إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [3]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وجه الله سبحانه وتعالى إلى بني إسرائيل العديد من الأوامر, ومنها: الوفاء بالعهود والمواثيق التي أخذها عليهم؛ لأن الوفاء بها من أوجب الواجبات, والعهود قد تكون عهوداً بين الخالق والمخلوق, أو بين الخلق فيما بينهم. ومن الأوامر أيضاً: إقام الصلاة, فإن للصلاة منزلة عظيمة في الدين, لذلك كان تاركها كافراً كفراً مخرجاً من الملة, ولأهميتها شرع إقامتها في جماعة.

    1.   

    قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ...)

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    في هذا المجلس سنتكلم على بعض الآي من آي الأحكام.

    أولها: قول الله جل وعلا: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40].

    اتصاف اليهود بنقض العهود

    الله سبحانه وتعالى أمر بني إسرائيل بالإيفاء بعهده, وهذا بعد أن بين الله عز وجل جملة من الأوامر، وأشار الله جل وعلا إلى أنهم نقضة للعهود؛ كما قال الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ [البقرة:27], فبين الله جل وعلا أن هذا من عادة بني إسرائيل, وأنها من طرائقهم, فكرر الله عز وجل عليهم النداء بوجوب الوفاء بعهد الله والإتيان به, وكرر ذلك في مواضع عديدة على نوعين: بتسمية ذلك بالعهد, وتذكيرهم بالميثاق, والميثاق: هو العهد الذي أخذه الله سبحانه وتعالى على عباده.

    أخذ الله سبحانه وتعالى على نفسه العهد والميثاق

    ويذكر الله عز وجل العهد والميثاق بشيء مما يفهم منه صيغة العقود بين طرفين, فتارة يكون ذلك بالشراء, وتارة بالعهد, وتارة بالميثاق, وهذه من جهة اللفظ متباينة, ومن جهة الغاية واحدة, وهي أنه ثمة طرفان: الخالق, والمخلوق, والله سبحانه وتعالى لا يلزمه أحد من خلقه بشيء, وإنما الله عز وجل هو الذي يلزم نفسه ويحرم على نفسه ما شاء, وهذا الذي عليه قول عامة أهل السنة, وذهب بعضهم إلى أن العباد يأخذون على ربهم جل وعلا ميثاقاً, فيرضاه الله سبحانه وتعالى, وقد نص على هذا بعض العلماء كـابن حبان رحمه الله في كتابه الصحيح, ولكن من نظر إلى بعض الآي في كلام الله عز وجل يجد أن الله عز وجل قد أخذ ذلك على نفسه، وسماه تجوزاً بالعهد فنسبه إليهم, وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة:40], فجعل عهد العباد الذي على الله سبحانه وتعالى هو أن يجازيهم على ما بذلوا إليه من وفاء عهده, وذلك بطاعته جل وعلا بسائر أنواع الطاعات كما سيأتي الإشارة إليه.

    وأما ما جاء من عبارات أخرى من الميثاق، فإن الميثاق لا يكون إلا بقبول, فإن الإنسان يعرض على غيره شيئاً ثم يأتي القبول, فإذا جاء القبول سماه الله عز وجل ميثاقاً, وهذا هو الذي أخذه الله عز وجل على بني آدم حينما أخرج من آدم ذريته, وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف:172], فهذا هو الميثاق.

    وأما أن الله عز وجل يحرم عليه العباد شيئاً فيرضاه الله عز وجل؛ فنقول: إن هذا من جهة الأصل لا ينسب إلى الله سبحانه وتعالى, وإنما الله عز وجل عدل لا يظلم أحداً من عباده, فهو الذي يبادر عباده ببيان حقهم عليه إن وفوا بعهده, وهذا ظاهر كما جاء في صحيح الإمام مسلم , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قال الله جل وعلا: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ), فالله سبحانه وتعالى بين أنه حرم الظلم على نفسه, والظلم الذي حرمه الله عز وجل على نفسه هو الأمر المتعدي من الله عز وجل لعباده, فلما كان كذلك دل على أن الذي حرم ذلك هو الله وأن الله عز وجل لا يحرم عليه العباد ابتداءً شيئاً, وهذا نأخذ منه جملة من المسائل:

    حكم الوفاء بالعهود

    أولها: وجوب الوفاء بالعهود, وتسمى العهود, وتسمى المواثيق, وتسمى العقود, على اختلاف أنواعها, وهذا قد جاء الأمر به في كلام الله عز وجل في مواضع عديدة بتسميتها عهوداً, وتسميتها عقوداً وميثاقاً, وتارة تسمى شراء كأنها عقد بيع وشراء, والمراد بذلك هو شراء الأنفس والأموال ببذلها في سبيل الله سبحانه وتعالى, سواء كانت بالعبادة اللازمة مما يفعله الإنسان من صلاة وذكر وغير ذلك, أو المتعدية من الجهاد والزكاة وصلة الأرحام وبر الوالدين وغير ذلك, فهي من العهد الذي أخذه الله عز وجل على عباده.

    أنواع العهود

    والعهود على نوعين:

    النوع الأول: عهود بين الخالق والمخلوق.

    والنوع الثاني: عهود بين الخلق فيما بينهم.

    فالعهد الذي بين الخالق والمخلوق متنوع, وقد يكون في الأصول, وقد يكون في الفروع, وعلاقته في بابنا تظهر في أبواب الفروع, فمن جهة الأصول: فإن الله جل وعلا قد أخذ على عباده الميثاق, وهذا الميثاق الذي أخذه على عباده هو: أن يؤمنوا به ولا يشركوا معه شيئاً, وهذا يظهر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم, كما في حديث معاذ بن جبل , قال: ( أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ).

    فالحقوق المتبادلة بين طرفين لا بد أن يكون ثمة تراض في ذلك، وبيان الحقوق قبل هذا, وهذا أن الله عز وجل لما خلق آدم وأخرج من ظهره ذريته أشهدهم على أنفسهم ببيان حقه سبحانه وتعالى, فلما أقروا بذلك أصبح حقاً لازماً, وغرس فيهم ما يؤيدونه من دافع الفطرة؛ كما في قول الله جل وعلا: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30].

    وكذلك أيضاً ما جاء في حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من مولود يولد إلا ويولد على الفطرة, فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ), وهذا متعلق بالأصول, وهذا ليس له علاقة ببابنا.

    أما ما يتعلق بالنوع الثاني وهو في أبواب الفروع وهي العهود, والعهود بين الخالق والمخلوق في أبواب الفروع هي ما يتعلق بشرائع الإسلام مما أمر الله سبحانه وتعالى بها من أركان الإسلام عدا التوحيد, كذلك أيضاً ما أمر الله عز وجل الإنسان بالوفاء به مما كان عبادة, وجاء الأمر متوجهاً إليه على سبيل اللزوم بذاته مما يتعلق بأمر الذكر وقراءة القرآن وغير ذلك، والأمور المتعدية مما تقدمت الإشارة إليه, وهذه العبادات كل عبادة فيها عهد, وفيها عقود بين الخالق والمخلوق, وهي ما تسمى بشروط العبادات, فللصلاة شروط، وللزكاة شروط, وللحج شروط, وللصيام شروط يجب الوفاء بها, وهذه التي أمر الله سبحانه وتعالى بها, وجعل الله عز وجل الإثابة عليها مقترنة بوفاء العباد بالواجب عليهم: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة:40], فجعل الوفاء بالعهد من أحد الطرفين موجباً للوفاء من الجهة الأخرى.

    أسباب نقض الإنسان العهود

    والله سبحانه وتعالى إنما أمر عباده بالوفاء بالعهد؛ لأن الله جل وعلا لا يتصور منه نقض العهد, فجعل النقض من العباد, قال: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة:40], أي: أن الوفاء من الله جل وعلا آت لا محالة, وإنما النظر إلى وفاء العباد؛ وذلك لورود القصور عليهم من وجهين:

    الوجه الأول: هو قصورهم من جهة العوارض الأهلية التي تطرأ على الإنسان, إما بعجزه أو بنسيانه أو بجهله أو بخطئه وغير ذلك, فهذه عوارض أهلية تجعل الإنسان يفرط في شيء من الشروط, وهذا منتف عن الله سبحانه وتعالى.

    الأمر الثاني: هو العناد والاستكبار, أو الترك عن عمد من غير عذر, وهذا من جهة الأصل يقال: إن الله جل وعلا كلف عباده سبحانه وتعالى وألزمهم بذلك, وهذا لا يتصور إلا من عابد لمعبود, ومثل هذه العقود تكون من العباد لله سبحانه وتعالى؛ لهذا نقول: إن الإتيان بالعبادة بشروطها واجبة لهذه الآية, وأن الإنسان لا يكتمل عقده مع الله عز وجل إلا بالإتيان بالشروط, وهذا دليل لمن قال من العلماء: إن من ترك شرطاً من شروط العبادات فيما بينه وبين الله أنه ليس ممن يستحق الأجر والإثابة على ذلك؛ لأنه ما أوفى بعهد الله عليه, وعهد الله جل وعلا عليه هو أن يأتي بشروط الصلاة وشروط الصيام والزكاة والحج وغيرها, ومن فرط في شيء من الشروط نقول: لا تخلو حاله من حالين:

    الحالة الأولى: أن يكون ذلك بعذر, كأن يطرأ عليه شيء من العوارض الأهلية التي تمنعه من ذلك, وهذه العوارض منها: الجهل، والخطأ، والنسيان, والإكراه, فإنه يعذر, لقول الله سبحانه وتعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286], جاء في الصحيح ( قال الله جل وعلا: قد فعلت ), وكذلك ما جاء في المسند والسنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ), فما يقع من الإنسان بشيء من العوارض الأهلية فإنه يعذر في ذلك.

    ما يلزم من فرط في العبادة لعذر

    ثم هل يرتفع عنه الإثم؟ أم يرتفع عنه القضاء إذا أتى بالعبادة؟ نقول: إن العبادة إذا لم يأت الإنسان بشروطها لا تخلو من حالين:

    الحالة الأولى: أن تكون العبادة مما يعاد, فيجب على الإنسان أن يعيدها إن فرط, وذلك كحال الإنسان الذي دخل في الصلاة ولم يأت بشرطها وهو الوضوء أو ستر العورة فنقول: يجب عليه أن يعيد ذلك؛ لأن الصلاة مما شرع الله عز وجل إعادتها في حال بطلانها, وقضائها في حال نسيانها؛ لهذا نقول: إنه يجب عليه أن يعيد إذا ترك شرطاً من الشروط وكانت هذه الصلاة مما تعاد, وإذا كانت العبادة من العبادات التي لا تعاد وإنما تؤسس تأسيساً جديداً؛ وذلك كبعض العبادات التي يؤديها الإنسان لزوماً في زمن معين, أو بحد أو بوصف معين ويفوت هذا الوصف, ويستدركه الإنسان فيما بعد ذلك, وذلك مثلاً فيما يتعلق بالأصول في أبواب الإيمان والتوحيد, إذا فرط الإنسان في الإيمان, فإن استدراكه لما مضى غير متصور, وإنما ينشئ التوحيد من ساعته هذه, بخلاف الصلاة فإنه يقيمها إذا ذكرها, قال الله عز وجل: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14], أي: يجب على الإنسان أن يؤديها في حال ذكره لله سبحانه وتعالى, فإذا نسي, ( فمن نام عن صلاة أو نسيها فليؤديها إذا ذكرها, لا كفارة لها إلا ذلك ) .

    وهذا النوع من جهة ما يتعلق بالفروع والوفاء بعهد الله عز وجل وعقده مع عباده فيها نقول: إذا كان متعمداً فليس له أجر وهذا محل اتفاق عند العلماء, وإذا كان ناسياً أو جاهلاً فيؤجر على ذلك, ولكن هل تصح أداء عن تلك العبادة؟ كحال الإنسان إذا صلى صلاة الظهر بغير وضوء أو بغير ستر عورة ناسياً أو جاهلاً؟ نقول: إن في هذا كلاماً عند العلماء, فمنهم من يفرق بين الشروط ويجعل آكدها كالوضوء, والوقت, ويجعل ما عدا ذلك بعدها في المراتب, فإذا صلى الإنسان ناسياً إلى غير القبلة, أو أدى الصلاة بشيء من التقصير من ستر العورة ناسياً؛ فلا يجب عليه الإعادة، أما في الوضوء فيجب عليه الإعادة, وهذا من مواضع الخلاف عند العلماء في مسائل الشروط, ويأتي الكلام عليها في موضعها بإذن الله عز وجل في آية الوضوء في سورة المائدة.

    الأجر على العبادة الباطلة إذا لم يعلم فاعلها بالبطلان إلا بعد الفراغ منها

    وأما ما يتعلق بأداء الإنسان للعبادة إذا بطلت في حقه فهل يؤجر على الباطل من تلك العبادة؟ فنقول: يؤجر عليها, فالله سبحانه وتعالى لا يضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى, والعمل هنا على وجه العموم ما كان خالصاً لله، وفعله الإنسان بنية صادقة فيؤجر على ذلك, وهذا لا يعني أنه لا يعيد تلك العبادة الباطلة, فلا تنافي بين القولين, ولهذا الإنسان الذي يصلي صلوات بغير طهارة ثم يتذكر بعد ذلك, عليه ألا يتحسر أن جهده ذهب هباءً منثوراً, نقول: إن الأجر قد حصل للإنسان.

    كذلك ما لا يحسب للإنسان من صلاته؛ كحال المأموم إذا جاء إلى الصلاة والإمام ساجد لكنها لا تحسب له ركعة, فينبغي له أن يبادر وله أجر السجدة وأجر الدعاء فيها.

    العهود بين المخلوقين

    النوع الثاني من العقود والشرط: هي التي بين العباد فيما بينهم, بين الخلق, ووجه الاستدلال من هذه الآية على العقود بين العباد هو أن الله جل وعلا يقول في الحديث القدسي كما جاء في الصحيح: ( يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً ), فاستدل بالعقد الذي بينه وبين عباده على العقد الذي بين العباد, فقاس الله سبحانه وتعالى على ما حرمه على نفسه من ظلمه لعباده, فدل على أن العقود بين العباد يجب فيها الوفاء كما يجب الوفاء بين الخالق والمخلوق مما أوجبه الله سبحانه وتعالى على نفسه، ولهذا نقول: إن في قول الله جل وعلا: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة:40], دليل بقياس الأولى على وجوب الوفاء بالعهود بين العباد, وهذا من قياس الأولى الذي يقول به سائر المذاهب حتى الظاهرية؛ فيجب على العباد أن يفوا بالعهود والعقود فيما بينهم لظاهر هذه الآية.

    والعقود متنوعة في هذا الباب, منها ما يقع بين الأفراد كعقود النكاح، وعقود البيع والشراء, ومنها ما يقع بين جماعات وأفراد, وجماعات وجماعات؛ وذلك كالعهد والميثاق الذي يأخذه واحد على قوم, أو يأخذه قوم على قوم, مما يكون بين الدول والقبائل والشعوب والأمم, فإن هذا مما أمر الله عز وجل بالوفاء به, وقد مدح الله عز وجل الموفون بعهدهم إذا عاهدوا.

    ولهذا فالوفاء بالعقود واجب على العباد بجميع صوره وأنواعه.

    الأسباب التي تبيح عدم الوفاء بالعهود

    وما كان من شروط متضمنة للعقد الذي يكون بين الناس؛ إذا اختل شرط من الشروط فإن العقد باطل بقياس الأولى؛ لأن الله عز وجل أمر بالوفاء بعهده, فإذا اختل شرط من شروط الوفاء بعهد الله جل وعلا بطلت العبادة؛ كذلك أيضاً ما كان من العباد فيما بينهم, فإذا كان ثمة عقد بين متبايعين واشترط أحد المتعاقدين شرطاً واتفقا عليه, فأخل بالشرط أحدهما جاز للآخر أن يمضيه وينشئ اتفاقاً جديداً, وجاز له أن يفسخ بتفريط أحدهما بأحد الشروط وهذا محل اتفاق عند العلماء.

    كذلك أيضاً في أمور النكاح, إذا خطب الرجل امرأة واشترطت عليه شرطاً, ثم لم يف بهذا الشرط, فله حالتان:

    الحالة الأولى: أن يكون ذلك قبل الدخول بها فإن لها الحق في عدم تمكينه من نفسها.

    أما إذا كان ذلك بعد الدخول فنقول: لها الحق أن تطالب بالفسخ من زوجها إذا لم يف بذلك الشرط, وإذا وفى بذلك الشرط فإن العقد بذلك ماض, بخلاف إذا كان محدداً بمدة معينة, فلها الحق في طلب الفسخ من زوجها, وهذا كما أنه في عقود النكاح فهو أيضاً في العهود والمواثيق التي تكون بين أمة الإسلام وبين الأمم الأخرى, فإذا كان بينهم شرط فنقضوا هذا الشرط أو من يمثلهم فإنه حينئذ يكون العهد والميثاق لاغياً؛ وذلك كأن يكون بين اليهود والنصارى وبين المسلمين عهد وميثاق, واشترطوا شروطاً, ومن هذه الشروط: ألا تعينوا الكفرة الفلانيين على المسلمين, فقاموا بإعانتهم عليهم فنقول: إن هذا العهد لاغ باختلال شرط من شروطه, وينقض بمجرد اختلال الشرط, ولو من طرف واحد, ولو وفوا ببقية الشروط, وهذا محل اتفاق عند العلماء.

    والله سبحانه وتعالى إنما وجه الخطاب لبني إسرائيل بأمرهم بالوفاء بهذه؛ لأنهم نقضة للعهود.

    ضرورة مناصحة من ينقض العهود

    وفي هذه الآية دلالة على أن الإنسان إذا كان يعاهد أو يتعامل مع أحد عرف بالنقض للعهد والميثاق فعليه أن يذكره بالله عز وجل, وأن يكرر عليه هذا, لوجوب الوفاء بالعهد والميثاق فيما بينه وبينه, وأن يبين خطورة نقض المواثيق, وأن هذا من صفات الفسقة والكفرة الضالين الخارجين عن عهد الله عز وجل وعهد رسوله.

    1.   

    قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين)

    التدرج في التشريع

    الآية الثانية: قول الله جل وعلا: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43], أمر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والركوع مع الراكعين, وذلك أن الله سبحانه وتعالى إنما أمرهم بإقامة الصلاة بعد أن أمرهم بالتوحيد, فقال الله جل وعلا: وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة:41], فأمر الله عز وجل اليهود والنصارى بأن يقيموا الصلاة بعد أمرهم بالتوحيد, وهذا إشارة إلى التدرج في شريعة الإسلام, فأن الله عز وجل أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يأمر العباد على سبيل التدرج, وهذا كما أنه لليهود والنصارى فهو كذلك للكفار والمشركين, فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب ), فأمره بالتدرج كما في هذه الآيات, قال: ( فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله, فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة.. الخ ), وهذا فيه الإشارة إلى أن الأمر من الله سبحانه وتعالى لعباده جاء على سبيل التدرج وليس جملة؛ لأن النفوس لا تطيق هذه التكاليف دفعة واحدة, وإنما لا بد من التدرج في هذا, وهذا نأخذ منه حكمة بليغة وهي: أنه ينبغي للمعلم أن يتدرج في تعليم الناس العلم, وأن يعلمهم ما يجب عليهم حسب أهميته فالتوحيد يجب على الأعيان, وهو آكد من الصلاة, ثم بعد ذلك الصلاة, ثم بعد ذلك الزكاة وغيرها من شرائع الإسلام.

    التنزل مع الخصم في إلزامه بالإيمان بما عنده وإن كان فيه باطل

    وفي قول الله عز وجل: وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ [البقرة:41], دليل على أنه لا حرج على الإنسان أن يتنزل مع الخصم, بإلزامه بالإيمان بما لديه وإن كان متضمناً لباطل, فإن اليهود والنصارى قد حرفوا كلام الله سبحانه وتعالى, فأنزل الله عز وجل التوراة على موسى وأتباعه اليهود, وأنزل الله عز وجل الإنجيل على عيسى وأتباعه النصارى, فالنصارى حرفوا الكتاب لفظاً ومعنى, وهذا محل اتفاق, أما اليهود فإنهم حرفوا التوراة معنى بالاتفاق, وهل حرفوها لفظاً أم لا؟ موضع خلاف عند العلماء, فمن العلماء من قال: إن التوراة التي بأيدي اليهود هي بلفظها, لم تحرف وإنما حرف المعنى, وأشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية و ابن القيم رحمهما الله, وحكاه قولاً.

    ومن العلماء وهم الأكثر من قال: إنهم حرفوه أيضاً لفظاً, ولكن الذي عليه شبه اتفاق عند العلماء من أهل السنة: أن التحريف وقع في الإنجيل أكثر من التوراة لفظاً, وأن تحريف المعنى وقع في التوراة أكثر من الإنجيل, ولهذا وصف الله عز وجل ما فعله اليهود والنصارى في كتبهم بالتحريف, على أي وجه كان, وذلك أنهم جاءوا بمعان جديدة تخالف المعنى المراد, فغاب عنهم وانفصلوا عن المعنى الذي أراده الله سبحانه وتعالى, فأصبح المتحصل في ذلك واحد, سواء كان اللفظ موجوداً أو ليس بموجود, ومع هذا قال الله جل وعلا: وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ [البقرة:41], أي: بما لديكم ولو كان محرفاً, لكن إذا وجد ما يوافق الحق يرجع إليه على سبيل التنزل, وأن الإنسان إذا خاطب اليهود والنصارى فيما لديهم وناقشهم في بعض المواضع في كلامهم أن هذا من حجج القرآن والسنة عليهم ولا يعني ذلك الركون إلى كتبهم والنظر فيها, وهذا يلزم ضمناً, فينبغي للإنسان إذا كان متصدراً وعالماً وبصيراً بأصول الإسلام وفروعه, وعارفاً بطرائق أهل الضلال من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين, ومتصدراً لدعوتهم أن يكون عالماً بما في كتبهم من حق وباطل, حتى يبين لهم الحق من الباطل، والباطل من الحق.

    الحكمة من التعبير بالقيام في قوله تعال: (وأقيموا الصلاة)

    فالله سبحانه وتعالى أمر بني إسرائيل بقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43], والأمر هنا توجه بلفظ الإقامة للصلاة, والإيتاء للزكاة, وذلك أن الإقامة للصلاة من الشخص منفرداً من غير أن تتعدى إلى غيره, بخلاف الزكاة فإنه لا بد أن تتعدى إلى غيره, فلهذا قال في الزكاة: وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43], فإيتاء الزكاة لا بد أن يكون لشخص آخر, أما الإقامة فتصح من الإنسان, وفي هذا دليل على أن صلاة المنفرد صحيحة إذا لم يؤدها جماعة, وإن كان قد خالف في ذلك المأمور به, ويأتي الكلام على ذلك عند قول الله جل وعلا: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43], في هذه الآية, والقيام إنما ربطه الله عز وجل بالأمر بالصلاة لأنه أعظم وجوه الاستعداد للإنسان, فإن الإنسان يتهيأ للقوة في حال القيام ما لا يتهيأ له في حال القعود والاضطجاع, وكذلك الركوع, مما يدل على تهيئ الإنسان واستعداده, ولهذا ربطها بالصلاة, هذا وجه.

    الوجه الآخر: أن الإنسان في حال صلاته قائماً أكثر من كونه ساجداً وراكعاً وجالساً, فربط الأمر بالأكثر تغليباً, وأيضاً: فإن القيام مرتبط بأفضل ملفوظ وهو كلام الله جل وعلا بخلاف الركوع والسجود, والجلوس, فقال: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43], والقيام لا تصح الفريضة إلا به, ولهذا جعل الله عز وجل وصف أداء الصلاة بالقيام, فقال: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43], وهذه اللفظة يستفاد منها الإتيان بالصلاة جماعة، وكذلك فرادى فرضاً ونفلاً, كما يأتي الكلام عليه بإذن الله تعالى.

    والمراد بالصلاة هنا المعنى الشرعي لقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43], وهذه قرينة تجعل المراد بها في هذا الموضع هي الصلاة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، وليس المراد بذلك الدعاء؛ لأن الله عز وجل قال: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43].

    براءة ذمة من دفع الزكاة إلى غير مستحقيها دون علم

    وفي قوله: وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43], لا بد أن يكون ذلك متعدياً, والمتعدي يجب على الإنسان أن يحتاط في أدائه والإتيان به, وأن يكون إتيانه بها بحسب موضع الوجوب من الأصناف الثمانية, وأن يتحرى في أداء الزكاة كما يتحرى في إخراج المال، ومعرفة النصاب في ذاته من جهة المال، ودوران الحول, وعليه أن يتحرى في إعطاء مستحقي الزكاة, وإذا تحرى ثم بان أنه أعطى خلاف ذلك صحت من الزكاة, وخرجت الزكاة من ذمته بمجرد قبضها من مستحقها ولو بان بعد ذلك أنه ليس مستحقاً لها؛ وذلك لما جاء في الصحيح: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل الذي قال: لأتصدقن, فتصدق فوجدها في يد غني, فتصدق فوجدها في يد سارق, فتصدق فوجدها في يد زانية, فقال: الحمد لله على سارق, الحمد لله على غني, الحمد لله على زانية ), فهذا دليل على أن الإنسان إذا أداها وفرغ منها وهو في حال احتياط ثم بان له الأمر بعد ذلك فقد أدى ما عليه. وهذا كما أنه في الزكاة, فهو كذلك في الصلاة, إذا أداها الإنسان وقد اجتهد في القبلة ثم بان له بعد ذلك أنها إلى غير القبلة فأن صلاته صحيحة على الصحيح من أقوال العلماء.

    معنى الزكاة في لغة العرب

    والزكاة في لغة العرب: هي النماء, وفي هذا دفع توهم من يظن من الناس أن الزكاة تنقص المال, وإنما المراد بذلك الزيادة, والزيادة على وجهين: زيادة عينية, وزيادة معنوية, أما الزيادة العينية: فما يوفق الله عز وجل العبد إلى شيء من الخير, من المضاربة ونحو ذلك, فيرشده إلى شيء منها فينموا ماله.

    وأما الزيادة المعنوية: فهي أن يبارك الله عز وجل في مال الإنسان, فإذا كان الإنسان معتاداً مثلاً أن يأخذ السلعة بعشرة يهيئ له في يوم من الأيام أن يأخذها بما دون ذلك مما يكون له أعظم الأثر على ما دفعه من الزكاة, فإذا كان أخرج من الزكاة عشرة يهيئ الله عز وجل له من الأسباب ما يبارك له في ماله, فيجد ما يتهيأ له من السلع ما هو دون ذلك, فيتوفر له من ماله مما هو أعظم, كذلك أيضاً يرزقه القناعة بالقليل مما لا يقنع به غيره, ويرضى بذلك, بخلاف غيره الذي يصاب بالنهم بالكثير.

    كيفية الصلاة عند أهل الكتاب

    فالله جل وعلا أمر بني إسرائيل بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهي موجودة عندهم في كتبهم, ولكن على اختلاف في هيئاتها, فصلاة بني إسرائيل بالنسبة للنصارى لها ركوع وسجود, وذلك أن الله عز وجل أمر مريم فقال: وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران:43].

    وأما بالنسبة لليهود فإن صلاتهم ليست بذات ركوع, ولا يعرفون الركوع, وإنما صلاتهم بالقيام, ولهذا الله عز وجل دفع توهمهم الذي يطرأ على أذهانهم بقوله: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43], أي: ليست الصلاة التي في أذهانكم هي التي أوجبها الله على محمد صلى الله عليه وسلم, وإنما هي صلاة أخرى تختلف من جهة الصفة, وهي ذات ركوع.

    الهجرة من بلاد الكفر

    قال تعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43], وفي هذا جملة من المسائل:

    أن من أظهر إسلاماً ولم يهاجر إلى بلدان المسلمين فإن حكمه حكم من بقي معهم, ولهذا أوجب الله عز وجل الهجرة على من دخل في الإسلام, ولهذا قال الله جل وعلا: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43], يعني: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة لا منفردين, وإنما مع المسلمين, وإن لم تكونوا تحت لوائهم فإن حكمكم حكم من أنتم تحت لوائه, بخلاف من كان معذوراً ولا يجد مخرجاً من بلده من المستضعفين ونحو ذلك, وذلك ككثير من المسلمين الذين يعيشون في بعض البلدان الغربية ونحو ذلك, فلا يجدون مثلاً جنسيات، أو لا يجدون مواضع لهم في بلدان المسلمين, فإنهم يعذرون في ذلك، ويكونون في حكم المستضعفين.

    اقتران الصلاة بالزكاة في خطاب الشارع

    وفي قوله سبحانه وتعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43], دليل على وجوب الصلاة وتقدمها على الزكاة, وهي الركن الثاني من أركان الإسلام, ودليل أيضاً على تأكيدها وكونها ركن من أركان الإسلام؛ كما جاء الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله, وإقامة الصلاة, وإيتاء الزكاة ), الحديث, كذلك أيضاً ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة في سؤال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم, ( قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة ), الحديث.

    كذلك أيضاً: فيه إشارة إلى اقتران الصلاة بالزكاة, وقد قرن الله عز وجل الصلاة بالزكاة في كتابه العظيم في أكثر من عشرين موضعاً, سواء بلفظ الصلاة أو بغيرها, وجاء الأمر بالصلاة منفرداً أكثر من الأمر بالزكاة منفرداً, وهذا دليل على فضل الصلاة على الزكاة, والله جل وعلا أمر رسوله عليه الصلاة والسلام بمقاتلة المشركين حتى يقيموا الصلاة؛ كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ), وهذا دليل على فضل هذين الركنين.

    حكم تارك الصلاة

    وإذا قلنا: إن الصلاة ركن من أركان الإسلام؛ يأتي لدينا مسألة تكفير التارك لها, اتفق العلماء على كفر التارك للصلاة, وإنما اختلفوا هل هو من الكفر الأكبر أو من الكفر الأصغر؟ لما جاء في مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة ), وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً في السنن من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ), وهذا دليل على كفر تاركها, وإنما الخلاف في كون هذا الكفر من الكفر الأصغر أو هو من الكفر الأكبر, هناك قرائن في كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم تشير إلى أن المراد به الكفر الأكبر والكلام عليها يطول, من ذلك ما جاء في المسند وعند ابن حبان من حديث عبد الله بن عمرو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من حافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بها كن له نجاة ونوراً وبرهاناً يوم القيامة, ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نجاة ولا نوراً ولا برهاناً يوم القيامة, وحشر مع فرعون و هامان و قارون و أبي بن خلف ).

    والذي يظهر لي والله أعلم: أن تارك الصلاة بالكلية كافر كفراً أكبراً, وإليه تشير أقوال الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كما جاء عند الترمذي و محمد بن نصر المروزي من حديث عبد الله بن شقيق قال: ( ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة ), كذلك ما جاء عند محمد بن نصر من حديث مجاهد بن جبر قال: قلت لـجابر : ما من الأعمال ترون تاركه كافراً؟ قال: الصلاة, وهذا حكي عن غير واحد, وحكى غير واحد من العلماء إجماع السلف على كفر تاركها كفراً أكبراً.

    ولكن إذا أردنا أن ننظر إلى نفي الكفر عن تارك الصلاة فنقول: إن ثمة إشكال في هذه المسألة وذلك أن صور الترك تتباين, فثمة ترك بالكلية, وثمة ترك جزئي للصلاة, والتحقيق في هذه المسألة والله أعلم أن تارك الصلاة بالكلية كافر, وتاركها بعضاً لا يكفر, والدليل على هذا ما رواه الإمام أحمد في المسند من حديث شعبة عن قتادة أن نصراً قال: ( جاء رجل منا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يبايعه على ألا يصلي إلا صلاتين, فبايعه النبي صلى الله عليه وسلم ), وإسناده صحيح, وهذه المبايعة لا تكون على الكفر, وإنما تكون على قصور في العبادة وهو داخل في دائرة الإسلام, وعلى هذا نحمل ما يأتي من روايات عن بعض العلماء في عدم تكفير تارك الصلاة, إذا ترك صلاة واحدة واثنتين وثلاث.

    أما الترك بالكلية فأرى أن النص في ذلك متوجه إلى الكفر الأكبر في ظاهر كلام الله وظاهر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, أما مذهب الأئمة الأربعة في هذه المسألة فالكلام كثير في هذه المسألة, وعند التحقيق نجد أن بعض الأئمة لا يحفظ له لفظ في هذه المسألة ولا قول.

    فالإمام مالك رحمه الله لا أجد له قولاً في كفر تارك الصلاة, ولا يحفظ له قول في هذه المسألة, وعلى هذا فنسبة قول إلى الإمام مالك فيه نظر.

    أما الإمام أحمد رحمه الله فالمستفيض عنه القول بكفر تارك الصلاة, نقله عنه جماهير أصحابه؛ كـأبي داود و الميموني , وكذلك رواه عنه أبو هانئ و أبو طالب و الخلال , وغيرهم من أصحابه, ولا أعلم أحداً من أصحابه نقل عنه نصاً أن تارك الصلاة لا يكفر, في رواية ينقلها البعض عن الإمام أحمد أنه لا يكفر, وأنا أرى أن هذه الرواية التي تنقل عن الإمام أحمد هي ما جاء عن عبد الله بن أحمد أنه سأل أباه عن نقصان الإيمان, فقال: ترك الصلاة والزكاة والصيام, فهذا الترك كلام مجمل, ما صفة الترك, الإمام أحمد ربما يقصد صلاة واحدة, وليس لك أن تأخذ بمثل هذا اللفظ المحتمل وتضرب به كلاماً صريحاً للإمام أحمد رحمه الله, ولهذا نقول: إننا إذا نظرنا إلى كلام الإمام أحمد في حديث نصر الذي يرويه عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً جاءه وبايعه على ألا يصلي إلا صلاتين ونجمع معه هذه الرواية, وهذا الحديث أورده في مسنده, ومعلوم أن ما يريده الإمام أحمد في مسنده من أقوال فإنه يفسر أقواله من الأحاديث, ومذهبه كما قال ذلك غير واحد من العلماء كـابن مفلح رحمه الله؛ ولهذا نقول: إن الإمام أحمد رحمه الله أراد بذلك هو ترك الصلاة الواحدة أو التقصير فيها أو تأخيرها حتى يخرج وقتها, وأنه بذلك ضعيف الإيمان وناقص وليس بكامل, وهذا يتواءم مع الحديث الذي أخرجه في كتابه المسند.

    ورواية أخرى عن الإمام أحمد أنه سئل عن رجل ترك الصلاة شهراً, فقال بوجوب قضائها, قالوا: كيف يأمر بوجوب القضاء وهو كافر أصلاً؟ ونقول: إن الأمر بوجوب القضاء لا يعني القول بالإيمان عند العلماء, ولهذا إسحاق بن راهويه ينص بالتكفير, والنص عنه في ذلك صريح, بل إن إسحاق رحمه الله يرى أن من ترك أي ركن من أركان الإسلام فهو كافر, بل يرى أن من لم يكفره فهو مرجئ, ومع ذلك يرى أن تارك الصلاة متعمداً يجب عليه أن يعيدها, ولهذا نقول: إنه لا تعارض بين الأمر بالقضاء مع القول بكفر تارك الزكاة.

    وأما الإمام الشافعي رحمه الله فله نص في كتاب الأم صريح بالكفر, وله نص أنه إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

    وأما أبو حنيفة رحمه الله فالمستفيض أن أصحابه ينقلون عنه ذلك.

    وينبغي أن ننبه إلى مسألة في مذهب أبي حنيفة : أن كثيراً من الحنفية لقلة الأقوال المروية عن أبي حنيفة يجعلون ما يروى عن محمد بن الحسن و أبي يوسف و زفر هي أقوال لـأبي حنيفة , ذكر هذا النهرواني رحمه الله من أئمة الحنفية في كتاب الإعلام, قال: وما يروى عن محمد بن الحسن و أبي يوسف و زفر من أقوال هي أقوال لـأبي حنيفة , فيجعلون ما يأتي من كم هائل لهؤلاء الثلاثة قولاً لأبي حنيفة , وهذا سر كثرة الأقوال المروية عن أبي حنيفة وهو لم يقلها, لهذا نقول: إن مذهب الحنفية في هذا فيه قولان.

    والحنفية لديهم اصطلاح وهو: أن السنة المؤكدة في مذهب الحنفية توازي الواجب عند غيرهم, وهذا قد ذكره غير واحد كـالكاساني وغيره, حينما ذكر عن بعض فقهاء الحنفية قولهم: إن صلاة الجماعة سنة مؤكدة, فقال: إن السنة المؤكدة تعني الواجب عندنا ولا فرق بينهما, ولهذا إذا وردت كلمة سنة مؤكدة عند الحنفية فهم يريدون بذلك الوجوب.

    أما بالنسبة لتكفيرهم تارك الصلاة فالمشهور عندهم أنه لا يقول بكفر تارك الصلاة، ولا أعلم له نصاً محفوظاً وإنما هي روايات تنقل عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

    الصواب في حكم تارك الصلاة

    والصواب في هذه المسألة أن نقول: إن تارك الصلاة بالكلية كافر كفراً أكبر، وإذا ترك بعضاً وصلى بعضاً فنقول: إنه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب ولكنه ليس بكافر؛ للحديث الذي رواه الإمام أحمد كما تقدم, وبهذا نفسر الألفاظ التي ترد عن بعض الأئمة في هذا.

    ولا أعلم أحداً من الصحابة ولا من التابعين قال بعدم كفر تارك الصلاة إلا ابن شهاب الزهري فهو أول من قال بهذا, رواه محمد بن نصر المروزي عن إبراهيم عن ابن شهاب الزهري أنه سئل عن رجل ترك الصلاة, فقال: إن كان تركها يريد أن يبتدع ديناً فهو كافر, وإن كان تركها تهاوناً فيزجر ويؤدب, وهذه إشارة منه إلى أنه يفرق بين التارك جحوداً وبين التارك كسلاً وتهاوناً, ولا أعلم من سبقه إلى هذا التفصيل, ومعلوم أن ابن شهاب الزهري هو من أئمة المدينة وهو من أواخر طبقة التابعين, ولم يكد يدرك كبير أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وله رواية عن أنس بن مالك عليه رضي الله عنه.

    وجوب البيان عند خوف التلبيس

    وقول الله جل وعلا: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43], هذا إنما ذكر الله عز وجل الأمر بالركوع دفعاً للتوهم الذي يظنه اليهود أن الصلاة التي أمروا بها هي الصلاة اليهودية التي فرضت عليهم وهي بقيام مجرد, فيدفعهم ذلك إلى شيء من التلبيس والتدليس أن القرآن جاء تأييداً لما هم عليه.

    وفي هذا إشارة إلى وجوب بيان العالم عند ظن التلبيس في قوله, وأن من يسمعه سيحمل قوله على بعض المعاني المخصوصة، فيحرم عليه عدم التفصيل ويجب عليه البيان, ولهذا حينما قال الله عز وجل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43], عطف عليها قوله جل وعلا: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43], أي: مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم وليست الصلاة التي تريدون.

    الحكمة من ذكر الركوع دون السجود في قوله: (واركعوا مع الراكعين)

    وذكر الله عز وجل الركوع هنا ولم يذكر السجود وذلك أن الركوع هو الذي تمتاز به أمة الإسلام عن سائر الطائفتين: اليهود والنصارى, أما بالنسبة للركوع والسجود؛ فالسجود يوجد عند بعض اليهود, وأما الركوع والسجود فيوجد عند النصارى, فجاء الله عز وجل بالركوع, وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43], لأن هذا تمتاز به أمة الإسلام مع السجود, وبهذا نعلم أن الله عز وجل حينما أمر بني إسرائيل بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكون ذلك مع الراكعين أن الله عز وجل أراد به أمة الإسلام.

    كذلك أيضاً فإن اليهود بداهة يكفرون بالنصارى, والنصارى يؤمنون باليهود, وعلى هذا نقول: إن النصارى يؤمنون بأن اليهود أصحاب كتاب, واليهود لخبثهم وتدليسهم لا يؤمنون لا بالمسلمين ولا بالنصارى, والعجب أن النصارى يبذلون لليهود من العون والمدد والخضوع مع أنهم يعلمون أنهم يرون أنهم أصحاب دين مبتدع ومبتكر، وليسوا على شيء, واليهود يصرحون بهذا.

    فالركوع يتباين عن السجود والقيام, وذلك أن السجود عبادة بذاته من غير صلاة, وأما الركوع فليس بعبادة من غير صلاة, فلا يمكن للإنسان أن يفعله مستقلاً, فإن فعله ابتدع, وأما السجود فهو عبادة منفردة, فلدينا سجود التلاوة, وسجود الشكر, وسجود الآية, وغيرها من أنواع السجود التي يفعلها الإنسان من غير صلاة, ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى إنما أمر بالركوع ليبين أن المراد بالركوع هو ما كان في صلاة وليس ما يفعله الإنسان مبتدعاً منفرداً, لهذا نقول: إن العبادة تكون في السجود أظهر من الركوع؛ لأن السجود يكون على سبيل الإنفراد من غير صلاة, فهو أظهر في أمر العبودية, ويكون في الصلاة أيضاً, أما الركوع لا يكون عبادة إلا في الصلاة, فمن ركع من غير سجود ولم يقصد تعبداً لا يكفر؛ لأنه ليس من الإسلام أن يركع الإنسان لأحد, فلا يوجد عبادة في هذا, ولو جاء الإنسان وركع من غير صلاة, تعبداً لله, فهو مبتدع, لكن لو جاء ساجداً من غير صلاة وقال: أسجد لله شكراً, فهذه عبادة منفردة, ولو سجد لغير الله من غير صلاة كفر, بخلاف ما لو ركع من غير قصد التعبد لغير الله فإنه لا يكفر.

    أما الصلاة فلا يتصور في الإسلام إلا التعبد.

    كذلك أمر القيام, فهو عبادة في الصلاة، وخارج الصلاة ليس بعبادة, ولهذا إذا قام أناس لمعظم, لملك, أو لرئيس, أو نحو ذلك, أو لعالم, فهذا ليس من أمر التعبد، بل هذا من التحية, ومن التعظيم, فهو من الوسائل المفضية, وليس هو عبادة في ذاته, ولو قام أحد في غير الصلاة قصد التعبد لا يصح منه هذا.

    حكم الركوع والسجود لغير الله

    ولهذا نقول: لما كان القيام والركوع ليس بعبادة منفردة, لا يتصور فيها التعبد, فمن بذلها لغير الله لا يكفر إلا إذا قصد, بخلاف السجود فإنه يكفر بمجرد سجوده, وإذا علمنا عارضاً أهلياً بيقين فإن ذلك يرفعه, كأن علمنا من حاله مثلاً أنه جاء وسجد لصنم ثم قال: أنا ما سجدت للصنم, أنا اتخذتها سترة وما علمت أنه صنم, وما علمت أن الناس تصلي لهذا الحائط وأن الناس يسجدون لهذه الشجرة فيرفع عنه الحكم, وكذلك إذا طرأت شبهة في هذا، وإلا فالأصل أنه ينصرف إليه الكفر بمجرد السجود لغير الله سبحانه وتعالى.

    وبهذا نعلم أن الأصل أن الركوع التحية, ولا يكون عبادة إلا في الصلاة, فمن أراد أن يحيي غيره بالركوع ابتدع, ومن عبد الله بالركوع وحده ابتدع, ومن حيا غيره بقيام نقول: إذا كان لسيد وعالم ووالد من غير طلب منه وحب منه فإن هذا جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قوموا لسيدكم ), وأما إذا كان القيام امتثالاً لأمر سيد، أو علم أنه يحب ذلك فقام الإنسان له فإن ذلك مكروه وأما بالنسبة لانحناء الإنسان تحية فنقول: هذا إحداث وابتداع, ويعظم في ذلك إذا قصد بذلك تديناً لله, فركوع من غير سجود, ابتداع وضلال ينهى عنه, وإذا نسبه للإسلام تشريعاً فهذا من الكفر.

    فضل صلاة الجماعة

    وقول الله سبحانه وتعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43], استدل بهذا بعض العلماء على وجوب صلاة الجماعة, لكن يشكل عليه أمر الله جل وعلا لـمريم : وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران:43], فهل نقول: إن الله عز وجل أمرها بذلك وجوباً أن تؤدي الصلاة مع الجماعة أم أن الله سبحانه وتعالى أراد بذلك معنى آخر.

    فمن العلماء من قال: إن المراد بهذا المعنى أن يأتي الإنسان بالعبادة كما يأتي بها الناس, وألا ينفرد عنهم بشيء من أمور التشريع, فلا يحدث ولا يبتدع, وهذا محتمل, ولكن الاستدلال به على وجوب الجماعة له وجه, وقد نقول: إن هذه الآية يستفاد منها أمور, منها:

    فضل الإتيان بالصلاة جماعة, من جهة الأفضلية العامة, ويدل على هذا ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد بسبع أو خمس وعشرين درجة ), وقوله صلى الله عليه وسلم في سنن أبي داود من حديث أبي بن كعب قال: ( صلاة الرجل إلى الرجل أزكى من صلاته وحده, وصلاة الرجل إلى الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل ).

    المفاضلة بين صلاة الجماعة من حيث كثرة العدد وقدم المسجد

    وهذا فيه دليل على فضل الجماعة كلما زاد العدد, وهذا فيه دليل أيضاً على أن الأفضلية للجماعة الأكثر عدداً أكثر من المسجد الأقدم, وهذه مسألة فقهية تكلم عليها العلماء؛ أيها الأفضل في المساجد: المسجد الأكثر عدداً أم الأقدم؟ وهي من المسائل الخلافية, قد يقال من هذا أن الله عز وجل علق الأمر بكثرة الناس؛ فقال: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43], وما قيده سبحانه وتعالى بأن يكون ذلك في مسجد أقدم, ومنهم من يقول: إن الأفضلية تنصرف إلى المسجد الأقدم, يستدلون بذلك بالقرينة في قول الله عز وجل: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة:108], يعني: الأولية هي التي ينبغي أن يأخذ بها, روى أبو نعيم في كتابه الصلاة من حديث ابن سيرين قال: كنت أمضي مع أنس بن مالك فإذا مررنا بمسجد سألني عنه: أقديم هو أم حديث؟ فإن قلت حديث تجاوزه إلى غيره, وهذا دليل على أن المسجد الأقدم يقدم على غيره عند بعض العلماء, ولهذا فإن الإنسان إذا كانت الكثرة متضافرة وبينة ظاهرة تختلف عن المسجد القديم نقول: إن الكثرة في ذلك أولى, أما إذا كانت الكثرة قليلة؛ كأن يكون يوجد مسجد قديم فيه صف, وحديث فيه صف ونصف, فيقدم الأقدم على الحديث, وذلك لظاهر عمل أنس بن مالك , وظاهر القرآن.

    الأمر بصلاة الجماعة

    ويستفاد منه أيضاً الأمر بصلاة الجماعة, وقد أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: ( لقد هممت بالصلاة فتقام, ثم أخالف إلى أقوام لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ).

    وقد جاء عند النسائي قوله: ( لولا ما فيها من النساء والذرية لحرقتها عليهم بالنار ), قال: وفي هذا دليل على وجوب الإتيان بالصلاة جماعة.

    نقول: إن صلاة الجماعة على صورتين: الصورة الأولى: شهود الجماعة في المسجد, الصورة الثانية: شهود الجماعة في مسجد وغيره, فينبغي أن يفرق بين المسألتين, فصلاة الجماعة شيء, وصلاة الجماعة في المسجد شيء, فنعلم أن صلاة الجماعة لا يلزم منها شهود المسجد, كما لا يلزم من شهود المسجد صلاة الجماعة, فقد يصلي الإنسان إذا ذهب إلى المسجد منفرداً, ولا يجد أحداً, ولو صلى في بيته وجد أحداً, أو إذا وجد الإنسان مثلاً قوماً في موضع يصلون أكثر ممن في المسجد, فنقول: صلاة الجماعة أوجب في ذاتها من الإتيان إلى المسجد, وإذا كان الإتيان إلى المسجد يتحقق فيه الجماعة أظهر من إتيانها في غير المسجد فهي أوجب, ولهذا يفسر عن الإمام أحمد ما جاء في الروايتين في مسألة الجماعة, المشهور القول بوجوب صلاة الجماعة, وله رواية ينقلها قلة من الأصحاب, وهو أنه يقول بسنية الجماعة, يريد جماعة المسجد لا أصل الجماعة, والإمام أحمد رحمه الله يرى في ظاهر أقواله أن صلاة الإنسان في غير المسجد إذا كانت لا تعطل الجماعة ويجد جماعة جائزة في الأحوال العارضة, ذكر ابن أبي حاتم في أوائل الجرح والتعديل في ترجمة الإمام أحمد رحمه الله أنه كان مع قوم من المحدثين ومعهم علي بن المديني رحمه الله وغيره فسمعوا الأذان, فقال واحد منهم: قوموا بنا نصلي, فقال أحمد : نحن جماعة.

    بهذا نعلم أن الإمام أحمد رحمه الله يفرق بين الصورتين, وإذا كانت صلاته جماعة في غير المسجد تعطل صلاة الجماعة في المسجد بالنسبة له أو لجماعة المسلمين فنقول: لا يجوز له ذلك, أما في الأحوال العارضة؛ كأن يكون أناس مجتمعين في مجلس وهم عشرين, أو خمسة عشر ونحو ذلك, ولو سمعوا أذان المسجد وأرادوا أن يصلوا جماعة، وصلاتهم جماعة لا تعطل جماعة المسجد فإن هذا جائز في الأحوال العارضة, ويستدل لهذا بقصة عتبان بن مالك لما اتخذ له رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجداً, ومن العلماء من علق الأمر بالوجوب بالمسجد؛ لأن الغالب وجوب الإتيان إلى المساجد, ولأن الغالب أن الجماعة في البيوت لا تتهيأ للإنسان دوماً, وتعليق الإنسان بشيء مظنون إسقاط لأمر الجماعة, وفيه إحياء لبعض من في قلبه نفاق أن يتعذر بصلاته جماعة, وأنها لا تجب عليه لأنه قد صلى جماعة في المنزل, فيدفع هذا؛ ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجابة النداء عند سماعة كما في قصة الأعمى, وقد روى الإمام مسلم في كتابه الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, قال: (لو أنكم تخلفتم عن الصلاة كما يتخلف هذا المتخلف تركتم سنة نبيكم, ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ), جاء في زيادة عند أبي داود في كتابه السنن: ( ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم ), وهي زيادة غير محفوظة, والصواب في ذلك لضللتم.

    أقوال أئمة المذاهب في حكم صلاة الجماعة

    وأما بالنسبة لأقوال الأئمة في صلاة الجماعة, حكى بعض العلماء إجماع الصحابة على صلاة الجماعة, نص على هذا ابن تيمية رحمه الله, وكذلك الكاساني من الحنفية على أن هذا لما نقل عهداً بعد عهد ومضى العمل عليه دل على وجوبه, يعني: في سائر العصور, وهذا هو الظاهر, فلا أعلم أحداً من الصحابة رضي الله عنهم أن كان يترك صلاة الجماعة من غير عذر, وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ( لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ), يريد بذلك: صلاة الفجر وصلاة العشاء, فكيف بمن يتخلف عن الصلاة جماعة بالكلية, لا شك أنه أظهر في أمر النفاق.

    وأما بالنسبة لأقوال الأئمة فالإمام أحمد رحمه الله المعروف والمستفيض عنه القول بوجوب صلاة الجماعة.

    وأما الإمام الشافعي رحمه الله في هذه المسألة فله نص صريح في كتابه الأم, القول بوجوب ذلك جماعة وإجابة النداء, وينقل بعض فقهاء الشافعية أن مذهب الإمام الشافعي عدم الوجوب, وهذا فيه نظر, فأوثق الكتب المنقولة للإمام الشافعي هو كتاب الأم, ولهذا نقول: ينبغي عند تحرير الأقوال في المذاهب الأربعة أن نبتدئ بمصنفات الأئمة أنفسهم, ثم ننظر بعد ذلك في التخريجات وكثير من الأقوال التي تأتي من الأئمة تتحول إلى غيرها بِفُتيا فقهاء غيرهم من أتباع ذلك الإمام؛ فتجد من أئمة الشافعية من يقول بعدم وجوب صلاة الجماعة, فيتخذ ذلك مذهباً للشافعية, وليس مذهباً للإمام الشافعي , وهذا تجده في مسائل كثيرة, يستفيض العمل لدى الناس بما يخالف فيه الإمام، ويجعلون ذلك مذهباً؛ كمسألة تغطية المرأة وجهها, فليس مذهب مالك , ولا مذهب أبي حنيفة , ولا مذهب الشافعي , ولا مذهب أحمد , بل كل الأئمة الأربعة يقولون بالوجوب, فلما جاء جماعة من الفقهاء من أتباع ذلك المذهب وقالوا بجواز كشف الوجه فاستفاض عندهم هذا القول, وقالوا: هذا مذهب الحنفية وهذا مذهب الشافعية, وليس مذهباً لهم, ولهذا تجد النصوص ظاهرة في الأمر بالوجوب.

    فينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يحرر مسألة من المسائل أن يرجع فيها إلى مصنفات الأئمة, والمحققين, فالمحققون من أهل السنة والأثر, من أئمة الشافعية؛ كابن خزيمة و ابن المنذر يقولون بوجوب صلاة الجماعة, وينقلونها عن الإمام الشافعي رحمه الله, ونقل هذا النووي رحمه الله في كتابه المجموع, ولهذا نقول: إن تحرير الأقوال من الأمور المهمة التي ينبغي للإنسان أن يحتاط في نسبتها, وأن يفرق بين ما يقول به جماعة من فقهاء الشافعية وبين نسبة القول إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى, والتباين بين أتباع المذهب وبين الإمام في مذهب أبي حنيفة ومذهب الشافعي أظهر من غيرهما, ويقل هذا في مذهب الإمام مالك , ويقل أكثر في مذهب الإمام أحمد رحمه الله, ولهذا نقول: إن في قول الله عز وجل: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43] دليلاً على استحباب صلاة الجماعة, ويأتي لدينا إضافة في مسألة صلاة الجماعة بالنسبة للنساء بقول الله عز وجل: وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران:43], هل النساء يستحب لهن الجماعة؟ وحكم صلاة الجماعة لهن, والهدي في هذا, وحكم منع المرأة من إتيان الجماعة, وصلاة النساء جماعة في أنفسهن, وموضع المرأة في صلاة الجماعة, والنداء, الأذان والإقامة لها تبعاً لهذه المسألة في موضعها بإذن الله عز وجل.

    تنبيه: بعض الإخوة في الدرس الماضي يستشكلون انتقاء الآيات, يقولون: مثلاً لماذا لم تتكلم على قول الله عز وجل: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة:25], نقول: هذه ليست حكماً شرعياً, وما كان من الفضائل لا يدخلها العلماء عادة في الأحكام, كذلك مما يستشكله البعض أننا لم نتكلم على البسملة, والبسملة لم تأتنا بحكم, وإنما جاءت في أول الآية من الفاتحة, على قول الجماهير أنها آية من الفاتحة جاءت لفظاً, وليس فيها حكم, وستأتينا في سورة النمل, إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [النمل:30], وهناك نتكلم عليها في البَداءة بقراءة القرآن ونحو ذلك, نتكلم عليها حكماً بإذن الله سبحانه وتعالى, كذلك أيضاً في أمر الاستعاذة, فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل:98], نأتي بذلك الموضع في حكم الاستعاذة, وموضعها, وصيغ الاستعاذة أيضاً, الاستعاذة في الصلاة, الاستعاذة خارج الصلاة ومواضع الاستعاذة, وإذا بدا لبعض الإخوان آية فيها حكم مما نتجاوزه فليبين لنا فإنه فوق كل ذي علم عليم.

    أسأل الله جل وعلا أن يوفقني وإياكم لمرضاته, ونكمل في الدرس القادم, وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    1.   

    الأسئلة

    القول بأن المقصود بقوله: (أقيموا الصلاة) إقامة الصف

    السؤال: [هل المراد بقوله: (أقيموا الصلاة) تسوية الصفوف في الصلاة؟]

    الجواب: تسوية الصفوف من خصائص هذه الأمة, وجاء الأمر بإقامة الصلاة لبني إسرائيل في غير هذا الموضع, مما يدل على أنه ليس المراد بالإقامة تسوية الصف.

    العام الذي أسلم فيه رجل مقابل أن يصلي صلاتين فقط

    السؤال: [متى كان حديث الرجل الذي أسلم على أن يصلي صلاتين فقط؟]

    الجواب: عام الوفود في آخر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم, لما توافد الناس إليه, في السنة التاسعة والثامنة, فهو المتأخر.

    الجمع بين قصة الذي أسلم شريطة أن يصلي صلاتين فقط وحديث معاذ لما بعث إلى اليمن

    السؤال: [ أليس بينه وبين حديث معاذ لما بعث إلى اليمن تعارضاً؟ ]

    الجواب: ما في تعارض, يفسر بعضها بعضاً, فنقول: إن الصلاة الركن الثاني من أركان الإسلام هي خمس صلوات, ولكن لو جاءنا شخص بوذي أو شخص ملحد وقال: إني أريد أن أدخل الإسلام ولكن أنا مشغول, وصلوات الخمس تأخذ مني وقت, فهل يصح أن أفعل صلاتين, نقول له: لا, يجب عليك خمس, قال: إذاً: لا أريد الإسلام كله, فنقول له: صل صلاتين, لكن اعلم أن الله فرض عليك خمس, متى ما استطعت أداءها وجب عليك أن تؤدي, هذا في ظاهر فعل النبي صلى الله عليه وسلم, ولكن لو علمنا أن الإنسان مثلاً يوجب على الناس صلاتين فقط ويهمل الباقي, كأن الشريعة جاءت بصلاتين, فنقول: هذا تبديل, وهو أعظم من التارك بالكلية؛ لأن التارك بالكلية مع الإقرار بالوجوب أهون من الشخص الذي يوجب على الناس أربع صلوات, أو أربع صلوات والفجر ركعة واحدة فهذا كافر, وذاك مختلف في كفره.

    القول بجواز الركوع للأشخاص لكونه ليس عبادة

    السؤال: إذا لم يكن الركوع عبادة فهل نقول: إنه مباح إذا خرج عن التعظيم, كالتحية؟

    الجواب: لا, بدعة, لكن لا نكفر من انحنى, أما من سجد فيكفر.

    ووجه كونه بدعة أنه ليست بتحية الإسلام, ثم الله عز وجل كره القيام لمن أراد تعظيماً لنفسه, والقيام هو الأصل في حال الإنسان, فكيف بتكلف فعل آخر وهو الانحناء، مما يدل على أنه أشد كراهة, ولهذا نقول بالبدعية؛ لكونه أظهر في التكلف والقصد, وتعظيماً له لكونه جاء في صلاة.

    القول بأن قوله: (قوموا لسيدكم) كان لإنزاله كونه مريضاً لا للتعظيم

    السؤال: أحسن الله إليكم! في حديث ( قوموا لسيدكم ), ورد في حديث جابر زيادة: (أنزلوه) لأنه مريض وليس القيام تعظيماً ؟

    الجواب: محتمل, لكن قيام الإنسان في ذاته من غير طلب الداخل والقادم ورد فيه أدلة, فالنبي عليه الصلاة والسلام ربما قام أحياناً؛ كما قام لـفاطمة رضي الله عنها لما دخلت عليه, وسلم عليها وقبلها.

    نكتفي بهذا, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وآله وصحبه أجمعين.