إسلام ويب

تفسير سورة العصرللشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة العصر من السور العظيمة التي اشتملت -مع قلة مبناها- على معانٍ عميقة تصلح النفس والمجتمع، فالإنسان غارق في الخسارة حتى ينقذه الإيمان والعمل الصالح، والمجتمع -إن لم يكن فيه تواصٍ بالحق وتواصٍ بالصبر- آل إلى الفساد والذوبان في الباطل

    1.   

    عظم منزلة سورة العصر

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    لقد أنزل الله سبحانه وتعالى كتابه العظيم على رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو أعظم منة وأعظم نعمة تستوجب الشكر، وأنزل في هذا الكتاب من الآيات والعبر والدلائل، والتوجيه والنصح والإرشاد ما يطهر الله سبحانه وتعالى به القلوب من شائبة الهوى، ويطهر الله سبحانه وتعالى العقول مما يكدرها من أنواع المشارب والأدواء التي تنتج عنها الآراء الفاسدة، ويطهرها من الشهوات التي تفسد عليها عقيدتها.

    ومن أعظم ما أنزله الله عز وجل في القرآن سورة عظيمة فيها من المعاني والعبر, وفيها من التوجيه والنصح ما يعجز الإنسان عن الإسهاب فيه, والكلام في معانيه, وتأمل ما تتضمنه تلك السورة من حكم وأوامر ونصح، وهذه السورة هي سورة العصر.

    سورة العصر سورة عظيمة فيها من النصح, وفيها من التوجيه, وفيها من بيان الأحكام, وفيها من دلالة الإنسان وإيقاظ عقله وقلبه وتنبيهه أيضاً إلى رشده ما يستيقظ منه الغافل لو تدبر وتأمل، هذه السورة التي يقول فيه الإمام الشافعي رحمه الله: لو ما أنزل على أمة محمد إلا هذه السورة لكفتهم، يعني: سورة العصر، وهذه السورة فيها من المعاني العظيمة التي يتوقف الإنسان عندها حائراً مما تضمنته مع قصرها، فهي من قصار سور القرآن، ولكنها عظيمة المعاني.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والعصر)

    يقول الله سبحانه وتعالى في هذه السورة: وَالْعَصْرِ [العصر:1] : أقسم الله عز وجل بالعصر وهو الزمن، ولا يقسم الله سبحانه وتعالى إلا بعظيم، فالله جل وعلا يقسم بما شاء والناس لا يقسمون إلا به سبحانه وتعالى؛ إذ لا عظيم إلا هو جل وعلا.

    المراد بالعصر في الآية

    العصر الذي أقسم الله سبحانه وتعالى به في هذه السورة، قيل: إن المراد بذلك هو عجلة الزمن من الساعات والدقائق, وكذلك أيضاً الأيام من نهار وليل، وكذلك أسبوع وشهر وسنة ودهر, وغير ذلك من الأزمنة التي تدور على الإنسان كلها تسمى عصراً، يقول الناس: عصرنا الحاضر أو العصر الغابر أو العصر القادم أو غير ذلك، أقسم الله عز وجل بالزمن الذي تدور عليه هذه المعاني.

    ومن العلماء من يقول: إن المراد بذلك هو وقت العصر الذي يكون آخر النهار: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:1-2]: أقسم الله سبحانه وتعالى بآخر النهار؛ دلالة وإرشاداً إلى زمن نهاية عمل الإنسان وكده وكدحه الذي يبتدئ من أول النهار ويتوقف في آخره.

    فأقسم الله عز وجل بنهاية عمل الإنسان أنه إلى خسارة، قال الله سبحانه وتعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:1-2]، زمن النتائج وزمن الحصاد وزمن التحصيل يكون في نهاية العمل، يقوم الإنسان بالمحاسبة والتفكر والتأمل بما وصل إليه من نتيجة، وآخر نتيجة النهار تكون في عصره؛ ولهذا أقسم الله عز وجل بذلك بقوله: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:1-2].

    حصول غبن الإنسان بتضييع زمنه

    وأما على المعنى الأول -وهو الإقسام بالزمن على سبيل العموم- إشارة إلى أن الإنسان إنما هو عجلة زمنية, وهو أيام كلما نقص منه يوم نقص بعضه؛ لهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة, والفراغ ) ، والفراغ إنما هو الزمن، الفراغ: الزمن الذي يخلو من العمل، فأقسم الله عز وجل بهذا العصر الذي هو عجلة الإنسان في عمله أنه إلى خسار ووبال: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:1-2] .

    الغبن الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ) ، الغبن الذي يطرأ على الإنسان هو جهالته بحقيقة الشيء حتى يغلب فيها، غلبني فلان فغبنني؛ لهذا الإنسان الذي يبيع السلعة بسعر بخس هو الذي لا يعلم قيمتها، أو الإنسان الذي لا يعلم قيمة البلد التي هو فيها ثم يكون في غيرها قد غبن فيها.

    إذاً: الغبن هو الخسارة، ومن ذلك: بيع الغبن، وهو: بيع الإنسان سلعة لا يعلم قيمتها, فجاء شخص واشتراها منه بأقل من ثمنها الذي تستحقه، يقول العلماء: إن هذا البيع باطل؛ كالشخص الذي يكون لديه قطعة من الذهب مثلاً يقوم بعرضها في السوق، وهو لا يعلم أنها ذهب، فيأتي الشخص ويشتريها منه بدينار أو دينارين، فهذا الشخص المشتري يعلم قيمتها؛ لكن البائع لا يعلم قيمتها، ثم علم بعد ذلك وهو مغبون, فهنا يكون البيع باطلاً، فيجب أن تباع السلعة على معرفة حالها من الطرفين.

    لهذا إذا جهل الإنسان قيمة الشيء الذي بين يديه -ومنه الزمن ومنه الأمور المادية- فإنه مغبون؛ لهذا ربما يكون بين يدي الإنسان شيء عظيم، لكنه يفرط فيه وهو أعظم الناس غبناً.

    يوسف عليه السلام من أنبياء الله عز وجل وله عزم وصبر في ذلك، ماذا قال الله عز وجل عنه حينما وجدته السيارة وأخرجوه من البئر، قال: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [يوسف:20] ، لماذا؟ لأنهم جهلوا حقيقته ما يعلمون أن الذي بين أيديهم نبي.

    إذا جهل الإنسان ما بين يديه فإنه يتم تداوله بين الناس على أنه ليس بذي قيمة، وجهل الناس به لا يسقطه من حقيقته وقيمته التي جعلها الله عز وجل فيها؛ لهذا أعظم فتنة أو غبن يقع في الناس الجهل بحقائق الأشياء التي تكون بين أيديهم ولا يستثمرونها؛ لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة, والفراغ )، وبينهما معادلة: الفراغ لا يمكن أن تستعمله إلا مع وجود صحة، وذلك يستعمله الإنسان حينئذ بتمامه وكماله قولاً وعملاً واعتقاداً، وإذا لم يكن في الإنسان صحة فإنه يضعف عن عمله، ولا يستطيع أن يفكر ويتأمل؛ ولهذا بين النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ) ، يعني: لا يقيمون هذين الشيئين حق قيمتهما التي وضعها الله عز وجل لهما: الصحة والفراغ، يعطى صحة اليوم ثم يهدرها في غير نفع لا في دين ولا في دنيا .

    والزمن مغبون فيه كثير من الناس؛ لأنه عجلة تمضي ولا تعود، فاستدراك ذلك محال، ويخادع الإنسان نفسه أنه كلما مضى من عمره أيام أو شهور أو أعوام أنه يكبر, وفي الحقيقة أنه ينقص؛ لأنه يأخذ من عمره, ولا يزيد عمره بذلك؛ لأنه عمره المتبقي, وما مضى قد انقضى، فالإنسان المتبقي له هو عمره الحقيقي, وهو الذي يأخذ منه ويظن أنه كبر وأصبحت له قيمة، والحقيقة أن قيمته في الحياة بدأت تضعف، وهو يقرب من أجله ولا يبتعد عنه.

    وإذا أراد الإنسان أن ينظر إلى ذلك يجد نفسه أنه دائماً يضع مصطلحات يسلي بها نفسه؛ حتى يزداد غبناً في قيمة الزمن؛ لهذا الله عز وجل أقسم بالعصر وهو هذا الزمن سواء كان آخر النهار أو كان العجلة الزمنية كاملة: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:1-2] .

    فعلى المعنيين يجعل الله عز وجل في عموم كلامه من المعاني العظيمة التي لا تقف عند معنى معين؛ ولهذا كلام الله جل وعلا جامع، ويحمل الوجوه المتعددة, وهذا من وجوه الإعجاز: أن الله عز وجل يريد به هذا الموضع ويريد به ذلك الموضع، يريد به آخر اليوم ويريد به العجلة الزمنية كاملة من جهة الساعة والدقيقة والثانية، وكذلك الأيام: الليل والنهار، والأسبوع والشهر والسنة والعمر كله.

    وَالْعَصْرِ [العصر:1] أي: في نهاية الزمن، في نهاية نهار الإنسان وعمله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الإنسان لفي خسر)

    إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:2] ، أي: على ماذا أقسم الله سبحانه وتعالى؟ أقسم الخالق جل وعلا الذي خلق الزمن وأداره ووضع الإنسان فيه وأخبره بتحصيله فيه؛ أن الإنسان لفي خسر، يعني: في النتيجة التي يتحصل عليها أنه في خسار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)

    هل كل الإنسان في خسار؟ استثنى الله عز وجل من ذلك في قوله سبحانه وتعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر:3]: الإنسان في خسارته التي ذكرها الله سبحانه وتعالى هي خسارة جزئية وخسارة كلية، كلية في عدد الناس وجزئية في ذات الإنسان في نفسه من جهة اغتنامه للوقت، الناس يتباينون من جهة استغلال الزمن والعمل به، من الناس من يعمل في خير لكنه في خير مفضول ويدع الفاضل وهذا نوع من الخسارة، كالذي يضارب في الفضة ويمكنه أن يضارب بالذهب، أو الذي يبيع شيئاً من السلع هي خير ولكن ما هو خير منها هو أعظم من ذلك، كذلك أيضاً العمل الصالح في ذات الإنسان، منهم من يعمل العمل المفضول وبإمكانه أن يعمل الفاضل، إذاً: لديه نسبة من الغبن في هذا الزمن .

    الله عز وجل استثنى من عموم الخاسرين إشارة إلى أن الرابحين قليل، لأن المستثنى أقل من المستثنى منه، هذا الأصل في لغة العرب، تقول: الناس في ضلال إلا قليل، الناس جاءوا إلا فلان، يعني: الذي تخلف قليل، وإذا أردت أن تخالف ذلك تقول: لم يأت الناس إلا فلان، يعني: الأصل الأكثر أنهم لم يأتوا، إشارة إلى أن الخاسرين أكثر .

    وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر:1-3] : ذكر الله سبحانه وتعالى أمرين: الذين آمنوا وعملوا الصالحات، مع أن التبع لها في قوله جل وعلا: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3] ، هي تابعة للإيمان وتابعة للعمل، إشارة أن قناعة الإنسان بالحق لا يغنيه حتى يعمل به: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر:3] ، ولهذا تجد كثير من الناس يكتفي بقناعته الذاتية على إيمانه بربه، أو يكتفي بقناعته الذاتية بحق والديه عليه لكنه لا يعمل، أو بقناعته الذاتية أنه يعلم الشيء أنه بمجرد علمه بهذا كاف ولو لم يعمل بذلك، وهذا قصور؛ ولهذا الله جل وعلا ذكر العمل مع الإيمان.

    تلازم الإيمان والعمل الصالح

    كثير من الناس إذا سئل عن تقصيره يشير إلى قلبه ويقول: التقوى هاهنا، وهذا تعطيل للعمل وإقناع للنفس بالهوى، وهو شيء من بذرة الحق لكنها قد تبقى في بدايتها وإذا لم تستمر على الخير فإن الخير في ذلك يزول، الإنسان إذا قال: التقوى هاهنا هو صادق، لكن تبقى يوم ويومين وثلاثة ولم يظهر الإنسان عملاً، فإن التقوى التي هاهنا تزول، هل يمكن للإنسان أن يأتي إلى شجر مخضر ظاهر وفيه من ظهوره من حسنه وثماره ثم يقول: إن قلب هذه الشجرة ميت؟ لا يمكن، إلا رجل يأتي بغصن مخضر ثم يغرسه في الأرض زيفاً هذا يبقى يوم ويومين ثم يجف ويظهر حقيقته للناس، وهذه الجزئيات هي جزئيات النفاق، ولهذا المنافق مذبذب لا يصبر يمتثل لمدة ساعة ثم يخرج إلى طبيعته كحال الغصن المستل سرقةً ثم يوضع في الأرض على أنه شجر له قلب حي ولكنه يظهر بساعة أو يوم أو يومين ثم تظهر حقيقته .

    كذلك أيضاً جانب العكس: ليس لإنسان إن يأتي إلى شجر جاف ميت لا يظهر فيه من الحياة شيء ثم يقول: قلبه حي، ممكن أن يقول: قلبه حي لكن ننتظر ليوم يومين ثلاثة، إذا لم يخرج فيه خضرة فهو ميت، لا بد أن يكون هذا، ولهذا الذي يقول: التقوى هاهنا، ثم يستمر على التقوى هاهنا عام وعامين وثلاثة وأربعة ولا يظهر من عمله شيء وهو يرجع إلى هذا، القلب ميت أو ليس بميت؟ القلب ميت، هذه دعوى, ولهذا الله جل وعلا ذكر الحقيقة فقال: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر:1-3].

    الفصل بين قناعة الباطن وعمل الظاهر

    من أعظم وجوه الضلال والانحراف عند البشرية في أمور العبودية وفي الأمور الدنيوية: الفصل بين قناعة الباطن وعمل الظاهر، وإنما تضل الأمة ويضل الفرد أيضاً أن يظن أنه مؤمن بالله جل وعلا بينما لا يتعبد لله عز وجل بشيء، لا يؤدي الصلاة ولا يؤدي الزكاة ولا يصوم ولا يحج البيت الحرام ولا يؤدي شيئاً من العبودية التي أمره الله جل وعلا بها؛ اكتفاءً بأن لديه قناعة أن الله عز وجل واحد وهو الخالق .

    القناعة الباطنية موجودة حتى لدى إبليس وموجودة حتى لدى فرعون، ولكنهم يحجبونها عن الظاهر كبراً وعناداً، وموجودة أيضاً حتى عند كفار قريش؛ ولهذا يقول الله جل وعلا عن بني إسرائيل: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، إذاً: هم يعلمون، أليست القناعة الباطنية موجودة عند الكفار أو ليست موجودة؟ بلى، موجودة عند الكفار، ومنهم كفار قريش؛ ولهذا يقول الله جل وعلا عن كفار قريش: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33]، إذاً: المسألة مسألة جحد ظاهر، ولكن القناعة الباطنية موجودة .

    متى يظهر هذا؟ إذا انغمس الإنسان بشيء من أمر الدنيا والهوى يندفن الحق تحت ركام الهوى؛ ولهذا يزيله الله عز وجل بظهور الحق والخوف والرهبة، فحينئذ يزول الهوى وتظهر الحقيقة، ففرعون بين قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] ، وقوله: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ [يونس:90]، ربما بضع دقائق؛ لأنه كان قبل دخوله البحر يريد قتل موسى، إذاً: هو مستمر على قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، الإنسان إذا ضرب عليه البحر فإن غرقه ربما في زمن يسير؛ لأنه ليس على مركب.

    ففرعون حينما أدركه الغرق خرجت منه الحقيقة المدفونة فقال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ [يونس:90] ، من الذي جعل الإنسان يحاول أن يستثمر آخر لحظاته في زمنه بالإيمان بالله سبحانه وتعالى؟ إن ذلك الغبن الحقيقي أو ذلك الهوى الذي يكون في نفس الإنسان قد يزول بشيء من الابتلاء؛ لهذا تجد بعض الناس معانداً مستكبراً بعيداً عن الحق، مجرد ما يكون به مرض مخوف يتوجه إلى الله بالصلاة والصيام، كأن يكون به وباء أو سرطان أو شيء من الأمراض المعضلة, وقبل ذلك كان لاهياً منصرفاً عن الحق, تمر به عشرون أو ثلاثون أو أربعون أو ستون سنة، فإذا أصيب بمثل هذه الأدواء العظيمة توجه إلى الله، فما الذي جعله يستيقظ في مثل هذا؟

    هذه الحقيقة المدفونة في ذات الإنسان، هل اكتسبها بعد مرضه، أم خرجت من داخله؟ خرجت من داخله، من الذي دفنها؟ دفنها الهوى، ولكن الله عز وجل رفعها بالبلاء، كحال الإنسان يضرب الشيء بسياطه ثم يزول عنه الغبار وتظهر الحقيقة، الإنسان حينما يأتي إلى بساط قد اغبر لشهور ولسنوات ثم قام بضرب العصا عليه، ألا يظهر؟ تظهر حقيقته، كذلك في جانب الابتلاء، يبعث الله سبحانه وتعالى به ما دفنه الهوى حتى يظهر حينئذ الحق.

    ضرورة العمل الصالح لبقاء الإيمان

    يقول الله جل وعلا: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر:3] ، أي: إنه لا بد لمن أراد الإيمان الذي أراده الله سبحانه وتعالى حقيقةً لا برغبة الإنسان أن يجمع بين العمل الباطن وهو عمل القلب وبين العمل الظاهر، أما إذا اتكل الإنسان على أمره الباطن ومضى وقت عليه ثم لم يعمل، فإنه ليس من جملة المؤمنين؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع من أراد أن يؤمن فيقول: قل: لا إله إلا الله، فيقول: لا إله إلا الله، ثم يأمره النبي عليه الصلاة والسلام بأوامر، ثم يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ) ، إذاً: القضية ليست أني أغرس في قلبك إيماناً فقط، بل لا بد من العمل معه؛ ولهذا ما من أحد يكتفي بولاء غيره له قلبياً إلا ظهر ذلك عملاً، فإذا كان الإنسان لا يرضاه في دنياه فكيف يريد أن يرضى الله عز وجل بمخالفته ظاهراً وقبوله بذلك باطناً؟!

    ولهذا نقول: إن درجة فلاح الإنسان هي بمقياس موافقة الباطن للظاهر، وكلما زاد الإنسان إيماناً في قلبه فينبغي أن يزيد إيماناً في ظاهره، وإذا قصر في قلبه فعليه أن يحيي ما في قلبه أو يزيد ما نقص في قلبه من إيمان حتى يزداد عمل الظاهر.

    ولهذا ما هو النفاق؟ النفاق: هو مخالفة الباطن للظاهر، يعني: اختلال الميزان، لديه شيء من نقص الإيمان في الباطن ويزيده في الظاهر، لا يمكن أن يستوي ذلك، تزيده أنت في يوم لكن لا بد أن يرجع غداً أو بعد غد، ما الواجب على الإنسان: هل يجعل الظاهر يوازي الباطن، أم يزيد في الباطن ليزداد الظاهر؟ يجد الإنسان في نفسه إقبالاً على الله سبحانه وتعالى إذا جالس الصالحين أو إذا كان في المسجد، ولكن قد يجد في نفسه ضعفاً إذا خلا بنفسه، الناس يفطرون على مثل هذا الأمر، ولكن المرتبة العليا والكاملة هو أن يوافق ظاهر الإنسان ما في باطنه، وعلانيته توافق سره.

    المنتكسون عن طريق الحق المتذبذبون يعملون أعمالاً ظاهرة ليس لديها أصل في قلوبهم، الدافع إلى هذا مجاملة العمل، مجاملة الأصحاب، مجاملة الجار، مجاملة الوالد، مجاملة الزوجة وغير ذلك؛ ولهذا ينتكسون، ما الذي انتكس منهم؟ انتكس الظاهر وما انتكس الباطن، لأن الحقيقة أن هذا الأصل الظاهري لا وجود له في الباطن، إنما هو منظومة تصنع؛ لهذا إذا وجد الإنسان في قلبه ضعفاً في إيمانه ما الواجب عليه: هل ينقص الظاهر حتى يسلم من النفاق، أم يزيد الباطن؟ يزيد الباطن.

    ولهذا الله سبحانه وتعالى إذا أنزل عقاباً على أحد من العباد ثم وقع فيه نقص في دينه، فإن هذا النقص هو نفاق ظاهر أرجعه الله عز وجل إلى حقيقته؛ لهذا الله جل وعلا يطالب عباده ويأمرهم بالإيمان ظاهراً وباطناً: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر:3] ، الإيمان هو الإيمان الذي أمر الله سبحانه وتعالى به، والعمل هو العمل الذي أمر الله سبحانه وتعالى به، وليس اجتهاد الإنسان من تلقاء نفسه؛ لأن الله سبحانه وتعالى كفى الإنسان اختيار العمل وجعل الأمر إليه؛ حتى لا يتشعب الدين ويكون حينئذ من جملة الأهواء، لماذا؟ لأنه لو وكل الدين إليهم كما توكل الدنيا إليهم لتصارعوا عليها وكل يزيد في الدين وينقص، فأصبح حينئذ في ذلك شيء من الأهواء، فجعل الله سبحانه وتعالى الأمر إليه، وليس للإنسان أن يزيد في ذلك.

    يقول الله جل وعلا: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3]، إذاً: البداية من الله، والكمال منه سبحانه وتعالى، فأكمل الله عز وجل وأغلق الباب على كل أحد أن يزيد في دين الله سبحانه وتعالى ما ليس فيه.

    أهمية التواصي بالحق والتواصي بالصبر

    إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3]: التواصي بالحق والتواصي بالصبر -على ما تقدمت الإشارة- أن ذلك فرع عن الإيمان وفرع عن العمل، يعني: هذه لا بد من وجودها للحفاظ على الباطن والحفاظ على الظاهر، (( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )): هذان أصلان، (( وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ )): على ماذا؟ على الحق الإيماني القلبي والحق أيضاً العملي، تواصوا بالحق يذكر بعضهم بعضاً وتواصوا حينئذ بالصبر.

    الإيمان على ما تقدم الكلام عليه: هو حياة الباطن كحياة قلب الشجرة، والعمل هو حياة الظاهر.

    ممكن الإنسان يوجد في قلبه حياة ولا توجد في ظاهره حياة، ولكنها فترة زمنية معينة ثم يكون هذا الأمر إلى زوال، الإنسان قد يأتي ببذرة ويضعها في التراب ثم يقوم بسقيها، فهل يستطيع أن يقول: إنها ميتة أو ليست بميتة؟ لا، كحال الإنسان أول ما يدخل الإسلام كاليهودي والنصراني تقول له: قل: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله، فيشهد أن لا إله إلا الله ويشهد أن محمداً رسول الله فتطلق عليه الإيمان، لكن هذا الإيمان لا يمكن أن يدوم وهو كحال البذرة، لا يمكن أن يدوم حتى يتبعه بعد ذلك العمل.

    ماذا تعمل؟ أنت الآن مؤمن، لا نستطيع أن نقول: إنك كافر، نعم، دخلت الإيمان، لكن هذه بذرة وضعناها فيك كما نضع البذرة في الأرض ثم نقوم بسقيها اليوم وغداً وبعد غد ونحو ذلك، حتى ننظر هل تخرج شيئاً أم لا؟ هل يظهر منك عمل أم لا؟ إذا لم يظهر منك عمل إذاً دعوى!

    ولهذا الذي يضع بذراً في الأرض ثم يسقيه ثم يسقيه فلا يخرج فليعلم أنه ميت، وأنه فعلاً وضع شيئاً ولكن القلب قد مات، في البداية كان حياً ليوم أو لساعات أو نحو ذلك، ولكنه بعد ذلك زال.

    ولأجل تلازم الظاهر والباطن جاء التواصي بالحق والتواصي بالصبر؛ حفاظاً على داوم العمل، لماذا؟ لأن المؤثرات في هذا عظيمة، الله عز وجل ما جعل إيمان الإنسان في دنياه حينما يؤمن باقياً بلا مؤثر، كالحجر يضعه الإنسان ثم يجده بعد قرن أو قرنين على ما هو عليه.

    النفس الأمارة بالسوء وأثرها على الإنسان

    الله عز وجل جعل في ذلك مؤثرات ابتلاءً، ما هي هذه المؤثرات؟ المؤثرات في هذا ثلاثة:

    أولها: نفس الإنسان الأمارة بالسوء، فقد جعل الله عز وجل فيها نوعاً من الانفلات؛ فلذلك تحتاج إلى مقاومة وتكبيل وعقل بالدين حتى تنفلت، وهذا من التواصي بالحق والتواصي بالصبر.

    فالمؤمن يقيدها ويعينه غيره على تقييدها، بالنصح والتوجيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح، وإظهار هيبة الحق وغير ذلك.

    هذا من التواصي لبقاء هذا الأمر، الذي يعين الإنسان على نفسه؛ لهذا جاء في الشريعة جملة من الأوامر الموجبة لاجتماع الناس واختلاط بعضهم مع بعض، لماذا؟ لأن هذا يقوي حرارة الباطن؛ لهذا أمر الله عز وجل بصلاة الجماعة، وأمر بكثير من الأوامر الشرعية كالجهاد جماعة، وأمرهم بالائتلاف، واجتماع المسلمين في البلد الواحد تحت ولاية واحدة وتحت إمرة واحدة.

    لماذا الحث على الاجتماع؟ لأن الإنسان إذا كان منفرداً يذوب، مثل قطعة الثلج إذا وضعت منفردة، أو وضعت مع قطع جليد، أيهم تذوب أسرع؟ المنفردة بخلاف المجتمعة؛ لهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أبي الدرداء عند الإمام أحمد و أبي داود قال عليه الصلاة والسلام: ( ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا يؤذن فيهم ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ) ، ثمة هيبة يغرسها الله عز وجل في قلب الإنسان؛ لهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ) ، يعني: تزكي بعضها، تعطي الإنسان نوعاً من الانضباط: ( صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الثلاثة أزكى من صلاة الرجلين ) ، وهكذا؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى أمر بكثرة الجماعة، كلما اجتمعت الأمة فإن ذلك أعظم على الديمومة وأحفظ للحق الموجود الذي أمر الله سبحانه وتعالى به.

    الحاجة إلى التواصي بالحق

    (( وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ )): التواصي هنا إشارة إلى وجود أكثر من طرف يهيب بعضهم بعضاً، هذا ينصح هذا وهذا ينصح هذا، هذا لديه نزوة في المال الحرام، هذا لديه نزوة في البصر، هذا لديه نزوة في المأكل، هذا لديه نزوة في المسمع الحرام وغير ذلك، وهذا ليست لديه نزوة في المسمع وهذا لديه نزوة في الشهوات، وهذا لديه شهوة في الشبهات، ما كان منفذاً على قلبك يغلقه الآخر الذي ليس منفذاً عليه، ولديه منفذ ليس لديك تقوم بإغلاقه كذلك؛ لهذا أمر الله عز وجل بأمر الجماعة؛ ولهذا قلما يتوافق الناس في جانب الشهوات، تجد بعض الناس منضبطاً في شهواته، لكنه منفلت في جانب المال الحرام يتعامل بالربا ويسرف في هذا الجانب، وهناك من لديه انضباط في جانب المال الحرام، لكنه مسرف على نفسه في السماع المحرم أو في النظر المحرم هذا عكس ذلك، كل يغلق المنفذ الحرام الذي عند صاحبه بدائرة المبادلة؛ ولهذا أمر الله سبحانه وتعالى بالجماعة.

    فإذا أردتم الحفاظ على الإيمان والحفاظ على العمل فتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وهو شبيه بالسقي، فالإنسان -على ما تقدم- إن كان لديه شجرة فسقاها خرجت، ويستعين على ذلك بالتواصي مع غيره على سقيها على سبيل الدوام، كذلك القلب لا بد له من سقيا، ما هي السقيا؟ هي إدارة دائرة الإيمان والتواصي بالحق .

    كثير من الناس يقول: أنا سمعت أن الصلاة واجبة، والصيام واجب، وقيام الليل فاضل ونحو ذلك، فيكفي ولا أحتاج أن أسمع! وهذا غلط، بل أنت محتاج إلى هذا؛ لأن القلب يغفل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنه ليغان على قلبي )، وهو من هو عليه الصلاة والسلام، ( وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من سبعين أو مائة مرة ) ، لماذا؟ لأن القلب بحاجة وهذا أمر مشاهد؛ فالإنسان في أثاث بيته يأتي إلى طاولة تركها لأيام فيجد عليها غباراً معدما وقد كانت نظيفة، أليس كذلك؟ تحتاج إلى شيء من المعاهدة، كذلك القلوب والعقول تحتاج إلى شيء من المعاهدة، فلا يقول الإنسان: يكفي أخذت هذه المعلومة، نعم أخذت هذه المعلومة، لكن تحتاج إلى تثبيت هذا الشيء وزيادة غرسه.

    ولهذا نقول: إن القلوب والعقول والأنفس بحاجة إلى استدامة الغرس حتى يثبت ذلك؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى أمر بالتواصي؛ إشارة إلى أن الأمر لا يقوم في ذاتك، بل بحاجة إلى طرف آخر يعينك، يقوم الإيمان بك ذاتياً، يقوم العمل بك ذاتياً، لكن التواصي لا بد من طرف آخر يعينك، إذاً: يكمل الناس بعضهم بعضاً في باب الإصلاح: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3] .

    التواصي بالصبر وأثره في استدامة العمل الصالح

    والتواصي بالصبر مهم؛ حتى لا يرد على الإنسان الملل، فالإنسان يمل حتى من العبادة والعمل الصالح، أمر جبلي لا يؤاخذ عليه؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم -كما جاء في الصحيح-: ( لما دخل عند أم المؤمنين زينب وجد حبلاً مربوطاً لها، فقال: ما هذا؟ فقيل: هذا لـزينب تصلي من الليل، فإذا تعبت قامت عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مه! عليكم من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا ) ، هذا إشارة إلى معنى قد جاء في الحديث: ( أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل ).

    لماذا كان الدائم أفضل؟ نرجع إلى الشجرة، إذا أتيت شجرة ثم أفرغت عليها خزان ماء ليوم واحد ثم مضيت وتركتها، أيها أنفع: وأنت تقطر عليها على مدى سنوات، أيها أنفع؟ تقطر عليها على مدى سنوات؛ لأن الشيء القليل من الخير أفضل من الكثير المنقطع؛ لهذا من تلبيس إبليس على إقبال الإنسان إلى الحق أن يجد الإنسان من يسمع موعظة ويقرب قلبه إلى الله سبحانه وتعالى، أو يكون من البعيدين عن الحق ثم يقبل إقبالاً كاملاً، من المداخل على بعض المقبلين إلى الحق: أن الشيطان لا يستطيع أن يكبح جماح الإنسان؛ لأنه ليس رباً حتى يقيد النفوس ويقيد القلوب، لكن لديه محاولات وسياسية يجرف، كحال السيل حينما يأتيه يقوم بحرفه يميناً أو يساراً، أو بالتقليل منه أو شيء من هذا.

    إذا رأى الشيطان إقبال الإنسان على الحق فأراد -مثلاً- أن يقوم الليل أو يؤدي جميع الواجبات، ورأى إقبالاً منه شديداً، أحياناً من سياسية إبليس يفتح له المجال ويدعه، لماذا؟ يريد أن يفرغ كل شيء مرة واحدة؛ ولهذا أكثر الناس المقبلين على الحق إقبالاً واحداً ينقطعون؛ لأنه يعلم أنه إذا صلى اليوم الليل كاملاً -وهو قد كان على غير قيام من قبل- فإنه في اليوم الثاني سينقطع، لكن لو أخذه إبليس على سبيل التدرج فإن هذا يعني إعانته على الاستدامة.

    ولهذا نقول: إن دوام العمل الصالح من الأمور المهمة والمطلب الشرعي؛ ولهذا جاء في الشريعة مسألة التدرج في العمل الصالح، في جانب التربية، وفي جانب التعليم وغير ذلك؛ حتى لا ينقطع الإنسان؛ لأن الإنسان بطبعه إذا أخذ الأمر كله من أول مرة من غير تدرج فتر عنه بعد ذلك، وقد جعل الله عز وجل ذلك شيئاً كونياً حتى في تكوين الناس أنهم يخلقون أطواراً، كذلك ينبغي أن يكون العلم أطواراً حتى يثبتوا على مثل هذا العمل، فالله عز وجل ما خلق شيئاً مرةً واحدة وإنما جعل ذلك على سبيل التدرج.

    تواصي أهل الباطل على باطلهم

    قال: (( وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ )): إشارة إلى أن ثمة تواصياً بالباطل، وأن الذي أراده الله سبحانه وتعالى هو التواصي بالحق، المنافقون يتواصون بالباطل؛ لأن بعضهم أولياء بعض: يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ [التوبة:67] ، إذاً: عكسهم أهل الإيمان، ولكن أهل الإيمان الحق هم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، يأمرون أنفسهم ويأمرون غيرهم ويقومون بتوجيههم.

    مراتب الصبر والأمور المعينة عليه

    قال: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3] : الصبر في ذلك على مراتب متعددة، فمن الصبر المراد هنا: تصبير الإنسان وتثبيته على جانب العبادة، وتذكيره بالأمر الذي أمامه من الأجر والثواب الذي عند الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا جاء في الشريعة معانٍ مرغبة للعمل أو محذرة منه في الكتاب والسنة مثل: بيان الثواب والعقاب على بعض الأعمال، وذلك داخل في دائرة تصبير الإنسان على عمل الخير، يعني: عليك أن تشد المسير إلى الله؛ فإن الأجل قريب، وعليك أن تثبت في مثل هذا العمل؛ فإن الثواب عند الله سبحانه وتعالى عظيم، وعليك أن تصبر في ترك المحرم؛ فإن العقاب عند الله عز وجل شديد، وهذا نوع من التصبير والتثبيت، لماذا؟ لأن للنفس نزوات ولها رغبات تميل إلى الراحة وتميل إلى الدعة.

    وأعظم ما يفيد الإنسان في هذا: قصر الأمل بأن ينظر إلى أنه مقبل على الله، فالموت قد يأتيه اليوم وقد يأتيه غداً أو يأتيه بعد ساعة أو يأتيه بعد عام، كلما قصر أمله قرب من الله سبحانه وتعالى.

    قال: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3] : مما يعين على التواصي في ذلك: الإتيان إلى مجالس الذكر، ومجالس العلم.

    إن أعظم ندامة ترد على الإنسان أن يصل الخير إلى قعر داره أو عمله أو حيه أو نحو ذلك ثم يعرض عنه؛ ولهذا الصاحبان اللذان ذكر الله عز وجل أمرهما في النار، من وجوه الندامة التي ذكرها عنهما ما جاء في قوله: لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي [الفرقان:29] ، يعني: جاءني الذكر إلى حيث أنا ثم حرفني فلان، فهذا غاية الندامة أن يوفق الإنسان إلى شيء من العلم أو لشيء من المعرفة ثم يتمكن منه ثم ينحرف عن ذلك.

    فليتوص المسلمون على حضور مجالس العلم، ومجالس الذكر، ومجالس التربية التي تعين الإنسان على الثبات في نفسه والتمسك بما أمر الله سبحانه وتعالى في ذلك، فهذا من أعظم ما يعين الإنسان: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3] : هذان الأمران هما اللذان يثبتان الإيمان في قلب الإنسان، ويقويان لديه جانب العمل.

    أثر شياطين الإنس والجن على العبد

    كذلك أيضاً من أعداء الإنسان بعد نفسه الأمارة بالسوء: شياطين الإنس وشياطين الجن، ذكرنا أن أعداءه ثلاثة: نفسه الأمارة بالسوء، وشياطين الإنس، وشياطين الجن، وقد تجتمع هذه الثلاثة على الإنسان، قد يجتمع بعضها أو تجتمع هذه الثلاثة بضعف وقد تجتمع بقوة، وكلما تكالبت على الإنسان فعليه أن يدفعها بالتواصي على الحق مع غيره، كذلك أيضاً الصبر على مثل هذا الطريق والإكثار من القراءة فيما يسمى بفضائل الأعمال أو أحاديث الترغيب والترهيب التي تعين الإنسان وتثبته على عمل الصالحات.

    فالإنسان يعمل ويكدح ويذهب إلى الوظيفة؛ لأنه يتذكر نهاية الشهر، وهذا نوع من الترغيب، وربما ينضبط بشيء؛ لأنه يستحضر العقاب عند المخالفة فيقوم بانضباطه.

    هذا في الجانب الدنيوي، كذلك ينبغي أن يكون هذا في الجانب الأخروي، وكلما كان الإنسان أبصر في جانب الثواب وفي جانب العقاب كان أكثر التزاماً وتمسكاً فيما أمر الله سبحانه وتعالى به من العمل الصالح وأكثر اجتناباً لما نهى الله سبحانه وتعالى عنه وزجر.

    1.   

    ما تضمنته سورة العصر من العبر العامة

    هذه السورة هي سورة عظيمة ينبغي للمؤمن أن يكثر من تدبرها وتأملها، والنظر بما فيها من آيات ومعانٍ وحكم ودلالات، ولو أراد الإنسان أن يتكلم عن جزئية واحدة منها لأسهب وأخذ من ذلك زمناً طويلاً، من جهة ما فيها من تفجر الحكم والدلالات والوصايا العظيمة التي أشار الله سبحانه وتعالى إليها فيها؛ ولهذا قول الشافعي: لو ما أنزل الله عز وجل على أمة محمد إلا هذه السورة لكفتهم، قول حصيف؛ لما في هذه السورة من ذكر جوانب الإيمان، والعمل، وجوانب التواصي وتماسك الأمة، وتصبير بعضهم بعضاً، وفيها أيضاً الإشارة إلى الحرص على الثبات الفردي، والأمن من النفاق، واجتماع المسلمين مع رفاقهم أو الفرد مع الرفقة الصالحة، واجتنابه للاختلاف السيئ، كذلك أيضاً اغتنام الوقت لأمر دينه وأمر دنياه، هذا منفر أيضاً من المفرطين في جانب ذلك الزمن.

    لهذا نقول: فيها من الوصايا والمعاني العظيمة شيء كثير, ولو أراد الإنسان أن يتكلم فيها أو يستنبط ما تضمنته من عبر وأحكام ودلالات وآداب وتربية ووصايا، لتحير الإنسان مما فيها، ومن نظر في كتب التفسير وجد ذلك ظاهراً.

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم من الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، وأن يجعلنا من الذين تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.