إسلام ويب

الموجز في فقه العمرةللشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا خلاف عند العلماء في مشروعية العمرة وفضلها، ويشرع لها الإهلال من الميقات، ولبس الإحرام، والتلبية حتى بدء الطواف بالبيت، ثم السعي بين الصفا والمروة، ويختم عمرته بالحلق أو التقصير، وعلى المحرم حال عمرته أن يجتنب محظورات الإحرام كالصيد والنكاح وقص الأظافر والشعر.

    1.   

    مفهوم العمرة وارتباطها بالحج

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    أيها الإخوة الكرام! سوف نتكلم على جملة من المسائل المتعلقة بأحكام العمرة، والمسائل المتعلقة بأحكام العمرة منها ما يحتاج إليه وتعم به البلوى، ومنها ما لا يحتاج إليه باعتبار أنه من الجزئيات العارضة التي تطرأ على بعض الناس ولا تطرأ على كلهم، وهذا يتباين من جهة ندرة الوقوع وكثرته، والكلام على هذه المسائل والنوازل الطارئة في زماننا مما يطول جداً، ولكننا سوف نتكلم ونورد أهم المسائل العامة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة أصل التشريع، وكذلك شرائط الوجوب وأدلتها، وكذلك الأحكام الشرعية التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم والتدليل على ذلك من الكتاب والسنة، وهدي السلف الصالح الذين أمرنا الله عز وجل بالركون إليهم عند عدم وجود الاعتضاد بشيء من كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء هذا صريحاً في السنن وغيرها في حديث العرباض بن سارية في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي )، وكذلك ما جاء في الصحيح من حديث أبي موسى في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد ).

    والكلام على مسألة العمرة مما يطول جداً، وكذلك الأصول التي يرجع إليها في هذا، وإنما كان الكلام على العمرة باعتبارها أكثر وقوعاً في غالب الناس من الحج، وكان هذا سبب تخصيصها، وكذلك لحاجة الناس كثيراً للتلبس بها رجالاً ونساءً، سواءً كانوا قريبين أو بعيدين، وهذا من الأمور التي جعلتنا نتكلم على هذه القضية على سبيل الانفراد.

    وكثير من العلماء يوردون أحكام العمرة مندرجة مع الحج، وذلك باعتبار أن الحج أهم، وكذلك هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وكذلك لأهميته العظيمة، ولا خلاف عند العلماء على ركنيته وأهمية وجوبه على خلاف في مسألة العمرة.

    العمرة المراد بها: هو قصد البيت الحرام على صفة معلومة، وبأعمال معلومة، وأقوال معلومة.

    وأما بالنسبة للزمن الذي يفعل فيه الإنسان العمرة فإنه لا حد له، والزمن في ذلك مفتوح ليلاً أو نهاراً، وكذلك فإنه يفعلها الإنسان في أي أيام السنة، وإنما يقع خلاف عند بعض العلماء في بعض المسائل، كالعمرة في يوم عرفة، فإن بعض العلماء ربما يكرهها باعتبار أن الناس يقفون في عرفة، فينبغي للإنسان أن يقف معهم ولا ينشغل بالعمرة بالطواف بالبيت، وغير ذلك مما يأتي الإشارة إليه.

    والعمرة قد قرنها الله عز وجل في كتابه العظيم في قوله سبحانه وتعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، وإذا ورد الفضل في الحج فإنه يندرج تبعاً في فضله العمرة على الصحيح، ما لم تدل قرينة من القرائن على إيراد الحج على سبيل الخصوص بصفة من الصفات وبقول من الأقوال يخرجه عن العمرة، باعتبار أن العمرة هي نوع من القصد الذي يقصد به الإنسان الإتيان إلى البيت.

    والعمرة بضم الميم وإسكانها هي: الزيارة، والعمارة ضد الخراب، والعمرة فيها عمارة المودة والمحبة بزيارة البيت العتيق، محبة ومودة لله سبحانه وتعالى، وكانت العرب تعرف العمرة حتى في الجاهلية، ولكنهم لا يعرفونها في أشهر الحج يحرمونها، وهذا مما بدله الجاهليون مما كان عليه أهل الإسلام في السابق، والنبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في أشهر الحج مبيناً بطلان ما كانوا عليه، ومصححاً لتلك الأعمال التي بدلوها مما شرعها الله عز وجل، فبدلوها على غير وجهها، فأعادها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حكم العمرة

    والعمرة لا خلاف عند العلماء في مشروعيتها، سواءً في الإسلام أو قبله، وحكمها باقٍ إلى قيام الساعة.

    وإنما الخلاف وقع في مسألة وجوبها هل هي واجبة أم لا؟

    ذهب جماعة من العلماء إلى وجوب العمرة، وذهب إلى هذا جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كـعبد الله بن عمر و جابر بن عبد الله وذهب إلى هذا جماعة من الفقهاء من السلف كـابن المسيب و ابن جبير و عطاء و مجاهد و قتادة و الحسن و أحمد و الشافعي في مذهبه الجديد، وهذا هو القول الأرجح أنه ينبغي للإنسان أن يأتي بعمرة في عمره مرة واحدة، وقد جاء عن غير واحد من السلف التصريح بذلك، وعلى ما جاء في هذا عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله، كما رواه الدارقطني و الحاكم وغيرهم، قال: (ليس من أحد إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان لا بد منهما، فمن زاد بعد ذلك فهو خير وتطوع)، وقد جاء عنه عليه رضوان الله أنه قال كما رواه نافع عن عبد الله بن عمر : (الحج والعمرة فريضتان).

    وكذلك روي عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى ما يفهم عنه ذلك، كما جاء عن أبي وائل عن الصبي بن معبد قال: قلت لـعمر بن الخطاب عليه رضوان الله: (إني كنت رجلاً أعرابياً نصرانياً، وإني أسلمت، وإني حريص على الجهاد، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ، فأتيت رجلاً من قومي، فقال لي: اجمعهما واذبح ما تيسر من الهدي، وإني أهللت بهما معاً، فقال عمر عليه رضوان الله تعالى: هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم).

    وهذا الرجل الذي سأل عمر بن الخطاب قد سأله بعد قول رجل من قومه: اجمعهما واذبح ما تيسر، وقال: إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ، ثم ذكر أنه أهل بهما جميعاً، فقال: هديت لسنة نبيك، وهذا إقرار لقوله: إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ.

    وهذا قد قال به غير واحد كما جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله في تفسير قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، قال: والله إنها لقرينتها في كتاب الله، ومال إلى هذا الإمام البخاري رحمه الله، فإنه ترجم على هذا في كتابه الصحيح في أبواب العمرة، قال: باب وجوب العمرة وفضلها.

    والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالاعتمار حتى عن الميت، كما جاء في حديث أبي رزين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( حج عن أبيك واعتمر )، وهذه الزيادة وهي ذكر العمرة قد تكلم عليها غير واحد من العلماء بعدم الصحة، قالوا: إن الأمر الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو أمر بالحج لا الأمر بالعمرة، وإنما النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( حج عن أبيك ).

    وكذلك فإن العمرة بالنسبة للنساء أن تأتي في حياتها بعمرة واحدة آكد من الرجال، وذلك أن النساء لا جهاد عليهن كما على الرجال، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في المسند وغيره من حديث عائشة بنت طلحة عن أم المؤمنين عائشة عليها رضوان الله أنها قالت: ( يا رسول الله! هل على النساء من جهاد؟ قال: نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة )، وهذا قد تكلم فيه غير واحد من العلماء في ذكر العمرة، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال: ( عليهن جهاد لا قتال فيه، عليهن الحج ).

    وعلى كل فإن العمرة متأكدة جداً على أقل أحوالها، والأرجح في ذلك الوجوب، وينبغي للإنسان أن يعتني بالإتيان بالعمرة قدر وسعه وطاقته.

    1.   

    العمرة لأهل مكة

    وأما بالنسبة للعمرة للمكيين؛ فإن المكيين يختلفون عن غيرهم، فإن أهل مكة على الصحيح ليس عليهم عمرة، وهذا الذي ذهب إليه جماعة من السلف، قال عبد الله بن عباس عليه رضوان الله: (أنتم يا أهل مكة لا عمرة لكم، إنما عمرتكم الطواف).

    والمراد بذلك أنه ينبغي للمكي ألا يعتمر وإنما يكثر من الطواف حال دخوله المسجد الحرام، وأما بالنسبة للعمرة فإنها تكون للآفاقيين، وأما بالنسبة لمن كان آفاقياً وقدم إلى مكة وأقام فيها، فيقال: إذا أقام فيها إقامة طويلة يستلزم معها عدم قصر الصلاة، وعدم الحاجة إلى الجمع ولا الفطر في رمضان عند ورود الحاجة إليه بعذر السفر، فإن الإنسان يكون في حاله كحال أهل الإقامة.

    1.   

    فضل العمرة

    وينبغي للإنسان أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى ما شرع أمثال هذه الشرائع إلا تطهيراً للعباد وتقرباً إليه سبحانه وتعالى، وقد جاء في ذلك فضل العمرة وتكفيرها، وقد جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة، ومن ذلك ما جاء في حديث أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة )، والمراد بهذا أنه ينبغي للإنسان أن يكثر من الإتيان بالعمرة؛ فإذا جاء بعمرة ثم جاء بأخرى، فإن ما بينهما من الذنوب يكفره ذلك العمل، وهذا دليل على فضل ذلك العمل الذي أوجب الله عز وجل به تكفيراً لذلك الذنب، وذلك فضل الله سبحانه وتعالى يؤتيه من يشاء، وهذا مما تشترك فيه العمرة مع الحج، فإن الحج كفارة لما بينه وبين الحج السابق من باب أولى؛ باعتبار أن الحج آكد، وكذلك لظاهر النص من قياس الأولى، فإن الله عز وجل قد بيّن على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحج يهدم ما قبله.

    وقوله: (لما قبله) شامل لما بينه وبين الحجة السابقة وما كان قبل ذلك، وذلك لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح الإمام مسلم عن ابن شماسة المهري عن عمرو بن العاص عليه رضوان الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الإسلام يهدم ما قبله، والحج يهدم ما قبله، والهجرة تهدم ما قبلها )، فالنبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن الحج يهدم ما قبله، وبيّن أن العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، وإذا احتسب الإنسان أنه إذا جاء بالعمرة كفر الله عز وجل له ذنبه السابق، فإنه يرجى له ذلك.

    والله سبحانه وتعالى قد شرع أمثال هذه الأعمال ليكثر الإنسان من التطوع والتقرب له جل وعلا، وأفضل ما يتعبد به الإنسان هو الاقتفاء بأثر رسول الله صلى الله عليه وسلم والاهتداء بهديه، فإن الله عز وجل قد جعل لنا فيه أسوة حسنة، وكذلك أمر الله عز وجل بعدم الخروج عن هديه، فإن الشرائع السابقة كثير منها قد تبدل، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( خذوا عني مناسككم )، والمناسك المراد بها هنا هي مناسك الحج والعمرة، وتسمى أفعال الحج وأفعال العمرة بالنسك أو المناسك، وهذا ما ينبغي للإنسان أن يكون على حيطة وحذر منه، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخر حجه وبعث بعض أصحابه بعد أن فرض عليه الحج؛ حتى لا يلتبس عمل الإسلام بعمل الجاهليين؛ فإن الجاهليين عند البيت يطوف بعضهم عراة، وكذلك لا يقفون بعرفة، ولا يخرجون من حدود الحرم، وكذلك بالنسبة للسعي بين الصفا والمروة، فإنهم ربما يتحرجون منه، ولهذا ينبغي للإنسان ألا يأخذ المناسك إلا من مشرعها عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    شروط وجوب العمرة

    من قال بوجوب العمرة كالحج، فإنه ينبغي أن يعلم أن شروط الوجوب في العمرة هي كشروط الحج في الجملة، على من قال بوجوب العمرة، والشروط الواردة في ذلك جملة، منها:

    الشرط الأول: الإسلام

    الشرط الأول: الإسلام، فلا يجب الحج على مشرك، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28]، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بعث أبا بكر عليه رضوان الله ومعه جماعة من أصحابه كـأبي هريرة وغيره، وأمره أن ينادي بالحج قبل حجة الوداع، فقال أبو بكر عليه رضوان الله: ( لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان ).

    الشرط الثاني: الأهلية

    الشرط الثاني: لا تجب العمرة على مجنون أو ناقص الأهلية، أهلية العقل لمن به سفه شديد أو غفلة شديدة، كالدخول في دائرة الهرم وغير ذلك، ويدخل في هذا من باب أولى من فقد عقله بإغماء أو نحوه، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل ).

    الشرط الثالث: البلوغ

    الشرط الثالث: البلوغ، وهذا متضمن لما تقدم، باعتبار أن الصغير لا عقل له تام، وإن كان من جهة الإدراك أعقل من غيره ممن به جنون أو هرم وخرف، فإنه إذا وقع في الإنسان هرم وخرف فإنه يفقد العقل ولو كان كبيراً، والصبي خير منه في هذا الباب، ولهذا بالنسبة للصغير، يقال: إن حجه يصح لكن لا يجب عليه، وقد جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس (أن امرأة لقيت النبي صلى الله عليه وسلم بالروحاء فرفعت صبيها، وقالت: ألهذا حج؟ قال عليه الصلاة والسلام: نعم ولك أجر )، فإذا كان له حج فله عمرة من باب أولى.

    وكذلك فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى قيام الساعة، والصبي حجه صحيح بالاتفاق، ولكن لا يجب عليه.

    ويشتهر عند العامة أن حج الصبي يكتب له نصف الأجر، وهذا فيه نظر، والصواب أن له الأجر تاماً، ولكن لا يجب عليه وجوباً، ويجب عليه إذا بلغ أن يحج مرة أخرى، وقد كان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصغار يحجون معه ولم يبلغوا، وهذا في باب العمرة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان قارناً ومعه جماعة من أصحابه، وكان منهم من تمتع، وقد جاء في صحيح البخاري من حديث السائب بن يزيد قال: ( حُج بي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن سبع سنين )، والصغير إذا حج حجاً صحيحاً كان له الأجر كاملاً، ولكنه إذا بلغ وجب عليه أن يعيد، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر المرفوع والصواب فيه الوقف كما رواه الشافعي و البيهقي وغيرهم، قال: ( أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى )، وهذا الخبر قد أعله مرفوعاً غير واحد من العلماء، والصواب في ذلك الوقف على عبد الله بن عباس ، وهذه المسألة من مسائل الإجماع، أن الصبي إذا حج قبل بلوغه فإن حجه لا يجزئ عن حجة الإسلام، وإنما الخلاف في حال بلوغه في عرفة، هل يسقط ذلك عن حجة الإسلام أم لا؟ وذلك أنه يوجد بعض الصبية من يولد في يوم عرفة فيحج في السنة الخامسة عشرة، ويكون بلوغه خمسة عشر، ويكون حينئذٍ في هذا اليوم قد بلغ فأدرك شيئاً من وقوفه بعرفة ونحو ذلك، وكذلك من ظهر منه علامات البلوغ أو رآها كاحتلام ونحو ذلك.

    وأما بالنسبة للصبي إذا حج به وليه فإن العمل يقع عن الاثنين، والأولى في ذلك أن ينوي عن الصبي، وأن يلبي عنه، وأن يرمي عنه لعجزه، وكذلك يروى في هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه الإمام أحمد و ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله قال: ( حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان، فلبينا ورمينا عنهم ).

    والمراد من ذلك أن الصبي يلبى عنه، وينبغي ويتأكد أن يجنب محظورات الإحرام وأن يبعد عنها، حتى لا يتلبس بها فيقع في شيء من النقص في العبادة، وأما الإثم فلا يقع عليه، وأما بالنسبة إذا وقع الصبي المحرم في حال إحرامه بشيء من محظورات الإحرام، فهناك من العلماء من لا يرى لزوم شيء عليه، وهذا قول جماعة من العلماء، وهو قول الحنفية، ومن العلماء من ألزمه في حق المميز ولم يلزمه في غيره، ومن العلماء من فرق بين ما يفعله الصبي استمتاعاً كالطيب واللباس، قالوا: لا فدية فيه، وما فعله إتلافاً ففيه الفدية، وهذه المسألة من مواضع الخلاف، والصواب في ذلك أنه لا يجب على الصبي ولا وليه شيء، باعتبار ارتفاع القلم عنه، وربما فعل الصبي شيئاً من غير علم وليه، فصرف عنه، ففعل شيئاً من محظورات الإحرام، فإلحاق الفدية على الولي فيه نظر، وفيه تكليف بما لا يطاق، خاصة إذا كان الإنسان يلي جملة من الصبية، ويصعب عليه أن يحيط بهم.

    وإذا قلنا بصحة الحج كاملاً من غير الإجزاء عن حجة الإسلام في الصبي، فإنه يجوز أن نقول ذلك في المجنون، فإن المجنون إذا حج به وليه فحجه وعمرته صحيحة، وله الأجر، ولكن بالنسبة لما يترتب على ذلك من حجة الإسلام إذا عقل يقال: بالاتفاق أنه يجب عليه أن يأتي بحجة أخرى، وهذا من قياس الأولى، فإننا إذا قلنا: إن الصبي إذا كان بالمهد -وهذا ما يقوله العلماء- وهو حديث الولادة حجت به أمه وحجه في ذلك مكتوب، فهل نقول ذلك في المجنون؟

    هناك من المجانين من هم أعقل من الصبيان الصغار، فيهم سفه وفيهم سفه شديد أو غفلة وفيهم جنون أو نحو ذلك، ولكن يتناولون الطعام والشراب، ويلبسون ويعتنون، ولكن يفقدون شطر عقولهم، وهذا ينبغي أن يقال: إن الحج يكتب له ولوليه الأجر، وحكمه في مسألة الفدية كحكم الصبي، وإذا قام وليه بحمله أو بدفعه على عربة، والولي والمدفوع يريدون الحج، فإنهم في ذلك يؤجرون، والعمل يجزئ عن الجميع على الصحيح من أقوال العلماء.

    الشرط الرابع: الحرية

    الشرط الرابع: الحرية، فلا بد في وجوب الحج والعمرة أن يكون الحاج حراً لا عبداً، وأما العبد فحجه وعمرته صحيحة، وإذا عتق فإنه يجب عليه أن يحج مرة أخرى.

    الشرط الخامس: الاستطاعة

    الشرط الخامس: الاستطاعة، فإن العاجز لا تجب عليه العمرة، ولهذا قال الله جل وعلا في الحج وهو آكد من العمرة: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، والآية في ذلك واضحة وبينة، وقد جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى أنه قال في قول الله جل وعلا: (( مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا )) كما رواه البيهقي وغيره، قال: (السبيل أن يصح بدن العبد وأن يكون له ثمن وزاد وراحلة من غير أن يجحف به).

    ويظهر في هذا الشرط أنه يتضمن جملة من الشروط: القدرة المالية والقدرة البدنية وأمن الطريق، فقد يكون الإنسان مقتدراً بالمال ولكنه ليس بمقتدر بالبدن؛ كأن يكون مشلولاً أو كبيراً في السن، أو صبياً لا يجب عليه، فيقال حينئذٍ: هو عاجز، وكذلك أن يكون مقتدراً ببدنه، لكنه فقير بماله، فيقال: لا تجب عليه العمرة، ومن باب أولى الحج.

    الشرط السادس: المحرم للمرأة

    الشرط السادس: بالنسبة للعمرة على المرأة على من قال بوجوب العمرة فلا بد من توفر المحرم حتى يجب عليها، والمرأة التي لا تجد محرماً لا يجب عليها الحج ولا العمرة، وهذا باتفاقهم، وإنما اختلفوا في جواز ذهاب المرأة مع جملة من النساء إذا كان القيم ذكراً، وذلك كأن يوجد بعض الحملات النسائية التي ربما تعتني ببعض الخدم من الخادمات أو الشغلات وغير ذلك، ففيها المائة والمائتان ونحو ذلك، أو تكون المرأة مع مجموعة من النساء مع أمها وأخواتها، وكذلك مع بعض محارمهن فهي منغمسة مع النساء، ويقود القافلة الرجال، فإذا كانت مع مجموعة من النساء والقيم واحداً ذكراً، فيقال حينئذٍ: إنه لا حرج في هذا على قول جماعة من السلف، وذهب إلى هذا جماعة، كالإمام مالك و الشافعي والإمام أحمد، وقال به غير واحد، ورجحه إمام المناسك عطاء و ابن سيرين، وذهب إليه الأوزاعي و قتادة ، واختاره ابن تيمية رحمهم الله.

    والنبي صلى الله عليه وسلم حينما جاءه رجل أراد الخروج في الجهاد، فقال: (إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وإن امرأتي ذهبت حاجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حج مع امرأتك)، فأسقط النبي صلى الله عليه وسلم أمر ذهابه للجهاد حتى يحج مع امرأته، وفي هذا تأكيد على الولي أنه ينبغي له أن يسقط الفريضة عن زوجه وعن أبنائه الذين لا يقومون إلا به، خاصة عند عدم القيام الموجب إلا به.

    1.   

    مسائل متنوعة بحج المرأة وعمرتها

    نفقة الرجل على امرأته في الحج والعمرة

    وأما بالنسبة لنفقة الرجل على امرأته في الحج والعمرة هل يجب عليه أن ينفق عليها لإسقاط حجة الإسلام؟

    نقول: نعم، وذلك أن الواجبات الدينية أولى من الدنيوية، فإذا كانت المرأة لا تستطيع الصلاة إلا بتهيئة السبيل لها من الزوج، من إعانتها على ستر عورتها بلباس وتوفير الخمار حتى تؤدي الصلاة؛ وجب عليه أن يوفر ذلك، وكذلك بالنسبة للنفقة في الحج.

    مرافقة الرجل لامرأته في الحج والعمرة

    وأما بالنسبة لمرافقته مع امرأته هل يجب عليه أم لا؟

    نقول: إذا وجدت محرماً غيره كأخيها أو أبيها أو ابنها فإنه لا يجب عليه، وإن لم تجد إسقاطاً للحج إلا به وهو قادر مستطيع، فإنه يتأكد في حقه، وقيل بالوجوب.

    منع الولي من العمرة والحج الواجبين

    وليس للولي أن يمنع امرأته من عمرة الإسلام الأولى ولا من الحج، ونص على ذلك غير واحد من العلماء، ومن العلماء من قال بأنه يجوز له أن يمنعها.

    وأما بالنسبة للزيادة عن عمرة الإسلام فإن له أن يمنعها، وقد حكي الإجماع في ذلك، وقد كن أمهات المؤمنين عليهن رضوان الله تعالى يعتمرن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحججن معه، وجماعة منهن بقين في مواضعهن لم يحججن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهن من حججن، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما حججن معه: ( هذه ثم ظهور الحصر )، أي: أنه ينبغي للمرأة ألا تكثر من العمرة، وأنها إذا أسقطت حجها وعمرتها ينبغي لها أن تبقى في البيت، وهذا ظاهر الخبر، وحمله عليه جماعة كـعمر بن الخطاب وغيره.

    ومن العلماء من السلف من قال بأن العمرة مفتوحة، والحج كذلك للمرأة كالرجل، وهذا مروي عن جماعة، وهو قول عائشة عليها رضوان الله.

    أداء العمرة والحج للمعتدة بالوفاة

    وينبغي أن يعلم أنه بالنسبة للمرأة إذا كانت معتدة بوفاة زوجها وأرادت حجة الإسلام أو العمرة فإنه لا حرج عليها حال تهيئ السبيل، وهذا مروي عن عائشة عليها رضوان الله، كما رواه عبد الرزاق عن عروة قال: (خرجت عائشة بأختها أم كلثوم حين قتل عنها طلحة بن عبيد الله إلى مكة في عمرة، وقد قال عروة : كانت عائشة تفتي المتوفى عنها زوجها بالخروج في عدتها)، يعني: إلى الحج والعمرة، وجاء عند ابن أبي شيبة عن عطاء أنه سئل عن المطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها زوجها أتحجان في عدتهما؟ قال: نعم، وكان الحسن البصري عليه رحمة الله يقول بمثل ذلك.

    وينبغي أن يعلم أن هذه المسألة من مسائل الخلاف، وقد جاء عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى ما يخالفها، والأصوب أنه يجوز للمرأة أن تخرج للحج والعمرة خاصة حجة الإسلام وعمرة الإسلام.

    1.   

    المبادرة إلى الحج والعمرة

    وينبغي أن يبادر الإنسان فإنه لا يدري ماذا يعرض له، وذلك بإسقاط ما أوجبه الله عز وجل عليه من النسك والإتيان بالعمرة كما أمر الله سبحانه وتعالى، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أصحابه فبادروا، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قد بادر بالإتيان بالعمرة قبل أن يأتي بالحج، بل قرنها عليه الصلاة والسلام مع الحج، وأدخل الله عز وجل العمرة مع الحج إلى قيام الساعة، وذلك من جهة العمل ومن جهة الزمان.

    1.   

    مواقيت العمرة المكانية

    أسماء المواقيت

    وينبغي أن يعلم المعتمر أن الله سبحانه وتعالى أوجب عليه الحج بمواقيت مكانية، وهذه المواقيت معلومة، وقد جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله، وذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما، قال ابن عباس : (وقّت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولنجد قرن المنازل، ولليمن يلملم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة، ومن كان دونهن فمن أهله )، يعني: يحرم حتى أهل مكة يهلون منها.

    وينبغي أن نعلم أن المواقيت التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي مواقيت يستطيع المار من جهة الأربع الإتيان إلى البيت الحرام بالمرور عليها، وهي: ذو الحليفة وهي لمن جاء من العمرة ومن كان صوبها من ورائها، وقد وقّت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن يلملم، ووقّت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجد قرن المنازل، ولأهل الشام الجحفة، ووقّت عمر بن الخطاب لأهل العراق ذات عرق، وذلك أنه قال: (انظروا حذوها)، يعني: أنه ينبغي للإنسان أن ينظر حذو ما كان قريباً منه من غيره من المواقيت، فيحرم منه إذا كان على صوبه وموازياً له.

    المراد بمحاذاة الميقات

    والمراد بالمحاذاة ليس التوسط بين ميقاتين، وإنما المراد بذلك أن يكون الإنسان على صوب ميقات معين، وليس المراد بذلك التصويب من جهة المسافة قرباً إلى مكة، وإنما الموازاة، فأي ميقات أقرب إليك عن يمينك ويسارك فإذا وازيته فأحرم، ولهذا قال عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى: (انظروا حذوها)، فوقّت لهم ذات عرق، وقد جاء ذلك مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي صحته نظر.

    وينبغي أن يعلم أن مما يحاذي به الإنسان الميقات إذا كان على طائرة أو كان من جهة لا يأتي به إلى مكة على ميقات كالإتيان من جهة جدة ونحو ذلك، خاصة من يأتي من قبيل البحر، فلا حرج عليه أن يحرم منها.

    حكم الإحرام من الميقات

    والإحرام من الميقات من الواجبات، والإحرام في ذاته المراد به النية، أي: أن الإنسان شرع بهذا النسك أن يحرم به، وهذا النسك الذي يحرم به الإنسان، أي: أنه دخل وحرم عليه أشياء كثيرة بمجرد النية، وأما بالنسبة للباس فهذا من الواجبات، وأما النية فهي الركن.

    والإحرام من الميقات من واجبات الحج، فيجب على الإنسان ويتأكد في حقه أن يحرم من هذه المواقيت.

    الإحرام من قبل الميقات

    وأما إذا أحرم الإنسان من داره أو أحرم مبكراً قبل الميقات، وذلك على سبيل الاحتياط، كأن يكون الإنسان مسافراً بطائرة أو سيارة، ويمرون بالميقات مروراً، ويخشى أن القافلة إذا مرت أن يكون نائماً أو ساهياً، فأراد أن يحتاط قبلها بدقائق أو بساعة أو أكثر من ذلك، فيقال: إن ذلك جائز، ومجزئ عنه، والأولى أن يكون من الميقات.

    والذي يحرمُ ألا يتعدى الميقات إلا وهو محرم، وإن تعدى الميقات ولم يحرم وجب عليه أن يرجع، وأما إحرامه قبل الميقات فهو صحيح، وقد حكي الاتفاق على ذلك، ولم يخالف فيما أعلم إلا ابن حزم فإنه ادعى البطلان إلا إذا جدد إحرامه عند الميقات.

    وينبغي أن نعلم أن المحاذاة في المواقيت مفتوحة فيما يحتاجه الناس، فإذا كان الناس من أرباب القرى أو المناطق التي لا يمرون على مواقيت كبعض المناطق البرية؛ فإنه لا حرج عليهم أن يحرموا مما يحاذون به أقرب ميقات إليهم عن يمينهم وعن شمالهم.

    الإحرام من ميقات آخر

    وكذلك الإنسان إذا أحرم من غير ميقاته كأن يأتي الإنسان من نجد، ثم يتجاوزها إلى ميقات آخر كيلملم فإنه لا حرج عليه أن يتجاوزه إلى غيره لحاجة، ومن العلماء من منع ذلك.

    قصد مكة للعمرة والمصلحة

    وأما بالنسبة للإنسان إذا قصد العمرة أو قصد الحج قاصداً وله مصلحة في مكة أو فيما يجاورها كجدة، فإنه يجب عليه أن يحرم من الميقات.

    قصد مكة لغير النسك ثم إرادة العمرة بعد ذلك

    وأما المسألة الأخرى أن الإنسان لم يكن قاصداً للمسجد الحرام للنسك، وإنما كان قاصداً للعمل كالذين يخرجون أجراء أو رجال الأمن في أوقات المناسك ونحو ذلك، أو يكون للإنسان صلة رحم، أو يدعى إلى وليمة أو تجارة أو غير ذلك، فلم يكن قاصداً العمرة بذاتها، وإنما أراد أن يذهب إلى تلك الحاجة، ثم جعل العمرة تحتها، وإن لم يكن ثمة دعوة لم يذهب للعمرة منفرداً، فيقال حينئذٍ: إنه يذهب إلى ذلك الموضع، فإن قضى حاجته أحرم من مكانه إن كان دون الميقات، وهذه من المسائل التي لا أعلم من تكلم فيها من السلف.

    ميقات أهل مكة

    وأما بالنسبة للإنسان إذا كان في مكة، فنقول: أهل مكة من مكة، أعني: أهل مكة المقيمين فيها، وأما الوافد إليها، فإذا كان في الحل فإنه يحرم من مكانه، وإذا كان في الحرم فإنه يخرج إلى أدنى الحل، سواءً خرج إلى التنعيم أو غيره، ثم يحرم ثم يدخل.

    حكم من تجاوز الميقات

    ويحرم عليه أن يتجاوز الميقات الذي شرعه الله عز وجل له، وإن تجاوزه في ذلك أثم ووجب عليه أن يرجع، فإن شق عليه فقال: وصلت المسجد الحرام ولم أحرم، ويشق عليّ أن أرجع وأنا مع قافلة أو لا أجد مالاً ونحو ذلك، فيقال: يجب عليك أن تتوب، وأن تستغفر لوقوعك في هذه المخالفة، وهذا في حال العمد، وأما في حال العذر فهذه مسألة أخرى في قيام الجهل أو رفع القلم في حال نوم ونحو ذلك.

    1.   

    من أحكام الإحرام بالعمرة والتلبية لها

    الاغتسال عند الإحرام

    ويتأكد في حال الإنسان أن يغتسل عند إحرامه، وقد جاء عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله كما رواه الدارقطني وغيره، قال: (من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم وإذا أراد أن يدخل مكة).

    ومشروعية اغتسال الإحرام حكي الإجماع عليه، وقد نقل الإجماع في ذلك جماعة من العلماء كـابن المنذر، وهو قول الأئمة الأربعة، ونص عليه إبراهيم و عطاء و سعيد بن جبير و طاوس وغيرهم من العلماء، وليس بواجب بل هو من السنن المتأكدة، بل من العلماء من جعله آكد من غسل الجمعة، كما قال ذلك الإمام مالك رحمه الله، بل إن الشافعي رحمه الله وصف من ترك الغسل عند الإحرام بأنه مسيء، وقد جعل بعض العلماء عليه فدية، وفي ذلك نظر، بل هو قول ضعيف، ومن لم يجد الماء لا يتيمم، باعتبار أن الماء مقصود بذاته، وقد ذهب بعض العلماء إلى التيمم، وفي ذلك نظر.

    الاغتسال لدخول مكة

    وينبغي أن نعلم أن الاغتسال كما شرعه الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام عند الإحرام، كذلك فإن الله عز وجل شرعه له عند دخول مكة، وهذا من السنن المهجورة التي يغفل عنها كثير من الناس، بل حتى طلاب العلم عند دخول مكة قبل حدود الحرم، وقبل رؤيته للأعمدة عليه أن يغتسل ثم يدخل، والغسل في ذلك للرجل والمرأة على السواء.

    التجرد من محظورات الإحرام

    وينبغي للرجل أن يتجرد من محظورات الإحرام من المخيط وهي الثياب والسراويل وتغطية الرأس.

    كذلك يجتنب الطيب أو قص شيء من شعره وبشره وظفره، وألا يغطي رأسه، ويسن له أن يأخذ من أظفاره وشعره عند إحرامه، فهذا قد قال باستحبابه غير واحد، وهو ظاهر قول الله جل وعلا: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [الحج:29]، وذلك أن عليهم تفثاً، ولا يكون الإنسان عليه تفث في ذلك إلا بظهور هذا الشيء منه، وظهور هذا الشيء منه أن يأخذه عند الإحلال بعد الإحرام، يلازمه أن يظهر في ذلك الإمساك، أن الإنسان إذا كان في إحلال ثم أراد أن يدخل في الإحرام فيظهر منه التعبد، وذلك كحال السحور بالنسبة للإفطار، فإن السحور يشرع تأخيره حتى يظهر امتثال الإمساك، فيأكل في آخر الليل قبل الفجر، فإذا أذن توقف، كذلك فطره التعجيل فيه، كذلك يستحب للإنسان إذا كان عند إحرامه أن يأخذ، فإذا لبس أمسك يظهر في ذلك الامتثال، وكذلك في حال قضاء التفث.

    ما يجوز للمحرم فعله

    وينبغي للمحرم أن يعلم أنه يجوز له أن يصنع ما يشاء حال إحرامه من الأمور المباحة إلا ما دل عليه الدليل، وله أن يغسل رأسه، وأن يمس من أنواع الصوابين والمنظفات ما لم يكن فيها طيب، أي: ما صنعت طيباً في ذاتها، وأما ما كان فيه الروائح العادية كروائح الفواكه ونحو ذلك، فإن هذا لا يعد محظوراً في الإحرام؛ لأنه لم يكن مقصوداً بذاته.

    ويشرع له أن يتطيب عند دخوله في النسك للعمرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، كما جاء في الصحيحين عن عائشة قالت: ( كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم )، يضع الطيب على جسده، ولكنه لا يضعه على إحرامه، وإذا مس إحرامه وجب عليه أن يغسله.

    لبس الإحرام وصلاة ركعتين بعده

    ويسن له بعد غسله في الميقات أن يصلي ركعتين، إذا لم يكن ذلك وقت فريضة، والسنة في ذلك أن يجعل إحرامه بعد فريضة، وأن يتحين الإتيان وقت صلاة، وإن لم يكن وقت صلاة انتظر كما انتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليغتسل ثم يصلي ثم يهل بالنسك، والنبي صلى الله عليه وسلم صلى لإحرامه فريضة.

    وأما سنة ركعتين إذا كان الإنسان جاء في منتصف الليل أو جاء ضحى ونحو ذلك فلا حرج عليه أن يصلي صلاة نافلة ثم يحرم بعدها.

    الإهلال بالعمرة

    والإحرام يكون بعد الصلاة، فإذا قام الإنسان وقضى وضاع متاعه على راحلته ثم ركب فإنه يهل، وإذا أهل في مصلاه بعد الصلاة فهو حسن، وقد جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أهل عند الشجرة بعد أن قضى الصلاة، وأما من حكى أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالحج والعمرة بعد ارتفاعه على البيداء فذلك أنه لما رأوه قائماً، ولما كان قاعداً لم يكن حول النبي عليه الصلاة والسلام إلا قلة؛ لأن كل من كان معه كان منشغلاً بنفسه بصلاة وتهيئة متاع، والنبي صلى الله عليه وسلم كان حوله في ذلك قليل، وهذا مقتضى ظواهر النصوص.

    استدامة اجتناب محظورات الإحرام حتى الإحلال

    وكذلك ينبغي للإنسان أن يجتنب تلك المحظورات اجتناباً مستديماً حتى يحل؛ من حلق الشعر ومس الطيب، وتغطية الرأس، ولبس المخيط، وأن يجتنب الصيد، وخطبة النساء، ونكاح المرأة إن كان معه، وقص الأظفار، وكذلك قص الشعر، وهذا لا خلاف عند العلماء فيه من الأئمة الأربعة وأئمة السلف، وأن يكون مستديماً على ذلك لابساً للإزار والرداء.

    إحرام المرأة

    وأما بالنسبة للمرأة فإحرامها ليس في ثيابها، فتلبس من ثيابها ما تشاء، إلا أنها لا تلبس النقاب، ولا تلبس القفازين، ويجوز لها أن تغطي يديها بغير القفازين بطرف عباءتها أو بمنديل ونحو ذلك؛ لأن المراد بذلك هو اللباس المفصل على اليد وهو القفازات.

    وأما بالنسبة للوجه فإنه يحرم عليها أن تلبس النقاب بذاته، وأما الغطاء وهو ما يسمى بالغطوة التي تضعها المرأة على وجهها، فإن هذا يجب على المرأة عند الرجال، وينبغي للمرأة أن تحتاط في ذلك حتى ولو كانت محرمة، ألا تلبس النقاب، وإنما تلبس غطوة تامة ترى معه طريقها، وقد كان السلف الصالح في ذلك وأمهات المؤمنين يطوفون بالبيت حجرة على الرجال، أي: بعيداً عنهم حتى لا يختلطوا معهم، ولكن لما كثر الناس وصعب على الناس أن يحترزوا من ذلك لكثرة وسهولة السبل الموصلة إلى الحج كثر الوافدون إلى الحج، وشق على الناس هذا، فينبغي للإنسان مع ذلك ألا يتساهل، ولهذا كان الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه الأم يرى على المرأة إذا قدمت نهاراً أن تؤخر طوافها إلى الليل حتى لا يراها الرجال، وهذا كان سابقاً في حال الظلمة.

    وينبغي للمرأة أن تحتاط في جسدها وفي سترها ونحو ذلك، وقد كانت أم المؤمنين عائشة عليها رضوان الله ترشد بعض النساء أن تغطي وجهها ولو كانت محرمة، وقد جاء عند مسدد وغيره عن إسماعيل بن أبي خالد عن أمه وأخته عن عائشة أنها قالت: (إن امرأة هنا لا تغطي وجهها -يعني: في الحج- فقالت عائشة عليها رضوان الله تعالى: أخذت خمارها بيدها من على صدرها، ثم وضعته على وجهها، قال: أتصنع بي هكذا؟) يعني: تغطي وجهها إلا أنها لا تنتقب.

    تغطية الوجه للمحرم

    وأما بالنسبة لتغطية الوجه للمحرم، وكذلك للمرأة عند النساء، نقول: لا حرج للمرأة أن تغطي وجهها من غير حاجة، كذلك الرجل من وضع الكمام ونحو ذلك؛ لأن إحرام المرأة ليس في وجهها إلا في لبس النقاب.

    والرجل إحرامه في رأسه وتغطية الوجه جائزة، وقد جاء هذا عن جماعة من السلف، جاء عن عثمان بن عفان و جابر بن عبد الله و عبد الرحمن بن عوف ، و زيد و ابن الزبير و سعد بن أبي وقاص وغيرهم من السلف، يقولون بتغطية وجه المحرم، فإذا وضع كماماً عن الأدخنة والأبخرة أو الحرارة أو نحو ذلك أو وضع منديلاً أو أراد أن ينام فإنه يغطي وجهه، ولكن لا يغطي شعر رأسه، هذا لا حرج فيه، ولا أعلم في ذلك نهياً صريحاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما ما جاء في حديث عبد الله بن عباس في الرجل الذي وقصته ناقته، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا أو لا تغطوا وجهه )، فهذه الزيادة غير محفوظة، وقد علق غير واحد كـالبخاري رحمه الله.

    كذلك يدخل في هذا اللثام بالنسبة للمرأة، فإنه لا حرج عليها أن تلتثم حتى عند النساء من غير حاجة، وأما بالنسبة لها عند الرجال، فإنها تغطي وجهها من غير نقاب.

    ويحرم على الرجل لبس المخيط من السراويل أو الثياب أو ما هو مفصل على القدم كالشراب أو القفاز في اليدين، فإن هذا مما هو منهي عنه.

    وإذا لم يجد الإنسان النعال أو فقد نعاله ولم يجد معه في متاعه إلا شراباً فلا حرج عليه، وأن ينزله أسفل الكعبين، كذلك الخف.

    سوق الهدي للعمرة

    ويتأكد في حقه أن يسوق الهدي كما ساقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من السنن المهجورة التي ربما يستطيعها بعض الناس خاصة في الأماكن القريبة من مكة، أي: يسوق الهدي معه، فيأخذه في سيارته ونحو ذلك لعمرة، وهنا مسألة سوق الهدي بالنسبة للعمرة، وهذا من السنن المهجورة؛ لأن العمرة فيها هدي، فيتأكد على الإنسان أن يهدي في عمرته، وهذا ليس على سبيل الوجوب، والدليل على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام في عمرته حينما ذهب عام الحديبية كان معه هدي، فلما حصرت نحر الهدي وهو ذاهب إلى العمرة، ولم يكن ذاهباً إلى الحج، فينبغي للإنسان أن يهدي، ومن لم يسق الهدي فلا حرج عليه أن يهدي في حال عمرته في الحرم، فيذبح، وهذا من الأمور التي يغفل عنها كثير من الناس.

    الإهلال بالعمرة وصيغه

    والإهلال الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله هو أن ينوي الإنسان العمرة وإن كان حاجاً ينوي الحج، فيقول: لبيك اللهم عمرة، وإذا أراد الحج يقول: لبيك اللهم حجاً، وإذا أراد حجاً وعمرة يقول: لبيك اللهم حجاً وعمرة، وأما قول المتمتع: (لبيك اللهم عمرة متمتعاً بها إلى الحج) فهذا لا يصح فيه شيء.

    وأما بالنسبة للإهلال، فإنه يقول الصيغ التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآكدها أن يقول الإنسان: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك)، وكذلك جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: ( لبيك إله الحق ) كما رواه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ، وأن يقول بما جاء عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جاء عنهم جملة من أنواع التلبية، فكان عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى يقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، لبيك مرغوباً أو مرهوباً، لبيك ذا النعماء والفضل الحسن)، وجاء عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله أنه كان يلبي كما كان يلبي النبي عليه الصلاة والسلام، ويزيد على ذلك: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، ثم يزيد على ذلك تلبيته الخاصة، فيقول: (لبيك وسعديك، والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل)، وقد جاء مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه يلبي، والناس يزيدون ويقولون: (لبيك ذا المعارج)، كما جاء في المسند وأبي داود عن جابر بن عبد الله ، وجاء عن أنس بن مالك أنه كان يقول في تلبيته: (لبيك حقاً حقاً، تعبداً ورقاً)، يرفع الرجال أصواتهم في ذلك، ويعيدون التلبية بين فترة وأخرى، فإذا علوا شرفاً أو نشزاً أو هبطوا وادياً أعادوها.

    تلبية المرأة

    وأما المرأة فإنها تلبي بينها وبين صاحباتها، وإذا لم يكن لديها إلا نساء ولم يكن ثمة رجال فإنه يشرع لها ويتأكد في حقها أن تلبي وترفع صوتها، وقد روى ابن أبي شيبة وغيره من حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أنه قال: (خرج معاوية ليلة النفر، فسمع صوت تلبية، فقال: من هذه؟ قالوا: عائشة ؟ اعتمرت من التنعيم، فذكر ذلك لـعائشة عليها رضوان الله تعالى، فقالت: لو سألني معاوية لأخبرته)، وهذا فيه إشارة إلى أنها كانت تلبي وتلبي عند أبنائها، فإنها أم المؤمنين عليها رضوان الله.

    عقد النية حال التلبية

    وينبغي للإنسان أن يعقد النية مع تلبيته، والنية تكون بالقلب، والجهر يكون بالنسك والتلبية.

    وكذلك ينبغي للإنسان ألا يكرر النسك، وإنما يقوله مرة واحدة، يقول: لبيك عمرة، ويسكت، وأما التلبية فهي التي يغاير بينها.

    النيابة في العمرة

    وينبغي للإنسان إذا كان نائباً عمرة عن أحد بعينه أن يلبي عنه، فيقول: لبيك اللهم عن فلان، أو نحو ذلك، فإن هذا هو الذي ثبت عن عبد الله بن عباس وغيره، وقد جاء مرفوعاً وفي صحته نظر.

    والنيابة في العمرة جائزة كالنيابة في الحج في حال العاجز، أما العمرة عن المستطيع أو المشغول بالدنيا فإن هذا لا يجوز، ولا يقبل ذلك، والعمرة تكون عن العاجز أو الميت أو نحوهم، كأن يكون الإنسان حبيساً أو به مرض لا يرجى برؤه ونحو ذلك.

    ويتأكد الإنسان إذا غلب على ظنه أنه يحبس في العمرة أو يخشى من بداية مرض أو نحو ذلك، أو المرأة تخشى إتيان عدتها في حال إحرامها للعمرة، وأن القافلة لن تنتظرها، فيشرع لها أن تشترط، واشتراطها أن تقول: اللهم محلي حيث حبستني، أي: متى حبستني فينتهي النسك، وإذا اشترطت فلا عليها شيء ولا يجب عليها فدية، ولا يجب عليها شيء من ذلك، وليس على إحرامها آثار، وإذا لم تشترط فيجب عليها حينئذٍ الدم، والاشتراط يكون لمن غلب على ظنه أن مرضه سيستمر معه كالمرأة تكون حاملاً، وتخشى أن تضع، أو المرأة تكون على وشك الحيض، ولا تدري متى يأتيها الحيض، أو الرجل يخشى أن يحبس، أو تضيع النفقة بوجود قطاع طريق أو نحو ذلك، أو يحبس من غير ذلك السبب بأي نوع من أنواع الحبس، فإنه لا حرج عليه أن يشترط.

    1.   

    المشروع عند دخول المسجد الحرام ورؤية البيت

    وينبغي للإنسان أن يؤدي العمرة كما جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة العمل، وقد تقدم الإشارة معنا في الكلام على مسألة الاغتسال عند حدود الحرم، وهذا من السنن المهجورة.

    وينبغي أن يغتسل لدخول مكة كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث نافع: (أن عبد الله بن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكة نهاراً)، وهذا من السنن المهجورة.

    ويشرع له أن يدخل مكة من الثنية العليا، وإذا خرج مكة أن يخرج من الثنية السفلى؛ لثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث نافع عن عبد الله بن عمر .

    وإذا دخل المسجد الحرام لا يشرع له أن يشير بيده، أو يقول ذكراً معيناً عند رؤية البيت، أو يلوح كهيئة المسلم ونحو ذلك، أو تقبيل الكفين ونحوه، فإن هذا مما لا دليل عليه، ويفعله كثير من العجم عاطفة، وكثير من العرب أيضاً، وقد جاء في ذلك رفع اليدين ولا يصح فيه شيء.

    وقد جاء عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا رأى البيت قال: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام) وإسناده صحيح عن عمر ، وقد جاء معضلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث ضعيف أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: ( اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبراً )، وهذا الحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وينبغي للإنسان أن يبادر بالإتيان بها وألا يؤخرها، وذلك أن الإنسان إذا قدم إلى العمرة وأراد أن ينزل متاعه ونحو ذلك استطاع أن يأتي بالعمرة ابتداءً، فهذا هو الآكد، وإذا لم يستطع حتى ينزل متاعه، ويؤمن من معه إذا كان معه قافلة أو نساء ونحو ذلك، ويستأجر له مكاناً أو كان متعباً منهكاً ويريد النوم فلا حرج عليه في ذلك، والمبادرة هي السنة.

    1.   

    من أحكام طواف العمرة

    والطواف الذي يأتي به هو طواف العمرة، وهو ركن من أركانها.

    قطع التلبية بالطواف

    ويقطع التلبية عند دخوله حدود الحرم، وهذا جاء عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى، كما جاء في البخاري من حديث نافع عن عبد الله بن عمر ( أنه كان إذا دخل أدنى الحل أمسك عن التلبية، ويحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ).

    الطهارة حال الطواف

    ثم يشرع في الطواف، ويفعل ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يبتدئ بالطواف، وأن يكون متطهراً، وهذا هو السنة، وهو سنة وليس بواجب، وقد جاء عن عبد الله بن عباس مرفوعاً، والصواب فيه الوقف: ( الطواف بالبيت صلاة )، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر بالتطهر، وإنما هو من فعله عليه الصلاة والسلام.

    استلام الركن والحجر

    ويشرع له أن يستلم الركن، وأن يذكر الله عنده، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يقول: الله أكبر، والركن يتسع المحاذاة له كلما ابتعد الإنسان اتسعت الدائرة، وكلما قارب منه ضاق، فيقول: الله أكبر، إذا لم يستطع الاستلام، وإن استطاع أن يستلم فيستلم الحجر، فيقول: بسم الله والله أكبر، وأما غير ذلك فلا يشرع، كأن يقول: بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك، فإن هذا لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وكذلك أن يقبل الحجر، وهذا هو السنة، وأما السجود عليه وأن يضع جبهته عليه فهذا لم يثبت فيه عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء، وإنما جاء في ذلك عن جماعة من الصحابة، وإذا لم يستطع مس الحجر بيده وقبل يده، أو مسه بعصاه وقبل العصا، أو رمى رداءه وقبل الرداء، فإن هذا جاء عن عبد الله بن عباس .

    وأما بالنسبة أن يستقبل بجسده الحجر، فهذا قد جاء عن بعض السلف، جاء عن أنس بن مالك ، كما جاء عن عاصم قال: (رأيت أنس بن مالك يطوف بالبيت؛ حتى إذا حاذى بالحجر نظر إليه والتفت إليه فكبر)، وكذلك جاء عن غيره من السلف، كـسعيد بن جبير ، وأما بالنسبة للنظر إليه والالتفات فهذا مشروع أيضاً.

    وينبغي للإنسان أن يبتعد عن الزحام وأذية الناس، فـعبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى زحم الحجر حتى رعف أنفه، ثم لم يعد مرة أخرى؛ لأن فيه إيذاءً للناس، وينبغي للإنسان أن يعلم أن عدم إيذاء الناس أولى من إتيان الناس بالسنن.

    وما يستلمه من أركان هو الحجر الأسود والركن اليماني، وأما بقية الأركان فلا يستلمها ولا يشير عندها.

    ولا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر في الطواف إلا ما كان بين الركنين، فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    الرمل والاضطباع

    ويستحب له أن يرمل وأن يضطبع، وأما بالنسبة للرمل فهو أن يجري الإنسان جرياً شديداً، فيرمل ثلاثة أشواط، ويمشي الأربعة الباقية، وأما الاضطباع فهو أن يظهر كتفه الأيمن، ويرمي بطرفي إحرامه على منكبه الأيسر، وهذا كله سنة، وأما الرمل لأهل مكة فلا يشرع، والصواب أنه للآفاقيين، كما جاء عن عبد الله بن عمر ، كما روى ابن أبي شيبة وغيره أنه قال: (لا يرمل أهل مكة)، أو من أهل من مكة، فإنه يأخذ نفس الحكم.

    الذكر والدعاء وقراءة القرآن حال الطواف

    ويستحب له أن يكثر من ذكر الله عز وجل في الطواف بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام مما تقدم الكلام عليه بين الركنين، وكذلك جاء عن عبد الرحمن بن عوف كما روى ابن عساكر في تاريخ دمشق، أنه كان يقول في طوافه: ( ربي قني شح نفسي.. ربي قني شح نفسي )، وأما ما عدا ذلك فلم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وقراءة القرآن في الطواف لا أعلم عليها دليلاً، وينبغي للإنسان أن ينشغل بالذكر والدعاء، وقد كره غير واحد قراءة القرآن في الطواف، كما جاء عن أحمد ومالك ، وبعض العلماء استحبه كـالشافعي و ابن مبارك وغيرهم، بل كان مجاهد رحمه الله يعرض القرآن على عثمان بن الأسود وهو يطوف.

    هيئة الطواف

    ولا حرج على الإنسان أن يطوف راكباً وماشياً أو محمولاً، وطوافه في ذلك صحيح على الصحيح من أقوال أهل العلم.

    ولا حرج عليه أن يتكلم في أمر الدنيا في حال الطواف، أن يسأل عن متاع، أو يتكلم في مسألة علمية ونحو ذلك، فإن أبا العالية يقول: (كان ابن عباس يعلمني لحن الكلام وأنا أطوف)، والمراد بذلك العربية.

    الطواف بالنعال

    ولا حرج عليه أن يطوف بالنعال إذا كانت نظيفة، وقد جاء عن أبي هريرة عليه رضوان الله كما روى الإمام أحمد و الفاكهي من حديث زياد الحارث عن أبي هريرة ( أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام وعليه نعليه عند المقام )، وكان ابن الزبير يطوف في نعليه، كما رواه عنه عبد الله بن شريك ، وأما إذا كان في النعال شيء أو يخشى الإنسان مفسدة أن يراه بعض العامة ممن لا يعلم الأحكام، فينبغي له أن يبتعد عن مواضع الشبهة.

    كذلك إذا ظن ولو ظناً يسيراً أن في نعليه أذىً، فعليه أن يبتعد عن ذلك حتى لا يؤذي الأرض؛ لأن الأرض ليست كسابق تراب، وإنما هي رخام، وفيها فرش، فربما تتأذى ويتأذى الناس من ذلك، وقد روى الفاكهي عن مروان بن الأصفر قال: (رأيت طاوساً يأتي المسجد، فإذا بلغ الباب نزع نعليه، وأخرج نعلاً له أخرى، فلبسها ودخل فيها)، يعني: أن له نعالاً جديدة يلبسها للطواف، وهذا فيه التوقي.

    وينبغي للإنسان أن يستلم الحجر في كل شوط على ذلك النحو، وأن يطوف سبعاً على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ما يشرع بخصوص الملتزم

    وأما الملتزم فلم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو ما بين الباب والحجر، والتزامه لم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام، وإنما جاء عن بعض الصحابة، فإنه جاء عن عبد الله بن عباس أنه كان يتعوذ بين الركن والباب كما رواه مجاهد بن جبر عنه.

    الصلاة خلف المقام

    والسنة له بعد ذلك أن يصلي خلف المقام؛ امتثالاً لقول الله عز وجل: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، وهذه الآية ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام على سبيل الاستدلال، ولم يذكرها كالسنية، كذلك عند شروعه في الطواف، إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158]، ينبغي للإنسان أن يعلم أن هذه الآية ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام استدلالاً، وكثير من الناس والذين يصنفون في هذا يذكرون أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158]، ولا يذكرون السنية، وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، مع أنها جاءت في سياق واحد، ولهذا نقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام ذكرها امتثالاً لأمر الله.

    النظر إلى الكعبة

    ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه وقف ينظر إلى الكعبة متأملاً، ولم يثبت أن النظر إلى الكعبة عبادة، وإنما يفعله الإنسان إذا وجد رقة في قلبه أو نحو ذلك، فلا حرج عليه، أما تعبداً في ذاته فلا.

    وينبغي أن يصلي الركعتين خلف المقام، ويقرأ بما شاء، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قرأ بسورة الإخلاص، بـ(قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد) بهما، والحديث في ذلك معلول، قد جاء في حديث جابر وفيه شك، وجاء من وجه آخر، وعله غير واحد من العلماء، فقد أعله أبو داود وغيره.

    السترة في الحرم

    وكذلك ينبغي أن يعلم أن مسألة السترة للمصلي في صلاة الحرم يخفف فيها ما لا يخفف في غيرها، وهذا ذهب إليه جماعة من السلف، كـقتادة والحسن وأبي جعفر وغيرهم، ولهذا سميت مكة مكة؛ لأن الرجال يصلون أمام النساء، والنساء أمام الرجال.

    وينبغي للإنسان بعد صلاة الركعتين أن يرجع إلى الركن وأن يستلمه، فإن استلامه في ذلك سنة، وهذا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجه.

    1.   

    السعي بين الصفا والمروة

    ثم يبدأ بالسعي بين الصفا والمروة، والسنة أن يبدأ بالصفا، والبداءة بها واجبة، وإذا بدأ بالمروة فسعيه ذلك لاغٍ، وأن يسعى سبعة أشواط، ولا يشترط للسعي طهارة، والسعي على الصحيح ركن من أركان العمرة، وإذا أراد الإنسان أن يتنفل بالطواف بعد عمرته فلا حرج عليه، أما التنفل بالسعي فلا، وما يفعله بعض العامة أنهم يتنفلون بالسعي، فهذا لا دليل عليه، بل هو من الإحداث.

    الصعود على الصفا والمروة

    وينبغي له أن يصعد على الصفا والمروة، وأن يفعل ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفع يديه.

    والمرأة ينبغي لها ألا تبرز على الصفا وإنما ترقى وتصعد أدناه، وقد جاء عن عبد الله بن عمر قال: (لا تصعد المرأة فوق الصفا والمروة، ولا ترفع صوتها بالتلبية).

    استقبال البيت والدعاء على الصفا

    وينبغي أن يستقبل البيت عند دعائه، وأن يفعل ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان إذا كان على الصفا رفع يديه ويقول: ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده )، يقول هذا ثلاثاً، ثم يدعو بينها دعاءً طويلاً.

    وصح عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى فيما رواه مالك وغيره، أنه كان يدعو على الصفا يقول: ( اللهم إنك قلت: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] وإنك لا تخلف الميعاد، وإني أسألك كما هديتني للإسلام ألا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم )، وقد جاء التكبير على الصفا سبعاً بين كل تكبيرة، حمداً وثناءً ودعاءً وصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء هذا عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله، وقد جاء عن عبد الله بن عمر كما عند البيهقي أنه كان يكبر ثلاثاً ويدعو طويلاً، وقد جاء عن إبراهيم النخعي أنه حكى عن أصحاب عبد الله بن مسعود أنهم يقومون قدر خمس وعشرين آية على الصفا والمروة.

    ويستحب أن يرفع يديه كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله حينما قدم مكة يوم الفتح فطاف وسعى ورفع يديه على الصفا ).

    الذكر بين الصفا والمروة

    وينبغي أن يذكر الله عز وجل في حال سعيه، فقد كان عبد الله بن مسعود إذا نزل من الصفا مشى حتى أتى الوادي وجعل يقول: (رب اغفر وارحم وأنت الأعز الأكرم)، وأما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يثبت من ذلك شيء.

    وإذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى سعياً شديداً، في العلمين الأخضرين، وقد أضيئت بنور حديث يظهر فيه العلم، وكان ذلك بطن الوادي، سواءً كان الإنسان ساعياً على قدميه وهو الأفضل إذا كان مستطيعاً، أو كان محتاجاً فكان على عربة أو كان محمولاً كالصبي أو المريض أو المجنون على الأكتاف ونحو ذلك، فإنه لا حرج عليه.

    الاضطباع في السعي

    والاضطباع إنما يكون في الطواف، ولا يكون في السعي، ولا يشرع ولا دليل عليه في السعي.

    ويفعل الإنسان في المروة ما فعل على الصفا.

    1.   

    الحلق أو التقصير

    فإذا انتهى من المروة يحلق رأسه ويبادر بذلك، والسنة الحلق، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( اللهم ارحم المحلقين.. اللهم ارحم المحلقين.. اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله! قال: والمقصرين )، وتكرار الدعاء للمحلقين دليل على فضل التحليق على التقصير.

    والحلق يدخل في ذلك ما يكون بالآلات الحديثة التي تستعمل آلة الحلاقة التي تظهر شيئاً يسيراً من الشعر وتسمى بالدرجات بالواحد والاثنين ونحو ذلك، أرى أن هذه حلقة، ولذلك فإن السابقين لم يكن لديهم هذه الأمواس الناعمة التي تزيل الشعر من أصله، وإنما كان لديهم ما يظهر منه شيء من الشعر، وهذا هو الاستئصال، وهذا هو الحلق.

    وأما التقصير فهو أن يأخذ الإنسان من أجزاء شعره أو أكثر شعره ويبدي شيئاً من الشعر بارزاً، فإن هذا هو التقصير.

    وأما الأصلع الذي ليس فيه شعر ونحو ذلك، فالأولى أن يمر الموسى على شعره كما جاء عن عبد الله بن عمر أنه سئل عن ذلك، فقال: (يمر الموسى على رأسه)، وقد نقل الإجماع على ذلك، ومن قال بالوجوب فإنه لا دليل عليه.

    والصلاة إنما هي بعد الطواف، وأما بعد السعي فلا صلاة في ذلك وأما فعله بعد حلقه، فيقال: قد انتهى من العمرة.

    1.   

    نحر هدي العمرة

    والسنة في ذلك أن ينحر هديه في حال العمرة في أي زمن كان وفي أي شهر كان جاء معتمراً، فالسنة السنة أن ينحر الهدي، وإذا لم يستطع الإنسان أن يهدي فلا حرج عليه؛ لأن الهدي في العمرة سنة، وإن غفل عنه كثير من الناس وهجره عامة الناس.

    1.   

    الحذر من ارتكاب محظورات الإحرام

    وينبغي للإنسان في حال إحرامه من ابتدائه حتى انتهائه أن يحذر محظورات الإحرام من الصيد، ويبتعد عن المحظورات الأخرى التي تتعلق بالحرم؛ من قطع الشجر البري؛ بخلاف شجر الزينة الذي يزرع في الحدائق ونحو ذلك، فإن هذا ليس من الشجر المحظور، وكذلك الصيد ونحو ذلك، فإن هذا من الأمور المحظورة التي ينبغي للإنسان أن يبتعد عنها.

    وبهذا تكون عمرة الإنسان تمت، وهذا على سبيل الاختصار والإجمال.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لمرضاته، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.