إسلام ويب

إن الحكم إلا للهللشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله تبارك وتعالى يدبر الكون بحكمه القدري وحكمه الشرعي، وحكمه الشرعي يتنوع إلى حكم شرعي لازم وحكم شرعي متعدٍّ، والمخالفة لحكم الله في الكون قد تستنزل العقوبات على قدر المخالفات، ولكن صلاح العباد وإصلاحهم قد يدفع العقوبة أو يخففها.

    1.   

    حكمة الله في تدبير شئون الكون

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فإن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق، ودبر هذا الكون وسيره، وجعل حكمه سبحانه وتعالى إليه ليس لأحد من خلقه، فالله جل وعلا يدبر الأمور، ويصيرها، لا يشاركه في ذلك أحد من مخلوقاته، وإن نازعه أحد بقوله أو بفعله، فإن ذلك من أمور المنازعة الصورية، يمهل الله جل وعلا بها المنازع إلى أجل معلوم، ثم يؤاخذه الله سبحانه وتعالى بجريرته ومنازعته تلك، والله سبحانه وتعالى متصرف في ملكه، وكل ما عدا الله جل وعلا هو الكون المخلوق، ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أن جعل العباد في هذه الأرض مختلفين، متباينين من جهة الإدراك والنظر، والتمييز بين الخطأ والصواب.

    وهذه الحكمة البالغة هي أصل الصراع والامتحان والاختبار الذي جعل الله جل وعلا الناس عليه، فكانوا يتقلبون بين خطأ وصواب، وبين حق وباطل، ويغلب الحق الباطل تارة، ويغلب الباطل الحق تارة أخرى، وذلك لاعتبارات دقيقة وحكم عظيمة تخفى على كثير من الخلق؛ وذلك أن الإنسان ربما يكون معه شيء من الباطل الذي يأخذه بحسن قصد، فيقابله صاحب حق أخذه بسوء نية وطوية، فتغلب نية الباطل الحقة نية الحق الفاسدة؛ ولهذا يكون الإنسان في مصارعة بين باطنه وظاهره، فالحق كما أن له ظاهراً كذلك فإن له باطناً أيضاً؛ ولهذا فإن الله جل وعلا في تصرفه في الكون له اعتبارات وحكم تخفى على الخلق بمجموعها، وإن علموا شيئاً منها؛ ولهذا تظهر كثير من معاني صفات الله جل وعلا وأسمائه لمن تأمل سنن الله جل وعلا في الكون.

    والله سبحانه وتعالى حينما خلق الخلق وسير الخليقة على نظام معلوم، جعل الإنسان بعقله يخالف مراد الله سبحانه وتعالى فيما حدده له من جهة المعمول الشرعي، ولكنه يسير وفق نظام محدود بما يقدره الله جل وعلا له؛ ولهذا من انحرف عن أمر الله سبحانه وتعالى ومراده، وخرج عن قضاء الله الشرعي وتكليفه سبحانه وتعالى لعبده المكلف كان ذلك الخارج أقل مرتبة من الجماد، وذلك أن الجماد لا يوجه إليه الخطاب الشرعي، وإنما يوجه إليه الأمر القدري، فإذا وجه إليه الأمر القدري من الله سبحانه وتعالى ولم يخرج عنه كان متفوقاً على من وجه إليه الخطاب القدري ووجه إليه الخطاب الشرعي فخالف الشرع، وصار على القدر الذي شارك معه الجماد، فامتاز عنه حينئذٍ الجماد وفاق؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى جعل البهائم خيراً من الكفار، وجعل الله سبحانه وتعالى الكفار أضل سبيلاً من الأنعام.

    إن الله سبحانه وتعالى إذا علمنا أن الكون هو خلق الله جل وعلا، فخالق الكون هو أولى بالتصرف والتدبير، فإذا كان الإنسان يملك أرضاً، او يملك داراً أو بستاناً فهو أولى الناس بالتصرف، والذي يدخل على تلك الأرض أو ذلك البستان أو تلك الدار هو ظالم متعدٍّ إلا بإذن صاحبه وتشريعه له، فإذا تعدى من غير رخصة من صاحبه فإنه ظالم لنفسه وظالم لغيره، والله جل وعلا له المثل الأعلى في ذلك، وتصريف الله سبحانه وتعالى للناس.

    1.   

    أنواع الأحكام الإلهية التي تجري على الإنسان

    والخليقة في هذه الأرض يدورون بين حكمين لله جل وعلا وبين ذينك الأمرين في نصوص كثيرة، وأجملها في قوله جل وعلا: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:57]، فالله سبحانه وتعالى جعل الحكم له وحده وليس لأحد من عباده.

    النوع الأول: الحكم القدري

    النوع الأول من أنواع الأحكام: هو الحكم القدري الذي جعله الله جل وعلا طريقاً تسير به المخلوقات من الأفلاك والكواكب والبهائم، وكذلك البشر، يسيرون وفق نظام مرسوم لهم لا يخرجون عنه، ينساقون لطاعة الله سبحانه وتعالى سواء كان طواعية أو على كره، وعلى هذا حمل غير واحد قول الله جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، قالوا: العبودية هنا على نوعين: عبودية على كره، وهي القدرية، وتعني الخضوع لأمر الله سبحانه وتعالى، والعبودية على طوع، وهو امتثال أمر الله سبحانه وتعالى بالتعبد لله جل وعلا بما شرع من التكاليف الشرعية الظاهرة من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لهذا في هذا النوع الله جل وعلا يسير هذه المخلوقات، ولا تحيد عنه، ويشترك في ذلك العاقل وغير العاقل، يسيرون على حكم الله سبحانه وتعالى لا يخرجون عنه، وإنما الصراع هو في النوع الثاني الذي ربما يزعم فيه الإنسان زوراً أنه ينازع الله جل وعلا في الحكم الأول، وهو أبعد ما يكون عن ذلك.

    النوع الثاني: الحكم الشرعي

    والنوع الثاني: هو حكم الله سبحانه وتعالى لعباده بما شرعه لهم من التعبد؛ وقد جعل الله جل وعلا الإقرار بالأول عقيدة، والتسليم بالثاني عملاً واعتقاداً هو العبادة الحقة لله جل وعلا؛ لهذا قال الله سبحانه وتعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40].

    فالله جل وعلا جعل الحكم له، وجعل الامتثال لذلك الحكم عبادة له سبحانه وتعالى، مما يدل على أن إقرار الإنسان بقلبه بحق الله جل وعلا بتدبير هذا الكون، وتسييره، وكذلك قضاء الله جل وعلا وقدره على عباده فيما يأتيهم وإن دق أو جل أنه بحكم الله سبحانه وتعالى، فيجب عليهم حال نزول الضراء ألا يلحقوها بالأسباب، وإنما يلحقونها بمسبب الأسباب سبحانه وتعالى؛ لهذا من نزلت به مصيبة أو نازلة أو كارثة على أي نوع من أنواع النوازل والكوارث يجب عليه أن يكل ذلك الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا وكله إلى غيره نقص من النوع الأول بقدر ضعف إيمانه به، فيضعف إيمانه بالله جل وعلا، وكذلك يقل تعلقه بالله وثقته ويقينه به سبحانه وتعالى.

    والإنسان في ذلك يتردد بين الأسباب ومسبب الأسباب، والقلوب تميل في ذلك بين الضعف والقوة، فإذا مال الإنسان إلى مسبب الأسباب، وترك الأسباب بالكلية فإنه متواكل، وإذا اعتمد على الله سبحانه وتعالى، وأخذ بالأسباب المقدرة لأنها تتضمن حكم الله جل وعلا فإنه متوكل، فمن أخذ بالسبب تضمن ذلك إقراره بأن الله جل وعلا دبر الكون على نحو ونظام أعلمه الإنسان، فإذا كان ذلك يتضمن وجود الأسباب وجب عليه أن يأخذ بالأسباب؛ لأنها داخلة في حكم الله سبحانه وتعالى؛ لهذا كملت شريعة الإسلام بإرجاع الإنسان إلى الله جل وعلا بالتعلق به باعتبار أنه مسبب الأسباب جل وعلا، وكذلك بالأسباب التي جعلها الله سبحانه وتعالى أسباباً مشروعة.

    فيتقي الإنسان بلباس برداً وبلباسٍ حراً، ويتقي الإنسان بالسكن الهواء والشمس، وغير ذلك.

    وهذا من الأخذ بالأسباب، وإن كانت في ذاتها من غير أمر الله سبحانه وتعالى وحكمه لا تقدم للإنسان شيئاً ولا تؤخر؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى ينزع من هذه الأسباب خاصيتها متى ما شاء؛ ولهذا لما وضع قوم إبراهيم إبراهيم عليه السلام في النار أمر الله جل وعلا النار أن تكون برداً وسلاماً على إبراهيم، فهذا السبب نزع منه أثره حينما اعتمد إبراهيم على الله وحده، حينما لم يستطع أن يدفع ذلك السبب بيده أو بشيء من الأسباب المشروعة فاعتمد على مسبب الأسباب، وهذا غاية توكل الإنسان على الله سبحانه وتعالى، واعتماده عليه.

    وهذا الأمر الثاني: وهو الحكم الشرعي الذي أمر الله جل وعلا بأخذه هو ما قضاه جل وعلا لعباده من الأوامر والنواهي الشرعية التي يحصل بها التكليف، فالله سبحانه وتعالى جعل الامتثال في الأحكام الشرعية ملازماً الامتثال للحكم الأول وهو القدر؛ لأن الإنسان لا يملك أن يتصرف أو يختار في قضاء الله سبحانه وتعالى ما شاء، وأما حكم الله الشرعي -الذي هو موضع الامتحان والاختبار- فإن الإنسان يتردد في ذلك بحسب توفيق الله جل وعلا وإعانته له، وبحسب إيمانه بالله جل وعلا، وامتثاله لأمره ونهيه، ويظهر في ذلك الصالحون، ويظهر في ذلك من دونهم من المقصرين والعصاة والفسقة والمنافقين والكفار والظلمة وغير ذلك، حيث يظهر تعنتهم ومخالفتهم لأمر الله جل وعلا بحسب مخالفتهم لحكم الله سبحانه وتعالى الثاني، وهو أمر الله جل وعلا وقضائه الشرعي.

    1.   

    أنواع الحكم الشرعي

    إن حكم الله سبحانه وتعالى الشرعي الذي ينبغي للإنسان أن يكون على بصيرة ومعرفة به، فهذا الحكم على نوعين: الأول: حكم لازم للإنسان لا يتعدى إلى غيره، وهو كثير من العبادات الذاتية اللازمة، كالتسبيح والتهليل والاستغفار وغير ذلك، وكذلك العبادات التي يفعلها الإنسان من الصلاة والصيام وغير ذلك.

    الثاني: عبادات متعدية، وأحكام متعدية، وهي ما أمر الله جل وعلا بها أن تقام بين الناس على قدر مشترك، والاشتراك في ذلك بحسب تعدي القدر المشترك في ذلك بحسب أهمية الحكم، فكلما كان الحكم متعدياً إلى أكثر من شخص كان أهم وأعظم؛ لأن الله جل وعلا يدير الكون ويصيره من جهة ثباته واستقامة أمره بالنوعين السابقين: الحكم اللازم والحكم المتعدي.

    ولهذا كانت المجتمعات التي تمتثل أمر الله سبحانه وتعالى راضية مرضية، وهي محل استقامة حال، ولامتثالها لأمر الله سبحانه وتعالى، وإذا قصرت في جنب الله، وخالفت أمر الله سبحانه وتعالى نزل بها من العقوبة ونزل بها من غضب الله سبحانه وتعالى وسخطه بحسب منازعة الله جل وعلا في أمره.

    وأحكام الله سبحانه وتعالى الشرعية كما تقدم، منها ما هو لازم ومنها ما هو متعدٍّ، اللازم على الإنسان يكون أهم من وجه، وأيسر من وجه، أهم من وجه باعتبار مسائل العقائد، ومسائل العقائد هي في الأغلب لازمة للإنسان لا تتعدى إلى غيره، فيوحد الإنسان ربه جل وعلا، ولو أشرك الناس من حوله، فهو موحد بقلبه وبقوله وكذلك أيضاً بجوارحه، وإن لم يشركه في ذلك غيره.

    أما ما عدا التوحيد فإن الأمور المتعدية أعظم من الأمور اللازمة في الأحكام الشرعية، وكلما كان حكم الله جل وعلا متعدياً إلى الجماعة فإنه أولى بالأخذ والاعتبار من الحكم الذي لا يتعدى إلى الواحد، وهو شبيه بأمر الجماعة حينما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل )، وهذا فيه إشارة إلى أن الحكم الشرعي كلما كان متعدياً إلى الناس كلهم، فإنه أوجب بالأخذ والاعتبار، لماذا؟ لأن الله جل وعلا يجل تعالى عن أن يحكم على عباده بحكم يعم الأخذ به فيكون ليس له أثر على المجتمع في صلاحهم واستقامة أمرهم، وكلما قصروا في الأمور المتعدية نزل بهم أثر ذلك عكساً بحسب مخالفتهم لأمر الله سبحانه وتعالى، ويظهر ذلك في أحكام الله جل وعلا بين العباد وأقضيته في إقامة الحدود، والتعزيرات.

    1.   

    تحريم الظلم وفرض العقوبات لمن خالف أوامر الله وأحكامه

    والله جل وعلا قد بين الحدود، وبين الأحكام، وبين الفرائض، وحدها فمن جاء بها كما أمر الله سبحانه وتعالى، فقد امتثل حكم الله جل وعلا وأمره، ومن خالفها فقد خالف الله سبحانه وتعالى.

    تحريم الظلم حتى على البهائم فيما بينها

    والإنسان إذا أراد أن ينظر إلى المجتمعات التي تعان وتوفق في ظاهر أمرها يجد أن الله يحميها من نزول العقاب عليها حينما يظهر فيها تطبيق الأحكام المتعدية وإن قصرت في ذواتها؛ لأن الأحكام المتعدية التي تتعدى إلى الجماعات مقتضاها مصلحة الجماعة لا مصلحة الفرد بعينه، وهذا هو مقتضى عدل الله سبحانه وتعالى.

    ولقد حرم الله جل وعلا المظالم بين البشر، وأمر بأداء الحقوق، ولحكمة الله سبحانه وتعالى وتمام عدله أمر البهائم بأن تعدل فيما بينها في هذا الأمر، ولم يأمرها سبحانه وتعالى بالعبادات اللازمة، وإنما أمرها بالأمور المتعدية لأهمية ذلك على البهائم من جهة استقامة أمرها، فالله سبحانه وتعالى أمر البهائم بالعدل فيما بينها، وحرم عليها الظلم، كما حرمه الله جل وعلا على أهل العقل من الجن والإنس، وذلك أن الحياة لا تستقيم إلا بذلك، فإذا نزع ذلك الامتثال منها نزل بها عقاب الله سبحانه وتعالى؛ لهذا فإن ظلم الناس لغيرهم أقرب لعقاب الله سبحانه وتعالى من ظلم الإنسان لنفسه، فالله جل وعلا يمهل الإنسان الفرد، ولكنه لا يمهل الجماعة؛ لأن الجماعة ربما تأتي من جهة السيئة والخطيئة التي تقع بها على الفرد، ولكن الفرد لا يأتي بالسيئة التي يقع بها على الجماعة، وهذا أمر معلوم بالنظر إلى سنن الله الكونية في الأمم السابقة، وكذلك في النصوص الشرعية من كلام الله سبحانه وتعالى، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر معلوم مسلم به.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة : ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها، وليقتصن الله من الشاة القرناء للشاة الجماء )، في هذا أن الله سبحانه وتعالى يبين أنه يقتص للشاة الجماء، ومقتضى هذا القصاص أن ثمة تكليفاً، وإلا فالله جل وعلا لا يعذب أحداً بأي نوع من أنواع العذاب إلا وقد سبقه بيان قبل ذلك؛ ولهذا قال الله جل وعلا على الإطلاق: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، فالله سبحانه وتعالى قد كلف البهائم بنوع تكليف، بالإنصاف والعدل فيما بينها، وما أمرها بعبادة لازمة تقوم بها.

    وأما الحكم الأول وهو السير على قضاء الله جل وعلا فهي تسير كغيرها من الجمادات، فامتازت على الجمادات بنوع تكليف هو العدل، اشتركت فيه مع بني آدم، فامتازت على الجماد في هذا الباب.

    والله سبحانه وتعالى يعدل بين البهائم يوم القيامة، ويقتص من الشاة القرناء للشاة الجماء، إلا أن الله سبحانه وتعالى لا يحاسبها على عدم قيامها بعبادات بذاتها؛ لعدم ورود التكليف، ولعدم ورود آلته من جهة الأصل.

    إذاً علمنا أن حكم الله سبحانه وتعالى الشرعي بنوعيه متلازم وله صلة بالحكم الأول.

    منازعة الله في حكمه وقضائه

    إذا أردنا أن نرتب أحكام الله سبحانه وتعالى للمخلوقات بحسب أهميتها، نرتب الحكم الأول، وهو قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره جل وعلا على غيره، فيجب على الإنسان أن يؤمن أن الله جل وعلا خلق الخلق، وهذا له صلة بربوبية الله جل وعلا، والخالق يستحق العبادة، والمخلوق لا يستحقها، فالألوهية لازمة للربوبية، والربوبية لازمة للألوهية، وبينهما تلازم ووشائج قوية؛ لهذا كان الحكم الأول أولى بالصدارة من غيره، والسعي في مخالفة الحكم الأول -ولو صورة- أعظم من مخالفة الحكم الثاني بنوعيه، وذلك أن الذي يزعم أنه يتصرف في الكون من دون الله سبحانه وتعالى أعظم جرماً ممن خالف حكم الله سبحانه وتعالى في شرعه. فمن نازع الله جل وعلا في حكمه وقضائه في الكون كحال كثير من الظلمة والطغاة الذين مكن الله جل وعلا لهم في الأرض نوع تمكين كحال فرعون وقارون، وغيرهم من بني إسرائيل، ومن سبقهم أيضاً من الأمم الغابرة، ومن جاء بعدهم أيضاً من بني إسرائيل، فإنهم إن نازعوا الله جل وعلا في أصل حكمه فإنهم يستحقون العقوبة عاجلاً.

    أقسام المخالفين لأمر الله

    قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر:94-95]، فجعل الله جل وعلا المعارضين لحكمه سبحانه وتعالى على نوعين: نوع كفروا في ذاتهم فلازموا الكفر من غير تمرد على سنن الله في الكون، ونوع قد استهزأوا فزادوا في المخالفة تمرداً، وخروجاً عن حكم الله القدري صورة، وإن انساقوا في أمر الباطل، فهؤلاء مكفيون يكفون أهل الإيمان، هؤلاء بأن الله سبحانه وتعالى لا يمكن لهم في الأرض؛ ومن نظر إلى سنن الله جل وعلا في الأمم يجد أن الله سبحانه وتعالى يمكن للأمة أو الجماعة وكذلك البلدان التي تمتثل أمر الله سبحانه وتعالى ولو ظاهراً، حتى وإن خالفت باطناً فيما بينها في الأمور المتعدية، فيجعل لها تمكيناً في الأرض بخلاف غيرها؛ ولهذا فإن الإنسان كلما نقص بامتثال حكم الله سبحانه وتعالى كان أقرب إلى لحوق العقاب به.

    نزول العقوبة على مخالفة الأمر القدري

    والناظر والمتأمل في سنن الله جل وعلا للأمم يجد أن الله سبحانه وتعالى لا يعاقب الأفراد في الدنيا عقوبة تامة إلا بمنازعة الله جل وعلا في حكمه في قضائه وقدره، ولا يعاقب الله جل وعلا الفرد بمخالفته لحكم الله جل وعلا في شرعه إذا كان ذلك لازماً له لا يتعدى إلى غيره؛ وذلك لعظم الأول وشدته، وكذلك لأن الأول يلزم منه التعدي بالمظالم، ولا يصدر بالأغلب إلا من تمكن في الأرض من أهل الترف والحكام والسلاطين، والذين يأمرون وينهون من المترفين وغير ذلك، فإنه يبدر منهم من البغي والظلم في حق الله جل وعلا وحكمه الأول ما لا يظهر في الثاني؛ فإن الثاني تابع للأول، والأول ليس بتابع للثاني كما لا يخفى؛ ولهذا ينزل الله جل وعلا عقابه على الأمم، ولو كان الظالم واحداً إذا كان الظلم قد استشرى.

    فالظلم إذا استشرى في مجتمع من المجتمعات، أو في بيئة من البيئات أخذ الله سبحانه وتعالى المجتمع بكامله، والنجاة في ذلك هي في مقاومة تلك المخالفة وذلك العناد والاستكبار، وذلك بالإصلاح؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح أنه إنما قام في ليلة من الليالي وقال: ( ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج هكذا، وحلق بين أصبعيه السبابة والتي تليها، فقالت أم سلمة عليها رضوان الله تعالى: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم. إذا كثر الخبث )، وذلك أن الصلاح لازم وليس بمتعدٍّ، والظلم متعدٍّ وليس بلازم، فغلب الظلم المتعدي على الصلاح اللازم.

    وهذا هو سبب نزول العقوبة في المجتمعات، والله سبحانه وتعالى يمهل الظالم حتى تتعدى مظلمته إلى غيره، فإذا كانت المظلمة لازمة في نفسه فهو ظالم لنفسه بالتقصير فيها؛ فإن الله جل وعلا لا ينزل عليه عقوبة في الأغلب حتى يستشري ذلك الظلم فيتعدى إلى غيره، فإذا تعدى إلى غيره نزلت به العقوبة المقدرة المشابهة لذلك الظلم المتعدي.

    نزول العقوبة على قدر الظلم

    فإذا كان الظلم عظيماً كانت العقوبة في ذلك عظيمة، وإذا كانت المظالم يسيرة كان عقاب الله سبحانه وتعالى عليه في ذلك يسيراً، والله سبحانه وتعالى يأخذ الظلمة في مخالفتهم لأمر الله سبحانه وتعالى وحكمه بحسب المظالم التي يتعدون بها إلى غيرهم من العباد؛ لأن الله جل وعلا سير الكون بعدله قدراً، وأمر العباد أن يقيموا حكمه جل وعلا بين العباد؛ حتى يستقيم الأمر فيما بينهم، فجعل لهم شيئاً من التصرف يخيرون فيه، فبقدر تفريطهم يختل ذلك الأمر، فكأنما اختل نظام مخلوق من هذه المخلوقات لمخالفتها لشيء يسير من قضاء الله جل وعلا، لو كان ذلك وما هو بكائن، وإنما أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين أن انتظام الكائنات الجامدة التي تنساق لحكم الله سبحانه وتعالى؛ لأنها ليست بمخاطبة بشيء من التكاليف الشرعية فتكون هي أشد انتظاماً وأظهر سلامة من الإنسان.

    والإنسان حين ينظر إلى الكواكب والأفلاك في مسيرها، يجد أنها على طريقة منتظمة لا تزول ولا تحصل فيها الكوارث، ولا تحصل فيها الموبقات إلا لأمر متعدٍّ هو من مظالم بني آدم كالشهب التي ينزلها الله جل وعلا على مسترقي السمع، وكذلك على الظلمة، وكذلك ربما أنزل الله جل وعلا شيئاً من العقوبات بسبب ذنوب بني آدم في مخالفتهم لحكم الله سبحانه وتعالى شرعاً؛ لهذا أمر الله جل وعلا بامتثال أمره شرعاً، وجعل المخالف لأمره ناصباً نفسه حكماً من دون الله، ومنازعاً أيضاً لله جل وعلا في حكمه، فالله جل وعلا جعل الحكم ملكاً له ومستحقاً له جل وعلا، من نازعه في ذلك نازعه في ربوبيته، فالله جل وعلا حينما قال: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:57]، يعني: ليس لغيره، وليس لأحد في ذلك حق، فمن حكم بغير ما أنزل الله جل وعلا في مجتمع من المجتمعات، فقد نازع الله سبحانه وتعالى في أمره.

    سبب العقوبة العامة والعقوبة الخاصة

    وهذا الأمر في مسألة منازعة أمر الله جل وعلا في حكمه في المجتمعات هو على نوعين:

    النوع الأول: حكم يقوم به إمام أو حاكم من الحكام، ولكن هذا على سبيل الإكراه، والمسلمون يريدون حكم الله جل وعلا، فعقوبة الله سبحانه وتعالى تنزل عليه بعينه لا تنزل على المجتمع بكامله، وإذا حكم بغير ما أنزل الله وبغير أمره فحلل وحرم، وأخذ الناس يشرعون أو يصوغون له التشريع من دون الله بأنه يملك التشريع وأن يجعل الحرام حلالاً، والحلال حراماً من دون الله سبحانه وتعالى نزلت العقوبة حينئذٍ على الجميع، وقد جعل الله جل وعلا ذلك منازعة لربوبيته؛ ولهذا كما جاء عند الترمذي ورواه ابن جرير الطبري من حديث عدي بن حاتم عليه رضوان الله تعالى أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]، قال: (يا رسول الله! وكان عدي عليه رضوان الله تعالى امرأً نصرانياً، قال: يا رسول الله! إنا لم نعبدهم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أليسوا إذا حرموا ما أحل الله حرمتموه، وإذا أحلوا ما حرم الله أحللتموه؟ قال: نعم. قال: فتلك عبادتهم )، فإذا كانت العبادة تلك كما وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر، وكذلك كما هو في ظاهر هذه الآية دل على أن هذه العبودية أريد أن تنتزع من حق الله سبحانه وتعالى كما في الآية السابقة في قول الله جل وعلا: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [يوسف:40]، فجعل الله جل وعلا الحكم له ثم بين أن هذا عبادة، أمر ألا تعبدوا إلا إياه، فجعل ذلك كله داخلاً في أمر الله جل وعلا، وهو العبودية التي يجب على الإنسان أن ينساق لها.

    ومن سنن الله في إنزاله العقوبات أن كثيراً من الشعوب تكون شعوباً مسلمة مؤمنة متعلقة بالله، ولكن يسلط الله جل وعلا عليها جباراً يبغي عليها ويحكم بغير ما أراده الله سبحانه وتعالى، فيظلم ويزداد ظلمه، ويتعدى إلى غيره، فيقتل ويهتك الأعراض، ويكشف العورات، ويحل الحرام ويحرم الحلال، وغير ذلك على كره من عامة المسلمين، فالعقوبة حينئذٍ تنزل بأولئك الأفراد، بخلاف إذا كان أولئك قد انساقوا إليه تبعاً، فإن العقوبة تأتي تامة كحال فرعون وقومه؛ فإن الله جل وعلا دمر ما يصنع فرعون وقومه، وكذلك خسف الله جل وعلا بـقارون وبداره الأرض، فالعقوبة تكون متعدية للإنسان ومن معه؛ ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان هذا الأمر، وأن العبرة في ذلك في الأغلب في نزول العقاب، فإذا كان الأغلب من المجتمعات التي يسلط عليها البغي تؤيد الباغي في بغيه تعدى الأمر أيضاً إلى العام ويشمل معه الخاص؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح: ( بينما جيش أراد أن يغزو الكعبة إذ كانوا ببيداء من الأرض، إذ أمر الله جل وعلا فخسف بهم، قالت عائشة : يا رسول الله! إن فيهم أسواقهم -يعني: الذين يبيعون ويشترون وكذلك أيضاً الرعاة- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يبعثون على نياتهم )، يعني: أن هؤلاء الأسواق ليسوا هم السادة، وليسوا هم السواد، وليسوا هم الجمهور ولا الجماعة، وإنما هؤلاء أفراد فيشمل ذلك العقاب جميع الناس.

    لهذا منازعة الله سبحانه وتعالى في أمره هي شاملة للأفراد وللجماعات، فربما تنزل بسلطان وباغٍ، ويسلم الله جل وعلا المجتمعات؛ وذلك لعلة علمها الله جل وعلا بأولئك الأفراد، وهذا له سنن وأمثلة كثيرة، ولا أظهر من ذلك كما ظهر في الأسابيع الماضية في تونس وفي مصر سلم الله جل وعلا مجتمعات المسلمين بإهلاك أفراد معينين.

    ومن أراد أن ينظر إلى سنن الله جل وعلا في الكون يجد في زماننا أننا في حال ابتداع مقارنة بالعصور السابقة، وذلك بتسلط الأفراد على المجتمعات، بل على الأمم والشعوب المترامية الأطراف التي تعد بالملايين والآلاف المؤلفة ونحو ذلك، هذا من الأمور النادرة، وكذلك من إعجاز الله سبحانه وتعالى في تدبيره في هذا الكون أن يهلك الله جل وعلا طاغية بعينه من بين أمم وشعوب مترامية الأطراف.

    الحكمة من إمهال الظالمين

    ومن الحكم الجليلة التي يأخذ الله سبحانه وتعالى بها الظالم في ظلمه الذي يتعدى به الإنسان إلى غيره، أن كثيراً من الناس يسألون عن إمهال الله جل وعلا للظالم، وأنه سبحانه وتعالى يمكن للظالم سنين ومدداً وعقوداً، والله سبحانه وتعالى يراه ويعلم هذا الظلم، وأن الله جل وعلا مع ذلك حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرماً، وأمرهم بألا يتظالموا، وكذلك فإن الله جل وعلا قد حذر من دعوة المظلوم.

    العلة والحكمة في إمهال الله جل وعلا للظالم: أن الله سبحانه وتعالى يمهل الظالم حتى يرتقي في ظلمه، وذلك أن الله سبحانه وتعالى حينما حرم الظلم على العباد جعل ذلك الظلم محرماً على العباد حتى تستقيم بهم الحياة، وهذا هو المقصد، فحرم الظلم في الأموال، وحرم الظلم في الأنفس، وحرم الظلم في الأعراض، وغير ذلك من أنواع الظلم من دقائق هذه الفروع، ومرد ذلك إلى مصلحة الناس في ذاتهم، فإذا عاقب الله جل وعلا الظالم لأول مظلمة تبدر منه يبتدئ بها فإن الإنسان لا يتعدى الاعتبار والتأديب به إلى غيره، كذلك فإن الإنسان إذا أنزل الله جل وعلا به العقوبة في أول مظلمة، فإن العقوبة ينبغي أن تناسب تلك المظلمة التي وقع الإنسان بها؛ فإن الإنسان يقع في مظلمة يسيرة في دينار ودرهم، أو سب أو لطم ونحو ذلك، وتكون تلك العقوبة مناسبة لتلك المظلمة، فلا يدري الإنسان هل هي من نوع التمحيص، أو من نوع المصائب، أو من نوع العقوبة، والإنسان يتبرأ من إنزال العقوبة؛ لأنه يتبرأ من الخطأ كثيراً ويلحق الخطأ بغيره، فلا يظهر أمر الاعتبار بإنزال العقوبة بالمظالم اليسيرة، وإنما يملي الله جل وعلا للظالم، حتى إذا علا وارتفع في الأرض فرآه الشرقي والغربي، فرآه الناس كافة أمر الله جل وعلا به أن ينزل إلى الأرض حتى يراه الناس كافة.

    ولهذا كثير من الناس حينما يسألون عن إمهال الله جل وعلا للظالم، وهذا منصوص في كلام الله سبحانه وتعالى، وكذلك أيضاً في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم تلا قول الله جل وعلا: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] )، إن أخذ الله سبحانه وتعالى للظالم في الأغلب أنه يكون بعد إمهال، فلا يؤاخذ الإنسان بأول مظلمة؛ وذلك لأن المؤاخذة بأول مظلمة تنافي العفو والصفح والرحمة من الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا يعفو الله جل وعلا عن عبده فلا يعاقبه بأول مظلمة.

    ولما كانت المظالم العقوبة عليها للاعتبار للناس جعل الله جل وعلا الظالم يمهل حتى يكون الأمر متعدياً، فيمهل الله جل وعلا الظالم فلا يعاقبه وهو في الأرض، فلا يراه إلا أهله وزوجته؛ لأنه لا يراه أحد، وإنما يرفعه الله عز وجل بالظلم شيئاً فشيئاً حتى يبلغ السماء، فإذا بلغ السماء ورآه الشرقي والغربي بظلمه أمر الله جل وعلا به فنزل، وكانت عقوبته للبشرية تامة، ويظهر في ذلك الاعتبار أظهر من عقوبة الله سبحانه وتعالى للأفراد؛ لأن الله جل وعلا لو عاقب فرداً ما علم به إلا من حوله، ولكن يعاقب فرداً بعد أن يرفعه ويستطير شراً، ولله جل وعلا في ذلك سنن وموازنات فيمن خالف حكم الله سبحانه وتعالى وأمره سبحانه وتعالى، والله جل وعلا حينما يسلط ظالماً على عباده فإنه يكون بعدل من الله سبحانه وتعالى، وهذا العدل من الله جل وعلا أن الله لا يسلط الظالم على المجتمعات إلا لحكم، منها ما يكون عقوبة لأفراد، ومنها ما يكون تمحيصاً وتكثيراً ورفعة وغير ذلك من أنواع الحكم، والله جل وعلا لا يسلط ظالماً على معافى من سائر الذنوب، وإنما لحكمة يوازنها الله جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى قد جعل أيدي بعض الظالمين تطال أطهر الأجساد وهو جسد محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا نالته أيدي الظالمين، ونالته ألسن الظالمين بالبغي والتعدي عليه نزلت العقوبة، فقد أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنواع الأذى، فتعدي على جسده وعرضه، وكذلك دمه وماله، وأخرج من دياره عليه الصلاة والسلام، مما يدل على أن الله يطلق يد الظالم عليهم، فيتنوعون، فمنهم الفاسق بفسقه، ومنهم الظالم بظلمه، ومنهم الصالح لأجل تمحيصه وإعلائه ورفعته حتى تكون له العاقبة، وهذه حكم متنوعة، وإن كانت اليد في ذلك واحدة، وهذا وإن تأمل الإنسان في إمهال الله سبحانه وتعالى وإملائه للظالمين تظهر له الحكم السابقة، ويظهر له أيضاً جملة من الحكم أيضاً العكسية، أن الله جل وعلا يريد أن يظهر أهل الخير والإصلاح في هذا الإمهال، وهم مقابل ذلك الظلم، فالله سبحانه وتعالى حينما أملى للظالم، كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته )، هذه المرحلة في مسألة الإملاء لا بد أن تكون مرحلة صراع، وإصلاح وبيان الحق من الباطل، وتمييزه، وهذا يقوم به المصلحون الذين كانوا على بينة وبصيرة من دعوة الحق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيدهم في ذلك وقدوتهم، فيجب عليهم أن يقتدوا به.

    إذاً: هذه المسائل مسائل المظالم ومخالفة حكم الله سبحانه وتعالى، وإمهال الله للظالمين لها حكم متنوعة وآثار متعدية تكون خيراً لأقوام، وشراً لأقوام، وخيراً وشراً لأقوام، وهذا الخير والشر يتنوع بحسب الذوات الذين يقومون ويتلبسون بذلك الحق والخير، والشر كذلك فمستقل ومستكثر.

    1.   

    سنة المدافعة بين الحق والباطل

    والله سبحانه وتعالى قد جعل في هذه الأرض سنة المدافعة، فوجب على أهل الإصلاح أن يظهروا بإصلاحهم، وأن يترقبوا أمر الله سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا قد جعل السنن القدرية تكون صراعاً بين المؤمن والكافر، والكون وإرث الأرض يكون بين المؤمن والكافر، وبين الصالح والفاسد، وغير ذلك، وأما من يوفقه الله جل وعلا لحكمه الشرعي فإنه لا يوفق إليه إلا من أحب، وأما بالنسبة لحكم الله وقضائه القدري فإن الله جل وعلا يعطي منه من يشاء؛ لهذا الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، الله جل وعلا ذكر أن الأرض له، ثم ذكر أنه يورثها يعني: أنها تنتقل من فرد إلى آخر، والعاقبة للمتقين يعني: أنها كانت قبل ذلك لغيرهم، فالله سبحانه وتعالى قد جعل ذلك الصراع هو من مواضع الامتحان والاختبار للعباد؛ ليميز الله جل وعلا الخبيث من الطيب.

    ويظهر هذا أيضاً أن الله سبحانه وتعالى حينما يمكن لعبد من عباده في الأرض سواء كان من أهل الخير، أو كان من أهل الشر أن ذلك من أنواع الابتلاء والاختبار؛ ليميز الله جل وعلا حال الصالح في حال صلاحه هل يشكر أم يكفر؟ وحال الفاسق الخارج عن أمر الله سبحانه وتعالى إما أن يملي له ليزداد غياً في غيه، وإما أن يرجع فيما هو عليه، والعقوبة في ذلك ربما تأتيه في أول طريقه، وربما تأتيه بآخر طريقه أو في أوسطه بحسب حكمة الله سبحانه وتعالى المتعدية التي أراد الله جل وعلا بها الاعتبار المتعدي للغير، وهذا من الحكم أيضاً في مسألة الإملاء، والإمهال من الله سبحانه وتعالى، فإن الله جل وعلا يمهل العباد ولا يهملهم جل وعلا فيما يخالفون به أمره.

    1.   

    موقف الإنسان تجاه الحكم القدري والحكم الشرعي

    وأما ما ينبغي للإنسان أن يكون على بينة منه في هذين الحكمين وهما حكم الله جل وعلا القدري، وحكم الله جل وعلا الشرعي: أن يعلم أنه إذا بغى وتعدى في حكم الله الشرعي فإنه سينتهي به إلى مناقضة الله ظاهراً في حكمه القدري، فالذي يبتدئ بمعصية في مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى في أمور العبادات بالهوى ونحو ذلك، فإن هذا الأمر يتعدى إلى المكاثرة بالمعاصي والذنوب ومخالفة أمر الله سبحانه وتعالى حتى تصل إلى مرتبة التشريع من دون الله جل وعلا، فتكون تلك المعصية تشريعاً، ويكون ذلك الكفر ديناً بعد أن كان كفراً، وتكون تلك الشهوة شبهة، فإذا كانت الشهوة شبهة، فتتعدى الشبهة بعد ذلك إلى أن تكون عقيدة فهو طريق يوصل إلى الشهوات، وهذا أمر معلوم أن الشهوات طريق يوصل إلى الشبهات، وأما الشبهات فإنه لا يلزم أن توصل إلى الشهوات كما هو معلوم.

    وينبغي للإنسان أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى يحمي الإنسان المخالف لأمره وحكمه جل وعلا، ويملي له ما لم يصل إلى مناقضة أمر الله سبحانه وتعالى وحكمه القدري، فإن تعدى إليه فإن مقتضى ذلك تعدي المظالم إلى غيره، فلا تكون المظالم لازمة لنفسه، وهذا أمر معلوم؛ ولهذا جاءت الشرائع في سنن الكون، وإقامة الحدود والتعزيرات، وكذلك قوانين الشريعة وأنظمتها بضبط أحوال الناس حتى ينساقوا على نظام متحد تنزع فيه المظالم، وتعاد فيه الحقوق إلى أهلها حتى يستقيم في ذلك أمر الناس، فإذا خالف الإنسان أمر الله جل وعلا فالأغلب أنه لا يخالفه إلا مع قناعة بأحقية المخالفة في ذلك من أحقية التشريع كما يفعله كثير من السلاطين الذين يشرعون من دون الله شرائع تخالف أمر الله سبحانه وتعالى وحدوده وأحكامه، فإذا وصلوا إلى هذه المرتبة فإن ذلك بحسب المظلمة المتعدية من ذلك الحكم، فإن كثيراً من الأحكام التي تخالف أمر الله سبحانه وتعالى تخالفها باطناً، وربما توافقها ظاهراً، وهذا أيضاً من دقائق ما يدفع البلاء عن كثير من الأمم.

    كثير من الأمم تخالف أمر الله سبحانه وتعالى في حكمه جل وعلا وقضائه في الأمور المتعدية، فيقعون في نوع من العقوبات المخالفة لأمر الله سبحانه وتعالى، ولكن هذه المخالفة مخالفة متعدية باستيفاء حكم الله جل وعلا وزيادة بمخالفة أمر الله جل وعلا بالزيادة بالعقوبة، ومخالفة أمر الله سبحانه وتعالى بالزيادة بالعقوبة أهون من تعطيل حكم الله جل وعلا بالكلية؛ وذلك أن الله جل وعلا ما جعل الأحكام الشرعية في العدل بين الناس إلا ليستوفيها الإنسان، وبقدر زيادة الإنسان على أحكام الشريعة كالذي يقتل مثلاً بالسرقة، أو يقتل الزاني غير المحصن ونحو ذلك، فإن هذا من العقوبات المتعدية على حكم الله جل وعلا، فهو إنزال عقوبة، ولكن زاد عن الحد الذي أمر الله جل وعلا به، والإنسان في ذلك تنزل عليه العقوبة بقدر الزيادة التي خالف فيها أمر الله، ويمنع من نزول البلاء والعقوبة العامة بحسب القدر الذي وافق أمر الله جل وعلا؛ لهذا كثير من الذين يسنون الأنظمة والقوانين توافق كثيراً أمر الله جل وعلا ظاهراً، وتخالفها باطناً، يعني: أنهم يسنون الشرائع الموافقة بإعادة الحقوق إلى أصحابها، وإن كانوا مخالفين فاستحقوا التشريع من دون الله عند أنفسهم فكفروا باطناً، إلا أن العدل بدا ظاهراً فحماهم الله جل وعلا من نزول البلاء عليهم من هذا الوجه؛ لأنهم عدلوا ظاهراً وكفروا وظلموا باطناً، فكان الكفر والظلم الباطن متعلقاً بالأفراد، وأما العدل الظاهر فهو متعلق بالجماعات، وعقاب الله سبحانه وتعالى في بغي الناس ومخالفتهم لأمر الله سبحانه وتعالى يتعلق بالأمور الظاهرة المتعدية أكثر من الأمور اللازمة للأفراد غير المتعدية، ومن نظر إلى عقاب الله جل وعلا للأمم السابقة في إنزال العقوبات في ذلك يجد هذا شبيهاً بالمطرد مع استثناءات يسيرة في ذلك، ولله جل وعلا في ذلك الحكم البالغة.

    1.   

    أسباب رفع البلاء ودفع العقوبة

    إذا علمنا ذلك يجب علينا -كما فهمنا مسائل أحكام الله سبحانه وتعالى وأنواعها، والعلل التي لأجلها أمر الله جل وعلا بامتثال حكمه، وأن الله جل وعلا غني عن ذلك الامتثال، وأن مرد تلك المنافع هي للناس وللبشرية، وأن الناس يجب عليهم أن يمتثلوا لمصلحة ذاتهم، فإنهم لم يبلغوا ضر الله فيضروه سبحانه وتعالى، وإنما النفع والضر هو منهم وإليهم، فإذا خالفوا نزلت عليهم العقوبة، وإذا امتثلوا نزلت عليهم الرحمة- يجب الأخذ بعين الاعتبار في مواضع دفع البلاء، ومخالفة أمر الله سبحانه وتعالى، وذلك بأمور متعددة.

    الإصلاح في الأرض

    أولها: الإصلاح الذي يقي الله جل وعلا به الأمة من شر البلاء والمصائب التي تظهر من مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى.

    فمن الحكم الظاهرة أنه لوجود المصلحين في المجتمعات الإسلامية كوجود كثير من المصلحين في مصر، ووجود كثير من المصلحين في تونس ونحو ذلك، حمى الله جل وعلا المجتمعات من البلاء العظيم الذي لو كانوا على مظلمة على سبيل الاشتراك حكاماً ومحكومين لنزل بهم البلاء العظيم؛ فإن الله جل وعلا قد أزال حكاماً قد تمكنوا في الأرض السنة الكونية في الأغلب أنهم لا يزولون إلا بإراقة دماء عريضة، فالله جل وعلا سلم الشعوب لوجود المصلحين فيهم، وأخذ الله جل وعلا الظلمة بأعيانهم، وهذا من أعظم وجوه الاعتبار، والنظر في أن الله جل وعلا يحمي المجتمعات إذا وجد فيها المصلحون، ولو وجد فيها الظلمة الذين يأطرونهم على الباطل والبغي، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى ولطفه بالشعوب، أن الله جل وعلا قد يسلط على مجتمع من المجتمعات أو بلدة يسيرة، أو ربما على دار أو على أسرة، يسلط عليها ولي أمر يسوم الزوجة والأبناء والذرية الظلم ونحو ذلك، فإذا أقاموا العدل فيما بينهم، وأصلحوا وأنكروا فيما هم فيه، فإن الله جل وعلا لا يعمهم جميعاً بذلك العقاب.

    وإنما يسلم الله جل وعلا المجتمع بحسب وجود المصلحين فيهم، والله سبحانه وتعالى لا يعاقب الأمة ما وجد فيها المصلحون؛ ولهذا قال الله جل وعلا كما تقدم: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117]، فإذا وجد المصلح -ولو وجد الشر واستطار- فإن الله جل وعلا يحمي البلد من العقاب، وأما إذا وجد الصالح فدفع الصالح ولو كان أكثر صلاحاً في ذاته من المصلح في ذاته؛ لأن أمر المصلح متعدٍّ وأمر الصالح لازم، المصلح يدفع البلاء اليسير، ولكنه لا يدفع البلاء العظيم؛ لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قالت له أم المؤمنين: ( يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم )، هل هو على الإطلاق؟ لا. قال: ( إذا كثر الخبث ).

    إذاً: وجود الصالحين يدفع الخبث اليسير؛ والله جل وعلا يرحم أهل الدار بوجود صالح فيهم، ولو لم يكن مصلحاً، ويرحم الله جل وعلا أهل بلدة بوجود صالحين فيهم، ولكن إذا كثر فإن دفع الصالح بصلاحه لا يتعدى إلى الشر العظيم.

    إن وجود الإصلاح في مجتمع من المجتمعات يحمي الله سبحانه وتعالى به المجتمع، ولو كان المصلح في ذلك واحداً، لماذا؟ لأن الله جل وعلا جعل الحماية في وجود المصلح بذاته؛ لأن المراد بالإصلاح هو إصلاح العقائد كما هو إصلاح الظواهر، الإنسان حينما يكون مصلحاً ويدفع شراً يوجد في الأمة أو يدعى إليه فلا يستجيب لتلك الدعوة، فإنه من المصلحين، لماذا؟ لأن الأنبياء والمرسلين واجههم أقوامهم بحجة: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف:22]، ما هي هذه الأمة؟ على منهج وطريقة، هذه الطريقة كانت محل إجماع، أين المصلحون؟ لا يوجد مصلحون في ذلك، وإنما لو وجد مصلح واحد لما قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة على منهج، لو وجد من آبائهم مصلح، ولو خالف من جهة العمل.

    ولهذا المصلح يمنع هذه الحجة من جيل يأتي يقول: إننا لم نكن على هذا الأمر، ولم يأت أحد بهذا الحكم إلا أنت، وذلك لأنه قد حجب في قرن من الزمن، أو في عقد من الزمن، ولجهل بعض الناس يقولون في الحق الذي يجهلون حقيقته: لا نعلم من أتى بهذا الحكم إلا أنت، أو لا نعلم من أتى بهذا الحكم وهذه الشريعة إلا فلان، أو أنتم ونحو ذلك؛ وذلك لأنه ثمة حقبة من الحقب أو بلدة من البلدان عاش فيها أولئك قد غاب عنهم المصلح، ولكن ذلك الغياب إن وجد في الأمة فإن لازمه أن المخالفة والفساد يكون باطناً وظاهراً؛ لأن كثيراً من الناس يفعل المخالفة والإفساد في الظاهر، ولكن في الباطن يقر بأن هذا من الأمور الخاطئة.

    وكثير من الناس يسرقون ويزنون ويشربون الخمر ويقعون في الكبائر لماذا؟ لأن هذه الفواحش وغيرها قد فتحت أبوابها لهم، ولو سئلوا في قرارة أنفسهم لقالوا: حرام، من الذي بين لهم أنه حرام؟ وجود المصلحين، ولو لم يمتثلوا ظاهراً، فالله جل وعلا يحمي الأمة من نزول هذا العقاب على أمثال هؤلاء المفسدين بوجود المصلح الذي أصلح السرائر، وإن فسدت الظواهر؛ لأن البواطن تصلح الظواهر، وأما الظواهر فلا تصلح البواطن، بل هي من علامات النفاق، ووجود المصلحين في الأمة من الأمور المهمة التي يحمي الله جل وعلا بها الأمة من نزول العقاب؛ ولهذا موسى عليه السلام قال لقومه: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ [الأعراف:128].

    حاجة الإصلاح إلى عون الله

    الله سبحانه وتعالى أمر بالاستعانة والصبر، ومن أعظم أنواع الاستعانة أن يهتدي الإنسان بما مده من أسباب العون لعباده، وأسباب العون لعباده أن يأخذوا بمعاول الإصلاح ومعاول الإصلاح هي الأدلة من الكتاب والسنة، ولا يأخذ الإنسان بمعاول الذوق والحس؛ ومن أخذ بإصلاح المجتمعات بذوقه وحسه ورأيه وهواه وفكره مجرداً عن أسباب الإعانة التي أنزلها الله جل وعلا من السماء إلى العباد في الأرض حتى تصلح أحوالهم كانت الأسباب ضعيفة جداً وواهية، فانقطعت بأصحابها، ولم يكونوا ممن استعان بالله؛ وقد أمر الله جل وعلا موسى أن يأمر قومه بأن يستعينوا بالله قبل أن يباشروا الإصلاح في ذلك، وأعظم أنواع الاستعانة هو الاتكال على الله جل وعلا باطناً وظاهراً بالاعتماد على ما أمر الله سبحانه وتعالى بالأخذ به، بالاعتماد على كتابه، وما أمر الله سبحانه وتعالى بتقديمه من مراتب الأوامر، وكذلك معرفة المحرمات التي ينهى الإنسان عنها على سبيل التدرج لا على سبيل الحس والذوق.

    كثير من الناس يستعظم ذنباً من الذنوب بحسب ذوقه وحسه، وبحسب ما يعيشه أو ما يرجع ذلك إلى فطرته أو غيرته، أو لبيئته ونحو ذلك، ولكن الله جل وعلا قد جعل موازين الأحكام بحسب تشريع ما أنزله الله جل وعلا من مراتب.

    كذلك بالنسبة لدركات الشر هي أمور ينبغي للإنسان أن يأخذها على سبيل التوازن، وأعظم ما لا يفلح به المصلحون هو أنهم يجهلون مراتب الاستعانة بالله سبحانه وتعالى، والأخذ بأسباب المدد من الله، يجهلون مراتب الخير، ومراتب الشر، فيخلطون في ذلك، ويقع التقصير والسلب في أثرهم في الإصلاح بحسب تقصيرهم في تلك المراتب؛ ولهذا يكون جهدهم قصيراً، وكثير من المصلحين يجتهد في إصلاحه، ولكن أثره في ذلك ضعيف، وهذا لأسباب عريضة جداً من هذه الأسباب: أن الله سبحانه وتعالى جعل مقادير قد جهلها الإنسان وهي البصيرة التي أمر الله سبحانه وتعالى بامتثالها كما في قول الله جل وعلا: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108]، يدعو إلى الله، ولم يقل يدعو إلى غير الله، ولكن مع الدعوة إلى الله لا بد أن تكون على بصيرة، ما هي هذه البصيرة التي تزيد عن الدعوة إلى الله؟ هي معرفة المراتب، معرفة مراتب المأمور به، الذي يصلح من الذي لا يصلح؛ لهذا كثير من الناس يشغلون أنفسهم بفضول المأمورات والدعوة إليها ويدعون الأصول العامة العظيمة، وربما استفرغ الإنسان وسعه وماله بمفضول أعمال البر والإصلاح، ويجهل الأمور العظيمة، ويقل نتاجه في ذلك وأثره في الأمة، ويكون في ذلك أثره قاصراً، وربما يكون الإنسان فرداً علم مراتب الإصلاح على سبيل التحقيق، فوفقه الله جل وعلا، ولو كان قليل ذات اليد قليل الجهد، قليل العلم، ليس بطليق اللسان ونحو ذلك، فيوفقه الله جل وعلا ويسدده؛ لأن الإنسان إذا كان حاذقاً في رميه، فإنه يرمي ولو رمى بسهم من خشب، وإذا كان الإنسان لا يصيب ولو رمى بأدق النبال ضرباً في ذلك، وأدق الأسلحة فإنه لا ينفع من ذلك شيء، وهذه سنة جعلها الله سبحانه وتعالى في إصابة الحق والباطل.

    وهذه مسألة ينبغي للإنسان أن يكون على بينة وبصيرة فيها، وهي مسألة الإصلاح وأهميتها، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يعلق إصلاحه بالتأثر ظاهراً، بل أن نحافظ على البواطن ولو وجد المخالفون، ولو وجد الذين يخالفون أمر الله جل وعلا ويشربون الخمر، يكفينا منهم أن يقروا بأن الخمر حرام ولو فعلوه، ولو وجد في الأمة من يزني يكفينا أنهم يقرون بأن الزنا حرام ولو فعلوه؛ فإن هذا قدر عظيم من أمور الخير، وقدر عظيم من أمور الإصلاح؛ فإن الإنسان إذا كسب ذلك كسب الحماية والنجاة لهذه الأمة.

    فقيام المصلحين بالإصلاح من الأمور المهمة لنجاة المجتمعات، فقد أنجى الله جل وعلا مجتمعات عريضة مترامية كثيرة العدد بوجود المصلحين فيها، ولو كانوا يؤطرون على الباطل، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى ولطفه بعباده.

    معرفة مقادير الظلم والظالمين

    ومن الأمور المهمة أيضاً أنه ينبغي للإنسان أن يعرف مقادير المظالم ومراتبها، حتى لا تنزل به العقوبة، ويظن أنه على الحق؛ لهذا ينبغي للإنسان أن يعرف حدود ماله، وإذا عرف حدود ماله عرف ما لغيره، وإذا عرف ما لغيره عرف ما له؛ ولهذا بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أموال الناس ودماءهم وأعراضهم حرام وبيّن أن الحقوق التي تكون بين العباد لا بد فيها من الوفاء في الدنيا؛ وذلك لأنها متعلقة بعاجل لا متعلقة بآجل؛ ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم -كما روى الإمام أحمد وأصله في البخاري معلقاً من حديث عبد الله بن أنيس- قال عبد الله بن أنيس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يحشر الله العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلاً بهماً، فيناديهم الله جل وعلا بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فيقول جل وعلا: أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وعنده لأحد من أهل النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة. قالوا: يا رسول الله! كيف وإنا نأتي الله جل وعلا حفاة عراة؟ قال: بالحسنات والسيئات )؛ لأن الوفاء قد انقضى، ومحله أنه يجب على الإنسان أن يعلم الحدود التي له وعليه، فيؤديها لأصحابها وإن لم يؤدها لأصحابها فإنه لا بد من القصاص يوم القيامة؛ لهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: ( من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها من قبل أن يأتي يوم لا دينار فيه ولا درهم )، وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً كما في الصحيح قال: ( يخرج المؤمنون من النار فيوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتصون حقوقاً كانت بينهم )، أي: أن الحقوق لا بد فيها من الوفاء في أمر الدنيا، وإن لم يكن ثمة وفاء فالموازنة بالحسنات والسيئات، ترفع بها الحسنات وتزيد بها السيئات، يرفع بها الإنسان درجة، ويهبط بها مراتب، بل ربما كانت دركات.

    وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعوة المظلوم، فكانت دعوة المظلوم -ولو كان كافراً مقبولة- وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في المسند من حديث أنس بن مالك قال عليه الصلاة والسلام: ( اتق دعوة المظلوم، ولو كان كافراً؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب ).

    إن دعوة المظلوم لقوة المظالم لتعلقها بالعدل بين الناس، ولو كان كافراً وجب العدل في ذلك، وإذا تعدى الإنسان في ذلك اختل ميزان الحياة، وإذا اختل ميزان الحياة فحصل الإشراك، فإن الله سبحانه وتعالى قضى ألا يجعل هذا النوع من الذنوب تحت مشيئته بالمغفرة.

    والله جل وعلا قد جعل أسباب المغفرة للعباد: إما أن يغفر الله جل وعلا لعبده الذنوب والمعاصي، فيجعل العبد تحت المشيئة سواء كان الذنب صغيراً أو كبيراً، ما لم يكن شركاً، فإن الله جل وعلا أخذ على نفسه ألا يغفر للمشرك شركه، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، كذلك أيضاً الحقوق؛ لقوة العدل ووجوب الوفاء بها، والأخذ بحكم الله سبحانه وتعالى، الله جل وعلا لا يغفر المظالم التي بين الناس، ولو استغفر الإنسان مدى الدهر، فمن ضرب رجلاً أو أخذ مال رجل، وأراد أن يستغفر فإنه سلك طريقاً للتوبة مسدوداً إلا في صور كأن يجهل الإنسان صاحب الحق ولا يدري أين أرضه ومكانه ونحو ذلك، فإن هذا باب المغفرة فيه مفتوح.

    وأما إذا علم صاحب الحق فإن الله جل وعلا لا يغفر للمتعدي والظالم ظلمه حتى يعيد الحق لصاحبه؛ لهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها ) ما قال: ليستغفر، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً كما في الصحيح، قال: ( ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا من يأتي يوم القيامة بأعمال كالجبال )، ويأتي، وانظروا إلى ما الذي أتى به؟ ( قال: ويأتي وقد ضرب هذا )، وهذه أنواع الذنوب ضرب هذا، كلها تتعلق بالآخرين، يأتي وقد ضرب هذا ولطم هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، ولم يقل: شرب الخمر، وإن كان ذنباً وكبيرة، ولكنه تحت المشيئة، قد يغفر الله جل وعلا لصاحبه، وقد يعاقبه بذلك ويدخله النار، ولكن هذه المظالم متعلقة بحقوق الناس لا بد فيها من الوفاء؛ لأنها حق خاص، وحقوق العباد مبنية على المشاحة، لا على المسامحة، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن لم يكن لديه حسنات طرحت عليه سيئات صاحبه، ثم طرح في النار، وهذا لتمام عدل الله سبحانه وتعالى؛ لهذا وجب على الإنسان أن يعلم أن الله جل وعلا شدد في حكمه لصلاح البشرية، وأنزل كتابه العظيم؛ لأنه لا يمكن أن يتسق نظام إلا على نظامه جل وعلا وحكمه، وكثير من البشر يسنون أنظمة وقوانين لصالح البشرية، ويقومون باستئثار هذا النوع لأنفسهم من دون الله.

    الله جل وعلا خلق الخلق، ويعلم أحوالهم على حد سواء، يعلم الماضين، واللاحقين لهم، ومن لم يوجد ممن سيأتي وحاله وما يصلح حاله، فالله جل وعلا سن أمثال هذه الشرائع لشريط البشرية كاملاً، وكثير من الناس يسنون أنظمة لصالح جماعة أو لصالح فرد، أو نظر في باب ضيق ونحو ذلك، ويقولون: هذا هو الأصلح، عرفوا ظاهراً من الحياة الدنيا، وأما ما أراده الله جل وعلا من الحكم البالغة من استيفاء الحقوق والتشديد فيها، وكذلك إقامة عدل الله سبحانه وتعالى في الناس فهذا هو الذي ربما تخفى علله على كثير من الخلق، فيقومون بمنازعة الله جل وعلا في حكمه، ومحادة الله سبحانه وتعالى، فيستحقون في ذلك العقاب إن عاجلاً أو آجلاً؛ ولهذا ينبغي بيان خطورة المظالم في المجتمعات فيما يتعلق في الأموال، وما يتعلق في الدماء، وما يتعلق في الأعراض، وبيان خطورتها للناس، وإن عاندوا وكابروا، وإن عوقب الإنسان على ذلك؛ لأنه مصلح به تحمى الأمة، ويوقى الناس العقاب، وكثير من الأمم والمجتمعات يحميها الله جل وعلا مع وجود أعيان مفسدين فيها بوجود أفراد مصلحين علمهم الناس أو لا يعلمون، يتنازعون الإصلاح في ذلك بين مستقل ومستكثر حتى يكمل الإصلاح فيرفع الله جل وعلا عقابه عن ذلك المجتمع.

    أسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ...