بعض الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في قولهم: إنها نزلت في كذا وكذا, هي أرفع مرتبة من بيان الحكم المتضمن للآية, وأظهر أيضاً في أبواب الرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأما النوع الثاني: وهو سبب النزول المخصوص بفرد أو جماعة ونحو ذلك, فإن هذا مما يدخل في بابنا, وهو المراد في كلامنا على أمثال هذه المرويات ونحوها, وثمة مصنف أيضاً في هذا وهو ضعيف أسباب النزول وصحيح أسباب النزول لأحد الأزاهرة، صنفه في مجلدين، وقد جمع فيه أسباب النزول الضعيفة وأسباب النزول الصحيحة بحسب رأيه, وهي محاولة جيدة أيضاً في هذا.

    وثمة كتاب الصحيح المسند في أسباب النزول للوادعي, وفيه نوع تشديد في بعض الأبواب, وتساهل في بعض الأبواب, وهذا مرده إلى عدم إعمال قواعد الأئمة في التفريق بين النسخ المروية في أسباب النزول وفي التفسير, وبين ما كان على ضبط الصدر, وأن العلماء يفرقون بين هذا وهذا, مما ينبغي لطالب العلم عند التعامل مع المرويات أن يفرق بينها حتى لا يقع في أبواب الخلط في ذلك، ويخالف كلام الأئمة عليهم رحمة الله تعالى, إذا صححوا رواية فيضعفها, أو يضعفوا رواية فيصححها.

    كذلك أن يفرق على المراتب التي تقدم الكلام عليها في ذلك, فيرجع في أبواب حكمه على أسباب النزول إلى ما تقدم تفصيله حتى يكون من أهل الدقة والعناية في ذلك.

    1.   

    صور تقوية أسانيد أسباب النزول

    النظر إلى عمل راوي سبب النزول

    ومن المسائل المهمة حتى يتبين لطالب العلم معرفة الصحيح والضعيف من أسباب النزول: أن ينظر إلى عمل من روى ذلك السبب من أسباب النزول, فإذا كان قد روى الراوي سبب نزول الآية كــــعكرمة مثلاً، ثم روى قولاً موقوفاً عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى, فإن هذا مما يعضد المرسل.

    إذا كان عكرمة يروي مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب النزول, ثم روى موقوفاً يؤيد ذلك من قوله لا مقترناً بسبب النزول، فإن هذا مما يعضد ذلك القول.

    كذلك إذا جاء عن مجاهد بن جبر سبب النزول ورواه مرسلاً, ثم جاء عنه القول موقوفاً أو روايته عن عبد الله بن عباس موقوفة, فإن هذا مما يعضد ذلك المرسل باعتبار أن ثمة قرينة تدل على أن هذا مرده إلى ذلك الإسناد, فيعضد هذا بهذا.

    النظر في أقوال أصحاب الراوي لسبب من أسباب النزول

    كذلك أيضاً من صور التقوية في مرويات أسباب النزول: إذا جاء خبر معلول في أسباب النزول أن ينظر إلى أصحاب ذلك الراوي, إذا جاء عن عبد الله بن عباس إسناد معلول في سبب نزول أن ينظر إلى أصحاب عبد الله بن عباس ؛ لأن عبد الله بن عباس له أصحاب يروون عنه, فينظر في أقوالهم في ذلك الموضع, ينظر إلى قول عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى ذاته على سبيل الانفراد في المعنى الذي تضمنه ذلك السياق من سبب النزول, وعلى سبيل الانفراد ينظر إليه حتى يقوى أو لا يقوى، سبب النزول الوارد, ينظر في قول عكرمة , سعيد بن جبير , مجاهد بن جبر , علي بن أبي طلحة, وغيرهم في المرويات سواء المرفوعة عن عبد الله بن عباس أو الموقوفة, فإن هذا يعضد هذا.

    كذلك من يروي عن عبد الله بن عباس ويعتني بالنقل عنه ولو لم يسمعه, ثمة روايات عنهم مرسلة, عن النبي عليه الصلاة والسلام، ينظر في المرويات عن الضحاك فإنه يروي عن عبد الله بن عباس ولم يسمع منه، إذا جاء مرسلاً عنهم وجاء عن غيرهم عن عبد الله بن عباس فإنه يعضد هذا.

    كذلك أيضاً ما جاء فيمن يرسل عن عبد الله بن عباس كــــــالسدي وكذلك أيضاً عطاء الخراساني فإنهم يرسلون عن عبد الله بن عباس , هؤلاء إذا رووا مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب نزول ينظر أيضاً إلى المرويات الأخرى من أصحاب عبد الله بن عباس الذين لقوه, فإن هذا مما يعضد تلك المرويات التي وقفنا عليها, وترددنا في صحتها وضعفها.

    وهذا من القرائن التي ينبغي لطالب العلم أن يرجع إليها.

    النظر في مصنفات أهل الحديث التي تضمنت أسباب النزول

    من الأمور المهمة في ذلك, وهو تفصيل عما تقدم الكلام عليه, وهو أن الأئمة قد صنفوا جملة من المصنفات في أبواب التفسير تضمنت أسباب نزول, فــــــــالبخاري في كتابه كتاب التفسير متضمن في كتاب الصحيح, فيه جملة من أسباب النزول, إذا رجع إليها طالب العلم يجد أن البخاري قد اعتنى بأسانيد معينة في أسباب النزول فحرص على إخراج المرويات التفسيرية فيها، فيأخذ منها قواعد في أبواب التصحيح والتضعيف, ويأخذ منها قواعد في أبواب الإعلال، فإنه تارة يعل بصيغة التمريض, أو تارة يورد الأصح, ثم يورد بعد ذلك ما كان دونه مرتبة, فإنه يستأنس بأمثال هذه الطريقة.

    فإن البخاري في إيراده لمرويات التفسير وخاصة أسباب النزول يحتمل أن ذلك على شرطه من وجه, أن ما كان من أسباب النزول تقدم أن العلماء ومنهم من يحكي الإجماع أن له حكم الرفع, وما كان له حكم الرفع فإنه على شرط البخاري بخلاف الموقوفات, وكذلك أيضاً بخلاف المقطوعات والمعلقات, واعتبار أن البخاري قد سمى كتابه الجامع المسند المختصر من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فما لم يكن عن النبي عليه الصلاة والسلام فإنه لا يدخل في شرط البخاري من جهة التشديد, وإن جاء في بعض أسانيد الموقوفات أنها على شرط البخاري، فيقال حينئذ: إن مراد البخاري عليه رحمة الله بهذا الإيراد الاستدلال، أنه لا يوجد في هذا الباب ما يعضد هذه المسألة وهذه الترجمة, وأورد الموقوف, كذلك أيضاً في أبواب التفسير إذا قلنا: له حكم الرفع فينبغي أن تجعل في مرتبة على الأقل بين الموقوف وبين المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيفرق بين هذا وهذا.

    كذلك أيضاً في طرائق الأئمة الذين يعتنون بالأحاديث الصحيحة ويوردون في ذلك أسباب النزول, ومنهم من يعتني بالتفسير في هذا كـــــابن خزيمة عليه رحمة الله, وله أثر في أبواب التفسير في بعض السياقات في أسباب النزول, وله تصحيح لبعض تلك المواضع.

    العناية بكتاب التفسير لسعيد بن منصور

    كذلك أيضاً من المواضع التي تلتمس فيها نقاوة الأسانيد كتاب سعيد بن منصور في كتابه التفسير، فله شيء من العناية بأسباب النزول, وكذلك أسانيده أنقى من غيره ممن هو دونه مرتبة ممن يروي أسانيد التفسير, بل يظهر والله أعلم أن أسانيد سعيد بن منصور هي أنقى من أسانيد ابن جرير الطبري في أسباب النزول خاصة, وإن كانا يشتركان في كثير منها, وذلك لأن شيوخ سعيد بن منصور هم أوثق وأجل وأعلى من شيوخ ابن جرير الطبري في كتابه الجامع, لهذا ينبغي لطالب العلم أن يأخذ كتب التفسير على مراتبها من جهة القوة, وكذلك أيضاً في أبواب العناية.

    الاحتياط في التعامل مع الكتب المتضمنة لمرويات أسباب النزول

    من المسائل المهمة عن الكتب المدونة في هذا: أنه لا يخلو كتاب من كتب التفسير من العناية بأسباب النزول, ولكن ينبغي لطالب العلم ألا يعلق ذهنه بكل ما يكتب, فأكثر ما يكتب في كتب المتأخرين الموسعة من أسباب النزول هو في عداد المعلول, ولا يمكن أن يعد الإنسان الأحاديث المروية في أسباب النزول لكثرتها؛ لأن فيها الضعيف والصحيح, وأما الصحيح فهي أشياء معدودة, فإن الإنسان إذا قرن هذه المقدمات في معرفة الكتب, كذلك أيضاً طرائق التعليل، كذلك أيضاً مراتب أسباب النزول, وقرنها أيضاً بالتفريق بين سور القرآن المكي والمدني ومواضعه أيضاً من جهة تراتيب النزول, استطاع حينئذ أن يميز الصحة من الخطأ, وكذلك الضعف, فإن ذلك له قرائن عديدة.

    فإذا وجد إنسان سبب نزول في خبر مرسل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكنه لا يتناسب مع مضمون هذه الآية مكاناً, ولا يتناسب زمناً. أو كذلك أيضاً وجد ما هو أصح منه من وجه آخر أعلى منه وأقوى, فإنه يصحح ذاك ويضعف هذا، لاعتبارات ربما لا يستطيع أن يعبر عنها, لأن ذلك المرسل قد خالف ذلك المرسل, وذلك المرسل الأول قد وافقه أصحابه ممن روى عنه.

    وينبغي أن يعلم أن الأئمة الذين يعتنون بأبواب الأحكام هم أدرى الناس بأسباب نزول آي الأحكام, والأئمة الذين يعتنون بتفسير الألفاظ هم أدرى الناس بأسباب نزول تفسير الألفاظ وهكذا, فنجد مثلاً سعيد بن جبير فإنه من أهل العناية بالأحكام, وأسباب نزول الأحكام وكذلك العلو والرفعة فيها, وأما أسباب النزول الواردة في أبواب الألفاظ, وكذلك أيضاً فضائل الأعمال, فإن مجاهد بن جبر مقدم في ذلك, و عكرمة مولى عبد الله بن عباس مقدم على هؤلاء في هذا وهذا باعتبار عنايته بهذين البابين:

    الباب الأول: في أبواب الأحكام. الباب الثاني: في أبواب تفسير الألفاظ. ويلي بعد ذلك مرتبة ما يتعلق بأسباب النزول.

    نسأل الله جل وعلا أن يوفقني وإياكم لمرضاته, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.