إسلام ويب

أسباب النزول [2]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأمور المهمة لطالب العلم في معرفة أسباب النزول وضبطها أن يكون محرراً وناقداً في أبواب الحديث؛ وذلك لمعرفة التضاد والتعارض الذي يظهر له في أسباب نزول الآيات. وكذلك من المهم معرفة المصنفات ومظان ذكر أسباب النزول واتخاذها دليلاً للتوسع في كتب التفسير، وكذا معرفة الوقائع والأحداث التي ورد في سياقها آيات، ومعرفة المقربين من النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن والاعتناء بمرويات الصحابة في الفتيا التي يستدلون بها في أبواب المعاني، والقرائن التي احتفت بالآية، وأئمة هذا العلم والمعتنين به.

    1.   

    التضاد والتعارض في أسباب النزول

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:

    فمن المشكلات في أبواب أسباب النزول ما يتعلق بالتضاد والتعارض الذي يظهر لبعض طلاب العلم في سبب نزول الآي, وذلك أن الآية قد تكون مما نزلت في أكثر من موضع, أو يذكر في سبب نزولها موضعان متضادان, وهذا من الأمور المشكلة, ولكن يقال: إنه ينبغي لطالب العلم من جهة الأصل أن يكون محرراً ناقداً في أبواب الحديث, فإذا صح الحديث فإنه ينظر في الموضعين مما نزل في أسباب نزول الحديث، وإذا كان أحد هذين الموضعين ضعيفاً فإنه ينصرف عن الضعيف إلى الصحيح.

    ولكن ينبغي أن يعلم أن الآية قد يذكر في سبب نزولها سبب محدد, ويذكر سبب عام على التقسيم الذي تقدم معنا, فثمة سبب محدد أنها نزلت في فلان بن فلان، أو نزلت في واقعة كذا, وثمة سبب يذكر على سبيل العموم أنها نزلت فيمن حاله كذا, وهذا يكثر في كلام العلماء من المفسرين، أنهم يطلقون الأحوال ويطلقون الأحكام, وأن المقصود من كلام الله جل وعلا كذا, ولكن بصيغة سبب النزول.

    فيظن طالب العلم أن هذا نوع من التضاد, وليس كذلك, ولهذا ينبغي أن تؤخذ معرفة الخلاف على أحوال:

    الحالة الأولى: من جهة الصحة والضعف, فينظر في صحة الموضعين, فإن صح أحدهما وضعف الآخر فهذا من الأمور السهلة, وإن صح الجميع فيحمله على الحالة الثانية.

    الحالة الثانية: أن ينظر إلى الصيغ التي جاءت في أسباب النزول, فإذا كانت الصيغة عامة, كأن يقول الراوي: إن الآية نزلت فيمن حاله كذا وكذا, فهذا ليس من أسباب النزول المحددة, وإنما من أسباب النزول العامة كما تقدم الإشارة إليه, أما الصيغة: إنها نزلت يوم كذا وكذا لما فعل فلان كذا وكذا، فإنها صيغة مقيدة, وهي أخص المعاني، حينئذ يدفع الإشكال الوراد في أسباب النزول.

    الأمر الثالث: أن يفرق بين ما ورد من أسباب النزول مما هو من قول صحابي أدرك النازلة، وبين من روى نازلة لم يشهدها, أو كان دون مرتبة الصحابة، فروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نازلة وهو لم يدرك النبوة أصلاً, فيكون هذا مرتبة دون مرتبة الصحابي الذي أدرك النازلة وهذا مما يحل الإشكال.

    1.   

    مظان ذكر أسباب النزول

    ومن الأمور المهمة في أبواب أسباب النزول: أن يعرف طالب العلم المواضع التي يجد فيها أسباب النزول, وهذا في الأغلب يوجد في الكتب المصنفة على الأسانيد التي هي من مظان أسباب النزول.

    والكتب المصنفة على الأسانيد كثيرة, أقواها وأعلاها هو كتاب تفسير ابن جرير الطبري , وكذلك تفسير ابن أبي حاتم وتفسير عبد بن حميد وتفسير ابن المنذر , وكذلك تفسير البغوي , ويدخل في هذا جملة من التفاسير المسندة، ولكن أعلاها هذه الأسانيد, وأصح هذه التفاسير هو تفسير ابن أبي حاتم , وذلك أنه قد اشترط في كتابه أنه لا يورد إلا الحديث الصحيح, مع المخالفة في بعض المواضع، إلا أنه من جهة المجموع أنقى.

    وأما تفسير ابن جرير الطبري فمن جهة الأصل وإن كان أكثر وأوفر أحاديث وآثاراً ومرويات في أبواب التفسير, وأوسع أيضاً في أبواب التفسير من جهة الرأي, ففيه تفسير رأي لــــــابن جرير الطبري , ويكون ذلك على ضوء الأثر إلا أنه شبه معدوم في تفسير ابن أبي حاتم، فإنه يعتمد في تفسير ذلك على الأسانيد المروية عن الصحابة والتابعين وأتباعهم.

    وعلى هذا نقول: إن أنقى التفاسير تفسير ابن أبي حاتم من جهة الصحة، ويليه بعد ذلك تفسير ابن جرير الطبري , وقد يقال: إنهما يشتركان -أي: تفسير ابن جرير وتفسير ابن أبي حاتم- باعتبار أن تفسير ابن جرير هو تفسير موسع. وإذا نظرنا إلى النسبة والتناسب بين التفسيرين قد قاربا من جهة الصحة باعتبار عظم حجم تفسير ابن جرير الطبري.

    وكما أنه ينبغي لطالب العلم عند نظره في تأويل آية أن أول ما ينظر في التأويل أن ينظر في سبب النزول, ثم بعد ذلك ينظر في معنى تلك الآية، وكذلك ما يندرج تحتها من خلاف العلماء, ولهذا الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كانوا يحرصون على معرفة سبب النزول, وقد كان عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى من أكثر الصحابة عناية بذلك وتدقيقاً.

    1.   

    معرفة الوقائع التي ورد في سياقها آيات

    ومن الأمور التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها في أبواب سبب النزول: أن ثمة أحاديث ووقائع في زمن النبوة, وزمن الصحابة يرد في سياقها آيات, جاءت استدلالاً على حال أو بياناً لحكم شرعي اقترن بفعل، فإن هذا من الأمور التي ترشد طالب العلم إلى التدقيق في معرفة أسباب النزول على سبيل التحديد.

    وهذه لا يدرجها أهل العلم في أبواب التفسير ولا في أبواب أسباب النزول ولكنها منثورة, ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يعتني بمعرفة الآي من كتب السنة, وهذا قد جمع فيه رسالة مصنفة في هذا الأمر, ولكنها مقيدة في كتب معينة وهي الكتب الستة, ولكن لم يتوسع فيما عدا ذلك, وهي المناسبات التي جاءت وذكرت فيها آية, سواء ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن ذلك مما نص عليه أنه من أسباب النزول، كأن تكون ذكرت على سبيل الاستدلال على حكم معين ونحو ذلك.

    ولكن هذا مما يرشد طالب العلم إلى معرفة سبب النزول, وهذا لا يمكن حصره وضبطه، وهذا يرجع إلى معرفة طالب العلم بكتب السنة ومواضع الاستدلال, والمظان التي يستطيع فيها طالب العلم أن يتوسع في الاستنباط, وهذا مما لا حد له ولا حصر.

    1.   

    معرفة الكتب المصنفة في أسباب النزول وأنواعها

    ومن الأمور المهمة لطالب العلم في معرفة أسباب النزول: أن يعرف الكتب المصنفة في ذلك، وأن يعرف قدرها, وقد تقدم الكلام معنا على أن التصنيفات في ذلك قد دخلها من الضعيف والواهي والمنكر ما دخلها, وأن هذا الباب قد دخل فيه من الضعيف والواهي والمنكر ما دخله؛ للعلة التي وردت في أبواب فضائل القرآن, فإنه قد أدخل في أبواب نزول الآي ما أدخل, حتى جعل لكل آية سبب نزول.

    وهذا لا شك أنه نوع من أنواع المجازفة، وكذلك البعد عن الأصول العامة، فإن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى مع شهودهم التنزيل وإدراكهم لمعاني التأويل, وأنهم يوقنون أن آي القرآن ما نزل إلا لبيان الأحوال, وأنه ما من شيء من معاني القرآن إلا ونزل لحكمة وسبب، وهذه الحكمة والسبب بعضهم يجعلها سبباً للنزول ويدقق فيها, ويختلق لها ربما نازلة وحالاً, ولهذا امتلأت الكتب في أبواب أسباب النزول بالضعيف والمنكر والواهي، مما ينبغي لطالب العلم أن يكون من أهل الاحتراز في ذلك.

    والكتب المصنفة في أبواب أسباب النزول يمكن أن تذكر على نوعين:

    النوع الأول: مصنفات ذكرت أسباب النزول على سبيل الإجمال, فيذكرون أسباب النزول مما جاء في كلام الله جل وعلا، فيذكرون الآية وأنها نزلت في كذا وكذا, ولا يعتنون بأبواب الصحة والضعف.

    وقد يقال: إن من أقدم من صنف في هذا الباب الإمام الواحدي عليه رحمة الله في كتابه: أسباب النزول, وللحافظ ابن حجر كتاب في ذلك قد توسع فيه, وسماه: العجاب في أسباب نزول الكتاب, وثمة مصنف متأخر اسمه الاستيعاب في أسباب نزول الكتاب, وهو أشمل الكتب المصنفة في هذا, ولكن لا يخلو كتاب من هذه الكتب من خلل وتقصير.

    ومن الأمور المهمة في الإشارة إلى هذه المصنفات أن يذكر أن هذه المصنفات إنما هي مصنفات جامعة, يعني: أنها جمعت من دواوين السنة الأحاديث الواردة في أسباب النزول, ومنها: ما يسند المصنف الإسناد إلى نفسه ولكن فيه نزول كالإمام الواحدي عليه رحمة الله، وله جملة من الكتب في أبواب التفسير وأبواب أسباب النزول, وأسانيده ومفاريده في هذا الباب لا يكاد يصح منها شيء.

    وفائدتها لطالب العلم -أعني كتب الواحدي- أنه يرشد الطالب إلى الحديث فيلتمسه في مظانه الأعلى من ذلك, فإذا أرشده إلى ورود حديث فإنه لا يعتمد على أسانيد الواحدي , فإنه لا يتفرد بحديث عن الكتب الستة فيكون صحيحاً, أعني: في الأحاديث المرفوعة.

    ولهذا طالب العلم إذا وجد حديثاً من الأحاديث وقد ذكره الواحدي فيرجع فيه إلى مظانه, فينظر في أسانيده هناك فيكون كالكشاف وكالدليل الذي يرشد طالب العلم إلى ذلك الموضع.

    النوع الثاني من المصنفات في أبواب أسباب النزول: هي ما اعتنت بنوع من الأنواع التي تضمنت أسباب النزول, كبيان البلدان المبهمة, أو الوقائع والأسفار, أو الرواة.

    فهناك من المصنفين من يعتني ببيان أحوال الأشخاص الذين نزل فيهم القرآن, فإذا قيل: إنها نزلت آية في كعب بن عجرة , فينظر في كعب بن عجرة، ثم يترجم له ويذكر نسبه في ذلك, فهو لم يعتن من جهة الأصل بأسباب النزول التي نتكلم عليها, وإنما اعتنى بتراجم من نزلت فيه آي القرآن, وقد صنف مقاتل بن سليمان كتاباً في ذلك, وسمي بتفسير مقاتل بن سليمان , وقد توفي في منتصف القرن الثاني, وقد اعتنى بهذا النوع.

    كذلك أيضاً كتاب السيرة لــــــمحمد بن إسحاق قد اعتنى بشيء من هذا, بذكر الأشخاص الذين نزل فيهم القرآن, فيذكر تراجمهم وأنسابهم, ويذكر أيضاً ربما بعض البلدان والوقائع, ولكنه لا يعرج على ذات الآية التي نزل فيها القرآن وصحة أسانيدها, إنما يعتني بالوقائع والتاريخ والسيرة.

    وينبغي لطالب العلم في أبواب أسباب النزول ألا يعتمد على الكتب المصنفة, فثمة مصنفات قد اعتنت بأسباب النزول كما تقدم الإشارة إلى شيء منها, وثمة مصنفات مندثرة أيضاً قد اعتنت بأسباب النزول، كما في أسباب النزول لــــــعلي بن المديني ولغيره مما اندثر في هذا الباب.

    لكن ينبغي لطالب العلم ألا يعتمد على كتاب معين, وأن يرجع إلى الأصول, وأن يتتبع المواضع التي ذكرت في هذا الباب, فما من أحد إلا ووقع منه تقصير.

    1.   

    الطريقة المثلى لمعرفة سبب نزول الآية

    ما هي الطريقة المثلى التي يقف فيها طالب العلم على سبب نزول الآية؟

    الطريقة المثلى في ذلك أن يجعل الكتب المصنفة في هذا هي كالكشاف والدليل الموصل إليه أولاً, ثم بعد ذلك يتوسع في النظر في كتب التفسير, فيبتدئ من جهة الأصل بفهم سبب النزول الخاص الذي نزل على الفرد, ثم يرجع إلى الطريقة الأولى التي تقدم الكلام عليها، أنه ينتهي بمعرفة سبب النزول العام.

    وسبب النزول العام مما تقدم الكلام عليه وهو أن يعرف طالب العلم سبب نزول هذه الآية في أي بلد وعلى أي حال, وفي أي عام, هذا من أسباب النزول العامة, فيبتدئ من الفرد، ثم إن لم يجد الفرد يتوسع في ذلك قدر وسعه وإمكانه, وإن وقف على معرفة الفرد فالفرد قد يكون ممن خالط رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر عمره، فمثلاً:

    هل نزلت عليه في مكة وهو شاهد أو نزلت عليه بالمدينة؟

    وهل نزلت عليه في حال سفر أو حضر؟

    لا بد أن يتوسع في هذا الأمر؟ وهذا ما لا ينضبط في كتب أسباب النزول, ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يتوسع في ذلك, وأن ينظر في الكتب المصنفة في هذا، والكتب غير المصنفة في هذا.

    والذي يخدم طالب العلم أن ينظر في سائر المصنفات التي تعتني بعلوم القرآن, كذلك المصنفات التي اعتنت بالتتبع بمعرفة أسباب النزول.

    وقد يقال: إن أدق وأشمل كتب المتأخرين عناية بأسباب النزول وزيادة عن الكتب المصنفة في ذلك هو كتاب التحرير والتنوير لــــــابن عاشور، فإنه قد اعتنى بأسباب النزول, واعتنى أيضاً بالزيادة على المصنفات والتماس الأحاديث التي ورد في سياقاتها آيات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإنه يوردها ويستنبط منها سبباً للنزول, وهو من المدققين والمحررين في هذا, إلا أنه يؤخذ عليه عدم عنايته في أبواب العلل وأبواب التصحيح والتضعيف, وظهر في ذلك عدم عنايته بالصحيح والضعيف، فيقدم تارة الضعيف على الصحيح, وتارة يقول ويعمل بالحديث الضعيف في هذا الأمر. وهذا ما ينبغي على طالب العلم أن يكون من أهل الحياطة فيه.

    1.   

    المعرفة بأبواب المغازي والسير والتاريخ

    ومن الأمور المهمة أيضاً في إدراك ومعرفة المواضع في أسباب النزول: أن يكون طالب العلم من أهل المعرفة بالسيرة والتاريخ وأبواب المغازي, فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نزل عليه القرآن على أبواب متنوعة, ما يتعلق في أبواب العقائد, وما يتعلق في أبواب الأحكام, وما يتعلق في أبواب المعاملات.

    أبواب الأحكام متنوعة, ومن هذه الأحكام: أبواب الجهاد, فالجهاد جهاد النبي صلى الله عليه وسلم, آي الجهاد نزلت في زمن معين, فإذا عرف الإنسان ذلك الزمن الذي نزلت فيه أو تلك الغزوة التي نزلت فيه؛ استطاع أن يصل إلى سبب النزول المقصود من ذلك.

    فثمة آيات نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها ما نزل عليه في بدر, ومنها ما نزل عليه في أحد, ومنها ما نزل عليه في حنين, ومنها ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة قبل أن يذهب إلى جهاده.

    فتكون هذه من المعاني العامة التي توصل طالب العلم إلى المقصود من سبب النزول, ولا يذكرها العلماء في أسباب النزول, وإنما يجدها طالب العلم في كتب السير والمغازي ونحو ذلك.

    1.   

    معرفة المقربين من النبي صلى الله عليه وسلم وعلمهم بأسباب النزول

    وكذلك أيضاً ينبغي لطالب العلم أن يكون ممن يعلم المقربين من رسول الله صلى الله عليه وسلم في خاصته حتى يدرك سبب النزول, وذلك أن سبب النزول له خصيصة من جهة المعرفة والإدراك تختلف عن إدراك المعنى.

    والنبي صلى الله عليه وسلم ينزل عليه القرآن فيتلوه على الناس كافة, أما سبب النزول فهو خاص بمن شهد ذلك, أما المعنى العام فإن النبي صلى الله عليه وسلم من جهة الحكم والتشريع مأمور بأن يبلغ الآية للناس, لا أن يبلغ سبب نزولها, ولهذا سبب النزول لا يكون عاماً لسائر الناس, وإنما يختص به من كان قريباً من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يعرف المقربين من النبي صلى الله عليه وسلم في أبواب القرآن, والمقربين من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخالطته في قيامه وقعوده وفي أسفاره وحله.

    ومن أظهر هؤلاء: الخلفاء الراشدين الأربعة, فإنهم أكثر الناس مخالطة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الأخص أبي بكر و عمر , وكذلك أزواجه, فإنه إذا جاء سبب نزول وكان فيه أحد هؤلاء فإنهم أعلم الناس بذلك وأدق, ويكون قولهم أرجح من غيره.

    أما بالنسبة للتأويل فإنه لا محل للرجحان بمعرفة أسباب النزول في أبواب التأويل، باعتبار أن التأويل هو باب آخر ينبغي للإنسان ألا يخلط بين هذين، فمعرفة الأسباب منفكة ومنفصلة عن قدرة الإنسان على الاستنباط ومعرفة المعاني.

    كذلك أيضاً الأربعة من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح: ( خذوا القرآن عن أربعة ).

    وكذلك جاء في المسند والسنن على اختلاف في أحد هؤلاء الأربعة: ( خذوا القرآن عن أربعة: عن أبي بن كعب , و عبد الله بن مسعود و زيد و أبي موسى ).

    وهؤلاء هم من أهل القرآن, فإذا جاء أسباب النزول عن المقربين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهؤلاء الأربعة فإنهم من أدق الناس وأضبطهم لأسباب النزول الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, هذا في الأعم الأغلب.

    والمراد من هذا: أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا حال إلى هؤلاء الأربعة فإنهم عرفوا المعنى الذي لأجل الوصول إليه نعرف سبب النزول, فإذا كان كذلك فإنهم قد أدركوا سبب النزول, وأدركوا حينئذ المعنى الذي قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبليغ ما جاء عن ربه.

    1.   

    معرفة القرائن التي احتفت بالآية

    كذلك من الأمور المهمة لطالب العلم في أبواب معرفة أسباب النزول: أن ينظر في القضايا التي قد اقترنت بالآية في حكم الصحابة ولو بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فهذا نوع من الأنواع التي توجه طالب العلم إلى معرفة سبب نزول الآي، ولو لم ينص عليه، مع اختلاف الزمن واختلاف الحال.

    فإذا كان الصحابة يستدلون بآية من آي القرآن على حكم من أحكام الفقه، فينبغي لطالب العلم أن ينظر في هذه الآية وسياقها, فإنها إن لم تعطه المعنى التام في سبب النزول فإنها تعطيه شطره, أو بعضه أو أكثره.

    وذلك أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى على سبيل الخصوص إذا قالوا: إن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في كذا وكذا, أو نزلت في فلان بن فلان, وفتياهم في هذه الآية على قضية معينة أعطاك نوعاً من الفهم, وأن الأولى وهي قولهم: نزلت الآية في كذا وكذا هو الذي قصده العلماء في حكم المرفوع, وأن ما أفتوا به في زمنهم واستدلوا بهذه الآية أن ذلك الموضع هو دون ذلك مرتبة.

    وله من وجه آخر حكم الرفع باعتبار أنهم قصدوا ذلك في أبواب التأويل؛ لأنهم عرفوا مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك كحكم المرفوع إليه عليه الصلاة والسلام.

    ولهذا طالب العلم لا يمكن أن تتحقق له معرفة أسباب النزول إلا بمعرفة الكتب المصنفة بهذا الأمر على نوعيها, وكذلك معرفة السير والمغازي ومعرفة السياقات التي ترد فيها الآية في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقد ترد آية على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وسبب نزولها قد سبق عليه ذلك الأمر. فيكون لها سبب نزول غير الواقعة التي نزلت فيها.

    فسورة الفيل وما تضمنت من معان هو قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم, ولكن ما الظرف الذي نزلت فيه, وما هو الأمر؟ هو للتدليل على قضية معينة, ومخاطبة المشركين لمعنى معين, فهذا المعنى الذي في الآية لا يلزم ترابطه بالحادثة الزمنية, ولهذا كان القرآن أكثره من القصص التي لم يشهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحوال الأمم السابقة.

    1.   

    الاعتناء بمرويات الصحابة في الفتيا المستدل بها في أبواب المعاني

    والمعنى الأخير الذي أشرنا إليه وهو أنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني بمرويات الصحابة في فتياهم التي يستدلون بها في أبواب المعاني, فيستدلون بشيء من كلام الله سبحانه وتعالى، فهذا يعطيك شطراً من معرفة أسباب النزول, وهذا مما لم يجمع، ولم يحوه كتاب ولم يصنف فيه أحد فيما أعلم, بل لم يشر إلى هذا المعنى أحد ممن صنف أو تكلم في هذا الباب.

    ومما ينبغي لطالب العلم أن يكون من أهل السبر في معرفة مواضع الآي في كلام الصحابة عليهم رضوان الله تعالى, ولهذا يقال: إن من أفضل المباحث في أسباب النزول: أن تجمع الآيات التي تكلم عليها الصحابة في الفتيا أو استدل بها الصحابة على معنى من المعاني.

    وهذا قد يوجد في المصنفات ولها مظانها, ومن هذه المصنفات في ذلك كتب التفسير، سواء كان ذلك كتب الآثار وغيرها, أو كتب السير والمغازي، فإن فيها ما يوردونه من استدلال في هذا, كذلك كتب الزهد والرقائق والورع, وكتب فضائل الأعمال. وضبط ذلك لا يمكن أن يحصر, فثمة مصنفات في هذا الباب لا يمكن أن يحدها الإنسان, ومن أشهر ذلك الكتب المصنفة في أحكام القرآن.

    والكتب المصنفة في أحكام القرآن هي ما جاء عن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى, أو ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأويل تلك الآية شيء من الأخبار, أو أنزلت هذه الآية وأسقطت على حكم أو في حال فتيا سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم واحد من الصحابة, ولكنها ليست شاملة لذلك المعنى المراد.

    ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يعتني ابتداءً بهذه المصنفات مما تقدم الكلام عليه في كتب التفسير، وكذلك كتب السير والمغازي.

    كذلك ما يتعلق بكتب أحكام القرآن, وأحكام القرآن مصنفة في هذا, وثمة كتاب أحكام القرآن للشافعي , وأحكام القرآن لــــــأبي يعلى , وأحكام القرآن للجصاص, وأحكام القرآن لــــــأبي بكر ابن العربي , وغيرها من الكتب المصنفة في هذا, فإنها مما يفيد طالب العلم في معرفة وجهة الآية في الحال التي نزلت فيها.

    1.   

    معرفة ما يورده المفسرون في تفسير آية

    كذلك أيضاً مما يفيد طالب العلم في ذلك مما لا تذكر فيه الآية, وهو مرتبة دون ذلك: ما يورده المفسرون في آية من الآيات, ويوردون في معنى تلك الآية حكماً من الأحكام, فإذا ذكر العلماء آية من الآيات, ثم أوردوا كلاماً فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لأحد من الصحابة، فإن هذا السياق ربما كان قد اختصر منه ذلك الموضع الذي يشير إلى أن هذا الكلام جاء في سياق هذه الآية, ولكن يذكرونه في كتب الأحكام وكتب التفسير من غير إشارة إلى هذا. وهذا ما يتضمنه كتب الأحكام، وما تتضمنه كتب التفسير, وهذا أيضاً مما لا حد له ولا حصر.

    1.   

    أبرز المعتنين بأسباب النزول

    ثمة أئمة وأجلة من السلف الصالح من التابعين ممن اعتنى بأبواب أسباب النزول, وأبرز المعتنين بأسباب النزول من السلف الصالح هم أهل المدينة, فهم أظهر من اعتنى بأسباب النزول وأكثر من غيرهم, بل إن أقوى الأسانيد وأقوى المرويات في أسباب النزول هي عن المدنيين والمكيين.

    وأكثر الصحابة عليهم رضوان الله تعالى منقولاً عنهم في أسباب النزول هو عبد الله بن عباس , وذلك لأسباب, منها: أن عبد الله بن عباس كان من أكثر الناس سؤالاً عن أسباب النزول ممن لم يدركه, وذلك أنه إنما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شاب يافع في أول بلوغه, ولهذا قد جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عباس : ( أنه لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى وابن عباس قد ناهز الاحتلام )، ثم النبي عليه الصلاة والسلام توفي لما رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة.

    و عبد الله بن عباس إذا كان أكثر الصحابة مروياً في أسباب النزول فإن ذلك إشارة إلى أنه كان ممن يسأل الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، وأيضاً تأخر وفاة عبد الله بن عباس عن كبار الصحابة كالخلفاء الراشدين.

    وتأخر الإنسان في ذلك من الصحابة يدل على حاجة الناس إليه, فإذا احتاج الناس إليه أخرجوا ما لديه, أما أبو بكر و عمر فكان الصحابة يعرفون المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فكان السؤال في ذلك قليلاً, كحال الصحابة لما كانوا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام فقد كان سؤالهم عن معاني القرآن قليلاً, ولهذا تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن قليل ونادر بالنسبة للمروي عنه عليه الصلاة والسلام في أبواب الديانة؛ لأنهم يعرفون ذلك ولا يحتاجون إلى سؤال.

    ولكن لما دخلت العجمة على الناس وتأخر عبد الله بن عباس وفاة في ذلك احتاج الناس إليه, فأخذوا يسألونه فظهرت الفتيا عنه, ولهذا كان المروي عنه أكثر من عبد الله بن مسعود وأكثر من أبي بن كعب وأكثر من زيد بن ثابت وأكثر من أبي موسى؛ مع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( خذوا القرآن عن هؤلاء )؟ لأن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى قد تأخرت وفاته.

    كذلك أيضاً من الأسباب في هذا: أن عبد الله بن عباس كان من أهل بيت النبوة, فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فكان يخالط النبي عليه الصلاة والسلام ويجالسه ويخدمه كثيراً، ولهذا اختص بمعرفة كثير من مواضع أسباب النزول عمن لم يشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فإذا كان كذلك علينا أن نعتني بالمروي عن عبد الله بن عباس في أبواب أسباب النزول.

    وأكثر الناس عناية بأسباب النزول في المروي عن عبد الله بن عباس هو مجاهد بن جبر وإنما قلنا: مجاهد بن جبر مع عناية عكرمة بأسباب النزول, إلا أن عكرمة أكثر نقلاً عن عبد الله بن عباس بأسباب النزول أما مجاهد فهو أكثر عناية, وكيف يكون هذا؟

    أن مجاهداً يسمع من عبد الله بن عباس أسباب النزول ولكنه يعتني بتفسير الألفاظ, ولا ينقل أسباب النزول, وعكرمة أقل منه أخذاً عن عبد الله بن عباس لأسباب النزول وأكثر رواية عنه, وهذا واضح, أي أن أن مجاهد بن جبر أكثر أخذاً لأسباب النزول من عبد الله بن عباس لكن نقله عنه أقل, و عكرمة أقل أخذاً لأسباب النزول عن عبد الله بن عباس ولكنه ينقل أكثر مما ينقله مجاهد بن جبر .

    وإذا أردت أن تحصي ما ذكر في أسباب النزول تجد عناية عكرمة بأسباب النزول أكثر من مجاهد بن جبر , ولهذا نستطيع أن نقول: إن مجاهد بن جبر المروي عنه في أسباب النزول أدق من غيره, والدليل في ذلك ما جاء عن مجاهد بن جبر أنه قال: عرضت القرآن على عبد الله بن عباس ثلاث مرات, وجاء ثلاثين مرة, أوقفه عند كل آية، فأسأله فيما نزلت.

    وله حكايات عن عبد الله بن عباس أن هذه الآية نزلت في كذا وكذا, وهذا العرض المكرر من مجاهد بن جبر وإيقافه عند كل آية دليل على الاختصاص, مع كون عكرمة وهو مولىً لـــــــعبد الله بن عباس إلا أن المأخوذ والعرض عنده أقل من العرض من مجاهد بن جبر.

    وأما المروي عن عكرمة وعنايته بأبواب أسباب النزول فهي أكثر من مجاهد بن جبر , وينبغي أن يفرق بين الأمرين, وأن الكثرة لا تعني الأفضلية.

    قد يكون الإنسان عالماً لكنه قليل الكلام، وقد يكون الإنسان قليل العلم ولكنه كثير الكلام, وهذا أمر معلوم, وينبغي للناس أن يفرقوا بين هذا وهذا, فتجد مثلاً من الصحابة من توفي مبكراً كـــأبي بكر , تريد أن تجمع الفقه المروي عن أبي بكر تجده قليلاً لا يساوي صغار الصحابة الذين جاءوا بعده، وهذه القلة لا تعني عدم الفقه أو التباين في الفقه، وإنما قلة المروي لا علاقة لها في ذلك.

    وأصحاب عبد الله بن عباس الذين يعتنون بأسباب النزول، هم: مجاهد بن جبر و عكرمة و سعيد بن جبير , و سعيد بن جبير في كثير من الأحيان يعتني بأسباب النزول في أبواب الأحكام.

    و عكرمة مولى عبد الله بن عباس يعتني بأسباب النزول في آيات الأحكام وغيرها.

    و مجاهد بن جبر من جهة الحكاية نجد مروياته عن عبد الله بن عباس في أسباب النزول هي دون مروياته في تفسير الألفاظ.

    بل إن مجاهد بن جبر هو من أقل أصحاب عبد الله بن عباس حكاية للتفسير عنه.

    والسبب في ذلك أن مجاهد بن جبر في حكاية التفسير عن عبد الله بن عباس أنه أخذه منه وبين, وهذا هو الذي يأتي عليه؛ فنقل كل ملفوظ عن عبد الله بن عباس فيه إثقال على السامع, فينقل المعلومة ويحكيها ويحيلها من جهة الأصل, كل ما لديه هو عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى.

    1.   

    مراسيل المدنيين والمكيين وغيرهم في أسباب النزول

    كذلك أيضاً: فإن ما جاء في ذلك من أسباب النزول من كلام المفسرين الضعيف في هذا ما كان من أبواب الإرسال من غير المدنيين, وأما مرسل المدنيين في أسباب النزول فإنه أقوى من المراسيل في غيره.

    والسبب في ذلك: أن المراسيل في أسباب النزول تقتضي الشهرة, وذلك أنها نزلت عامة ونزلت في مجمع, وهذه السورة تقتضي النقل, أن ينقلها جماعة ولا ينقلها واحد, وهذا مدعاة إلى نقل الإنسان تلك الرواية إلى غير واحد فيحكي ذلك.

    ولهذا يأتي عن جماعة من المفسرين من أهل المدينة من يحكي سبب النزول ولكن لا يبين من نقله عنه, وهذا مرده أيضاً إلى قوة واحتراز ذلك الراوي, وأما الذين يروون أسباب النزول من غير المدنيين والمكيين وهم من أهل الآفاق, فرواياتهم لأسباب النزول معدودة في المطروح والواهي؛ وذلك لبعدهم، خاصة إذا كان سبب النزول ليس موجوداً عند أهل المدينة, وإنما خصصنا أهل المدينة لمعاني:

    أولاً: أنهم ممن نزل القرآن فيهم, والقرآن إذا نزل يتناقله الناس أن هذه الآية نزلت في كذا وكذا.

    كذلك أيضاً: أن من نزلت فيه الآية مدعاة لفضله ومنقبته, فإنه يذكر في المجالس أن هذه الآية نزلت في فلان بن فلان, فإذا ذكر أحد المدنيين أن هذه الآية نزلت في فلان بن فلان ولم تنزل فيه, وأحد من أهل المدينة يعلم أن المخبر في ذلك كاذب، فإنهم يتبادرون إلى نفي ذلك أكثر من أن يتبادروا في فتيا يقولها وتكون هذه الفتيا مرجوحة.

    ولهذا إذا تواتر واستفاض عند العلية من التابعين أن هذه الآية نزلت في فلان بن فلان على سبيل التخصيص، فإن هذا دليل على قوة ذلك إذا لم يوجد من يخالف في هذا الأمر؛ لأن هذا من أمور المناقب والفضل.

    كذلك أيضاً فإن هذا مما يتعلق بكلام الله عز وجل, والصحابة والتابعون يحترزون في كلام الله ما لا يحترزون في غيره ولو أرسلوا, فإذا عرف الشخص أنه من أصحاب الديانة فنسب شيئاً من أسباب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذا أقوى من روايته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً قاله أو فعلاً فعله أو هدياً هداه عليه الصلاة والسلام, لأن ذلك يتعلق بكلام الله جل وعلا فأوجب احترازاً.

    فما يرد من قولهم وهم من أهل الديانة والعدل والثقة والعبادة، فإن قولهم في ذلك يقدم على قول غيرهم من غير ذلك البلد ولو كانوا أعلى طبقة.

    1.   

    النظر في أسباب النزول إلى الخصيصة المقترنة بالمعنى المتضمن للآية

    كذلك أيضاً ينبغي أن ينظر في أبواب معرفة أسباب النزول إلى الخصيصة المقترنة بالمعنى المتضمن لتلك الآية, فثمة معانٍ في الآيات في كلام الله سبحانه وتعالى تتضمن خصيصة للناقل, الناقل لسبب النزول, فثمة أناس يعتنون بأمور الجهاد من الصحابة, وثمة أناس يعتنون بأمور الجهاد من التابعين.

    والذين يعتنون بنصوص الجهاد من الصحابة والتابعين إذا رووا سبب نزول وبينوا أن هذا المعنى جاء فيه كذا والآية من الجهاد فإنهم أعلم الناس بذلك.

    كذلك أيضاً ما يتعلق في أبواب الأقضية والحدود والتعزيرات والمواريث, وكذلك أيضاً ما يتعلق في أبواب المعاملات من البيع والشراء، وكذلك أيضاً أمور الزكاة كالصاع والمد، وكذلك الأطعمة وأنواعها وإخراجها ومصارفها ونحو ذلك, وهذا يرجع فيه إلى أهله.

    كذلك أيضاً من كان من أهل الولايات فإنه أعلم بما يخص به من أحكام شرعية مما نزل به القرآن أولى من غيره, فتلك الولايات فيها نصوص كثيرة أنزلت فيها, منها ما يتعلق في أمور الزكاة, ومنها ما يتعلق في أحكام الرشوة, ومنها ما يتعلق في إقامة الحدود, ومنها ما يتعلق في إقالة ذوي الهيئات, ومنها التعزيرات وغير ذلك.

    ومنها أيضاً ما يتعلق بأمور النساء, وهن أعلم الناس فيه, فإذا كانت الآية نزلت في حكم النساء فإن ما جاء في سبب النزول ولو كانت الراوية في ذلك في عداد المجهولات من التابعيات, فإن إدراكها لسبب النزول أولى من غيرها؛ لأن ذلك من خصائصها فيما يتعلق في أبواب العدد, وكذلك ما يتعلق في أبواب الحيض والنفاس, وما يتعلق أيضاً في أبواب الحجاب والستر وغير ذلك، فإنه في أمور النساء أظهر من غيره.

    وهذا من الأمور التي ينبغي أن يستحضرها الناظر في أسباب النزول.

    وكلما كان الموضوع أخص كان من اختص به أدرك وأعلم, ومن لم يختص به أبعد, وهذا في بعض القضايا كمسألة الحيض والنفاس, كذلك أيضاً في مسألة العدد.

    فتجد مثلاً عن الصحابة خلافاً في مسألة القرء, ومراد الله سبحانه وتعالى في ذلك, فقد جاء عن عائشة عليها رضوان الله تعالى في ذلك قولان, ويقال: إنما جاء في ذلك من تأويل عن عائشة عليها رضوان الله تعالى في ذلك أرجح من غيرها؛ لأن هذا مما يتعلق بأمر النساء أكثر من غيرهن.

    وكذلك أيضاً ينبغي أن يعلم أنه ما من آية من كلام الله سبحانه وتعالى من جهة الأصل إلا ولها سبب نزول على المعنى العام الذي تقدم الإشارة إليه, سبب نزول العام سياق عام, وذلك كأن يكون تهيأ الجو في المدينة ومكة على نزول آية من آيات أو حكم من الأحكام فنزل.

    وهذا إذا عرفناه أدركنا أهمية معرفة طالب العلم في أبواب التفسير؛ لتغير الزمان في المدينة ومراتبه, ولهذا فإن من أعظم المدركات لطالب العلم في أبواب أسباب النزول أن يعرف الأحكام وتسلسلها, وأن يربط بعضها ببعض كما يربط الإنسان نسبه بأبيه وجده.

    وذلك أن الإنسان إذا عرف أن الحكم نزل في سنة كذا أن يعرف الحكم الذي قبله في أي عام, فينظم الأحكام في سنوات معلومة مترابطة, هذه قبل هذه وهذه قبل هذه, فإذا عرف ذلك على سبيل التاريخ وعرف أحوالهم استطاع طالب العلم حينئذ أن يرجح في أبواب أسباب النزول.

    كذلك أن يزيل الإشكال الوارد عنده في حال تضاد وتعارض الآي في أسباب النزول, فإذا كان كذلك وفق إلى معرفة الراجح من المرجوح, وكذلك الصواب من الخطأ, وهذا لا يوفق إليه إلا من اجتهد وحرص على ذلك.

    وهذا لا يمكن أن يتحقق للإنسان إلا بمعرفة الإنسان بالتاريخ والسير والمغازي, ومعرفة الإنسان أيضاً بفقه الصحابة حتى يعرف تلك السنوات, كذلك معرفة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم واطلاعاً موسعاً على كتب السنة وكتب التفسير, وعلى سبيل الخصوص تفسير آيات الأحكام, فإن أعظم ما يبين مواضع نزول القرآن هي آيات الأحكام.

    1.   

    الآيات التي يكثر فيها سبب النزول

    وهذا ما ينبغي أن يستحضر الإنسان أن الآيات التي فيها سبب نزول أكثر هي آيات الأحكام أكثر من غيرها, فالآيات التي نزلت في أحكام الجهاد ونزلت في أحكام الصلاة والصيام والحج والعدد والحدود ونحو ذلك هذه مرتبطة بالأحكام الفقهية, وهذا ما تقدم الإشارة إليه باعتبار أن أمر العقائد لا تحتاج إلى سبب نزول باعتبار أن الحكم ثابت لا يتغير لدى أمة الإسلام, وكذلك الأمم السابقة لها.

    وذلك أن القرآن -كما تقدم الإشارة إليه- ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد وفقه وحلال وحرام والقصص, لا يخرج القرآن عن هذا, ويدخل في هذا ما يسمى في أبواب الفضائل, كل في بابه, فضائل الأحكام في بابها, وفضائل العقائد في بابها, وفضائل القصص والسير والمغازي في بابها.

    ويدخل في هذا أيضاً ما كان من أبواب الحكايات عن الأمم السابقة على سبيل الإجمال, وذلك أن طالب العلم إذا أراد أن يعرف أسباب نزول الآي وفصلها كما تقدم على معنى الإجمال, وفرق بين المدني والمكي, يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل عليه جملة من القصص، كقصص الأنبياء السابقين, كقوم عاد وهود وثمود وصالح ونوح وغيرهم, أنزلت على محمد تلك القصص مع تباين ألفاظها ومواضعها من القرآن, وذلك أنها أنزلت في وقت شدة, وما من قصة من القصص أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا والأصل أنها في زمن الشدة؛ مواساة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فيلتمس الإنسان مواضع الشدة حتى يوفق إلى الصواب في معرفة سبب النزول, هل كان ذلك في لأواء وشدة وفقر, أو كان ذلك مثلاً في غزو وجهاد, أو كان ذلك في تسلط أعداء, أو قوة منافقين وكذلك زعزعتهم وإرباكهم لوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه, فيكون ذلك مقترناً بتلك الأحوال.

    ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يجمع تلك العلوم والمفاهيم والمدركات حتى يتحقق لديه سبب النزول على الوجه الأصح والأتم والأمثل.

    1.   

    العلاقة بين معرفة سبب النزول وبين تقييد الحكم وعمومه

    وهنا ثمة إشكال أو سؤال ربما يسأل كثير من الناس إياه: هل ثمة صلة بين معرفة سبب النزول وبين تقييد الحكم أو عمومه؟

    أولاً: ينبغي أن يعلم أن الأصل في كلام الله جل وعلا العموم كما تقدم الإشارة إليه, وذلك أن الله سبحانه وتعالى ما أرسل نبيه إلا إلى الناس كافة, وإذا كان القرآن قد أنزل للناس كافة, فالقرآن الذي أنزل على محمد هو للناس كافة، ولو كان الخطاب على سبيل التخصيص.

    الإشكال الذي يورد هنا أن بعض آي القرآن جاء الخطاب خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم, فما الفائدة حينئذ من المعنى المتضمن لتلك الآية؟

    فحينما خص الله جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام بجملة من الخصائص التي عرفنا سبب نزولها, كقبول النبي صلى الله عليه وسلم لمن عرضت نفسها, وكخصائص بعض أمهات المؤمنين بتحريم النكاح لهن من بعده عليه الصلاة والسلام, وكخصيصة النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة أزواجه, وغير ذلك.

    إذا عرفنا هذا القيد, فما هو الحكم من هذه الآية الذي يشمل الأمة؟

    أولاً: ينبغي أن يعلم أن المعاني الواردة في كلام الله سبحانه وتعالى لا تقيدها أسباب النزول, وإنما تقيدها ألفاظها, وإنما أسباب النزول إنما تدل على معانيها, وأما ألفاظها فإذا جاءت مقيدة فتحمل على تقييدها, وأما الحكمة من ورودها فهي على حكم كثيرة، منها:

    التعبد بتلك الألفاظ من التلاوة.

    الأمر الثاني: التدبر بتلك المعاني التي جاءت فيها ولو لم تكن متصلة بالإنسان, فإذا كان هذا بيان حال النبي صلى الله عليه وسلم وبيان حكمه فهذا أيضاً في أحوال الأمم السالفة, فالقرآن مليء بقصة موسى وعيسى ونوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم من أنبياء الله جل وعلا.

    وهذه القصص أحوال لأمم سابقة يستنبط منها الإنسان من المعاني والتدبر والحكم ما لا يتعلق بأحكام فقهية, فالقرآن ما جاء لبيان الحلال والحرام مجرداً, وإنما هو طريق هداية وتوطين للنفوس وانشراح للصدر.

    فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد خص نبيه عليه الصلاة والسلام ببعض الخصائص دل الدليل على أنها من الخصائص وظهر ذلك في سبب ورودها, وفي اللفظ الذي جاء في سياق هذه الآية, فإن من أعظم المعاني التي يستفيد فيها الإنسان أن الله جل وعلا لطيف بعباده ورحيم بنبيه عليه الصلاة والسلام.

    وأن الله جل وعلا حينما يخص عبده بخصيصة فهو دليل على فضله ومزيته على غيره, فإذا كان هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتخصيصاً في القرآن من غيره، فإن هذا دليل على فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا من المعاني التي ترد في هذا المعنى ولو لم يتلبس الإنسان بها مباشرة, فتلك معانٍ عامة يستفيدها الإنسان من تلك الألفاظ, وكذلك المعاني الخاصة التي يجمع العلماء على أنها لا تتعدى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإنما هي خاصة به.

    وبهذا نعلم أن ما يطلقه العلماء: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب, هذا هو الأصل الذي لا يخرمه خارم إلا ما جاء من النزر اليسير من الصريح في الألفاظ, وبهذا نعلم أن ما جاء من تغير الخطاب في كلام الله جل وعلا من تخصيص أهل الإيمان فإنه شامل لسائر الناس، سواء كانوا كفرة دخلوا الإيمان, أو من كان في الإيمان حال نزول القرآن أو قراءته للقرآن.

    وكذلك أيضاً إذا خوطب الرجال فيدخل فيه النساء, وإذا خوطب النساء يدخل فيه الرجال إلا لخصيصة فطرية أو لخصيصة في ظاهر لفظ القرآن أنهم لا يدخلون في ذلك, فإنه خاص بهذا.

    وما جاء من الألفاظ مما هو خطاب موجه للصحابة فإنه عام لغيرهم, إذا جاء الخطاب للمهاجرين والأنصار فهو عام لغيرهم.

    ووجه العموم أن من أراد أن يصل إلى مرتبتهم فليندرج تحت خطابهم وعملهم حتى يصل إلى مرتبتهم, ولهذا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العلماء هم ورثة الأنبياء, فكان النسب بينهم كحال الابن مع أبيه يرثه, ويأخذ منه ما نزل عليه من الحكم, فكانوا أحق الناس بالنبي عليه الصلاة والسلام ولو تأخر ذلك زمناً.

    ومن الأمور المهمة في أسباب النزول: أن يكون طالب العلم على معرفة بمدار الأسانيد التي تدور عليها أسباب النزول, والصحيح منها والضعيف وأصحها، وما هي القرائن التي يرجع فيها طالب العلم إلى أبواب الصحة في ذلك, وما هي الأسانيد المشهورة التي ترد في أسباب النزول؟

    هذا ما سنتكلم عليه بإذن الله عز وجل في الدرس القادم.

    أسأل الله جل وعلا لي ولكم التوفيق والرشاد والهداية, وأن يسلك بي وبكم منهجاً قويماً, وصراطاً مستقيماً, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.