إسلام ويب

العزائم والرخصللشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإسلام دين اليسر، ولهذا كان الواجب على المرء تجاه الأوامر الالتزام بها قدر استطاعته؛ لأن فيها مشقة, بخلاف النواهي فإنه يجب على المرء اجتنابها جميعاً؛ لأن الترك سهل لا مشقة فيه. والأخذ برخص العلماء الأصل فيه عدم الجواز, ويحرم الأخذ بالرخص من غير معرفة دليلها لمن كان قادراً على ذلك. ومن أباح من العلماء بأخذ الرخص فقد وضع لذلك شروطاً وضوابط.

    1.   

    الإسلام دين اليسر

    الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن الله سبحانه وتعالى قد جعل هذا الدين دين يسر وسهولة, ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن هذا الدين يسر, ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ), وقد جاء في ذلك من الآيات ومن الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء كثير جداً.

    ويكفي أن الأصل المتقرر أن الله سبحانه وتعالى ما جاء بهذا الدين, وأنزل كتابه العظيم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, وجعل الأوامر والنواهي إلا رحمة بالناس, وشفقة عليهم, ومقتضى الشفقة والرحمة هو أن يكون الدين يسيراً سهلاً, واليسر والسهولة مآلها ومردها إلى إدراك أصحاب الفطر السليمة, وليس الشاذة، ومن نظر إلى الآيات من كلام الله سبحانه وتعالى, وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب؛ وجد شيئاً كثيراً مما لا يمكن للإنسان أن يحصيه في كتاب.

    ومن ذلك ما قاله الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185], وقول الله جل وعلا: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78], وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث كثيرة, منها ما رواه البخاري من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن هذا الدين يسر, ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ).

    ومن ذلك أيضاً ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متنعتاً, وإنما بعثني ميسراً ), وكذلك ما رواه الإمام مسلم من حديث جابر بن عبد الله : ( أن خذوا برخصة الله التي رخص لكم ).

    وكذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده, بنحو حديث جابر بن عبد الله عليه رضوان الله تعالى, وفيه: ( إن خير دينكم أيسره ), وذلك لرجوعه إلى الأصل العظيم, وهو اليسر, وعليه بنيت الشريعة, وإليه مآل سائر الأحكام, وإن خالف في ذلك بعض أصحاب الأضواء وأصحاب النظر البعيد عن الشرع, باتهام تكاليف الشرعية بأنها شاقة, ويكفي في ذلك قول الله سبحانه وتعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    شريعة الله جاءت كاملة, متكاملة لا نقصان فيها, كاملة من جميع الوجوه باشتمالها على سائر الأحكام الشرعية من غير نقصان, وكذلك بتحقيق سائر المقاصد, والشرع ما ترك مقصداً من المقاصد العظيمة إلا وقد جاء بتتميمها, ويدخل في هذا كله قول الله سبحانه وتعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].

    شريعة الله أصلها التيسير, ولما كان الإنسان هو الذي ينظر إلى التكاليف وإليه مرد المشقة والتيسير, كان الإسلام دين الفطرة, وهي التي فطر الله عز وجل الناس عليها, كما قال الله جل وعلا: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30], وكما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة : ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة, فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ), وهذا أصل التسهيل والتيسير في دين الله؛ وذلك أن فطرة الله التي فطر الناس عليها موافقة للنصوص, وهذا أعظم التيسير؛ أن يأتي التكليف موافقاً لرغبة الإنسان وفطرته, فلا يكون فيه كلفة, وهذا معلوم ملموس.

    ويكفي في هذا قليل من إمعان النظر لإدراك حكمة الله عز وجل في جعل أوامر الشرع موافقة لفطرة الإنسان, فكان التكامل في هذا علامة ظاهرة ليسر هذا الدين وكماله وعدم مشقته؛ ولهذا نفى الله عز وجل المشقة على الإطلاق: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    1.   

    الحكمة من التشديد في المنهيات أكثر من المأمورات في الشريعة

    من نظر إلى الشريعة الإسلامية من جهة الإجمال وجد أن الشريعة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: مأمورات.

    والقسم الثاني: منهيات, ويدخل في المأمورات ما كان على وجه الإلزام والتأكيد, وما هو دون ذلك, وكذلك المنهيات، يدخل فيها ما كان على سبيل الإلزام والتأكيد, وما هو دون ذلك.

    ويخرج من هذا -على قول بعضهم- الأصل؛ وهو ما كان أصله الإباحة, فهذان الأصلان: المنهيات, والمأمورات, من نظر فيهما وجد أن عليهما تدور أحكام الشرع, وكذلك في حال المقارنة يجد الإنسان أن الله عز وجل قد أكد النواهي وشدد فيها أكثر من تشديده على المأمورات؛ وذلك أن المأمور يلزم منه تكلفة ومشقة, بخلاف المنهي, فإنه لا يلزم منه تكلفة ومشقة, فإن الإنسان الأصل في فطرته العجز, والله عز وجل قد وهبه القدرة, فلما كان النهي يقتضي الامتناع والكف, وهو الموافق لحال الإنسان من غير هبة الله عز وجل له القدرة, كان النهي أشد من هذا الباب؛ لكون التيسير فيه أظهر وأبين, بخلاف المأمور فإنه يلزم له القوة والإدراك, وكذلك التكليف, فكان حينئذ الأمر من جهة الشرع أهون بالنسبة للمنهيات, وهذا ظاهر, فإن من نظر إلى الآي من كلام الله سبحانه وتعالى, وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وجد هذا ظاهراً.

    لهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم, وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ), فأكد على الاجتناب, وعلق الأمر بالاستطاعة في الأمر؛ لأن الأمر في قوله عليه الصلاة والسلام: ( إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ) يقتضي كلفة ومشقة فضلاً عن الأصل الذي خلق عليه الإنسان وهو العجز.

    وأما النهي فإنه يجب على الإنسان أن ينتهي عنه جملة؛ لأن الأصل في حاله العجز, فكانت المنهيات في الشرع آكد وأشد تأكيداً من المأمورات, وعليه يقال: إنه ينبغي للعالم والمفتي أن يؤكد في جانب المنهيات أعظم وأشد من المأمورات؛ وذلك لأن الغالب أن المأمورات تتعلق بها المصلحة الأخروية وإن وجد شيء كثير مما يخالف هذا, وأما المنهيات, فتتعلق بها المصلحتان: المصلحة الدنيوية والأخروية, وهذا ظاهر؛ ولهذا كانت كثير من المفاسد التي نهى الله سبحانه وتعالى عن الوقوع فيها, مما يتعلق بحقوق العباد بعضهم مع بعض, وهذا ظاهر, فلو نظر الإنسان وسبر ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نهي وتشديد, لوجد أنه مما يتعلق بمصالح الناس في الدنيا, وما يكون من تأكيد يجد أنه بالجملة مما يتعلق بمصالح الإنسان الأخروية, وعليه جاء الدين كاملاً متكاملاً, بحفظ الدين والدنيا.

    وهذا معلوم قد نص عليه قد غير واحد من الأئمة عليهم رحمة الله, وقد جاء ما يدل على هذا الأصل من كلام الله سبحانه وتعالى, وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لهذا كانت حماية جناب الشريعة من المهمات العظيمة, فاحترز الشرع في باب المنهيات أعظم من احترازه في باب المأمورات؛ حفاظاً على مصالح الناس, وكذلك حفظاً للضروريات الخمس, وتأكيداً على صيانتها, وكذلك منعاً لما يترتب من تجاوز على هذه المنهيات ومن تعد عليها, ومن حصول مفاسد عظيمة في الدين والدنيا.

    ولذلك وجب على المفتي والعالم, ومن أراد أن يتفقه في دين الله: الاحتراز في الفتوى من القول على الله عز وجل بلا علم؛ لأنه موقع عن الله, وموقع عن رب العالمين, وكأنه قد نصب نفسه مقام المشرع عليه الصلاة والسلام, فكان مقامه من أعظم المقامات وأشدها في الدين, فوجب عليه الاحتراز.

    1.   

    أهمية أخذ العلم ممن قرب من فترة الوحي

    لهذا كان المرد والمآل في سائر النصوص إلى كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إلى كلام غيره, وقد كان السلف يشددون في النقل عن غير الصحابة عليهم رضوان الله تعالى, فيأمرون بالأخذ بكلام الله, وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكلام الصحابة عليهم رضوان الله تعالى, ويحذرون عن الأخذ عمن دونهم؛ وذلك أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ عمن قرب من الوحي.

    لهذا قال الإمام أحمد -وكذلك قال الأوزاعي- قال: العلم كلام الله, وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: واكتبوا قول الصحابة, ونهى عن كتابة قول التابعين؛ وذلك أن الخطأ والوهم والغلط يقع فيهم أكثر من الصحابة, وكلما تباعد الناس عن الوحي كلما وقعوا في الوهم والغلط؛ ولهذا كلما جاء قرن بعد قرن, أمروا بأن يكتبوا عمن كان قبلهم, ولا يكتبوا عمن كان في عصرهم؛ لأنه كلما تأخر الناس زمناً كثر الفساد في الأرض, وكثر القول على الله عز وجل بلا علم, فوقعوا في الخطأ والزلل, وفيما يخالف أمر الله عز وجل, ويخالف نهيه.

    ولهذا كان ابن شهاب الزهري -وهو من متأخري التابعين- يكتب أقوال الصحابة ويترك أقوال التابعين, وخالفه صالح بن كيسان في ذلك, فكان يكتب أقوال الصحابة, ويكتب أقوال التابعين, فلما كان في القرن السابع كما يقول الحافظ ابن رجب عليه رحمة الله تعالى: كان متحتماً على من رام علماً أن يكتب أقوال الصحابة, وأقوال التابعين وأتباعهم, وأقوال الأئمة, كالإمام أحمد و الشافعي و إسحاق و أبي عدي وغيرهم.

    وهؤلاء بأقوالهم يتبين للإنسان معرفة الحق والصواب من الباطل والخطأ؛ وذلك أنه بأقوال هؤلاء الأئمة يعرف الأدلة؛ لأنهم أصحاب نور وهداية وتمسك بالوحي؛ لهذا كان العلماء يجعلون من شروط المفتي أن يكون عارفاً عالماً بالخلاف, عالماً بأقوال العلماء على تباين أحوالهم, وقد جعل هذا شرطاً في المفتي غير واحد من الأئمة, كالإمام أحمد وكذلك ابن مهدي و ابن المبارك و الخطيب , وغيرهم من الأئمة, قالوا: إنه لا يتأهل المفتي للفتوى حتى يكون عالماً بأقوال الناس.

    وقد سئل الإمام أحمد عليه رحمة الله عمن لديه السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكنه لا يعرف الصحيح من الضعيف, ولا يعلم أقوال الناس, هل يفتي؟

    فقال: لا، وإنما يسأل أهل العلم, وكأنه ما جعله من أهل العلم, حتى يعرف الصحيح من الضعيف من هذه السنة, وكذلك يميز بين أقوال العلماء المتشدد منهم والمتساهل.

    ولما بعد الناس عن هذه الأصول, وجهلوا شروط المفتين, والتماس الحق بشروطه وانتفاء موانعه, كثرت الأقوال الشاذة في دين الله, تمسكاً بأقوال فلان بن فلان, وأقوال العالم الفلاني, أو الجهة الإفتائية الفلانية, مع مخالفة الدليل وظهور الأدلة من الكتاب والسنة, فكان الحق مطية يتمطى بها كل من رام أن يأخذ بالرخصة, مع ظهور الدليل عنده, تمسكاً بقول فلان, ونحو ذلك, وهو يجهل شروط المفتين, وأهلية المفتي للفتوى, وغير ذلك.

    ولهذا ربما كثر عند بعض الناس القول بالشاذ والإفتاء به, ومخالفة الدليل من غير سبب, وهذا لا شك أنه قد اجتمع فيه كثير من الشر, بقدر اجتماع الشاذ من القول فيه.

    1.   

    أسباب الزلل في الفتوى وأخذها

    وكثير من الناس يقع في الوهم والزلل وعدم الإدراك للصواب, فيأخذ بطرق يظن أنه على الحق فيها, والزلل الذي يقع عند المفتين, وكذلك من ينصب نفسه مكان المشرع, ويفتي في شرع الله بأقوال عباده ويتنكب الدليل, والمزالق في ذلك كثيرة, لكن ليست كلها بسبب سوء النية, أو التعدي على الشرع, أو النظر في الترخص والمباحات، لا, ولكنه يكون بعضها بالجهل, وعدم الاحتراز لجناب الشريعة والعناية بالدليل, فإن أعظم المزالق التي ينزلق فيها كثير ممن يقول بخلاف الحق, ويتنكب الدليل, هي لعدم معرفته بالصحيح من الضعيف من السنة, ومن كانت حاله هذه فليس أهلاً للفتيا, حتى يميز صحيح الأثر من ضعيفه.

    وقد نص على هذا غير واحد, بل حكموا بأن من كان حاله على هذه الحال أنه لا يجوز له أن يفتي, ويجب عليه أن يسأل أهل العلم العارفين بالصحيح من الضعيف من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد نص على هذا عبد الرحمن بن مهدي , وكذلك الإمام أحمد و ابن المبارك و الخطيب البغدادي وكذلك ابن القيم , وكذلك الإمام الشافعي في مواضع من مصنفاتهم عليهم رحمة الله, أنه إذا كان العالم لا يملك آلة التصحيح والتضعيف, ولا يميز الصحيح من ضعيفه, فهذا ليس أهلاً للفتيا, وهو داخل في دائرة العوام من جهة التقليد, وهو مقلد لا غير.

    وكذلك أيضاً من المزالق التي تجعل القول الشاذ يرويه كثير من الناس أو العامة, عدم العناية بالقول الصحيح؛ لأن طالب العالم حال طلبه للعلم يحاول التماس الراجح من أقوال الفقهاء, فيحفظ المصنفات من المتون الفقهية, ويكون أول ما يصل إليه الترجيح على قول فلان, أو الترجيح على قول فلان, من غير التماس للدليل, فيأخذ بقول العالم الفلاني؛ لأنه قد حفظ متنه الفقهي, فحال سؤاله عن مسألة من المسائل يتبادر إلى ذهنه أول ما وصل إليه من الأقوال.

    وهذا من أسباب نشوء الخلاف, وكذلك عدم التوسع في معرفة الخلاف, فإذا كان طالب العلم يحفظ متوناً فقهية, وهي أول ما وصلت إليه, ولم يسبق ذلك بحفظ الدليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإنه عند سؤاله يبادر إلى ما حفظه من أقوال العلماء من غير نظر للدليل, فإذا علم أن أحداً خالفه شدد عليه, وظن أنه قد خالف الحق, وهو ما عرف إلا ذلك المتن الذي قد حفظه.

    وكذلك أيضاً من مواضع الزلل عند المفتي في مخالفة النص, أن المفتي ربما يجهل حال البلد الذي استفتي منه, وربما تكون حال ذلك البلد تختلف عن حال البلد الذي هو فيه, وبتلك الحال ربما يختلف الحكم الشرعي؛ لأن الشرع قد علق الأمر بعلة شرعية, إن وجدت وجد هذا الحكم الشرعي, فلما كان البلد قد تغير, فإنه ينتفي هذا الحكم وينقل إلى حكم آخر؛ لأنه معلق بعلة, والحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً.

    والأمثلة على ذلك كثيرة, فربما سئل مفتٍ من المفتين عن مسألة خضاب الرجل, وهل يجوز أم لا؟ فربما أفتى بأنه لا يجوز؛ لأنه تشبه بالنساء؛ لأن النساء في بلده يخضبن والرجال لا يخضبون، ولكن في كثير من البلدان الإسلامية ربما الرجال يخضبون أكثر من النساء, فإذا كان العالم يعلم حال ذلك البلد التي قد استفتي فيها, فإنه يكون على بينة, ولا يحدث قولاً يحمل على الشرع, فيخالف الأصل الذي قدره الشارع وهو تعليق الأمر على تلك العلة التي علق الشارع الأمر بها.

    ومن ذلك أيضاً ما يتعلق بلباس الناس, من جهة التشبه ومن جهة الألوان, فربما يسأل العالم عن لباس المرأة, ولون لباسها ونحو ذلك, كأن تكون المرأة تخرج بعباءة خضراء, أو عباءة صفراء, أو عباءة بيضاء ونحو ذلك, فيقول بعدم الجواز, ولا يعلم حال المستفتي ولا حال بلده.

    وذلك لقوله أن الرجال يلبسون البياض, وأن النساء قد اختصصن بالمباينة, وحال ذلك البلد أن الرجال والنساء لا يفرق بينهم من جهة لون اللباس, والواجب الستر, فحينئذ يقال: إن الشارع لم يخصص لوناً بعينه, ولكنه إذا وجد في بلد أن الرجال قد امتازوا بلون, والنساء قد امتزن بلون, فإنه يحرم على النساء أن يلبسن ألوان الرجال, ثم يفتي بأنه يحرم على المرأة أن تلبس اللباس الأبيض؛ لأنه من اختصاص الرجال في بلده.

    وأما البلد الآخر الذي منه المستفتي, فيجاب بحسب معرفة الحال؛ لهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: وإنما وقع الخلاف في الشرع.

    ومنهم من يعلم الدليل من الكتاب والسنة, ويجهل السياسة الشرعية, ومنهم من يعلم السياسة الشرعية, ويجهل الأدلة من الكتاب والسنة, فهذا يُدعى إلى التماس الدليل, وذاك يُدعى إلى التماس السياسة, الشرع حينئذ, والعالم لا يمكن أن يكون عالماً شاملاً متأهلاً, حتى يكون عالماً بالكتاب والسنة, متأهلاً للفقه في السياسة الشرعية.

    1.   

    ما يجب على من تصدر للفتوى

    ولهذا الواجب على المفتي أن يكون فاهماً, والفهم على نوعين كما قال غير واحد من العلماء, أن يكون فاهماً للدليل, وأن يكون فاهماً لحال المستفتي, وهذا قد نص عليه الأئمة عليهم رحمة الله في قرون طويلة, وقد ذكر الإمام أحمد بن حنبل عليه رحمة الله, أن المفتي لا يمكن أن يؤهل للفتوى, حتى يكون فيه خمس خصال:

    الخصلة الأولى: أن يكون صاحب نية وورع, فإنه إن كان فيه نية كان في وجهه نور, وإن كان في وجهه نور, كان على كلامه نور.

    الخصلة الثانية: أن يكون صاحب علم وحلم ووقار وسكينة.

    الصفة الثالثة: أن يكون قوياً وقادراً فيما هو فيه.

    الصفة الرابعة: أن يكون صاحب كفاية, وإلا مضغه الناس.

    الصفة الخامسة: أن يكون عالماً وعارفاً بأحوال الناس, خاصة فيما يتعلق بالأحكام الشرعية التي هي منوطة بعلل, ولم يعلقها الشارع بحكم شرعي بائن لازم على كل حال, فإنه تتباين الأحكام الشرعية من حال إلى حال, وهذه هي التي قصدها العلماء, بأن الفتوى فيها تختلف بحسب اختلاف الزمان والمكان, هذه هي الفتاوى التي تتعلق بعلل, وقد نص الشارع عليها, كمسألة تشبه المرأة بالرجل, وكذلك تشبه الرجل بالكافر ونحو ذلك, فإن هذا ربما اختلف من حال إلى حال بحسب المخالطة وبحسب البلد, فربما كان بلد يمتزج فيه حال المرأة بالرجل من جهة اللون, وكذلك من جهة الرجال بعضهم مع بعض.

    إذا علم الإنسان ذلك, فقد أدرك الصواب, ومقاصد الشريعة التي جاء الشرع لتتميمها, فاجتنب المبالغة في الترخيص, وكذلك المبالغة بالأخذ بالعزائم, فأخذ طريقة الوسطية في دين الله سبحانه وتعالى.

    وشريعة الله مآلها ومردها إلى الكتاب والسنة, وليس إلى قول فلان من الناس, ومن نظر إلى حالنا في هذا العصر, وجد أننا أحوج ما نكون إلى إعادة الناس إلى الكتاب والسنة, والنهل من فقه السلف من الصحابة والتابعين, بعيداً عن التمسك بأقوال الفقهاء من البلد الفلاني والبلد الفلاني, ومن نظر إلى العلماء الذين تكلموا في المقاصد الشرعية, كالإمام الشاطبي عليه رحمة الله, وجد من تتبع شواذ أهل العلم ورخصهم قد خرج عن الإسلام.

    ويقول سليمان التيمي: من أخذ بأقوال العلماء التي قد خالفوا فيها الدليل, وأخذ من كل عالم ما وافقه, فقد اجتمع فيه الشر كله, أي أنه قد قلب الأصول الشرعية.

    1.   

    الأصول الشرعية في الفتوى وأخذها

    الأصل في الشرع أن الشرع هو الحاكم, والهوى محكوم, ولكن هذا قد قلب هذه السنة وهذا الأصل, فجعل الهوى حاكماً والشريعة محكومة, وما التمس الدليل, وإنما أخذ الأيسر.

    الأصل الثاني: أن وجود أقوال العلماء في مسألة من المسائل لا يعني منه وجود دليل لهذا القول, وأنه يسوغ للإنسان أن يأخذ به, فربما أفتى هذا العالم في مسألة برأيه؛ لأنه لا يعلم حديثاً في المسألة, فإذا علم الدليل خالف قوله؛ ولهذا روى البيهقي في المدخل من حديث حماد بن زيد عن المثنى عن أبي العالية قال عبد الله بن عباس : ويل للناس من عثرات العلماء, قالوا: وما ذاك؟ قال: يفتي العالم برأيه, فإذا علم الدليل ترك رأيه, يعني أنهم يأخذون برأيه قبل معرفة الدليل, فإذا التمس الدليل أخذ الدليل وبقوا على رأيه الذي قد أخذوا به.

    لهذا يقال: إنه ينبغي أن يعلم أن العلماء حينما يقولون بقول من الأقوال, فلا يعني أنهم على دليل, وإنما هو اجتهاد, فقد يكون بنوه على أصل لعدم معرفة الدليل.

    الأصل الثالث: أن الإحاطة بمعرفة الأدلة من الكتاب والسنة, وإدراك أحكام الشريعة ليست لأحد, وأنه ما من أحد إلا ويند عنه من أحكام الشريعة ما يند؛ ولهذا الصحابة عليهم رضوان الله تعالى, قد وجد فيهم من خالف الدليل صراحة؛ لأنه لم يبلغه الدليل, وإنما أخذ بالأصل, فإذا جاز هذا للصحابة عليهم رضوان الله تعالى, وهم أشد الناس احترازاً, فهو لمن بعدهم من التابعين ومن جاء بعدهم أجوز, ولا يعلم أحد من الصحابة ولا من غيرهم, من التابعين ومن أتباع التابعين, وأئمة الإسلام, إلا وله قول في مخالفة الدليل صراحة, ويقع منه الوهم والغلط في ذلك, واجتهاده مأخوذ.

    الأصل الرابع: أن الدليل الوارد في أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران, وإذا أخطأ فله أجر واحد, لا يعني معه تعدد الحق, بل إن الحق واحد لا يتعدد, وهذا قد حكى الإجماع عليه, حكى إجماع العلماء ابن قدامة وغيره, بل حكي إجماع الصحابة على ذلك, أن الحق واحد لا يتعدد, وهو قول الأئمة الأربعة, وقد ذهب جماعة من المعتزلة كـأبي حامد الغزالي و أبي بكر الباقلاني و الآمدي وغيرهم, إلى أن الحق يتعدد بحسب أقوال المجتهدين, وهذا قول منقوض عقلاً وشرعاً.

    أما من جهة الشرع فظاهر بين, أن الشريعة جاءت بأحكام شرعية, لا يمكن أن يتعدد الأمر فيها, خاصة أنه لا يمكن أن يفعل الإنسان شيئاً ويفعل ضده, فهو مأمور بالصلاة أو منهي عنها, إلا ما كان على التخيير بين أمرين, أن يفعل هذا أو يفعل هذا, فيقال: إن الحق قد يتعدد في مثل هذه الحالة, وما يذهب إليه المعتزلة منقوض أيضاً بالعقل, فإذا قيل: إن الحق يتعدد بحسب الاجتهاد, فإن المجتهدين الذين قالوا بعدم تعدد الحق قولهم حق وصواب, وعليه فهم ينقضون هذا القول, وهذا ظاهر في بطلان قولهم.

    الأصل الخامس: أن العامي حينما يعلم أن العلماء قد اختلفوا في هذه المسألة, يجب أن يلتمس قول الأعلم, ومن جمع بين العلم والورع, وفاق غيره في هذا الباب, وجب الأخذ بقوله عند الاختلاف بالنسبة للعوام, ولكن العلماء قد اختلفوا فيما إذا تباينوا في العلم والورع, أي إذا كان الرجل أعلم, لكنه ليس بصاحب ورع, وكان ذاك صاحب ورع, لكنه ليس بأعلم, فأيهما يأخذ بقوله؟ على خلاف في هذه المسألة على ثلاثة أقوال.

    والذي يظهر -والله أعلم- أنه يأخذ بقول الأعلم؛ لأن الأصل في العلم الخشية, والعلم يعني معرفة الدليل والنظر فيه, والورع لا يلزم منه علم, والورع منقبة للإنسان بذاته, لا تتعدى في الأغلب إلى غيره, إلا إذا كان الإنسان متمكناً من العلم.

    الأصل السادس: أن الأخذ بالتراخيص من أقوال العلماء, وجمعها في مسألة واحدة, هذا الجمع لا يمكن أن يقول به أحد من العلماء, بل هو من أعظم المخاطر, ومن أعظم الزلل؛ وذلك أن بعض العلماء في مسألة من المسائل يقول بعدم الأخذ بشرط من الشروط, والقول ببقية الشروط, والمجتهد الآخر قد يسقط شرطاً آخر, والأخذ بقول كل عالم بإسقاط شرط قد لا يبقي للإنسان شروطاً في هذه العبادة, وهذا ما يسميه العلماء بتتبع الرخص وهو أخطر من الترخيص, والمبالغة في ذلك وتتبعه.

    ونظير هذا من يأخذ بقول أبي حنيفة بإسقاط شرط الولي في النكاح, ويأخذ بالرواية عن مالك , بإسقاط شرط الشاهدين في النكاح, ويقول: إنني أتزوج بلا ولي, وبلا شاهدين, وهذا هو تتبع الرخص وإن كان قد أخذ بقول من كل واحد, وهذا هو أعظم الشذوذ، والمخالفة فيه للدليل ظاهرة, وينبغي الحذر من هذا أعظم الحذر.

    1.   

    أحكام الأخذ برخص العلماء

    الترخيص باصطلاح الفقهاء من الأصوليين وغيرهم, وهو الأخذ بالأيسر ونحو ذلك, الأصل فيه عدم الجواز, وقد بالغ كثير من المتأخرين بالترخيص في ذلك, وتجويزه من غير النظر في الدليل.

    حكم الأخذ برخص العلماء من غير نظر في الدليل

    ولكن مما يجب معرفته أن الأخذ بالرخص من غير نظر للدليل لمن كان يملك الدليل أنه محرم؛ لعلل كثيرة:

    أولها: أن فيه الرد إلى غير الله عز وجل, وإلى غير رسوله, والله عز وجل قد أمر عند التنازع بالرجوع إلى الكتاب والسنة, وهذا مخالف لأصل التشريع, وأصل الاتباع.

    الأمر الثاني: أن الأخذ بالترخيص فيه خلع لربقة التكليف عن العبادة, فإذا كان للإنسان أن يأخذ بتكليف فلان, وتكليف فلان, لم يبق للشرع قيمة.

    الأمر الثالث: أنه إذا قيل بالترخيص في مسألة من المسائل على الإطلاق, من غير تقييد بشروط, وأنه لا يمنع من أن يؤخذ برخصة أخرى, وثالثة ورابعة بدون حد في هذا, فهذا من أعظم الشر وأوبقه.

    شروط الأخذ برخص العلماء

    ولكن بعض العلماء ربما أخذ بالترخيص, ويسر أمره, وهون جانبه إذا توفرت فيه شروط عدة, ذكروا منها:

    الأمر الأول: ألا يخالف ذلك دليلاً صريحاً, ولا يكون هذا القول الذي قد قيل به شاذاً.

    الأمر الثاني: أن يكون الأخذ بهذا الترخيص المخالف للدليل أو للقول الراجح فيه دفع لمشقة أمة, ومشقة جماعة أو مشقة أفراد.

    الثالث: ألا يخالف أمراً مجمعاً عليه, فإذا خالف الإجماع, فلا يجوز الأخذ به.

    الرابع: ألا يكون فيه مخالفة لما رفع الإمام فيه الخلاف, ومعلوم أن الإمام في كثير من الأحكام الشرعية يرفع الخلاف, فالأخذ بالترخيص في هذه المسائل لا يجوز.

    الأمر الخامس: أن يجد الإنسان في قلبه طمأنينة إلى الركون إلى هذا القول في مثل هذه الحال, فإذا لم يجد طمأنينة في قلبه فليعلم أن هذا من أجود القرائن عند العالم في مخالفة الحق وعدم التوفيق للصواب, وهذا من القرائن وليس من الدلائل الظاهرة, والأخذ بشواذ أقوال العلماء وعدم الأخذ بالدليل, لاشك أنه شر قد انتشر خاصة في الأعصار المتأخرة, ودعا كثير من الناس إلى الترخيص في المسائل, وأنه إذا وجد قول من العلماء من قال بالتيسير, فما دام أنه عالم من العلماء, فلا حرج في الأخذ بقوله؛ لأنه عالم معتبر, من غير النظر للدليل, وتوسع في هذا كثير ممن يرخص في دين الله, مواكبة للعصر, وتيسيراً على الناس, وكذلك إظهاراً لسماحة الإسلام ونحو ذلك, وهذا لا يمكن أن يظهره إلا شخص قد وقع فيه انهزام أمام أعداء الملة والدين, الذين أظهروا قوتهم عداء للإسلام, وثقة منه بهدم الدين وثلمه, وهدم الضروريات الخمس بالجملة, ومع ذلك يراد أن تظهر سماحة الإسلام أمام هؤلاء ونحو ذلك, لاشك أن هذا عدم توفيق للصواب, ومخالفة لأصول الإسلام, فضلاً عن فروعه.

    في مثل هذه الأحوال ينبغي للإنسان أن يغلب جانب العزم والحزم, وننظر إلى كثير من المفتين, وكذلك من انبرى للمنابر الفضائية ونحو ذلك, الذين يقولون بفتاوى مخالفة للشرع؛ لأنه وجد ونسب قول لفلان, فهذا يقول بجواز إمامة المرأة للرجال, وذاك يقول بجواز أن تؤذن المرأة في المساجد, وذاك يجوز أن تصافح المرأة الأجنبي ونحو ذلك, وهذا هدم للشريعة, وإن قال به بعض العلماء.

    وزلة العلماء -كما قال غير واحد- يحرم نسبتها إليهم إذا كانت مخالفة للدليل مخالفة صريحة, وقد ألَّف ابن دقيق العيد عليه رحمة الله مصفناً جمع فيه ما خالف فيه الأئمة الدليل صراحة, ثم قال في مقدمة كتابه: ويحرم نسبة هذه الأقوال لهؤلاء العلماء, ولا يوجد عالم من العلماء إلا وقد خالف ظاهر الدليل, وهو معذور بمخالفته تلك؛ لأنه قد بذل وسعه وجهده في التماس الصواب, فقال بهذا القول, وإذا قلنا: إنه يجوز للإنسان أن يأخذ بأقوال الناس, وأن يأخذ بالأيسر منها, إذا كان له سلف في هذا القول, فلا شك أن هذا القول وهذا التأصيل من أخطر الأقوال وأعظمها وأشنعها.

    وذلك أن فيها رداً لأقوال الناس, وعدم رد للدليل من الكتاب والسنة, كذلك أن مخالفة العالم الذي خالف الدليل ليست مسوغاً للإنسان لأن يخالف الدليل وهو ظاهر لديه, ويعلم الحق, فيقول بقول فلان, فربما كان فلان معذوراً بأخذه بهذا القول, وأنت لست بمعذور, ويكفي في هذا أن الإنسان إن أخذ من فلان بشاذ قوله, وأخذ من فلان بشاذ قوله ونحو ذلك أنه قد اجتمع فيه الشر كله, فإذا أراد الإنسان أن يتبع العلماء من جهة الجلالة والمكانة والفضل والمقام الرفيع, والسيرة الحسنة في العلم ونحو ذلك, فإنها موجودة في تراجمهم, ولا يكاد يوجد عالم من هؤلاء إلا وقد خالف الدليل صراحة.

    وقد نظرت في الكتب الفقهية في المذاهب الأربعة, وكذلك مذاهب السلف من الصحابة والتابعين, فوقع لي من ذلك شيء كثير, بل مئات المسائل قد قال بها من الأئمة الأجلة من الصحابة والتابعين, قالوا بأقوال تخالف صريح الكتاب وصريح السنة, وهم معذورون في ذلك, ويحرم بالإجماع اتباعهم في مثل هذه الأقوال؛ وذلك أنه لا يوجد عالم إلا وله زلة.

    وأما أن يقال بأن فلاناً عالم معتبر, يؤخذ بقوله فليس هذا بمسوغ, ولو أراد الإنسان جمع الأقوال الشاذة, وأن يصنف كتاباً في الفقه في باب الترخيص, من الطهارة إلى كتاب الإقرار, لأقوال العلماء الشاذة, لألف كتاباً لا يمت للإسلام بصلة, مع أن كل قول قد قال به عالم من العلماء الذين لو نظر الإنسان إلى سيرته, لهابه ولجزم أنه لا يدانيه أحد من أهل عصره.

    ترك التشبث بأقوال العلماء الشاذة

    وأقوال العلماء لا يجوز للإنسان أن يتشبث بها, وهم معذورون فيها, كذلك يجب أن يعلم أن الإنسان إن أخذ بشواذ العلم من فلان وفلان, وترك ظواهر الأدلة, أنه قد اجتمع فيه الشر كله, وما أحسن ما قاله بعضهم:

    الشافعي من الأئمة قائل اللعب بالشطرنج غير حرام

    وأبو حنيفة قال وهو مصدق في كل ما يروي من الأحكام

    شرب المثلث والمربع جائز فاشرب على أمن من الآثام

    وأباح مالك الفقاح تكرماً في ظهر جارية وظهر غلام

    والحبر أحمد حلّ جلد عميرة وبذاك يستغنى عن الأرحام

    فاشرب ولط وازن وقامر واحتجج في كل مسألة بقول إمام

    هذا إذا أراد الإنسان أن يكون فقهاً وأدلة من شواذ أقوال العلماء, وقد وقع هذا في أقوال العلماء المعتبرين, وعلى نور وهداية من الكتاب والسنة, ولكنهم قد شذوا بمثل هذه الأقوال, وهم معذورون في ذلك, وأصابوا أجراً واحداً, فليحذر الإنسان أن يأتي بأقوال ما قال بها أحد من العلماء, فهؤلاء العلماء المعتبرون لا يسوغ للإنسان أن يقول بهذه الأقوال الشاذة المروية عنهم، فكيف بغيرهم؟

    حكم إظهار الرخص للعوام

    ومما ينبغي فهمه وإدراكه أنه ينبغي للعالم أن يحذر من إظهار الرخص للعوام, والدلالة عليها, وإن كان الدليل قد جاء بها؛ لأنها ربما تصد الناس عن العمل بدين الله, والعمل للآخرة والإكثار من العمل الصالح.

    وقد روى البخاري و مسلم من حديث معاذ بن جبل أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: ( من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة, قال معاذ بن جبل : يا رسول الله! ألا أخبر الناس؟ قال: لا تخبرهم فيتكلوا ), فإذا غلط الرجل عند كلامه على هذا الحديث, قال: وفي هذا الحديث دلالة على أنه ينبغي للعالم ألا يكثر من الرخص في دين الله؛ لكي لا يثبطهم عن العمل, وهذا ظاهر, ولا يعني للعالم أن يمسك عن إظهار دليل؛ لأن من يمسك عن إظهار دليل يكون قد كتم من دين الله, ولكنه قد عمل بمقصد أسمى, هو خير لذلك.

    معرفة حال السائل وميله لطلب الرخصة

    ومما ينبغي أيضاً فهمه وإدراكه أنه ينبغي للعالم أن يحذر حال سؤال المستفتي عن مسألة ما, فربما كان المستفتي يطوع العالم أن يقول بمسألة من المسائل بخلاف ما يريد, سواء بإظهار المفاسد في قول ما, أو بإظهار المصالح وإبرازها ونحو ذلك, وهذا هو الباحث عن الترخص, فإذا علم العالم من حال السائل هذا, فإنه ينبغي أن يغلب جانب التشديد عليه, خاصة إذا لم يكن مضطراً.

    ولهذا يقول أبو الوليد الباجي عليه رحمة الله: وقد كان الناس كثيراً ما يأتونني ويسألونني عن قول, فأفتي فيه بظاهر الدليل, فيقولون: لعل فيه رواية, أو لعل فيه قولاً آخر, يريدون مخالفة الدليل بما يوافق أهوائهم, وهذا مما يجب على المفتي والعالم أن يحترز منه في هذا الباب.

    التحذير من الفتوى مجاراة لرغبة الناس

    كذلك أيضاً مما ينبغي فهمه أن الإنسان إذا كان يأخذ بقول عالم من العلماء, ويأنس إليه, فإذا أفتى بقول يخالف ما يحتاجه الإنسان, أنه لا يسوغ له أن يخالف هذا العالم؛ لأن هذا مظنة هوى؛ وذلك أنه ما التمس غير هذا العالم, إلا لما خالف ذلك القول الذي أراد خلافه, وهذا به يمتاز أهل الورع والديانة والتثبت والتماس رضا الله عز وجل, والبعد عن الرخص, إذا علم الإنسان ذلك علم أهمية الاحتياط لدين الله, والاحتياط كذلك لذمم الناس, وأن الشريعة لما وصفها الله عز وجل بالتيسير, لا يعني الإنسان أن يأخذ الأرخص بالإطلاق من الأقوال, وأنه يسوغ له أن يقول بقول من قال بالجواز على الإطلاق ونحو ذلك.

    وقد توسع كثير من المتأخرين في هذا, فمن نظر إلى أحوال من ينتسب إلى العلم, خاصة من خالط المجتمعات التي فيها إعراض عن دين الله وجد أن هذا الواقع ربما أثر على هذا العالم بالتماس الأقوال المرخصة, والأقوال اليسيرة ونحو ذلك, وربما أثر عليه وجعله يلتمس الأدلة تطويعاً لأقوال هذا المجتمع من حيث لا يشعر, وهذا ما يسميه العلماء ضغط الواقع على المفتي, أن يلتمس أقوالاً من حيث لا يشعر, يريد أن يساير هذا المجتمع ونحو ذلك.

    أولاً: يقال: إن المجتمعات لا تحكم الشريعة؛ ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بيئة جاهلية, فحكمها بأمر الله سبحانه وتعالى, وجعلها خاضعة لأوامره وحكمه, وما جعل هذا المجتمع كله حاكماً لشريعة الله سبحانه وتعالى, وقد انقلبت كثير من الموازين, فكان في عصرنا كثير من المجتمعات تحكم الشريعة بأهوائها, بدلاً من أن تحكمهم الشريعة, بل قد قال بعضهم لما كان مجتمعاً يسن قانوناً وتشريعاً قال: التمسوا ما ترون أنه أصلح لهذا المجتمع, فإنه لا يعوزني أن أجد في مذهب من المذاهب ما يوافق القول الذي تختارون, وهذا لاشك أنه جريمة وعدم إرجاع الأمور لكلام الله, ونزع لربقة التكليف, وعدم إظهار لهيبة الحق سبحانه وتعالى, وكلامه جل وعلا, وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن عاش في المجتمعات البعيدة عن شريعة الله, فلا يعني أنه يحكم الشريعة بضغط ذلك الواقع, الشريعة يحكمها الكتاب والسنة, والمقاصد الشرعية التي لا تخالف الأدلة الصريحة.

    كثير من الناس يجعل المقاصد الشرعية من دفع المفاسد ودفع الضرر وجلب المصالح ونحو ذلك, يجعلها هادمة للأدلة, ونسي أن الأدلة الشرعية من الأوامر والنواهي, ما جاءت إلا تسليماً لهذه المقاصد العظمى, سواء علم الإنسان أو لم يعلم.

    الشريعة الإسلامية لا يصفها الإنسان باليسر والسهولة من جراء ذوقه, إنما يصفها صاحب الفطرة السلمية السوية, لا يصفها الذي قد انغمس في الشهوات والشبهات, وانغمس في المجتمعات المنحلة البعيدة عن دين الله سبحانه وتعالى؛ لهذا وصف غير واحد من العلماء الذين يميلون إلى الترخص على الإطلاق, كـالزركشي وغيره, أن الذي يسلك باب الترخص أنه منحل أو سلك طريقة الانحلال، والعياذ بالله.

    شريعة الله يصفها صاحب الفطرة السليمة, ونسمع كثيراً أنه ينبغي ترك الأقوال المتشددة والأخذ بالأقوال اليسيرة, وهذا كلام حق أريد به باطل, أريد به هدم الشريعة والتماس الأقوال الشاذة ونحو ذلك, شريعة الله ظاهرة, جاءت لحفظ الناس وصيانتهم, لا ييسر الشديد منها والعزيمة بأهواء الناس وأذواقهم؛ وذلك معروف بالعقل والنقل, أما النقل فالأدلة في ذلك كثيرة.

    وأما من جهة العقل فإذا أتيت بإناء الماء فيه مستوٍ, ليس بارداً ولا حاراً, ثم أتيت بشخص قد وضع يده على النار, فقلت له: ضع يدك في هذا الماء المستوي, وانظر هل هو بارد أم هو حار؟ فوضع يده في هذا الماء, فكيف يجد الماء؟ سيجد هذا الماء بارداً, ويقول بأنه بارد؛ لأن يده حارة, وإذا كان قد وضع يده على ثلج، وقلت له: ضع يدك في هذا الماء المعتدل، فوضع يده، فسيقول: هذا الماء حار, والذي يقيم هذا الماء على الصواب هو من كانت يده ليست على برودة ولا على حرارة, فيعلم حينئذ هل هو حار أم بارد؟

    كذلك شريعة الله لا يقيمها من عاش في بلد منحل, بعد عن دين الله, وبعد عن شريعة الله, فأراد تطويع الأدلة إرضاءً للمجتمعات, وإرضاءً للقوانين, وإرضاءً للحكام ونسي أمر الله عز وجل.

    إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:57] سبحانه وتعالى, ولا يصح كذلك قول من يغلب جانب الأخذ بالعزائم والتشدد والتنطع ونحو ذلك, وأراد أن يأخذ بالعزائم على الإطلاق, حتى العزائم المقصودة بشريعة الله عز وجل, وهذا يقال: إنه موجود في كل عصر وفي كل مصر, فقد وجد من يريد خيراً بدين الله عز وجل, فخالف الأدلة وأخذ بالعزائم, كما كان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, حينما جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن نية وحسن قصد, فأرادوا أن يأخذوا بالعزائم, فقالوا: لا نتزوج النساء, ونصوم ولا نفطر, ونقوم الليل, فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( أما أنا فأتزوج النساء, وأصوم وأفطر, وأقوم وأنام, ومن رغب عن سنتي فليس مني ), وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.