إسلام ويب

إن خير من استأجرت القوي الأمينللشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كلف الإنسان بحمل الأمانة التي تعني جميع التكاليف الشرعية بينه وبين ربه، وبينه وبين خلق الله، وللأمانة مع القوة أهمية كبيرة في صلاح الأعمال الدينية والدنيوية ونجاحها، فإذا تخلف أحد هذين الشرطين لم تنجح الأعمال كما يراد لها.

    1.   

    عظم شأن الأمانة التي كلفها الإنسان

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة الكرام! فإن الله قد جعل الأمانة موضوعة على أعناق وأكتاف بني آدم، وهذا حمل عظيم جليل القدر يجب على الإنسان أن يؤديه.

    وينبغي أن يعلم أن الأمانة على مراتب، وهذه المراتب تتباين بحسب ما يجب على الإنسان أن يؤديه لغيره، وما يجب على الإنسان أن يصدر منه، والله سبحانه وتعالى عرض الأمانة، فقال جل وعلا: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72].

    إن الله سبحانه وتعالى قد وضع الأمانة على أكتاف بني آدم؛ ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: (( وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ ))، والمحمول غالباً يكون على الأكتاف، إشارة إلى ثقله، وشدة ذلك المحمول، وهذه الأمانة أمانة معنوية يتحملها الإنسان إذا كان صاحب جأش شديد، وبال عظيم، وصاحب نهج قويم، فإنه يسلك المسلك الحق في إيصال تلك الأمانة.

    إن الأمانة التي عرضها الله جل وعلا على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها هي: جميع ما يجب على الإنسان تجاه ربه، وما يجب على الإنسان لغيره، وهذه على مراتب يجب على الإنسان أن يتبصر وأن يتفقه فيها.

    وتلك الأمانة لا شك أن الإنسان يطيقها حملاً ويطيقها أداءً، وإلا فالله جل وعلا لا يكلف الإنسان بما لا يطيق؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: (( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ))[البقرة:286]، وقال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7]، فالكلفة على قدر استطاعة الإنسان؛ لهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )، وهذا فيه إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له في حال الامتثال أن يؤدي ذلك على قدر طاقته وسعته، وأما إذا كان ذلك زائداً عن القدر والطاقة فإن الإنسان لا يكلفه الله إلا حسب وسعه، وأما بالنسبة للكلفة والمشقة التي يجدها الإنسان فهذا أمر طبيعي؛ لأن الله عز وجل خلق الإنسان في كبد، والحياة الدنيا بحاجة إلى مكابدة، وبحاجة إلى مجاهدة ومقاومة، وهذا أمر معلوم؛ لهذا أثبت الله الكلفة، وأثبت الاستطاعة للإنسان، وأن حد الكلفة ينتهي عند حد عدم الاستطاعة؛ لهذا قال الله جل وعلا: (( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا )).

    وهذا يعني أن الإنسان لا يكلف إذا عجز عن أداء تلك الأمانة إلى غيره، وهذه الاستطاعة ليس مردها إلى ذوق الإنسان وحسه، وليس مردها أيضاً إلى رغباته التي يشغل قلبه شيء منها، فإذا عمر الإنسان قلبه بشيء من لذائذ الدنيا من المال ونحو ذلك، فإنه ربما فرط بالمصالح الأخرى مما يتعلق ببر الوالدين، أو صلة الأرحام، أو حق الجوار ونحو ذلك لأجل درهم أو دينار يطارده يمنة ويسرة؛ لأن قلبه قد عمره بحب الدينار والدرهم، فظن أنه إذا انصرف إلى شيء من الواجبات الشرعية فإن ذلك يفرط أو يفوت عليه حظه من الدنيا، والدنيا حينما يتعلق بها الإنسان تعلقاً زائداً يفرط في حق الله جل وعلا فيما يقابلها، ولهذا كثير من الناس يقول: إني لا أستطيع أن أفعل كذا وكذا، فإذا محضت تلك الاستطاعة التي ينفيها الإنسان وجد أن ذلك الميزان الذي يرجع إليه قد اختل عنده فاختل في أبواب النتائج، وهذا أمر معلوم، وهذا في جميع الأبواب وجميع الأنواع فيما يصدر من الإنسان أو تقييم الإنسان.

    1.   

    بطلان احتجاج المعرضين عن الأمر والنهي

    لهذا تجد كثيراً من الناس حينما يؤمر أو ينهى، أو يحث على فعل شيء أو كف عنه ونحو ذلك يتحجج ببعض الحجج التي هي عند مقياس أهل العقل والنظر لا يمكن أن تستقر على حال مستقيمة، وكثير من الناس مثلاً حينما تتوجه إليه دعوة من الدعوات بإجابة إلى وليمة، أو إجابة إلى كذا فقال: إني مشغول، وإذا أردت أن تقيم ذلك الشغل وجدت أنه شغل ثانوي لا يمكن أن يعطل ذلك الواجب.

    إذاً: تحجج كثير من الناس عن أداء تلك الأمانة ببعض الكلف التي يظنونها أو يتوهمونها على أكتافهم هي عند التمحيص لا ترفع عن الإنسان الخطاب، ويجب أن يخاطب بالأمر، وأن يخاطب كذلك بالنهي، ويقع العقاب حينئذٍ عليه يوم القيامة؛ لهذا وصف الله جل وعلا بعض المكلفين في الدنيا أنهم يحسنون صنعاً.

    بعضهم يأتي من غير يقظة بالنظر إلى حال الأمر، أو النظر إلى حال النهي فينظر أن فيه نوعاً من الكلفة بالنسبة له، فينصرف عنه باعتبار أنه كلف بما لم يطقه؛ ولهذا يتبرأ من ذلك العمل، أو ينصرف عنه، ويظن أنه ليس من المخاطبين، وإذا جاء بين يدي الله جل وعلا تفاجأ أن ذلك في صحيفته، والعبرة بذلك هو مردها إلى مقياس الإنسان في حظه من أمر الدنيا هل يقبل عليه أم لا؟

    1.   

    أثر تعلق القلب بالدنيا على جانب العبودية

    النبي صلى الله عليه وسلم يقول -كما جاء في البخاري وغيره من حديث أبي هريرة- يقول عليه الصلاة والسلام: ( تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، فإذا شيك فلا انتقش )، إن عمارة قلب الإنسان بنوع من أنواع المعبودات يعطل جانباً آخر يجب على الإنسان أن ينصرف إليه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار )، التعاسة هي الشقاوة والمقت، والدعوة بسوء الحال.

    النبي صلى الله عليه وسلم وصف ذلك العبد الذي عبد الدينار والدرهم، هذه العبودية ربما لا تظهر على جوارحه فيسجد له ويركع، ولكنه قد عطل مصالح أخرى تقابل ذلك الحظ؛ بسبب تعلقه بالدينار والدرهم؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن حال الرجل الذي يتعلق بالدينار والدرهم ويعبدها عبادة أنها عطلت الجانب الآخر، وهو إذا شيك فلا انتقش، يعني: أن الإنسان لركضه خلف الدنيا حتى إنه إذا وقعت فيه شوكة ما استطاع أن ينزعها لماذا؟ لأن ذهنه وقلبه مشغول بغيرها، والنبي صلى الله عليه وسلم دعا عليه بالتعاسة وسماه عبداً.

    إذاً: العبودية التي ينبغي للإنسان أن يتجرد منها هي العبودية الباطنة والعبودية الظاهرة، كما أن الإسلام جاء بحرب العبودية الظاهرة والعبودية الباطنة، وحارب ظواهر العبوديات بالسجود للأصنام والطواف على القبور ونحو ذلك كذلك فقد جاء بتجريد القلوب مما يشغلها مما يفوت حظ العبد عند ربه جل وعلا في امتثال ما أمر الله، وكذلك في اجتناب ما نهى عنه.

    إذاً: عمارة القلب بشيء من حظوظ الدنيا تجعل الإنسان عبداً، ومقياس ذلك أنه يفوت جانباً آخر فيفقد حينئذٍ الميزان، وهو عند نفسه يظن أنه على نهج قويم، وعلى صراط مستقيم، وهو أبعد ما يكون عن ذلك؛ لهذا تباين الناس في فهم خطاب الشرع الذي وجهه الله جل وعلا إلى العباد من الثقلين من الإنس والجن، فلم يفهموا الخطاب حق فهمه؛ لأن القلوب مشغولة، منصرفة؛ ولهذا كفار قريش بعضهم انصرف عن سماع الحق، ووضع أصبعيه في أذنيه، لماذا؟ لأنه قد أقبل بزعمه إلى ما هو أولى من جهة حظه إلى نفسه، وهذا أعظم ما يجعل الإنسان يظل عن الصراط المستقيم وينحرف عن النهج القويم أنه لم يجعل لأذنيه حظاً أن تسمع الحق فتوصله إلى القلب، فإذا وصل إلى القلب فإن القلب لا يمكن أن يرد الحق بعد إذ وصل إليه سليماً؛ لهذا أقام الله جل وعلا الحجة على العباد بمجرد سماع الحجة، وأما فهمها فمرده إلى الإنسان؛ ولهذا الإنسان إذا وجه الخطاب إلى أحد من المخاطبين المكلفين، سواء من أبنائه أو خدمه، فإنه يكتفي بذلك إذا أصغى إليه انتباهه، وسمع ذلك الخطاب، فإنه ينزل عليه العقوبة في حال المخالفة، ولا يعذره إذا قال: لم أسمع، أو لم أفهم ونحو ذلك، ولكنه عند سماع الخطاب قد فهم ذلك فنزل عليه العقاب.

    1.   

    أنواع الأمانة المأمور بها

    إن الأمانة التي كلف الله جل وعلا بها العباد الثقلين الإنس والجن أمانة عظيمة، أعظمها هو توحيد الله جل وعلا، والكلام على أبواب التوحيد وضده مما يطول جداً وقد تقدمت الإشارة في المحاضرة السابقة على شيء من معانيه، وبينا معنى ذلك في قول الله جل وعلا: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ [الأنعام:82]، بينّا معنى الأمن وكذلك الظلم، وكذلك أيضاً ضده وهو توحيد الله جل وعلا، ولا حاجة إلى إعادته في هذا الموضع.

    الأمانات التي يخاطب بها الإنسان هي أمانات تتعلق بأمر الدنيا وأمانات تتعلق بأمر الدين، إذاً: فهي على نوعين: أمانات تتعلق بحظ العباد من الدنيا، ويمكن أن يقال: أمانات دنيوية، وأمانات دينية، وهذه الأمانات الدنيوية لا تخلو من تقرير الدين لها وضبطها، وإذا قلنا: إن جميع الأمانات التي خاطب الله جل وعلا بالعباد بامتثالها هي أمانات دينية ودنيوية لا تخرج عن هذا الوصف، ولكن إذا أردنا أن نصف العبادات بأنها عبادات لازمة تعبدية للإنسان وصفنا أنها عبادات دينية، وإذا أردنا جعلناها حظاً من حظوظ العباد في أمر الدنيا ليستقيم فيها أمر معاشهم، وصفناها بأنها أمانات دنيوية يجب على الناس أن يقيموها كما أمر الله سبحانه وتعالى أن تؤدى.

    إن أعظم الأمانات التي وجه الله جل وعلا الخطاب إليها هي الأمانات التي يستقيم بها الدين والدنيا، امتثالاً لأمر الأنبياء، ويليها بعد ذلك مرتبة ما كان من أمر الدنيا محضاً لهذا الضروريات التي جاء الإسلام بحفظها ضرورة: الدين تتصدرها، وتأتي بعد ذلك ضرورة العرض، وضرورة العقل، وضرورة النفس، وغيرها، وضرورة المال، وهذه ضروريات خمسة جاءت الشريعة بحفظها؛ فتقدمت الضرورة الأولى وهي ضرورة الدين على غيرها، وقد يشترك مع أمر الدين جملة من أحكام الشريعة؛ فإن الإسلام اختلف عن غيره من سائر الشرائع، فجاءت شريعة الإسلام لا رهبانية فيها، أي: الانقطاع للتعبد المحض، ومن انقطع للتعبد المحض، فقد خالف نهج محمد صلى الله عليه وسلم؛ لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الناس بالبيع والشراء والمناكحة واللباس، والتمتع من الدنيا عليه الصلاة والسلام، وهذا أمر معلوم، والنصوص في ذلك أكثر وأشهر من أن تذكر كتاباً وسنة، فجاء بأن لا رهبانية في الإسلام، ولا يحبذ الانقطاع التام إلى شيء من العبادات الظاهرة، وترك الدنيا وراء الظهر؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بأن يؤدوا الأمانة إلى من ولاهم الله جل وعلا أمره ممن كان تحتهم، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ( كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته )، يعني: ما من أحد أياً كانت مرتبته إلا ولديه حظ من الأمانة يجب عليه أن يؤديها، ليست أمانة ذاتية متعلقة بذاته، وإنما أمانة متعلقة بغيره، وهذا أمر عظيم؛ لهذا ساوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين من يتحمل أمانة تتعلق بثلاثة أفراد مع من يتحمل أمانة تتعلق بآلاف أو ملايين الأفراد من الرؤساء والعظماء؛ لهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ( ما من رجل يلي أمر ثلاثة فما فوق إلا جاء يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه، فكه بره، أو أبقه إثمه )، يعني: أن الإنسان في أمر الأمانة أنه يتحملها، وحملها ثقيل ما تحمل أمر ثلاثة فما فوق، ويجب عليه أن يؤديها، وإنما كان الأمر في يده أنها مغلولة يده إلى عنقه فكه بره أو أبقه إثمه، أي: الأصل في ذلك هو الاحتياط والمحاسبة، وليس الأصل في ذلك البراءة، يعني: أن الإنسان كما أن الله جل وعلا يحاسبه في تفريطه في عدم أداء الأمانة يجب عليه أن يحاسب نفسه على ذلك على السواء؛ لأنه مخاطب ومكلف ومأخوذ بالتفريط أولاً؛ لأن حقوق العباد مبنية على المشاحة، وليست مبنية على المسامحة كما هو متقرر في ظاهر النصوص كتاباً وسنة، وتقدم معنا الإشارة إلى هذا في المحاضرة السابقة فيما يتعلق بحقوق العباد ومظالمهم، وفيما يتعلق بأمر الأموال والأعراض والدماء، وذلك أن الله جل وعلا لا يغفرها لصاحبه، وتقدم معنا أيضاً الإشارة إلى ما يتعلق بحقوق العباد وحقوق البهائم فيما بينها، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها، وليقتصن الله من الشاة القرناء للشاة الجماء ).

    جاءت الشريعة بضبط نظام الحياة، وضبط ناموسها، وأمر الله جل وعلا بأداء ذلك النظام وفق ما شرعه، وجعل الله سبحانه وتعالى ذلك النظام عبادة يتعبد به الإنسان كما يتعبد الإنسان بركعتين يؤديهما في ليلة ظلماء لا يراه أحد في خلوة؛ لهذا جعل الله جل وعلا الحكم في الناس بالعدل من أداء الأمانة وهو من العبودية المحضة؛ لهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، فأمر بالحكم وفسره بالعبودية، فالمخالف في أمر الحكم قد صرف عبودية لغير الله، سواء لهواه أو لغير هواه بشيء من أمر الدنيا أياً كان، وهذا تقدم معنا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح في قوله: ( تعس عبد الدرهم، وتعس عبد الدينار، وتعس عبد الخميلة والخميصة ) إلى آخره، فيه إشارة إلى عبودية تطرأ على الإنسان ربما لا يشعر بها.

    إن هذه الأوامر يراد بها انضباط حياة الناس فيما يتعلق بأمور قوانينهم وأنظمتهم، كذلك أيضاً ما يتعلق بأمر أخذهم وعطائهم فيما بينهم، ولو كان أمراً دقيقاً، أوجب الله جل وعلا فيه أداء الأمانة؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل حقوق العباد لا بد فيها من الوفاء، ولو كان ظلماً يسيراً، ولو كان قضيباً من أراك، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إنه إذا كان أمراً أيسر من ذلك ولو كان مما يقتطعه الإنسان من شبرٍ من الأرض، فالشبر من الأرض في الغالب أن الإنسان لا يستطيع أن يغرس فيه غرساً، فالشبر إذا وضع فيه الإنسان أصل الثمرة، فإن نتاجها سيتعدى إلى غيره، إذاً: هو لن يستفيد من هذا الأمر، ولكن الشريعة جاءت بضبط تلك الأمانات وأدائها إلى أهلها، والتشديد في ذلك، وأن التطويق من جهة العقاب سيتعدى على الإنسان مما هو أعظم من ذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من ظلم شبراً من الأرض طوقه من سبع أراضين )، يعني: أن العقوبة في ذلك مضاعفة لتفويت حظ الناس.

    والغالب في هذا إنما شدد في الأمور المالية فيما يتعلق في أمر الناس؛ لأن الأمور المالية تتعدى ولا تكون لازمة لشخص.

    يخطئ من يظن أن المظالم المادية تلزم شخصاً بعينه، بل إنها تتعدى إلى غيره إلى من تحته من ذرية، فله ورثة، فربما كان الإنسان ينفق على غيره، ومعلوم أن الإنسان ربما يملك شيئاً من الدنيا، كأن يملك مثلاً ألفاً أو عشرة، أو مائة ونحو ذلك، حظه من ذلك شيء يسير، وما عدا ذلك يتعدى إلى من ولاه الله جل وعلا أمره من ذرية وزوجة، وكذلك من إخوة ومن لهم رعاية عليه، كذلك ما يتعبد به لله جل وعلا من إنفاق أو زكاة، فحق المال أمر متشعب ومشاع، فإذا ظلم إنسان غيره بحبس ماله عنه فإنه ظلم أكثر من ذلك؛ لهذا جاءت العقوبة مضاعفة في هذا كما في ظاهر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( طوقه من سبع أراضين )، بخلاف العقاب اللازم لجسد الإنسان ممن تعدى على أحد عينه بضرب أو فقأ عين، أو قطع يد ونحو ذلك، فالضرر في الغالب يكون لازماً للإنسان، ويلزم من ذلك القصاص أو المسامحة والعفو، أو الدية فيمن عفا وقيد ذلك بأمر الدية، كما هو معلوم فيما هو متقرر في كلام الله جل وعلا، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الأمانة إذا أراد الإنسان أن ينظر إليها يجد أنه ما من تكليف أمر الله بامتثاله، إلا وهو داخل في أبواب الأمانة التي سبق أن الإنسان قد تحملها، وهي التي عرضها الله جل وعلا على السماوات والأرض والجبال فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72].

    1.   

    عجلة الإنسان في تحمل الأمانة والمسئولية

    في قول الله جل وعلا: (( وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ ))، فيه إشارة إلى شيء من نزوات النفس، وعجلة الإنسان في اتخاذ القرار، وتحمل الإنسان لمسئولية ربما يطيقها أو لا يطيقها، والله جل وعلا قد بيّن أن الله لا يكلف إنساناً إلا وقد أطاق، وهذا أمر متقرر، ولكن الله جل وعلا بيّن أمر الإنسان أنه كان على عجل، وخلق الإنسان عجولاً؛ لهذا قد جاء في بعض الإسرائيليات أن الله جل وعلا لما خلق آدم كان جثة هامدة، فلما نفخ الله فيه الروح دبت الروح من تلقاء رأسه، فلما أبصر أبصرت عيناه جسده، وأبصرت الحياة أراد أن يقوم، ولم تصل الروح إلى أطرافه، فذكر الله جل وعلا أمر الإنسان أنه خلق من عجل إشارة إلى هذا الأصل.

    والنبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى التأني في تلقي الخطاب، والتأني في فهمه، والتأني كذلك في العمل، والتريث حتى لا ينساق الإنسان إلى أي دعوة، وهذه طريقة المنافقين أنهم ليسوا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كالشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى تلك أخرى ) ، مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاء [النساء:143].

    1.   

    أهمية معرفة الإنسان الخطاب الموجه إليه

    لهذا ينبغي للإنسان أن يكون عارفاً بالحق والخطاب الذي توجه إليه، وذلك لا يمكن أن يمتثل الإنسان ذلك الخطاب إلا بفهمه كما أمره الله جل وعلا، وإذا أخذه على سبيل العجلة فإنه يأخذه على سبيل البتر والنقص، وعدم فهمه كما أراد الله جل وعلا، ولو أخذه على سبيل العجلة فأخذه على غير سبيل اليقين والثبات، فربما إذا جاءته دعوة معارضة لتلك الدعوة استجاب لها كطريقة أهل النفاق الذين ربما انساقوا للحق ابتداءً، فلما جاءت دعوة مضادة انصرفوا إلى غير مراد الله؛ لهذا لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم طوائف من العرب أسلموا ودخلوا الإسلام، ولما جاءت دعوة مضادة، وضعفت في الظاهر دعوة التوحيد مع قوتها باطناً بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ظناً منهم أن الأفكار متعلقة بالذوات، ارتد من ارتد من العرب لماذا؟ لأنهم أخذوا ذلك الأمر على سبيل العجلة، لا على سبيل اليقين والثبات، فصدروا عنه عن يقين وثبات؛ لهذا ينبغي للإنسان أن يأخذ الخطاب على سبيل التحري والتدقيق، لا على سبيل العجلة، وهذا سر تكرار كثير من آي القرآن في ذات الأمر الواحد؛ لهذا الله جل وعلا أمر الناس بالعبادة، وإفراده سبحانه وتعالى في كثير من المواضع، وربما آية واحدة تكرر في سورة واحدة مرات عديدة للتذكير، وهذا له معنى، وأما من يقول: إني أفهم الخطاب بمجرد لفظ واحد أؤمر به، فهذا من القصور في الفهم؛ لأن الإنسان إذا خوطب بشيء ولم يكن هذا الشيء قد جاء على سبيل القوة والتأكيد، فإنه يضعف لأدنى عارض، وهذا كما أنه في أمور المعاني كذلك أيضاً في أمور الحسيات، فالإنسان الذي يتدثر بلباس خفيف يختلف عن الذي يتدثر بلباس كثيف، والذي يتدثر مثلاً بلباس قوي يختلف عن الذي يتدثر بدروع وتروس وغير ذلك، وهذا أمر متباين؛ ولهذا أمر الله جل وعلا عباده بأخذ الكتاب بقوة، ومعنى الأخذ بالقوة: أن الإنسان يتشبث به؛ لأنه ربما يطرأ له عارض، وهذا ظاهر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما جاء في المسند وغيره-، وقال عليه الصلاة والسلام في حديث العرباض بن سارية قال: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور )، هذه أوامر متكررة، كما تقدم معنا، أمر ثم أكده بالتمسك، ثم أكده بالعض بالنواجذ؛ إشارة إلى أنه ربما يطرأ على الإنسان من يخطف منه إيمانه، كما يخطف من ذلك المال، وهذا أمر معلوم، وهذا لا يمكن أن يتحقق للإنسان إلا بقبض الحق إليه قبضاً شديداً كمن يقبض المال إليه قبضاً شديداً؛ لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقبض الحق والتمسك به، قال: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها )، وهذا التمسك جاء بعد كلمة (على) تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، التمسك يكون باليدين، والعض يكون بالأضراس، وهذا يعني أنه لا بد للإنسان من منازع، والإنسان حينما يرى إنساناً مثلاً في الشارع ممسكاً بثيابه ونحو ذلك، هذا إذا لم يوجد في الطريق سارق سيوصف بماذا؟ سيوصف بالغفلة أو السذاجة ونحو ذلك، لكن إذا رأيت شخصاً قد حمل شيئاً من المتاع أو نحو ذلك قد وضعه هكذا وهو يترقب إشارة إلى وجود من يخطف منه ذلك المال، وأنه ربما يأتي شخص ينتزع منه ذلك الأمر الثمين سواء من أمر المادة أو كان أيضاً مما يتعلق بأمور المعاني من العقائد وكذلك امتثال أمر الله جل وعلا؛ لهذا أكد الله سبحانه وتعالى على أمر العقيدة، وكذلك أمر الأمانة أن يمسكها الإنسان لوجود من يخالف في هذا الأمر.

    1.   

    الأمانة في حفظ الأمور الدنيوية

    نرجع إلى مسألة الأمانة على ما تقدم تفصيلها أنها على النوعين، أمانات دنيوية، وأمانات دينية، الأمانات الدنيوية ينبغي اعتبارها؛ لأن الشريعة جاءت بالميزان التام الكامل في ضبط الناس في دينهم ودنياهم، كثير من أرباب الدعوات الغربية أو الذين يتأثرون بأطروحاتهم يظنون أن الإسلام إنما جاء بحفظ الدين مجرداً، وهو بحفظ العبادة بأداء أركان الإسلام والامتثال لها، وأن ما كان خارجاً عن ذلك هذا لا علاقة له بالإسلام، وهذا نوع تأثر بالأطروحات الدينية الغربية المبدلة، كالذين يتأثرون بالأحبار والرهبان، أو بدعوات الكنيسة الأرثوكسية أو الكاثوليك أو البروتستانت أو غيرهم، الذين يجعلون دينهم ينفصل إلى أمر دين وأمر دنيا، وهما منفكان عن بعضهما لا يتصل أحدهما بالآخر، وهذا مع كونه جناية على الشرائع السماوية على ما طرأ عليها من تبديل؛ لهذا رسول الله صلى الله عيله وسلم حينما أمر غيره قال: ( اتق الله حيثما كنت ).

    العبادة ليست مقيدة في المسجد، وما قال: اتق الله في المسجد، أو اتق الله في العبادة، وإنما قال: ( اتق الله حيثما كنت )، ثم أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدافعة بين الحسنة والسيئة: ( وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ) وهذا فيه إشارة إلى أن تقوى الله جل وعلا من الإنسان يجب أن تكون مصاحبة له في كل حال، في ذهابه وإيابه، قيامه وقعوده، في قوله وفعله، في حركاته وسكناته ينبغي أن يمتثل أمر الله جل وعلا، وألا يخرج عنه.

    كذلك في إتباع السيئة الحسنة إشارة إلى المداولة، وأن الأمر في أمر أعمال الإنسان يدول ولا يتوقف: حسنات وسيئات، فكلما وقع الإنسان في شيء من السيئات يجب عليه أن يعقب ذلك بشيء من الطاعات: من استغفار الله جل وعلا، وكذلك التوبة والإتيان بشيء من الطاعات التي يمحو الله جل وعلا بها الخطايا، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، إشارة إلى أن الإنسان مرتبط بعبادة الله جل وعلا طرفي النهار وزلفاً من الليل، كذلك أيضاً فإنه يتقلب في أمر الحسنات وكذلك أمر السيئات، ينبغي عليه أن يدافع السيئة بالحسنة، وهذا ظاهر أيضاً في أن ذكر الله جل وعلا لا يتقيد بحال دون حال؛ لهذا من أراد أن ينظر إلى تقييم الإسلام وشريعته فإنه سيجد أنها جاءت بضبط كثير من الأمور حتى ما يتعلق بأمر اللباس والشراب، وكذلك النكاح، وكذلك ما يتعلق بأمر الأموال، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما في المسند والسنن- من حديث عبد الله بن عمرو قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( كل واشرب والبس وتصدق من غير سرف ولا مخيلة )، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( كل واشرب والبس وتصدق ) ذكر الصدقة مع الشرب واللباس والأكل، والشرب واللباس والأكل هذه من الأمور التي يأخذها الإنسان على أمر العادة، ولكن ذكر الله جل وعلا أمر الصدقة إشارة إلى أن خطاب الاقتصاد والقصد مشتمل لأمر الدنيا لضبط أمر الدنيا وضبط الدين، فلا تسرف حتى في أمر الصدقة، فتدع من خلفك عالة يتكففون الناس كما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إنك أن تدع ذريتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس )، إشارة إلى ضبط موازين الدنيا، وضبط موازين الآخرة، وإنما نقسم ذلك على تقسيم النظر، وإلا فالشريعة قد جاءت بضبط جميع الأمور.

    جاءت الشريعة بضبط أمر اللباس، وضبط ما يتعلق بأمر النكاح على مقادير معلومة، فيما يتعلق بأمر اقتصاد الناس في البيوع والشراء، حتى في الأمور المباحة من الهدايا والعطايا والهبات، وغير ذلك، وما يتعلق أيضاً في حال الإنسان في مزحه وذهابه ومشيته ونحو ذلك، وآداب الطرقات وغير ذلك مما لا يخفى، إن الشريعة حينما جاءت بضبط أمر الدنيا إشارة إلى أن الشريعة تكفلت للعباد بوضع أسس الحياة، وجاءت الشريعة بضبط أصول وفروع الدين فلا زيادة في ذلك ولا نقصان.

    أما أمر الدنيا فإنه موكول إلى من علمه، وقد وضع الله جل وعلا حدوداً في أمر الدنيا ألا يتجاوز الإنسان فيها أمر الله جل وعلا، رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالأخذ من أمر الدنيا على وجه القصد، وضبط أمر الدنيا كما لا يخفى في الجوانب التي تقدمت الإشارة إليها.

    1.   

    صفة موسى على لسان ابنة صاحب مدين

    وحينما ندرك أن الأمانة على النوعين: أمانة دنيوية، وأمانة دينية، يظهر المعنى في قول الله جل وعلا: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26] حينما قالته ابنة شعيب لأبيها -على قول بعض العلماء، وهو قول أنس بن مالك وجماعة-، وذهب بعض العلماء إلى أن من رعى موسى عليه السلام غنمه لم يكن شعيباً، وإنما هو رجل آخر، قيل: إنه ابن أخ شعيب عليه السلام على خلاف في هذه المسألة لسنا بحاجة إلى الكلام عليها، حينما ذكر الله جل وعلا هذا عن ابنته في قوله: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]، إشارة إلى جانبين: القوة والأمانة، القوي الأمين، الأمانة متعلقة بباطن الإنسان وتظهر ثمارها على جوارحه، أما القوة فتظهر في بدن الإنسان وجسده، إشارة إلى أهمية الجانبين، جانب الدنيا وجانب أمر الدين في عمل الإنسان.

    وهذا فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا أراد أن يولي أحداً شيئاً من الولايات العامة أو الخاصة ينبغي أن ينظر إلى جانبين: الجانب الأول: زكاء النفس وهو الباطن، وهو ما يتعلق بأمر الأمانة، وألا ينظر مقتصراً على جانب القوة البدنية، أو الحذق العقلي، أو الدراية أو المعرفة فقط، سواء كان ذلك فيما يتعلق بأبدان الناس من أمور الطب، أو ما يتعلق كذلك في أموال الناس فيما يتعلق في أمور الاقتصاد، أو ما يتعلق كذلك أيضاً في أعراض الناس، لا بد من النظر إلى أمرين.

    وابنته هنا حينما جاء موسى عليه السلام، ورأت منه ما رأت، قالت: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]، ذكرت العلة في أمر الاستئجار، ولم تقل: استأجره وسكتت، وإنما ذكرت ضوابط ذلك، وأنه لا بد من القوة والأمانة، وهو المسوغ في أمر الإجارة.

    والإجارة هي نوع من العمل، وكذلك الإنابة في أمر الأمانة التي ينبغي للإنسان أن يؤديها كما اؤتمنها الإنسان من غير تفريط في ذلك، وقد جاء في روايات بعض السلف من المفسرين في قول الله جل وعلا: (( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ))، أن المراد بذلك هو العالم بما ولي فيه، وقد جاء أن المراد بذلك أنه ليس ممن ينظر إلى النساء، وقد جاء تفسير ذلك عن عمرو بن ميمون ، وكذلك جاء عن محمد بن إسحاق وغيره، وذلك أن أباها قد سألها قال: من أين عرفت أمانته؟ قالت: إنه لما أردت أن أمشي قال: امشي خلفي؛ إنه يوم ريح، وأخشى أن يوصف جسدك لي، قال: ومن أين أخذت قوته؟ قالت: إني رأيته يحمل حجارة لا يحملها العشرة، وفي هذا إشارة إلى الجانبين: إلى جانب صيانة الأمانة وما يتعلق بدين الإنسان، وما يقع في قلبه من الخشية على الأعراض ومراقبة الله جل وعلا في ذلك؛ ولهذا موسى عليه السلام لما أراد أن يذهب معها إلى أبيها، وذلك لأن أباها قد دعاه ليجزيه أجر ما سقى لابنتيه، فحينما ذهب وكان يوم ريح، ومعلوم أن الريح يصف الجسد، ولو كان الثوب فضفاضاً، أو القميص فضفاضاً، وذلك أنه يلتصق بالجسد فربما وصف الجسد فقال: امشي خلفي وصفي لي الطريق، فأدركت أن ذلك من أمر الأمانة الذي بها يحفظ الإنسان العرض ويصونه، كذلك ويحفظ فيه المال، مع أن جانب الرعاية -وهي رعاية البهائم- لا حاجة إلى صون الأعراض فيها، وذلك أن عرض الإنسان مصون في داره، ولا علاقة لذلك المال؛ فإن الإنسان إذا تولى راعياً على غنم أو ماشية أو نحو ذلك، أو تملك مالاً أو نحو ذلك، فإنه يغدو بتلك الماشية ويرجع فيها، ولا مخالطة له في أمر النساء غالباً، ولكن لما كان ذلك أمارة إلى غيره، أن الإنسان إذا صان عرض غيره مع التمكين إليه فيما هو من أدق الأمور، فإنه سيزهد ويتورع عما هو أبعد من ذلك واستعملت في ذلك القياس.

    1.   

    أهمية الجمع بين القوة والأمانة لدى العامل

    لهذا وجب على أصحاب الولايات العامة، ويجب أيضاً على من ملك رأياً، أو ملك نظاماً في ذلك ألا ينظر إلى ما يسمى بخبرات الإنسان فيما يتعلق بمعرفته الذاتية أو بالبدانة والبسطة في الجسد، أو بمعرفته مثلاً في الطب، أو معرفته بالاقتصاد، فإذا كان عارفاً بالاقتصاد وهو من خوان الأمانة وسراق المال، والمغتصبين له والمنتهبين والمتربصين بالمال في أي فرصة سانحة لا يرجو في أموالهم خبالاً؛ ولهذا ينبغي أن ينظر إلى أمر الأمانة والصدق والمعرفة، وأعظم إشكال يقع فيه أهل العصر في زماننا، أنهم ينظرون إلى الخبرة العلمية، وينظرون إلى حذق الإنسان ودرايته في هذا الباب، ولا ينظرون إلى أمر الأمانة، وكم من الناس من قد ولي أمانة في أمر الطب فانتهك الأعراض، وهو من أهل الحذق في ذلك، وكم من الناس من قد ولي ولايات وهو من أهل المعرفة في الاقتصاد، وهو من أهل الحذق في هذا الأمر، وقد ظلم غيره والجاهل في ذلك خير منه، لو تخبط في أمر المال، ولكن لما ظلم نفسه قد وقع في إضاعة أموال الناس، وإهدار ما يتعلق بأموالهم وحظوظهم، ولم يراع الله جل وعلا فيما يتعلق بأموال المسلمين، فضلاً عما يتعلق بأمر الأعراض، وما يتعلق بأمر ضبط حياة الناس في السياسة العامة والقوانين، مع أننا نجد أن كثيراً من الدول المنتسبة للإسلام يتولى كثير منهم الولايات فيما يتعلق في أمر الدنيا وهو من أهل الحذق والمعرفة في هذا الأمر، وهذا نوع قصور؛ لأن النظر في أمر الدنيا دون أمر الدين تفريط؛ لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن يرسل من أراد من أصحابه إلى ملوك البلدان أو كذلك يوليهم عمالاً على من تحتهم من قبائلهم أو سوادهم ونحو ذلك، فإنه لا يولي على ذلك إلا الخيار، وأصحاب العقل والديانة والنزاهة، المقترن معهم من ذلك علم ومعرفة.

    كذلك أيضاً ينبغي للإنسان الذي رزقه الله جل وعلا أمانة وصدقاً أن يتوقف عن الإقدام على شيء لا يحسن التصرف فيه، مما يتعلق في أمر الطب، أو ما يتعلق بأمر الاقتصاد؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وأهل مكة قاطبة ليسوا بمعروفين بالزراعة، وذلك لبيئتهم، وليسوا بالمعروفين بالنخل، النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء أهل المدينة ومر بهم وهم يؤبرون النخل، النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: لو تصنعون لخرج، يعني: يظن هذا الأمر، وذلك أن الإنسان إذا أراد أن يستعمل القياس يجد أن النتيجة التي قالها النبي عليه الصلاة والسلام صحيحة، فتجد أن جميع الثمار لا تحتاج إلى التلقيح، مثل العنب والتين والزيتون، والبرتقال وغيرها، تجد أنها ثمار تخرج من الأرض تغرس ثم تخرج، مسألة اللقاح لا تطرأ عليها، لكن بعض الثمار لا بد فيها من تلقيح، وهذا خارج عن القاعدة الأصلية، فيطرد الإنسان على بعض الأقيسة ونحو ذلك مجتهداً.

    النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل المدينة: (أنتم أدرى أو أعلم بأمر دنياكم)، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال أو فعل فهو معصوم عليه الصلاة والسلام، ولكن ما يتعلق من أمر ذلك ينبغي للإنسان أو صاحب الديانة مهما بلغ علماً ومعرفةً أن يكل أمر المعرفة إلى من علمه، وإذا رأى صاحب معرفة قد قصر في معرفته في جانب الأمانة ينبغي أن يوجهه في أمر الأمانة، وكذلك جانب القصور حتى يكتمل في الأمة الأمر.

    1.   

    الانتخابات البلدية وأهمية توفر الأمانة والقوة في المرشح

    ونحن في هذه الأيام، ومقبلون على ما يسمى بالانتخابات البلدية.

    مشروعية تولية العرفاء على أمر الناس

    وهي في الغالب ما يتعلق بصالح الناس في شأن أحوالهم الاجتماعية ونحو ذلك، فيما هو في الغالب في أحوال الناس في علاقاتهم، أو ربما في ميادينهم ونحو ذلك، وهذا الأمر -بعيداً عن الخوض فيما يتعلق بالأنظمة الديمقراطية، أو أنظمة الانتخابات، أو البرلمانات وغير ذلك-، فإن هذا من الأمور والأبواب التي يحتاج إلى الخوض فيها إلى ما هو أوسع من ذلك، وأمرها معلوم مبين وقد تكلم في ذلك غير واحد من أهل الاختصاص، ولكن نتكلم على قضية عايشناها فيما يتعلق في أمر الناس، من جهة أمر الناس، وكذلك أخذ رأيهم فيما يتعلق فيما هو من صالحهم ونحو ذلك مما لا يخالف أمر الله جل وعلا مما قد دل الدليل على جوازه، ومن ذلك ما جاء في صحيح البخاري من حديث المستورد بن شداد عليه رضوان الله تعالى أنه قال: جاء وفد هوازن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمين بعد أن سبى رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءهم وأموالهم، فقالوا: ( يا رسول الله! أتيناك مسلمين تائبين، وإنا أردنا سبينا وأموالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكم الخيار إما السبي وإما المال، فقالوا: يا رسول الله! نريد سبينا، فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: إن إخوانكم من هوازن قد قدموا مسلمين، وإنهم أرادوا سبيهم ومالهم، وإني خيرتهم بين سبيهم ومالهم فأرادوا السبي، فهل تجود أنفسكم بذلك؟ فقالوا: رضينا بذلك يا رسول الله! فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا. حتى يأتي عرفاؤكم إليكم واحداً واحداً فذهب عرفاؤهم إليهم واحداً واحداً حتى جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله! إنهم قد طابت أنفسهم بذلك، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم سبيهم )، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك الأمر باعتباره سيداً في قومه ونبياً مرسلاً أن يأمر بأخذ ذلك السبي إليهم، ولكن أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ ذلك المال بعد أن أعطوا إياه وحازوه علم أنه من حقهم، فيجب ألا يؤخذ منهم إلا بحق، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام لكل قوم عرفاء، وما أخذ القول من العرفاء؛ ولهذا يوجد مثل ذلك ما يسمى بأمر العشائر الذين ينوبون عمن تحتهم وينظرون في أمرهم.

    ولهذا عبد الرحمن بن عوف عليه رضوان الله تعالى ذهب لما جاءت خلافة عثمان بن عفان ذهب إلى أهل المدينة رجالاً ونساءً حتى ذهب إلى النساء في خدورهن، حتى أجمعوا على خلافة عثمان ، فولوه ذلك الأمر، وفيه إشارة إلى أن أخذ أمر الناس من جهة القبول والرفض، إذا كان ذلك الأصل المتقرر مما لا يناقض دين الله جل وعلا فإن هذا من الأمور المشروعة التي تجتمع عليها كلمة الناس.

    ينبغي أن يعلم أن الغرب لا يؤمن بصلاحية ما يسمى بالمجتمعات المؤدلجة، أو المجتمعات التي تتوجه إلى دين معين ونحو ذلك، قالوا: حتى إذا تجرد الناس من الدين بالكلية وأصبحوا أصحاب عقول حرة حينئذٍ يمكن أن تصلح لهم هذه الأنظمة ذلك.

    وهذا نوع من المناكفة التي يختلف فيها أهل الحق من جهة الأصل، وهذا مما يطول بسطه أو الكلام عليه ونحو ذلك، ولهذا يوجد أنهم لا يأمرون كثيراً من المجتمعات بما يسمى بالديمقراطيات أو الانتخابات ونحو ذلك، وربما لا يؤمرونهم لماذا؟ لأنهم يرون أن هذه المجتمعات هي مجتمعات دينية، فإذا جاءت انتخاباتها فإنها ستكون دينية، وإنما يريدون مسخ الدين ابتداءً، فإذا تجردوا من الدين وقتل الدين من القلوب حينئذٍ يأتي بعد ذلك ما يسمى الانتخاب؛ لهذا يرفعون أيديهم عن الأمر بالانتخابات حتى يأتي من يركع هذه المجتمعات بما يسمى بأهل الاستبداد من أهل السلطة والأمر، حتى يأطروا الناس على مخالفة أمر الله جل وعلا ظاهراً وباطناً، وهذا لجهلهم أن الإسلام قابل بما يسمى بالقمع والإزالة كما أزالوا ما بقي من حق مما امتزج ببعض .. في كتبهم من التوراة والإنجيل، وأصبحوا أصحاب انحراف تام في ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن أن الحق ظاهر في الأمة، وأنه سيبلغ كل بيت في هذه الأمة، سواء كان من حجر أو مدر.

    استشعار الأمانة في الانتخابات البلدية

    والانتخابات البلدية ونحو ذلك، هذه من الأمور التي ينبغي أن يستشعر فيها الأمانة من جهتيها، الجهة الأولى: ما يتعلق بالأمانة الدينية، وهي الباطنة، ما يتعلق بإيمان الإنسان ومراقبته لله جل وعلا، وخوفه منه، وهذا هو الأول الذي ينبغي للإنسان أن يعتبره، وأن يجعله أمراً بيّناً، وكثير من الناس الذين يقولون: ربما إننا نرشح من كان مختصاً مثلاً بأهل المال والاقتصاد ونحو ذلك أو الخبرة ما يتعلق بالسياسية ونحو ذلك، كم من الناس نرى أهل خبرة اقتصادية أو سياسية ونحو ذلك انحرفوا فيما يتعلق بصالح الناس في دينهم ودنياهم، ونحن نرى مثالاً ظاهراً في ذلك مما وقع في مصر من وزير الداخلية المصري ما حدث به وقد رمي في السجن وحكم عليه في ذلك مدة اثني عشر عاماً، والتهم قد وقعت عليه من غسيل الأموال، وقتل الناس، والاستبداد والقمع ونحو ذلك، وانتهاك الأعراض، وما طرأ معها، مع ما هو فيه من خبرة عريقة فيما يتعلق بالأمن، وكذلك ضبطه وسياسته في ذلك.

    إذاً: قد اكتمل فيه الجزء الأول وهو ما يتعلق بالخبرة والحنكة والمعرفة في هذا، لكن من جهة الأمانة فقد يقع فيهم من الفساد، حتى لو وضعت رجلاً جاهلاً لربما أحسن التصرف أحسن منهم، وكانت المظالم هي دون ذلك، والأمة تتخبط بين الأمرين؛ لهذا ينبغي للأمة أن تنظر إلى الجانبين، الجانب الأول: ما يتعلق بأمر الأمانة، وهذا هو الأول الذي ينبغي النظر فيه؛ فالإنسان لا ينتخب أحداً لمجرد معرفته الذاتية بباب من الأبواب، أو بفن من الفنون ونحو ذلك، وإنما ينبغي أن ينظر إلى مسألة الأمانة، ومراقبة الله جل وعلا في أمر الناس، والناس قد يتباينون من جهة الحذق، قد يكون الإنسان من أهل المهارة والحذق والدراية في أمر الاقتصاد، أو في علم من العلوم كعلم الهندسة، أو علم الكيمياء والفيزياء ونحو ذلك، ولكنه من جهة الأمانة والضمير ضال ومنحرف في هذا، وتجد من الناس من هو متوسط أو أخذ مبادئ في هذه العلوم ونحو ذلك يقدم على غيره لماذا؟ لأن هذا سيأتي بما علمه كما علمه، وذاك سيسقط نصف علمه أو أكثر من ذلك بسبب الأمانة الباطنة التي في قلبه، وقد ضيعها.

    وأحد العلماء العرب للأسف الشديد الذين كانوا من أهل الحذق بما يسمى بعلم الفيزياء وقد برع في ذلك وأخذ جائزة نوبل، وهو ممن ينتسب للإسلام، لما دعته إسرائيل لمعرفة ما يسمى بصناعة الصواريخ ونحو ذلك، وتحديد الأمد بالمعادلات الفيزيائية في ذلك، والهندسية خدمهم في ذلك، ولما سئل عن ذلك قال: إنني أنشر العلم والعلم لا دين له!! ومثل هذا، مهما بلغ من العلم، هل يمكن أن يرشح لأمر فيه صالح الأمة؟ لا يمكن؛ لأنه ربما يقتل الأمة في نحرها، أو يأتيها من ظهرها لماذا؟ لأن العلم الذي لديه سقط ثلاثة أرباعه إلى خصوم أعداء الملة والدين، ومن أراد أن يدعو إلى ما يسمى أن تعيش المجتمعات بوئام وتآلف ونحو ذلك، وأن يزول كل ما في المجتمعات من خلاف، فهذا يطلب محالاً، فالبشرية ليست جديدة، وعقول البشر ليست جديدة، لقد مضى على البشرية آلاف السنين والخلاف سنة كونية لا يمكن أن تزول، ولكن على الأمم أن تخفف من ذلك قدر إمكانها .. مع الدعوة إلى الحق، وكذلك رحمة الناس بإزالة الظلم الذي وقع في قلوبهم من الإشراك مع الله عز وجل غيره، وكذلك ظلم الناس فيما بينهم فيما يتعلق بالأموال والأعراض والدماء والأنفس، وغير ذلك مما ضبط الله جل وعلا أوامره، وكذلك أيضاً تجريد القلوب من التوجه لغير الله بالتوجه لله سبحانه وتعالى.

    إن الاهتمام بالجانب الأول وهو جانب الأمانة من الأمور المهمة التي ينبغي للإنسان أن يهتم بها، وذلك أن هذا الأمر له أثر يتعدى إلى ما هو أعظم فساداً لو فرط فيه، وصاحب الفطرة السليمة والسليقة الصحيحة -ولو كان ناقص الأهلية- فإنه سيرعى الأمانة، فعلى أقل الأحوال سيحفظ مكتسباته السابقة من الضياع، وأما إذا كان الإنسان ليس بصاحب أمانة، وصاحب دراية، فإن المكتسبات التي بين يديه سيبددها، وهذا أمر مشاهد شرقاً وغرباً؛ لهذا ينبغي أن يعتنى بجانب الأمانة وتولى عناية تامة، وألا ينتخب الإنسان أحداً يشك في أمانته أو نزاهته مهما بلغ علمه ومعرفته ونحو ذلك.

    كذلك أيضاً ينبغي للناس أن يبينوا جانب الأمانة، وألا يغيبوها حتى في أسباب الترشيح، والانتخاب ونحو ذلك، فينبغي أن لا ينسى هذا الجانب المهم، وألا يغفل، وأن جانب المعرفة والاختصاص ليس هو الجانب الأهم في ذلك.

    أثر القوة والأمانة في نجاح الأعمال

    الجانب الثاني: وهو جانب الدراية، أن يكون الإنسان من أهل المعرفة في ذلك، فإن الأمة لا يمكن أن تقوى إلا وقد اكتمل فيها الجانبان؛ ولهذا يوسف عليه السلام لما طلب أن يولى خزائن الأرض، قال: قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ [يوسف:55]، ما السبب والعلة في ذلك؟ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]، حفيظ على ماذا؟ حفيظ على ذلك المال بالأمانة التي أعطاني الله جل وعلا إياها من الإيمان والصدق وخشية إضاعتها، كذلك عليم بإدارة أموال الناس وحقوقهم؛ لهذا أشار إلى الأمرين وهو جانب الحفظ، ومنشأه الضمير، والعلم المراد بذلك الدراية؛ ولهذا ذكر يوسف عليه السلام أن الإنسان حتى لو أراد أن يرشح نفسه لأمر فإنه ينبغي أن يبين الأمرين؛ ولهذا في قصة موسى مع المرأتين وأبيهما ذُكرت وجوه ترشيحه وهي: أنه قوي أمين، وأما أمر الترشح في ذلك، وهو ما جاء في قصة يوسف عليه السلام: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]، أشار إلى الجانبين بنفسه الذي جاء في قصة موسى عليه السلام، وهو ما يتعلق بضمير الإنسان وأمانته، ومراقبته لأمر الله سبحانه وتعالى.

    والجانب الثاني: ما يتعلق بالعلم والمعرفة، وهذا ما ينبغي أن ينظر إليه؛ لهذا يجب على المشرعين والذين يسنون أمثال هذه الأمور أن يحرصوا على توفر العلم والدراية والمعرفة فيمن يترشح لهذه المهمة، كذلك أن يحرصوا فيما يتعلق بالأمانة، وألا يترشح لذلك أحد من سواد الناس إلا وقد عرف بأمانته ونزاهته، وأن يرجع في أمر نزاهته وأمانته إلى أهل المعرفة في ذلك، وأهل المعرفة في ذلك إما أن يشهد له بأمر الصلاة وشهودها، وإما أن يشهد له بصدق السريرة وحسن سلوكه في هذا الأمر، فإنه إذا كان من أهل ذلك ظهر للناس، ونحن في مجتمعات عريضة ويشق على الناس أن يتتبعوا الناس بأعيانهم فيعرفوا الأمين من غيره.

    غياب جانب الأمانة في لوائح الترشح

    وأما أمر الشهادات العلمية ونحو ذلك، فإن هذا الأمر يستطيع الإنسان أن يبرزه وأن يثبت معرفته في ذلك، لكن أمر النزاهة وأمر الأمانة والصدق في ذلك وخشية الله جل وعلا لا بد أن يبرز للناس، لماذا؟ حتى لا تقع مصالح الناس مع حظوظ النفس، وتتبدد كثير من الأوهام بجانب دون جانب، أو ربما لحظوظ النفس الذاتية بإهدار أموال الناس، أو الجهل في ذلك أيضاً لمن نقص فيه العلم والدراية في هذا الأمر؛ لهذا وجب الاهتمام بهذين الأمرين سواء من الناس عامة.

    كذلك أيضاً ممن يرشح نفسه أن يخاف الله جل وعلا في هذا الجانب، وعلى من يسن هذه الأنظمة والقوانين أن ينظر إلى الجوانب الأخرى.

    وأرى في اللوائح التي تنشر للمرشحين أن الإشارة إلى جانب الأمانة فيها شبه مضيع، وإن لم يكن معدوماً إلا أنه شبه مضيع، وهذا فيه نوع قصور وأثره في ذلك عظيم.

    إنما تظهر المخالفات لمخالفة أمر الله جل وعلا، وذلك ببيان آثارها، وآثار هذه الأمور تظهر على ما يتعلق في أمور الناس في أموالهم، كذلك ما يتعلق في أمر أعراضهم وأعظم أمانة يمكن للإنسان أن يعرفها عن غيره، ويقيس بها على غيره هو جانب الأعراض؛ ولهذا ابنة شعيب، أو ابنة أخيه حينما قالت: استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، ذكرت الأمانة؛ وذلك لأنه قد جعلها خلفه، وغض طرفه عنها، وقد جاء في ذلك عن غير المفسرين أنها قالت لأبيها: كوني خلفي؛ إني لا أنظر إلى النساء، فجعلت ذلك مقياساً لجانب الأمانة.

    الذي يراقب الله جل وعلا في مثل هذا الجانب فإنه سيحفظ الجوانب الأخرى أيضاً، وهذا لم يفوت الجانب الآخر وهو جانب القوة؛ لهذا ينبغي أن يكون جانب الأمانة حاضراً في أي باب من أمر الدنيا؛ لأنه يخلق في ذلك أمر التوازن، ينبغي أن يوجد في أمور الطب، ويوجد في أمور الهندسة، ويوجد في أمور الأموال، وفي أمور حقوق الناس فيما يتعلق فيما بينهم، حتى في أعرافهم، حتى في أمر التعليم ونحو ذلك.

    خطر تولية صاحب الدراية من غير أمانة

    ينبغي أن توجد الأمانة، ومن لم يقم لأمر الأعراض وزناً فإنه أدعى ألا يحفظ الجانب الآخر وهو ما يتعلق في مصالح الناس وما يتعلق في أمور أموالهم، فيما يتعلق في أمر تعليمهم ونحو ذلك؛ لهذا نجد الذين ينظرون إلى الأقيسة المادية -في الطب مثلاً- نظروا إلى الشهادات مجردة، وما نظروا إلى الأخلاقيات، فترى كثيراً من المستشفيات تعج بالمنكرات مما يتعلق بقضايا الاختلاط والتبرج وربما أيضاً المساس أو التحرش، أو ربما ما هو أعظم من ذلك؛ لأن ذلك الجانب غيب، وكأنهم أرادوا سلامة الأبدان، وأما سلامة الأعراض وكذلك الأخلاق فإن هذا جانب مغيب، وهذا إبطال لشريعة الله سبحانه وتعالى التي شرعها لجميع الملل كما تقدمت الإشارة إليه في شريعة يوسف، وشريعة موسى، وشريعة محمد عليه الصلاة والسلام، وهذه الشريعة أنه ينبغي أن يحضر في ذلك معرفة الدنيا والأمانة الحاضرة في قلب الإنسان من مراقبة الله جل وعلا والخوف منه.

    أما النظر إلى جانب من الجوانب فإن هذا أعظم ما تضيع به الأمة؛ لهذا نجد كثيراً ممن يتولى مقاليد الأموال، ويتولى مقاليد الطب، أو ما يتعلق بأمر السياسة، أو ما يتعلق بأمر الهندسة ونحو ذلك، كم من أموال المسلمين قد أهدرت التي لو دعي بها الغرب والشرق لاستجابوا إلى الإسلام، ونرى أيضاً كم من أعراض المسلمين انتهكت؛ بسبب أن يولى على تعليم الناس، أو تربيتهم، أو تطبيبهم، أو علاقاتهم الاجتماعية، أو إعلامهم كثير من غير أصحاب الأمانة؛ لأنه نظر إلى جانب التخصص، أو جانب الدراية ونحو ذلك، وهذا من أعظم ما تختل به موازين الحياة، وتضطرب به نواميس وشرائع الله جل وعلا في الأرض؛ ولهذا نرى هذا الاختلال في الغرب، انظروا إلى الغرب حينما نظروا إلى جانب واحد وهو ما يتعلق في أمر العلم والخبرة، تجد أن حياتهم كحياة البهائم لا يقيمون للعرض وزناً، وأباحوا الزنا، وأباحوا الشذوذ، وأباحوا اللواط، وأباحوا التعري، وأصبحت جوانب حرمات الله جل وعلا معدومة لديهم؛ لأنهم غيبوا ذلك الشق وهو شق الأمانة، وفرطوا فيما أمرهم الله سبحانه وتعالى به.

    1.   

    طريقة الديمقراطية في تسيير أمور الناس

    الانتخابات من جهة الأصل هي كمبدأ واحد، والديمقراطية تتقاطع مع اللبرالية من وجه، وذلك أن اللبرالية تسعى إلى أخذ رأي المواطن في كل صغيرة وكبيرة حتى ما يتعلق في أمر السياسات الكبرى، والديمقراطية يوجد من الغربيين مثلاً من اللبراليين من يمنعها ويرى أنها ظلامية, لماذا؟ يقولون: لأنها تلغي جانب الأقلية لصالح الأكثرية، فإذا الأغلب انتخبوا مثلاً بنسبة سبعين بالمائة يوجد أقلية هؤلاء الثلاثون قالوا: هؤلاء مظلومون، ما هو الحل في ذلك؟ هم يؤمنون بوجود ظلم، وقد تكون نسبة الظلم كبيرة، كأن يوجد الغلبة لواحد وخمسين بالمائة، إذاً تسعة وأربعون من أهل الظلم على مقياسهم.

    الديمقراطيات والبرلمانات يقولون: لا بد أن نخرج بضبط سياسة الناس وأحوالهم ما دام أنا أرجعنا ذلك إلى عقل الإنسان، وعقل الإنسان يتباين، أما في ذاته فالإنسان يلبس ما يشاء، ولديهم هذا الأمر معلوم، وهم حتى تفهم النظريات لديهم من جهة العقل يرون أن حكم الإنسان هو عقله، وليس عقل غيره؛ ولهذا يقول: أنت لا تملي عليّ ولا تبين لي، قد يكون هو أعلم منك ويبين لك ويبصرك؟ يقول: لا. أنا أريد أن آخذ بحريتي التامة، هذا التأثير العقلي منشأه العقل، يقول: ينبغي أن يكون من العقل لا من غيره، إذا جاء شخص قالوا: هذا شخص لديه دين أي دين؟ قال: أنا لا أقبل منه؛ لأنه لا يمكن أن يصدر من عقل محض، لا بد أن ننزع الدين منه حتى يصبح ديمقراطياً صحيحاً، إذاً لا بد أن ينزع كل مؤثر على عقل الإنسان حتى يخرج الإنسان باختيار صحيح، هذا مع كونه محالاً أن يخرج الإنسان من الأدلجة سواءً كانت دينية أو دنيوية، لا بد أن تأتي، إما أن يتأثر بأب، يتأثر بقبيلة، يتأثر بعرقه؛ لهذا تجد مثلاً نوعاً من الأدلجة حتى عندهم لو لم تكن دينية، يميل إلى ترشيح مثلاً الأبيض، هذه أدلجة، أليست أدلجة؟ أدلجة، يميل إلى ترشيح شخص من أهل بلده أو ينتمي إليه، نوع من الأدلجة، لا يمكن أن تتجرد أو تلغى هذه الأمور، ولو ألغوها في باب لا بد أن تكون في أبواب أخرى موجودة ويضطرب في ذلك الناس.

    الغرب لما عجز عن الشرق أن يفرض الديمقراطيات من أعلى، قال: نبدأ من الأسفل، سواءً كانت من أعلى ستنزل إلى الأسفل، أو كانت من الأسفل ستنتهي بالأعلى هذا تأصيله، قالوا: نبدأ من حياة الناس من الأسفل، ويبدأ بالديمقراطيات ونشر مثل هذه الثقافة ونحو ذلك، ويبتدئون فيها حتى يكون التدرج مثلاً من البلديات، ثم بإدارات المناطق، وما يسمى بما هو أعلى من ذلك حتى يصل إلى السياسة الكبرى، وهذا أمر ينبغي أن يدرك أن اللبرالية بدأت من أسفل لا بد أن تصل إلى الأعلى، أو بدأت من أعلى لا بد تصل إلى الأسفل.

    إذاً: هذا هو المنتهى، ولكن أهل العقل والدراية إذا جاءت الانتخابات ينبغي أن تستغل لديهم للأصلح، ولا يقال: الإنسان مثلاً الأصل فيها وكذلك منشؤها ومن غيرنا، نقول: جاءت هي في نطاق البلدية ليس فيها تشريع، وينبغي للناس أن يحفظوا أموالهم بانتخاب الأصلح في ذلك، وأن يحفظوا كذلك أعراضهم فيمن يعنى بإنشاء المرافق العامة، المختلطة، أو فيما يتعلق في قضايا النساء في بعض المجاميع ونحو ذلك، وهذا من الأمور التي ينبغي للناس أن يعتنوا بها.

    أما بالنسبة لما يسمى بالمشابهة بين الانتخابات الحالية والديمقراطيات الغربية فهذه صورة مصغرة للديمقراطيات الأخرى، أما تاريخ الديمقراطية فتاريخ الديمقراطية قديم جداً حتى ما قبل الإسلام وجد في بعض بلدان اليونان والرومان، ووجد على نطاق ضيق جداً، وأما بالنسبة لسواد الناس فهذا من الأمور المستحيلة أن ينتخب الناس كل أحد؛ لهذا يأخذون منهم عينات، يوجد مثلاً في بعض البلدان مثل سويسرا فيها انتخاب كامل، كل المجتمع هو الذي ينتخب وله حق في انتخاب السلطان؛ لأنهم قلة، تجد مثلاً بعض البلدان مترامية الأطراف ليس لكل الناس رأي، وإنما ينتخبون أشخاصاً، يقول: الحي الفلاني ينتخبون شخصاً منهم، والحي الفلاني ينتخبون شخصاً منهم، ثم ينتخب من ذلك مجموعة، هؤلاء المجموعة ينتخبون من هذه المجموعة شخصاً، ومن هؤلاء الشخص شخصاً ثم بعد ذلك، وهذا التسلسل المعرفي والتسلسل العلمي يأتي منكوساً، حينما أنا أثق في هذا الأمر لا يعني أني أثق في ثقته بفلان، وحينما يثق فلان بفلان تتسلسل هذه الثقة حتى تنتهي وتتلاشى؛ لهذا الخطأ وارد في هذا الأمر، وهم يدركون هذا الأمر، لكن هو نوع من التخبطات في الخروج من التقعيد والتأصيل اللبرالي، يقولون: إن الأفراد حينما حكمنا أن العقل هو الذي يصير الإنسان، ما الذي يصير الدولة؟ قالوا: الذي يصير الدولة هو عقل الإنسان، كيف نقسم عقل الإنسان بحيث يختار؟ قالوا: الأغلبية فيها ثلاثون أو أربعون بالمائة لا يريدون، إذاً: هم مقهورون ومكبوتون، إذاً: رجعنا إلى الأصل، في الغالب أن أحوال الناس راضون على أحوالهم إلا ثلاثين أو أربعين بالمائة.

    إذاً: سواء كان النظام الديمقراطي أو غير الديمقراطي يوجد جماعة من الناس بنسبة عشرين أو ثلاثين أو أربعين أو تسعة وأربعين لا يريدون هذا الأمر.

    أسأل الله جل وعلا أن يوفقني وإياكم إلى مرضاته، وأن يأخذ بيدي وأيديكم إلى هداه، وأن يسلك بنا صراطاً مستقيماً ومنهجاً قويماً؛ إنه ولي ذلك والقادر وعليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.