إسلام ويب

العالِم والعالَمللشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العلم إذا أطلق في الشرع فالمراد به العلم بكلام الله ورسوله وما يوصل إلى الجنة، ومن نظر في نصوص الشرع عرف منزلة العلم وأهله. وينبغي للعالم أن يراعي أموراً منها: الإخلاص في الطلب، ومراعاة مراتب الناس عند مخاطبتهم، واستعمال الرفق واللين، وعدم التسرع في الحكم على النوازل، وينبغي له أن يكون رفيقاً بالمخالف، وأن يجرد علمه من حظ نفسه.

    1.   

    فضل العلم والعلماء

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن الله جل وعلا قد جعل الخلق على مراتب، وجعل لهم درجات معلومة؛ وذلك لأن ميزة الإنسان بقدر ما يتحقق فيه من فضل، ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى الناس يتمايزون بقدر العلم والعمل، فمن تحصل لديه شيء من العلم ووافقه شيء من العمل بما علم، فإن هذا له مرتبة بقدر ما تحصل له من النوعين، وفضل الله جل وعلا يؤتيه من يشاء في هذين البابين أي: باب العلم وباب العمل، والموفق من أراد الله جل وعلا به خيراً فوفقه للعلم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث معاوية: ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي )، والمراد من ذلك أن الله جل وعلا يهب العباد من العلم ويعطيهم من فضله سبحانه وتعالى بقدر الخيرية التي يسوقها الله جل وعلا لهؤلاء العباد من الخلق.

    إن مزية العلماء ومقامهم في الأرض يكون بقدر علمهم من وحي الله سبحانه وتعالى كتاباً وسنة، وهم يتفاضلون بحسب مقامهم في أوساط الناس، فربما يتحصل للإنسان من العلم والإدراك ما لا يتحصل لغيره في زمن يتوافر فيه العلماء، فيكون فضله يختلف عمن دونه ممن تحصل لديه دون ذلك من العلم، ولكنه في زمن قلة أهل العلم والمعرفة، وانتشار الجهالات في الناس، والناس حينئذٍ يفتقرون ويحتاجون إلى شيء قليل من العلم يستضيئون به من ظلمات الجهل.

    ومن نظر في فضل العلم يعلم أن ما جاء في نصوص الكتاب والسنة من بيان فضله ومقداره على وجه العموم كافٍ في السعي إلى تحققه في الإنسان، ويكفي في ذلك أن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه أن يسأله زيادة في العلم، والله جل وعلا لم يأمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يسأله زيادة في شيء من أمر الدين والدنيا إلا العلم، فقد قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، والزيادة في هذا العلم هو علم الآخرة، علم الدين، ولهذا إذا أطلق العلم في كلام الله جل وعلا وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فالمراد به العلم بكلامه سبحانه وتعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، والدليل على ذلك ما جاء في الصحيح وغيره من حديث أبي هريرة قال: عليه الصلاة والسلام: ( العلماء ورثة الأنبياء، لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، من أخذه أخذ بحظٍ وافر )، المراد من ذلك: أن العلم الذي تركه الأنبياء هو الوحي، والوحي إذا أطلق يشمل الكتاب والسنة، وكذلك إذا أطلق الكتاب فإنه يشمل قول الله جل وعلا وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا خلاف بين العلماء في ذلك، والعالم يتعلم العلم؛ لكي يقرب من الله جل وعلا لا ليتحقق له نصيب من الدنيا، ولهذا يقول الله جل وعلا مبيناً هذه الغاية في كتابه العظيم: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، وذلك أن العالم كلما تحصل لديه شيء من العلم قرب من الله بعمله ذلك، وكذلك ببلاغ ما لديه من العلم، فعظم أجره وثوابه عند الله سبحانه وتعالى بقدر ما تحقق فيه من علم، وبقدر ما بلغ غيره من ذلك العلم؛ فإن العاملين به يكثرون ويكون ذلك في ميزانه عند الله جل وعلا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى قيام الساعة )، وهذا في حال تبليغ العلم، ولهذا كان العلماء عند الله جل وعلا على منزلة رفيعة يحشرون مع الأنبياء والصديقين والشهداء، وذلك لأنهم يقترنون بهم من وجوه متعددة، من أعظم هذه الوجوه أن العلماء أقرب الناس شبهاً بالأنبياء لتحقق ذلك الأمان والوصف فيهم بخلاف غيرهم، وإن كان قد يوجد في بعض الناس من تحقق الأمان وتحقق الخشية في الله جل وعلا وإن كانوا على جهالة بتوفيق من الله سبحانه وتعالى لكنه نادر، ولهذا الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى لما انتقد عنده معروف قال عليه رحمة الله لما قيل له: إنه قليل الفقه، قال: وهل يراد من الفقه إلا ما وصل إليه معروف؟ يعني: أنه قد توصل إلى خشية الله جل وعلا والتعبد له بغير علم، وهذا ما يسعى إليه العلماء، ولكنه في الأغلب لا يتحقق للإنسان إلا على بينة وبصيرة.

    حفظ الله للعلم وتيسيره للناس

    والله جل وعلا قد يسر العلم للناس، وجعل علمه متضمناً في كتابه سبحانه وتعالى، ولهذا جعل الله جل وعلا الكتاب محفوظاً من أن تناله أيدي العابثين بالتحريف والتأويل، وكذلك أخذ الغايات النفسية والوصول إلى شيء من مطامع النفس أو مطامع الناس من متاع الدنيا الزائل، حماه الله جل وعلا من أن يطمس على سبيل العموم، فلا يتبصر الإنسان وحياً إلا بهذا الحق الدائم، ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    الله جل وعلا نزل الذكر على نبيه عليه الصلاة والسلام وجعله محفوظاً، وحفظه من الله سبحانه وتعالى هو حفظ بنوعين: حفظ الحروف وحفظ المعاني، ولا يمكن أن ينال القرآن شيء من التحريف فينطمس ذلك على سائر أهل العلم، وإنما يبقى العلم في الناس ما بقي أهل العلم، ولهذا الله جل وعلا يقبض أهل العلم والمعرفة في آخر الزمان، ثم يقيم الله جل وعلا القيامة على الناس إذا بقي شرار الخلق، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيرهما: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعهم من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا )، وهذا يكون في آخر الزمان، ويكون كذلك في قبل آخر الزمان بحسب البلدان، فقد يضمحل العلم، وكذلك ربما يزول في بلد من البلدان حتى لا يبقى فيها شيء من أنواع الخير بزوال العلماء منه، ولكن الخيرية موجودة في الأرض، والناس مخاطبون بالارتحال والتنقل وطلب الحق، كما أن الله جل وعلا أمر خير الخلق بعد أنبياء الله جل وعلا وهم الصحابة أن يهاجروا من مكة إلى المدينة طلباً للخير ودوامه، وكذلك الأخذ من منبعه وهو محمد صلى الله عليه وسلم.

    إن الكلام على العلم ومراتبه، والأدلة الواردة في ذلك في كلام الله جل وعلا مما يطول جداً، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان الغبطة لمن تحقق لديه شيء من العلم، وبلغه إلى الناس، وهذا ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر بقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا حسد إلا في اثنتين )، وكذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان الأمان في هذه الأرض أن ذلك يتحقق في الناس بحسب قربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الذين يقربون من النبي عليه الصلاة والسلام قد يقربون منه زمناً، وقد يقربون منه اتباعاً وهدياً ومعرفة بما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن الأغلب في أحوال الناس أنهم إذا كانوا أقرب من النبي زمناً كانوا أقرب له عليه الصلاة والسلام اتباعاً، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي موسى الأشعري عليه رضوان الله تعالى، قال النبي عليه الصلاة والسلام في الخبر المشهود: ( أنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد ).

    المراد بهذا الأمان هو القرب من النبي عليه الصلاة والسلام والاهتداء بهديه، وكذلك التسنن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفته على سبيل التحقيق كما يريد عليه الصلاة والسلام، وهذا يتحقق فيمن جمع بين الأمرين: قرب من النبي زمناً، وكذلك أيضاً قرب من الوحي الصادق بحسب ما يريده النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا أخبر عليه الصلاة والسلام أن الطائفة المنصورة والناجية في آخر الزمان هي من كان على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، يعني: مشابهة مما يدل على أنه لا يلزم من تأخر الإنسان زمناً تأخره كذلك في أبواب الفضل بالكلية عمن قرب من النبي عليه الصلاة والسلام زمناً وقرب من النبي عليه الصلاة والسلام هدى، وإنما هذا يكون بحسب القرب من الله جل وعلا، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتباعاً.

    ولاية العالم

    العالم له الولاية الكبرى، والطاعة ما استقام لأمر الله جل وعلا، ولهذا أمر الله سبحانه وتعالى بطاعته، وقرن الله جل وعلا طاعته بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، أمر الله جل وعلا بطاعة أولي الأمر، وأولوا الأمر إذا انصرف بداهة ينصرف إلى أهل العلم والمعرفة، وإن كان قد ورد في كلام بعض المفسرين أنه ينصرف إلى السلاطين والأمراء، ولكن من نظر إلى المفسرين من الأئمة المتقدمين من السلف وغيرهم يجد أنهم يصرفون ذلك ابتداءً إلى أهل العلم والمعرفة بالله جل وعلا، كما جاء هذا عن غير واحد من المفسرين، جاء هذا عن عبد الله بن عباس و مجاهد بن جبر و عطاء بن أبي رباح ، وكذلك جاء عن الحسن البصري و سعيد بن جبير وغيرهم، وقد روى ابن المنذر في كتابه التفسير من حديث عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة أن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى تلى الآية السابقة، فقال: أولو الأمر هم أهل طاعة الله الذين يعلمون الناس الدين ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، فأمر الله جل وعلا بطاعته، وجاء هذا أيضاً عن مجاهد بن جبر، وهو إمام المفسرين من التابعين، كما رواه أيضاً ابن المنذر و ابن أبي حاتم من حديث ابن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أنه في هذا الموضع قال: هم فقهاء المسلمين وعلماؤهم، وذلك أن الله جل وعلا إنما أمر بالرجوع إلى حكمه، وحكمه لا يمكن أن يتحقق بالإنسان وهو جاهل بأمر الله سبحانه وتعالى، وقد روي هذا المعنى كما تقدم عن غير واحد من المفسرين، وذلك أن الطاعة من جهة الأصل لا يمكن أن تتحقق للإنسان إلا إذا كان ذلك على سبيل المعروف، ولا يمكن أن يتحقق للإنسان كثرة المعروف إلا بحسب قربه من الدليل من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلما قرب من الوحي كلما كان أمره بالمعروف، وكلما بعد عن الوحي قل وصفه بالعلم، وكان أمره بخلاف المعروف، ولهذا جاء في الخبر: (إنما الطاعة بالمعروف) إنما يطاع الإنسان بحسب قربه من المعروف وأمره به، فإذا بعد عن ذلك فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولهذا فإن الطاعة التي أمر الله جل وعلا بها في أمثال هذه المواضع، إنما تنصرف إلى أهل العلم والمعرفة الذين أمرهم الله سبحانه وتعالى ببلاغ الدين عنه، وأمرهم جل وعلا بتحمل هذه الأمانة قولاً وعملاً، وعلى هذا فإن العالم أمانته عند الله جل وعلا عظيمة.

    من تحمل هذه الأمانة فحجته عند الله سبحانه وتعالى خطيرة، وقامت عليه، فإن الله جل وعلا كما أنه يرفعه بالقرآن، كذلك فإن الله جل وعلا ربما يضعه بالقرآن إن بعد عن دين الله باعتبار أن الحجة قد قامت عليه، وإذا قام بأمر الله سبحانه وتعالى وبلغ الدين والهدى والخير للناس كان من أهل الحظوة عند الله جل وعلا والقرب، وحشر مع النبيين والصديقين والشهداء، وكفى بذلك منزلة، إذا تحقق هذا علم أن ولاية العالم لا يمكن أن تنزع ما دام عالماً مؤدياً أمر الله جل وعلا بنوعيه قولاً وعملاً، يجب مع ذلك أن يطاع عند أمره ما اهتدى بهدي الله، وابتعد عن الزيغ والضلال، وأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الأمور التي ينبغي للعالم الاتصاف بها

    الإخلاص والمراقبة في طلب العلم

    إن من الأمور المهمة بالنسبة للعالم وخاصة في الأزمنة المتأخرة وأحوج ما يحتاج إليه العالم هو صيانة القلب من الانصراف إلى الدنيا، وأعظم ما يتأكد على الإنسان في ذلك مراقبة القلب أن يتوجه إلى غير الله، وذلك أن الإنسان لا يمكن أن يتعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى على سبيل الدوام في الصغيرة والكبيرة إلا مع الإخلاص لله جل وعلا فيما دق مما لا حرج فيه، فإن الإنسان إذا وطن نفسه على الإخلاص لله جل وعلا، وكذلك جعل العادات عبادات فإنه سيخلص من باب أولى فيما كان من أمور العبادات المحضة لهذا إذا راقب الإنسان نيته بمراقبة الله جل وعلا عظم منزلة عند الله، ولم يلتفت إلى أحد من الخلق على الإطلاق، وإذا انحرف بقلبه ولو شيئاً يسيراً إلى غير الله جل وعلا كان إثمه عند الله سبحانه وتعالى أعظم، وذلك أنه بانصراف العالم ينصرف الخلق، وباعتدال العالم يعتدل الخلق، وهذه سنة كونية معروفة عند سائر أهل المعرفة باختلاف أنواعهم، أهل العلم والمعرفة في أبواب الدين ينساق الناس خلفهم، وأهل العلم والمعرفة في أبواب الدنيا أهل الجهالة ينساقون خلفهم فيما يحسنون، ولهذا خطأ العالم في أي باب من أبوابه خطأ مضاعف، لهذا وجب عليه أن يراقب الله سبحانه وتعالى فيما يأتي ويذر.

    إن مراقبة الله سبحانه وتعالى في دقائق الأمور ملزمة للإنسان أن يراقبه في عظائمها، وكذلك فإن انصراف القلب لغير الله جل وعلا ربما لا يشعر به الإنسان إلا عند الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى، فإنه ربما يكون على القلب من الغشاوة، وكذلك يكون عليه من الران، وكذلك يكون عليه من الحجب ما لا يدرك معه الإنسان أنه انحرف عن الله سبحانه وتعالى، وذلك أن الإنسان لقلبه تدرج يتدرج في عدم الإخلاص لله سبحانه وتعالى، وهذا من مكائد الشيطان حتى ينصرف الإنسان بقلبه إلى غير الله، ويظن أنه قد انصرف لله سبحانه وتعالى، ولا يستيقظ العالم من سكرته إلا حين وقوفه مع الله، وهذا قد ظهر فيما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح الإمام مسلم من حديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، وذكر منهم النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً تعلم العلم فعلمه وقرأ القرآن، فيقال له: ماذا عملت به؟ فيقول: يا رب! تعلمت العلم وعلمته فيك، وقرأت القرآن. فيقال له: كذبت، إنما علمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ، فقد قيل، ثم يؤمر به فيسحب فيلقى في النار ).

    من تأمل هذا الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول ذلك الذي تعلم العلم يظن أنه لله، ويوم القيامة لا مجال للمخادعة والمكابرة، وإنما هي مكاشفة، فيتكلم الإنسان ظاناً أنه غلب عليه أنه أراد الله جل وعلا، فيقول: تعلمت العلم فيك، وبلغت فيك، وقرأت القرآن فيك. فيقال له: كذبت، يعني: أنه قد انطلى عليك شيء مما تدرجت فيه فانسقت، وظننت أنك بلغت الدين وعلمته لله جل وعلا، فيتفاجأ حينئذٍ أنه إنما انصرف إلى غير الله سبحانه وتعالى.

    لهذا الواجب على العالم أن يتجرد عند خوضه في مسائل الدين، وكذلك عند تنزيله لكثير من مسائل الدين، أن يراقب الله سبحانه وتعالى متجرداً عن حظوظ الدنيا اللازمة له، وكذلك المتعدية إلى غيره، ألا يكون في ذلك شيء من حظوظ الدنيا، فإن الإنسان إذا أخلص لله سبحانه وتعالى كان له الحظ الأوفر في هذا، ومن أعظم حماية قلب العالم في ذلك ألا ينصرف بقلبه إلى شيء من متاع الدنيا، وألا يطلق بصره إلى شيء من متاع الدنيا الزائل من الذهب والفضة، وكذلك خضرتها، وكذلك معاشرة ومخالطة أهل الدنيا وأربابها، فإن ذلك يورد سكرة في القلب لا يشعر بها الإنسان حتى يغلب عليه الانصراف إلى الدنيا من حيث لا يشعر، فإن الإنسان إذا مد بصره إلى الدنيا وأصبح ينظر إليها نظرة بعد نظرة تمكن ذلك من قلبه حتى يكفر نعمة الله سبحانه وتعالى، أو ربما إذا تكلم في مسألة استحضر ما نظر إليه وأدام بصره فيه، سواءً من مال أو جاه أو سلطان أو عالم أو عوام الناس ونحو ذلك، فإن الإنسان إذا انصرف بقلبه إلى هذا، وأطلق بصره في ذلك أثر على القلب.

    ومعلوم أن من أعظم منافذ الإنسان إلى قلبه وعقله هو البصر والمشاهدة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة ، وكذلك رواه البخاري قال: ( لا تنظروا إلى من هو فوقكم، وانظروا إلى من هو دونكم حتى لا تزدروا )، وجاء في رواية: ( فإن ذلك أجدر ألا تزدروا نعمة الله )، المراد من ذلك أن الإنسان إذا أطلق بصره فإن هذا يؤثر على القلب بحسب المطلق إليه، فإن أطلق البصر إلى شيء من حظوظ الدنيا أثر ذلك في قوله وفعله من حيث لا يشعر، ولهذا أبواب المخالطة ينبغي أن يحترز منها العالم وطالب العلم فإن ذلك له أثر عليه، وكذلك أيضاً ليعلم الإنسان أن الله سبحانه وتعالى كما حمله تلك الأمانة أمانة العلم فليعلم أنه مخاطب بأنواع من الخطاب لا يمكن أن يدركها كثير من الناس ممن نزل عنه مرتبة في تحصيل العلم، أو نزل عنه مرتبة حتى بلغ الوصف بالجهل، فربما ازدروه بجهل وظلم، أو ربما ازدروه بشيء من الأوصاف لو كان في غير تلك النازلة لكانوا محقين، ولكنه قد وضع ذلك بميزان الحق فيما يراه عند الله سبحانه وتعالى حقاً.

    العمل بالعلم والابتعاد عن المشتبهات

    إن أعظم الواجبات التي يجب على العالم أن يؤديها هي العمل بالعلم، باعتبار أن ذلك لازم من لوازم تحقق العلم، فإن العمل يسبق البلاغ، فإن الإنسان يتمكن من العمل بما علم قبل أن يتمكن من تبليغ الناس باعتبار أن العمل لازم في الإنسان، وليعلم أيضاً أن وجود العلم في الإنسان، وتحقق العلم في الإنسان أن ذلك لا يغنيه من الله سبحانه وتعالى شيئاً حتى يعمل بما علم، ولهذا قد روى ابن ماجه في كتابه السنن، وكذلك رواه الإمام أحمد وغيره، ورواه البخاري أيضاً من حديث سهل بن أبي الجعد عن زياد بن لبيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر شيئاً فقال: ذاك يكون في زمن ذهاب العلم، فقال زياد بن لبيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يذهب يا رسول الله العلم، ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا وأبناءهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثكلتك أمك يا زياد! إن كنت لأظنك من أكثر أهل المدينة فقهاً، هذه التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى لم يعملوا بها شيئاً ).

    إن وجود العلم والحكمة بين يدي الإنسان وتوفر ذلك بين يدي الناس لا يعني أن الإنسان يكون على حق حتى يعمل بعلمه، وإن زمن الجهالة وذهاب العلم يوصف بعدم عمل الإنسان بذلك العلم، ومن أعظم العمل هو العمل اللازم للإنسان الذي لا يتعدى إلى غيره، ومن العمل أيضاً العمل بتبليغ دين الله سبحانه وتعالى إلى الغير، وكذلك يأتي هذا مرتبة بعد عمل الإنسان، فإنا إذا قلنا: إن المتقرر في الشرع أن الإنسان من جهة التكليف يُطالب بما كان لازماً أكثر مما كان متعدياً إلى غيره، خاصة في زمن الاشتراك في أبواب التكليف مع وجود المكلفين، فإن الإنسان فيما كان عليه لازماً من الإتيان بالعبادة هذا هو أولى، ويأتي بعد ذلك منزلة البلاغ، وهذا يندرج في سائر أبواب الشريعة قولاً وعملاً.

    إذا تحقق هذا وجب على الإنسان أن يأخذ بمراتب العمل، وأن يوطن نفسه على ذلك، وأن يعلم أنه قدوة يأخذ الناس بقوله ويهتدون بهديه من جهة العمل، وكثير من الناس بل عامة الناس يجهلون أن العالم لا يحتج لمذهبه بفعله، وإنما يحتج لمذهبه بقوله، وهذه قاعدة معلومة أن العالم ربما يخطئ أو يهم أو ينسى بفعله، فلا يلزم بذلك باعتبار أن هذا لا يمكن أن يكون من مذاهب العلماء، فإذا حكي عن عالم من العلماء أنه فعل فعلاً عارضاً على وجه الاعتراض، فإنه لا يلزم بذلك، ولا يقال: هذا من مذاهب ذلك العالم؛ وذلك لأنه قد يطرأ عليه من النسيان بخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه معصوم بقوله وفعله، أما العالم فإن ما يجري على لسانه من تقرير العلم هو المذهب الذي يلتزمه ويلزم به في أغلب الأحيان، وهذه قاعدة ينبغي التنبه لها.

    لهذا ينبغي للعالم أن يحترز عن كثير من مواضع الشبهات ولو كان محقاً، فإن الناس يقتدون به، لهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحترز من كثير من مواضع الشبهات ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام محقاً في ذلك، ومن ذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خبر الحسين بن علي، لما كان معتكفاً وزاره أزواجه فخرجن، وقال النبي عليه الصلاة والسلام لـصفية : ابقي، وذلك أن بيتها عند دار أبي أسامة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ووراءه اثنان من أصحابه فناداهم النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: إنها صفية ، فقال الرجلان من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: ( سبحان الله! أو أنت تقول ذلك يا رسول الله؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً ) و في رواية: ( شراً )، وهذا إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقاءً للظنة ودفعاً للشبهة مع كونه على حق.

    لهذا ينبغي للعالم أن يحترز من مواضع الشبهات، وذلك أن الناس يحملونه على ما يفهمون، وذلك أن العالم ينبغي أن ينظر إلى نفسه أنه عالم، وأن الناس جهال، وأن العالم يعرف حال الجاهل باعتبار أنه كان جاهلاً قبل ذلك فتعلم، فإن العالم أعلم بحال الجاهل من الجاهل بحال العالم، وذلك أن العالم كان جاهلاً فيعرف حال الجاهل، والجاهل لم يكن عالماً قبل ذلك فيعرف حال العالم وعذره، فوجب عليه أن يحتاط لنفسه احتياط العالم للعالم، واحتياط العالم للجاهل، وأن يحترز من ذلك احترازاً تاماً، والنظر في أحوال النبي عليه الصلاة والسلام وتتبع أقواله وهديه في بلاغه للناس، وكذلك في عمله بما أمره الله جل وعلا به أن يبلغ الناس يجد من ذلك عجباً، ويكفي أن الله سبحانه وتعالى قد جعل قدوة أهل الإيمان الحسنة هي برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    احتراز العالم عند مخالطة الناس وتبليغهم

    ومن المهمات في حق العالم أن يحترز عند المخالطة لغيره من الناس، فإن المتحقق في بلاغ الدين للناس أن يخالط العالم الناس بخلاف الجهال، الله جل وعلا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببلاغ الناس، والعلماء هم ورثة الأنبياء يتوجه إليهم الخطاب كما يتوجه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر والنهي، وذلك أن العلماء ورثة الأنبياء، كما أنهم ورثوا ذلك الوحي من جهة الامتثال فإنهم يرثونه أيضاً من جهة البلاغ، ويرثونه أيضاً من جهة العقاب عند التخسير، وذلك أن عقابهم عند الله جل وعلا أعظم.

    إن العالم في بلاغه للناس يجب عليه أن يخوض في مجالس الناس ببلاغ الحق المجرد من غير خوض في مجالس المبطلين بالباطل، أو سماع الباطل من غير أمر ونهي، وهذا يختلف فيه العالم عن الجاهل باعتبار أن العالم يعلم العلم ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بخلاف الجاهل الذي أمره الله جل وعلا ألا يقعد مع المبطلين، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [النساء:140]، والمراد من هذا عامة الناس الذين لا يكون لهم أمر ولا نهي، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدوته من العلماء فكانوا يخالطون الناس حتى في نواديهم، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحضر في نوادي المشركين في مكة، فيأمرهم عليه الصلاة والسلام بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ثم يغادر عليه الصلاة والسلام من تلك المجالس، ولذلك ينبغي للعالم أيضاً أن يحضر مجالس أهل الباطل لأن ذلك الحضور هو حضور بلاغ لا حضور استماع وتقرير، وأن يعلم الناس قدر هذا النوع، فالله جل وعلا الذي أنزل على رسوله عليه الصلاة والسلام البلاغ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67]، أمر الله جل وعلا رسوله بالبلاغ، وأمره أيضاً بنهي الناس عن الخوض والقعود في مجالس المبطلين، وذلك أن خوض النبي عليه الصلاة والسلام في مجالس أهل الباطل يختلف عن خوض غيره ممن يعتبره أهل الباطل أنداء لهم، فلا يستمعون لقوله، وذلك أن خوض غيره خوض تقرير، ومجالسة وتأثر، أما خوض النبي عليه الصلاة والسلام فهو بلاغ وبيان وإقامة حجة، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادر بالحضور إلى مجالس الناس، وهذه المسألة تحتاج إلى بيان وتحرٍ، وذلك أن الأصل في العالم أنه على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن البلاغ يصل إلى الناس، وأن العالم هو الذي يأتي إلى مجالس المبطلين، ولا يكون العالم ممن ينتظر أن يأتي الناس إليه، ولهذا ما يقوله كثير من المتأخرين ويضعونه من جملة قواعد الطلب أن العلم يؤتى ولا يأتي هذا من القواعد القاصرة، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى مبيناً حال المبطلين الذين لم يستجيبوا لنداء الحق يوم القيامة، قال: يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي [الفرقان:28-29]، يعني: أن الذكر والبلاغ قد جاءه حتى داره إلا أنه لم يؤمن بذلك الحق، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث المبلغين والدعاة إلى الله جل وعلا إلى أرباب الشرك والنفاق ليبلغوهم الدين، ويقيموا الحجة عليهم، فبعث من أصحابه عليهم رضوان الله تعالى عثمان إلى مكة وبعث أبا موسى و معاذ بن جبل و علي بن أبي طالب عليهم رضوان الله تعالى إلى اليمن وغيرها، وهذا يدل على أن العالم ينبغي أن يحضر مجالس المبطلين، وأن يبلغهم الحق.

    وأما مسألة احترام العالم وتعظيمه فإن هذا يكون عند طلاب العلم الخلص الذين يعرفون الحق لأهل العلم وأقدارهم، بخلاف الذين يصدر إليهم العلم وهم من أهل الجهالة المحضة، أو من أهل الإسلام ولكنهم من أهل الإعراض عن الحق، ولهذا وجب أن يقدر ذلك بقدره، ولهذا ذكر الله جل وعلا أحوال البلاغ فكان على نوعين في القرآن، بلاغ من العالم إلى أهل الجهل بمخالطتهم، وبلاغ في حال حضور الجاهل إلى العالم، يجب عليه أن يلين معه في الخطاب، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى مخاطباً نبيه عليه الصلاة والسلام: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6]، وذلك أنه يجب على الإنسان أن يتلطف مع الناس عند استجارتهم بمحمد صلى الله عليه وسلم بطلب الحق واستماعهم له، فأمر الله جل وعلا نبيه بأن يبلغهم الحق.

    مراعاة العالم لمراتب الناس وأحوالهم عند دعوتهم ومخاطبتهم

    كذلك من المهمات في حق العالم من جهة مخاطبته الناس أن يعرف مراتب المخاطبين، وأن يتجرد من جهة البلاغ، أن يتجرد في مراقبة الله سبحانه وتعالى من غير نظر إلى أحوال وآراء من حوله من طلاب الحق ودعاة الهدى، وأهل الحمية في الدين، وذلك أن العالم ربما يتمحض له من الرأي والخلوص إلى النتائج ما لا يتحصل لكثير من طلاب العلم وأهل الحمية كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، والواجب في ذلك قبل الولوج والخوض في ترجيحات أهل العلم في المسائل النازلة ومخاطبة الناس أن يعرف الإنسان أحوال المخاطبين، ومراتب الناس في معرفة الحق وكذلك مداركهم، فإن الإنسان إذا عرف ذلك فإن هذا فرع عن مسألة الترجيح في نوع الخطاب.

    النبي صلى الله عليه وسلم كان ينوع في مخاطبته للناس بحسب أحوالهم، فيجامل تارة ويصرح تارة، ويشد تارة ويلين ويرفق تارة بحسب الحال، وبحسب أحوال المخاطبين، وكذلك بحسب المسائل المنظورة من ذلك العالم، فإن معرفة العالم لمسائل الدين ومراتبها من جهة التشريع ومعرفة أحوال المخاطبين متلازمة يتمخض عنها معرفة المسألة النازلة، وكذلك الرأي الذي يتمحض للعالم مما لا يترجح لغيره، لهذا وجب على العالم أن يتحقق فيه العلم الحقيقي بمعرفة مراتب الدين، فإن للعلم مراتب وله مسائل، منها ما يتعلق بأصول الدين الكلية والمسائل المعلومة من الدين بالضرورة، وكذلك معرفة الأحكام الظاهرة التي ينبغي للإنسان أن يعرف مراتبها، وكما أن للعلم مراتب كذلك أيضاً للجهالات دركات، فينبغي لأهل العلم والمعرفة أن يعرفوا دركات الجهل، فمنها ما هو مغلظ كأحوال الإشراك مع الله جل وعلا، وهذا كما أنه في المسائل المنظورة فهو أيضاً في الأعيان التي ترتكب تلك المسائل، فثمة أهل شرك وثمة أهل نفاق، وثمة أهل معاصي، وهم يتفاوتون في ذلك بحسب المعصية التي يرتكبونها، كذلك الناس منهم أهل الشرف والسيادة، ومنهم من هم أهل الضعة والتواضع، فيجب على الإنسان أن يعرف لهؤلاء وهؤلاء قدرهم.

    كذلك معرفة المسألة من جهة بلوغها للناس، فمن الناس من لم يبلغه الدليل، فهذا ولو كان موغلاً بالبطلان يجب أن يتوجه إليه الخطاب بتوجه يختلف عمن بلغه الدليل، فالله سبحانه وتعالى أمر موسى وهارون أن يأتيا فرعون فقال الله جل وعلا: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا [طه:44]، أمر الله جل وعلا موسى وهارون عليهما السلام أن يأتيا فرعون فيقولا له قولاً ليناً، ولكن حين البلاغ وعند استحكام البيان وقيام الحجة انقلب الخطاب من اللين إلى التخويف، كما في قوله سبحانه وتعالى حاكياً على لسان نبيه موسى عليه السلام: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء:102].

    توجه إليه الخطاب هنا بعد أن علم أن الذي أنزل هذه النصوص هو الله سبحانه وتعالى، رب السماوات والأرض الذي عرفت قدره فوجب عليك أن تؤمن، وإنك لمثبور بعد معرفة البلاغ، وأما قبل البلاغ فأمر الله جل وعلا موسى وهارون أن يقولا له قولاً ليناً، جاء في كلام غير واحد من المفسرين أن يوصف بوصف يحبه، وذلك بتكنيته، أو أن يوصف بالملك، ولهذا وصف الله سبحانه وتعالى أهل الطغيان والبغي بأوصاف يحبونها كما يريدونها من أهل الدنيا، ولهذا وصف الله جل وعلا عزيز مصر بالعزيز مع كون هذا الوصف على سبيل الإفراد هو من أسماء الله سبحانه وتعالى، والعزة من صفاته سبحانه وتعالى، فأنزله الله جل وعلا بالقدر الذي يليق بالعباد على حسب تبادل تلك الصفات مما يليق بهم على حسب أحوالهم، والوصف الأكمل في ذلك هو حق لله سبحانه وتعالى، فينبغي للعالم أن يوجه الخطاب للأشخاص بحسب أحوال الخطاب وحسب الزمان، وذلك أن الخطاب لا يتوجه للناس على الدوام باختلاف تنوع الأفراد، وإنما بحسب المسائل، وبحسب كذلك درجة البلاغ، وكذلك بحسب الناس فيلين الإنسان معهم، وهذه من السياسة التي ينبغي أن يتحلى بها العالم في نظرته للناس.

    استعمال العالم اللين والرفق في دعوته وتعامله

    العالم مهما بلغ من المعرفة بعلم الله جل وعلا وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحيين كتاباً وسنة، يجب عليه أن يعمل سياسة المداراة مع الناس واللين والحكمة، وذلك أن العالم لا يمثل نفسه، وإنما يمثل دين الله حكمة وبلاغاً وسياسة وحنكة، فإن الوقوع فيه هو وقوع في الدين، وكذلك المدح فيه إنما يكون مدحاً لدين الله سبحانه وتعالى، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط، وإنما كان ينتقم لحرمات الله سبحانه وتعالى، وذلك أن انتقام العالم لنفسه يظنه الجهال بين وقت وآخر إنما هو انتقام للدين، فيمزجون ويخلطون بين الانتقام للنفس والانتقام للدين، فوجب على العالم أن يتنازل عن شيء من نصيبه من الدنيا حتى يسلم له الدين؛ لأنه إنما أمر بهذا القدر من المحافظة على دين الله سبحانه وتعالى.

    ولهذا قد جاء في الصحيح من حديث الأسود عن عائشة عليها رضوان الله تعالى قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه الرجل فيأذن له ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة )، وجاء في رواية: ( بئس ابن العشيرة )، فلما دخل عليه ألان النبي عليه الصلاة والسلام معه الخطاب، قالت عائشة عليها رضوان الله تعالى: ( يا رسول الله! لقد قلت ما قلت وألنت معه الخطاب، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه )، من تأمل هذا الخطاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن العلم يتفاوت مع كون عائشة هي الصديقة بنت الصديق ومن أهل المعرفة بالوحي، إلا أنها استنكرت من أول أمرها ما ظهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه تكلم في الرجل في حال مغيبه، ثم ألان معه الخطاب في حال شهوده، وذلك أن هذا الرجل ممن يتسلط باللسان، ويذكر من حال الشخص ما يبغي عليه عند الآخرين، وهذا ينبغي للإنسان أن يحترز معه بخلاف الاحتراز من غيره، وهذا الاستنكار من عائشة عليها رضوان الله تعالى فيه إشارة إلى أنه ينبغي للعالم أن تكون سياسته بتعامله مع الناس على السواء، أنه لا يتكلم في الناس في حال غيبتهم إلا بما يتكلم به في حال شهودهم، إلا عند الندرة، ولهذا عائشة عليها رضوان الله تعالى رأت أن هذا الفعل يختلف عما عهدته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان من النبي عليه الصلاة والسلام أن جامل ذلك الرجل مجاملة محمودة، وذلك حتى يدفع الشر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوقوع في عرضه، وهذا لا يمكن أن يتحقق للإنسان إلا بتجرد الإنسان لله سبحانه وتعالى، وخلوصه لله، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يبلغ هذه المنزلة بمعرفة هؤلاء الناس، ومعرفة كثير من مسائل العلم وأفرادها، وتنزيلها على كثير من أفراد الناس إلا بالالتجاء إلى الله جل وعلا أن يوفقه للحق والصواب، ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الله جل وعلا أن يرشده إلى طريق الحق والصواب، فإن سؤال الله جل وعلا الدلالة على الرشد، والسلامة من الغي إشارة متضمنة إلى الاعتراف بالتقصير، وأن الإنسان متجرد من الصواب ما ابتعد توفيق الله سبحانه وتعالى منه، ولهذا جاء في الصحيح من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: ( قلت لـعائشة عليها رضوان الله تعالى: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح به صلاته في قيام الليل؟ فقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في استفتاح صلاة الليل: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما اختلفوا فيه، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ).

    في قول النبي عليه الصلاة والسلام وتضرعه لله جل وعلا أن يهديه لما اختلف فيه من الحق، هذا الخلاف هو خلاف بأنواع المعارف، والأصل في ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام يأخذ العلم من الله سبحانه وتعالى، ولكن المراد بهذا الخلاف الذي يكون من أحوال الناس بمعرفة مراتبهم، وأحوالهم، وكذلك مراتب تنزيل الحق عند المفاضلة، وكذلك معرفة دركات الشر عند دفع الشر الأعظم بارتكاب الأدنى، هذا لا يمكن أن يتحقق للإنسان إلا إن كان ينظر بنور الله سبحانه وتعالى، لهذا وجب على العالم أن ينظر إلى نفسه بالتقصير، وأن ينظر إلى الله بالكمال، وأن يتضرع لله جل وعلا حتى يحميه من وجوه النقص، وأن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وهذا تضرع لله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته، وتضرع لله جل وعلا بأعظم العباد والمخلوقات عند الله سبحانه وتعالى بعد أنبياء الله جل وعلا، بأفضل الملائكة وخيرهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وأعظم المخلوقات مشاهدة السماوات والأرض، تضرع لله سبحانه وتعالى حتى يهدي الله جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام إلى هذا النوع وهذا القدر من الخلاف، فكان النبي عليه الصلاة والسلام على عصمة تامة من هذا الباب أرشده الله جل وعلا إليها.

    تقريب العالم لأهل الفضل واتخاذهم بطانة له وتفقده لأحوالهم

    في أبواب المخالطة للناس ينبغي للعالم أن يعرف مراتب الناس وأحوال الناس في درجاتهم من أهل الخير، وأن يعرف كذلك مراتب الناس من جهة الفضل حتى ينتقي العالم لنفسه الخلص من أهل المعرفة وأهل الصدق وأهل الديانة، وأن يسبر أحوالهم، لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرب الجميع، ولكنه لا يتخذ بطانة إلا أهل الصدق والديانة والمعرفة والإخلاص، فكان من حول النبي عليه الصلاة والسلام أبو بكر و عمر و عثمان و علي بن أبي طالب ، والعشرة المبشرون بالجنة من خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه لسعة خلقه وإحاطته بسائر الناس كان يدني سائر الناس حتى من المنافقين، كان يدنيهم عليه الصلاة والسلام، لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يريد للأمة الخيرية التامة، فمن هؤلاء من هو صاحب شر محض تكفى به الأمة شراً، وهذا باب عظيم من الموازنة لا يدركه كل أحد، ومن قال بأن العالم له سياسة تتفق مع سائر الناس حتى مع عامة الناس والجهلة بالمفاصلة بين أهل الخير وأهل الشر فهذا نوع من أنواع القصور، فإن النبي عليه الصلاة والسلام مع تحقق العلم التام عنده بالمنافقين بأسمائهم وأعيانهم، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام مع ذلك كان يقرب جملة منهم، وعامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا ممن يعرف هؤلاء بعينهم، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتذمرون من بعض أفعال المنافقين، والنبي عليه الصلاة والسلام يعرف حالهم تماماً، فكان عليه الصلاة والسلام يأمر أصحابه بالكف عن بعض القول دفعاً لمفسدة تطرأ وجلباً لمصلحة عظمى للأمة، وذلك أن العالم له من السياسة والنظر ما ليس لغيره، لهذا وجب على العالم أن يحتوي الناس، ويجب على العالم أيضاً مع احتوائه للناس ألا يتخذ بطانة إلا من أهل الصدق والديانة، فمع تقريبه لسواد الناس يتخذ بطانة من أهل الصدق، لهذا من نظر إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام وجد أنه لم يوص لأحد بعده بالخلافة، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام فهم السواد الأعظم من أصحابه أن أقرب الناس له بطانة من أصحابه هو أولى الناس به كـأبي بكر و عمر و عثمان و علي بن أبي طالب عليهم رضوان الله تعالى، وذلك أن القرب له مزية، فوجب على العالم أن يقرب أهل الصدق والديانة والمعرفة، لهذا يقول الإمام أحمد عليه رحمة الله كما جاء في مسائل ابن حامد قال: ينبغي للرجل أن يسأل عن شهوده كل قليل، فإن الرجل يتقلب من حال إلى حال، وهذا في حال الرجل من سواد الناس، فكيف بالعالم، فإن المشاهد عند نزول الفتن أن الناس يتغيرون من حال إلى حال لشدة عوارض الدنيا التي تقلب الناس من حال إلى حال بحسب وفرة الفتن في أزمنة الناس، فوجب على العالم أن يسأل عمن كان حوله؛ فإنهم يتقلبون من حال إلى حال، وهذا في زمن الإمام أحمد عليه رحمة الله، وهو وإن كان زمن الفتن إلا أن الفتن ليست كأزمنتنا التي أشار إليها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: ( يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي كافراً ويصبح مؤمناً، يبيع دينه بعرض من الدنيا ).

    إذا كان الرجل ينبغي أن يسأل عن شهوده كل قليل، والنبي عليه الصلاة والسلام أشار أنه في آخر الزمان يتغير الرجل من الكفر إلى الإيمان في نصف يوم من الصباح إلى المساء، وهذا من الكفر إلى الإيمان، ومن الإيمان إلى الكفر، من أقصى أبواب الخير إلى أقصى دركات الشر، فكيف في الدرجات التي بينها من درجات النفاق ودرجات المعاصي والذنوب، فوجب على العالم أن يكون من أهل المعرفة بمن حوله، فيسأل عنهم في حال الغيبة حتى يكون ممن يتخذ بطانة خالصة له، كذلك أيضاً فإن العالم لا يتخذ بطانة لنفسه، ولكنه يتخذ بطانة لدين الله صوناً لها وحياطة لها.

    مداراة العالم وتلطفه مع أصحابه عند رده لبعض آرائهم

    كذلك ينبغي للعالم مع مخالطته للناس: ألا يصيره الناس بتوجيههم له بما يريدون، وينبغي للعالم أن يعلم أنه إنما يوجه الناس بأمر الله المتمحض، بحسب النظر الذي يعطيه الله إياه، فلا يؤثر عليه مجالس ولا مخالط ولو كان من أقرب المقربين من بطانته، وإنما ينظر بنور الله سبحانه وتعالى تجرداً محضاً، لهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يرشده بعض أصحابه من الخلص من أصحابه لبعض الرأي، وكان يخالفهم عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أراد بذلك رأياً متمحضاً يريد بذلك إرضاء الله سبحانه وتعالى، فالنبي عليه الصلاة والسلام جمع بين الأمرين:

    الأمر الأول: أنه أصاب الحق الذي أراده الله سبحانه وتعالى.

    الأمر الثاني: أنه حفظ لمن له حمية في الدين من بطانته وكرامته، فلم يعنفه بما يقترحه عليه، أو ما يرشده إليه، أو ما يشدد عليه بأن يقوله أو يفعله، بل يخبرهم أن ذلك ليس من وجوه المصلحة، فيجد من أصحابه عليهم رضوان الله تعالى من يأخذ بظواهر الأحوال، فيأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء على سبيل الأدب أو يرشده إلى شيء رآه من وجوه الإرشاد، أو يستأذنه أن يفعل شيئاً من وجوه الأوامر الشرعية على سبيل العموم، لكن نوازل الأحوال تقتضي الإحجام عن ذلك، كما كان عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل بعض المنافقين، ووصف بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكفر، فكان النبي عليه الصلاة والسلام لا يعنف صاحب الحمية في الدين، ولكنه يخالفه في القول، وذلك أن الدافع لذلك هو حمية دينية، ينبغي ألا ينكر عليه في ذلك، ولكن ينبغي للعالم مع عدم إنكاره أن يخالف صاحب الحمية بما يريده الله جل وعلا؛ لأن العالم لديه من المعرفة والإدراك بخلاف من كان دونه.

    وكذلك أيضاً ينبغي للعالم ألا يؤاخذ شهوده بحسب حميتهم الطارئة عليهم في دين الله، أو مخالفتهم في بعض الأحيان، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يخالف أصحابه مفاصلة حتى في أحلك الظروف التي تكون بينه وبين طوائف الشرك، فكان النبي عليه الصلاة والسلام أيام أبي جندل وأيام الحديبية يخالفه بعض أصحابه عليهم رضوان الله تعالى في بعض الرأي، فيأخذ بقول غيرهم عليه الصلاة والسلام، فيتبين لهم بعد زمن أن الحق مع النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا جاء في البخاري في حديث سهل بن حنيف عليه رضوان الله تعالى أنه قال: اتهموا رأيكم في دين الله، والله لقد رأيتني أيام أبي جندل لو استطعت أن أرد من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لرددته، وهذا كان في مقام النبوة، ولكنه فيمن دونه يجب الاحتياط.

    لهذا ينبغي لعامة الناس أن يقدروا لأهل العلم نظرهم في نوازل الأمور، إذا تجرد العالم وكان من أهل التقى والعمل والإخلاص لله سبحانه وتعالى ممن لا يعرف له صبوة إلى شيء من متاع الدنيا، أو إرضاء أحد من الناس مقابل دين الله سبحانه وتعالى، فليعلم أنه إنما أراد بذلك شيئاً متمحضاً من إرضاء الله سبحانه وتعالى، فوجب أن يقدر له ذلك، ويجب أيضاً أن يقدر العالم أهل الحمية، فيكون بذلك موازنة فيصيب الحق الذي رآه، ولا يكون بينه وبين أهل العلم ممن يخالفه مفاصلة، وهذا نوع من السياسة لطيف، ينبغي للعالم أن يقدره بقدره.

    كذلك ينبغي للعالم أن يعرف مراتب المخالطين له، فإن هؤلاء المخالطين ممن يمثل العالم عند غيره، وكذلك ممن يؤثر عليه عند نفسه، فإنهم ممن يخوضون معه في الحديث فيؤثرون عليه في القول والفعل، وذلك ربما يكون دافعه حمية دينية، أو ربما يكون ذلك من الدخيل من أبواب الجهل فيقذفون بالجهل ويظنون أنه من العلم؛ لهذا وجب على العالم أن يحمي نفسه من عوارض الجهل، وكذلك أن يحمي نفسه من عوارض الدنيا حتى لا يتكلم بباطل ويظن أنه قد تكلم بحق.

    اهتمام العالم بتأصيل المسائل النازلة ومراعاة المصالح والمفاسد والمقاصد الشرعية

    إن العالم هو الذي ينظر إلى كثير من المسائل والنوازل بنظر الله سبحانه وتعالى، وينظر إلى المسائل بوجهين:

    الوجه الأول: بإعمال النص.

    الوجه الآخر: بتقدير المسألة النازلة بحسب ما يتردد عليها من مصلحة ومفسدة ثم يقيم في ذلك الموازنة.

    إن الأصل في الشريعة هو إعمال النصوص، والأصل في ذلك أن المصلحة تدور مع النص وجوداً وعدماً، وهذا هو الأصل الغالب، ولكنه ليس مطرداً على الإطلاق، والأصل كذلك في المفاسد أن المفسدة تكون في مخالفة الدليل الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه في بعض الأحيان قد تكون المفسدة في إعمال الدليل لمخالفة النازلة لذات الدليل وموافقته لمصلحة عظمى قررها الشارع، لهذا وجب على العالم أن ينظر إلى مراتب الأدلة، فمراتب الأدلة أعظمها ما قرره الشارع من المصالح العظمى من حفظ الضروريات الخمس، والمصالح الدنيا هي النظر إلى الأدلة المجردة، وكذلك يعرف العالم ذلك بحسب معرفة مراتب الناس وأحوالهم، لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل النص وعرف كذلك مراتب المخاطبين، فإن العالم الذي يحمل النص ولكنه يكون من أهل الجهل بمراتب الناس المخاطبين، والجهل كذلك بالمفاسد التي تئول عند تنزيل بعض النصوص فلا شك أن هذا نوع من القصور، بل نوع من الجناية، لهذا الأصل كما تقدم هو إعمال النص على الأغلب، والأصل أن المصلحة تدور مع الدليل وجوداً وعدماً، لكنه في بعض الأحيان يجب على العالم أن يقصر في إعمال الدليل في بعض النوازل، سواءً كان ذلك في الأدلة من الأحكام أو كان ذلك فيما دونها من مراتب الأوامر والنواهي سواء كان ذلك من أبواب الاستحباب، أو كان من أمور المنهيات مما يتعلق بمسائل التنزيل.

    روى الإمام أحمد في كتابه المسند من حديث شعبة عن قتادة عن نصر بن عاصم عن رجل منهم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأراد أن يبايعه على ألا يصلي إلا صلاتين، فهذه المسألة إذا أراد الإنسان أن ينظر إليها من جهة النصوص، فلدينا نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله جل وعلا أمر بالإتيان بالصلوات: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، وأمر الله جل وعلا بالركوع مع الراكعين، والسجود مع الساجدين، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإتيان بالصلوات الخمس جماعة، وأن من فرط في واحدة منها فقد ارتكب بغياً وظلماً، ولهذا من أخر صلاة واحدة حتى يخرج وقتها فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب على الأقل، وقد نص غير واحد من العلماء على تكفيره، والمترجح أنه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، كما قال ذلك عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى وغيره.

    ولدينا مصلحة في ذلك راجحة وهي الحفاظ على شيء من دين هذا الرجل حتى لا يخرج عن الإسلام، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل على الإسلام على ألا يصلي إلا صلاتين، وكان ذلك عام الوفود، وعام الوفود كان في آخر زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد استقرار الأحكام، وثبوت الأدلة أصولاً وفروعاً وأخلاقاً، فمن أراد أن يعمل الأدلة العامة الواردة والنصوص في كل قضية على الأغلب فإنه يوفق للصواب على الأغلب، ولكنه إذا استعملها على الاطراد فإنه يخطئ في بعض النوازل؛ لأن العالم الحق ينظر بنور الله، ويهتدي بهديه، وهمه في ذلك أن يعرف الناس الصواب ويدركونه وأن يعرفوا الخطأ؛ فإن الإنسان إذا دخل الإسلام مع إقراره بالصلوات الخمس، لكنه لا يؤدي إلا صلاتين خير ممن لا يدخل الإسلام ويبقى على وثنيته، فإدراك أحوال المخاطبين هو فرع عن معرفة الصواب في إنزال النصوص، ولهذا الإمام أحمد عليه رحمة الله كما ذكر القاضي ابن أبي يعلى حينما جاءه رجل، وقال: إن أبي أمرني أن أطلق زوجتي، قال له: لا تطلق، قال: إن عمر أمر ابنه عبد الله بن عمر أن يطلق زوجته. قال: حتى يكون أبوك كـعمر ، وذلك أن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى حاله تختلف عن حال المخاطب، فربما كان أبوه له حظ من حظوظ الدنيا، فـعمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى من أهل الصدق، فلا يأمر ابنه أن يطلق زوجته إلا ولديه من العلم والمعرفة من خبايا أحوالها ما يريد أن يصون بيته وبيت ابنه مع ستر لها، فأمره بطلاقها فطلقها بخلاف غيره من الناس ممن له حظوظ من الدنيا.

    لهذا وجب على العالم أن يعرف مراتب الناس، وألا يأبه بأقوال الناس الذين يتهمونه بالاضطراب، وأنه تارة يفتي رجلاً من الناس بقول، وتارة يفتي رجلاً بقول يختلف عن ذلك القول، فهذا نوع من القصور ينبغي ألا يضر العالم، وألا يجعله يحجم في كثير من المسائل النازلة، وهذا ينبغي معه للعالم البيان والبلاغ، فإنه لا ينبغي للعالم أن يسلم عرضه للناس، بل عليه البيان وتقرير المسائل وبيان أحوالها ومراتبها حتى يفقه الناس.

    تريث العالم عن الفتوى في المسائل التي لم تنزل بعد

    وينبغي أن يعلم أن إفتاء العالم في المسائل النازلة يختلف عن تقرير المسائل، المسائل ينبغي أن تقر كما جاءت، وأما الإفتاء في المسائل النازلة فإن الإنسان لا يفتي في مسألة إلا وقد نزلت، فإن المسألة إذا نزلت يتغير رأي العالم، فإذا قرر العالم مسألة من المسائل التي لم تنزل في زمنه فإنه إذا نزلت سيضطرب وربما يقول قولاً يختلف عن قوله ذاك، وإذا نظرنا إلى أحوال السلف وجدنا أنهم ينهون عن المسائل المفترضة التي لم تنزل بعد، وسبب نهيهم عن ذلك أن المسائل إذا نزلت كان لها وقع في النفس يختلف عنه في حال الافتراض، فربما يفتي فيها العالم قبل نزولها بقول يختلف عن حال نزولها، لهذا يجب على العالم ألا يتكلم في مسائل النوازل إلا وقد وقعت حماية للدين؛ لأنه إذا تكلم في مسألة من مسائل النوازل ولم تنزل قبل ذلك فربما إذا نزلت تكلم فيها عالم بعد ذلك فاحتج أهل المعرفة أو عامة الناس على ذلك العالم الذي تكلم في تلك المسألة بقول عالم سالف لم تكن تلك النازلة في زمنه، فضربوا قول عالم تكلم في نازلة لم تنزل في زمنه بقول عالم آخر نزلت في زمنه فاختلف القول فيها، والقول الحق في ذلك للعالم العامل المتجرد المخلص الذي نزلت في زمنه، ويقدم على العالم العامل الذي لم تنزل في زمنه.

    ولهذا ينبغي للعالم أن يحترز في مسائل النوازل، ليس حماية له بل حماية للدين، حتى لا يذم الدين، ولا يتنقص أهل العلم والمعرفة، ولو كان بعد ذلك؛ لأن العالم لا يعيش لزمنه فقط، بل يعيش للأزمنة المتتالية، ولو جاءت بعد قرون مديدة، لهذا وجب على العالم أن يصون لسانه من الخوض في كثير من المسائل حتى لا تنقل عنه فيقدح في أهل العلم، ويقدح في أهل الديانة وأهل المعرفة والصدق، وينسب ذلك إلى أهل العلم، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحجم ربما في بعض الأحيان عن بعض الحق، خوفاً من باطل عظيم يدفع حقاً آخر هو أعظم من ذلك الحق الذي أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يقيمه، لهذا النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل أحداً من المنافقين في المدينة، وعلل ذلك بقوله لـعمر : ( أتريد أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه )، وفي قول النبي عليه الصلاة والسلام ذلك لـعمر قاعدة عظيمة، وهي أنه ينبغي للعالم أولاً أن يعرف أحوال الناس فيما يتحدثون به ولو كانوا عن بعد، وهذا من المسائل الدقيقة، لذا ينبغي للعالم أن يكون من أهل اليقظة والمعرفة بما يقوله الناس، ولو كانوا من أهل البعد.

    والنبي عليه الصلاة والسلام ما قال ذلك إلا وقد وصل إلى سمعه شيء من هذا، وهذا فيه فوائد جليلة يأتي الكلام عليها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم درأ مصلحة قائمة بمصلحة عظمى تأتي وهي انتشار الدين خشية أن يدفع ذلك بمفسدة وهي أن ينتشر باطل ويسري في الناس، فيدفع مصلحة أعظم من إقامة تلك المسألة العينية، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قصد مسألة عظمى.

    ومن تأمل أبواب الموازنة التي كانت في زمن النبي عليه الصلاة والسلام يجد أن النبي عليه الصلاة والسلام يدفع مصالح عينية وقضايا عينية لتحقيق مصالح عظمى، وهذا هو الأغلب، وأما عكس ذلك بأن يدرأ العالم مصالح عظمى لتحقيق مسائل شرعية عينية، فهذا من البغي والعدوان، وهذا من دقائق الترجيحات في مسائل الديانة، وبه يعرف العالم الصادق الذي همه دين الله جل وعلا من العالم الذي همه حظ من حظوظ الدنيا، فإن العالم إذا مال إلى شيء من حظوظ الدنيا وركن إليها فإنه يقدم حظه، ويدعي بذلك أنه أراد إرضاء الله سبحانه وتعالى.

    الأصل في أبواب الموازنة أن العالم يدرأ مسألة عينية تحقيقاً لمسألة عظمى، ولا يدرأ مسألة عظمى لجلب مسألة عينية أو قضية عينية، ومن نظر في ذلك وجد هذه القاعدة شبه مطردة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضاً في أزمنة العلماء بعده في المسائل النازلة، كذلك في قول النبي عليه الصلاة والسلام لـعمر : ( أتريد أن يتحدث الناس )، وفيه أنه ربما يكون بعض أهل العلم والصدق والمعرفة ممن يكون قريباً من العالم لكنه لا يدرك ما يدركه العالم، فينبغي له أن يبين له وجه الرجحان، وأن التغليظ على أهل الحمية الدينية وأهل الصدق لدين الله جل وعلا هذا ليس من نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ينبغي التلطف بالخطاب، فإن الدافع لذلك حمية دينية، وكذلك بيان المصلحة والقاعدة الشرعية، وأن تعنيف الناس وتعنيف أهل الصدق وزجرهم بأنهم لا يعرفون الغايات، ولا يعرفون المصالح، ولا يدركون المآلات وتسفيه أحلامهم أن هذا ليس من منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء، بل ينبغي له أن يحتوي الناس، وأن يتلطف معهم، وأن يدنيهم، وأن يبين لهم أن قصورهم في بلوغ تلك الغايات التي يدركها ليس بمنقص من مقامهم في دين الله، ولا من حميتهم، وأن لديهم من الغيرة والحمية ما يدفعهم إلى قول الحق.

    عدم الانتصار للنفس والتحلي بالصبر

    كذلك أنه ينبغي للعالم أن يفتح مسامعه أيضاً لمن يتكلم في عرضه، وأن يعلم ما يقوله الناس فيه حتى في غيبته، ولكن يتحلى بحلية تختلف عن العامة، فإن العامة إذا بلغهم شيء مما يقال فيهم انتصروا لأنفسهم، أو تتبعوا أقوال الناس، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يستمع إلى ما يقال عنه، وكان من أصحابه من ينقل إليه ما يقوله الناس عنه، حتى من كان من المسلمين من أهل المدينة، ولهذا ترجم البخاري في كتابه الصحيح قال: باب من أبلغ صاحبه ما يقال فيه، وأسند فيه ما جاء في حديث أبي وائل عن ابن مسعود عليه رضوان الله تعالى قال: ( قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم مالاً بين أصحابه، فقال رجل من الأنصار: والله ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه القسمة وجه الله، قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغه ما قال به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تمعر وجهه، وجاء في رواية: وقد تمغر وجهه عليه الصلاة والسلام، فقال: رحم الله موسى، لقد أوذي أكثر مما أوذيت فصبر ).

    في هذا جملة من الوقفات للعالم، منها أنه ينبغي أن يقيس الأذى لا بذاته التكوينية التي تطيق أو لا تطيق، بل ينبغي أن يقيس الأذى بأهل العلم والمرتبة ممن سبقه من أهل الصدق والديانة، فإن العالم إذا قاس ذلك الأذى الذي يلحقه بمقياسه الفطري لنفسه، فربما لا يتحمل الإنسان شوكة، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما سمع ذلك القول من أصحابه وبلغه إياه قال: (رحم الله موسى) تذكر أهل الفضل من أهل البلاغ، والذين أوذوا بهذا القدر من الأذية، وما قاس نفسه بأرباب الدنيا الذين لا يتحملون الأذى، بل ينبغي للعالم أن يقيس نفسه بأهل طبقته من أهل المعرفة والصدق.

    كذلك ينبغي للعالم أنه إذا بلغ بقول يقال فيه ألا يستنكر على المبلغ قوله، وأن يعلم أن هذا ليس من النميمة، بل من الأمور التي ينبغي للعالم أن يتحملها، وأن يصبر عليها، فعلى المبلغ قوله، والكلام الذي يصل إلى العالم من سواد الناس ودونهم يختلف عن الكلام الذي يصل إليه عن عالم مثله، فذلك نوع من النميمة، وذلك نوع من معرفة أحوال الناس وعامتهم.

    كذلك أيضاً ينبغي أن يعلم أنه ربما يكون من سواد المسلمين من يقدح على العالم في بعض الرأي، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان من أصحابه من قدح عليه في بعض رأيه، كما قال هنا في هذا الخبر: قال رجل من الأنصار ممن يصنف أنه من الأنصار، يعني: ممن ناصر رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وجه الله، فصبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    التحلي بالتغافل لا الغفلة

    ومنها أيضاً: أن النبي عليه الصلاة والسلام تغافل عن ذلك البغي في حقه عليه الصلاة والسلام، وقال حينما تمعر وجهه عليه الصلاة والسلام: ( رحم الله موسى، لقد أوذي أكثر مما أوذيت فصبر )، النبي عليه الصلاة والسلام تمعر وجهه إشارة إلى الأذية النفسية التي طرأت عليه وأنه ينبغي للعالم أن يتحمل.

    كذلك أيضاً في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أوذي موسى أكثر مما أوذيت ) أي: أنه قاس ذلك الأذى بالعلية والصفوة ممن كانوا في درجة النبوة فصبروا، فينبغي أن يصبر النبي عليه الصلاة والسلام على هذا القدر من الأذى، كذلك ينبغي لمن سمع كلاماً في عالم له أثر في سياسته مع الناس، وله أثر أيضاً في بلاغه وتعليمه للناس أن يبلغه إياه بحكمة وعقل من غير دس لغل أو حقد في ذلك، وكذلك أن يعرف لأمثال هذه الأقوال مراتبها ودرجاتها حتى يكون من أهل التجرد والصدق، حتى يبلغ الأمر في دين الله سبحانه وتعالى، ويكون في ذلك عوناً.

    كذلك أيضاً ينبغي للعالم أن يتحلى بالتغافل، والتغافل شيء والغفلة شيء آخر، أهل العقل والحكمة والدراية والمعرفة هم أهل التغافل، وأما أهل السذاجة والجهل هم أهل الغفلة، وبينهما كما بين المشرق والمغرب، العالم يعلم ما يدور، ويعلم ما يخوض به الناس، ولكنه لا يتكلم إلا فيما ينفع، أما الجاهل وعامة الناس فيتكلمون فيما ينفع وما لا ينفع، ولهذا يقول أهل المعرفة: لا يتغافل إلا الأحرار، وقد روى أبو بكر بن أبي الدنيا ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان من حديث عثمان بن زائدة قال: ذكرت عند الإمام أحمد عليه رحمة الله التغافل، فقلت: إن العافية عشرة أجزاء، تسعة منها في التغافل، فقال الإمام أحمد : العافية عشرة أجزاء، عشرتها في التغافل، يعني: أن الرجل والعالم ينبغي أن يتغافل عما يصل إليه، وليس هذا نوعاً من السذاجة، بل نوع من تقدير مقام الرجل، ألا يخوض في دقائق الأمور وتفصيلاتها، وألا يخوض في جزئيات الأمور التي تصل إليه، فإن هذا يسقط مهابة العالم، فالعالم لا يتكلم إلا فيما ينفع.

    وكذلك أيضاً فإن التغافل عن كثير مما يرد إلى العالم يحليه بالصبر، فإن الإنسان إذا اعتاد أن يخرج كل ما يصل إليه من دقائق أخبار الناس وأذيتهم له، وأحوالهم وما يخوضون في مجالسهم لم يكن من أهل التحلي بالصبر، بل ينبغي على الإنسان أن يتجلد بالصبر، وأن يذكر ما يسليه، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يذكر من يسليه كموسى عليه السلام، فينبغي لمن دونه أن يتذكر ما حصل لمن هم أعلى منه من الأنبياء والصديقين وغيرهم في سبيل الله جل وعلا، فيتحلوا بهم في هذا الأمر، لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحلى بالتغافل، وعدم إثارة ما يبلغه من أحوال الناس، وإنما يبلغه الخاصة إليه من أصحابه، وهذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي للعالم أن يتخذ بطانة، وألا يتخذ من البطانة إلا أصحاب السر الخلص، وأن أصحاب السر يقدمون بالإسرار إليهم على أهل العلم والصدق من أهل البطانة والمعرفة، لهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يخص حذيفة بن اليمان، وهناك من هم أعلى منه في مقام الصديقية والصحبة كـأبي بكر و عمر و عثمان و علي وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أمين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعرفته بمقام السر الذي يريد النبي عليه الصلاة والسلام حفظه.

    لهذا ينبغي للعالم أن يعرف مراتب شهوده في مقام السر، ومقام العلم، ومقام الدراية بأحوال الناس، وكذلك معرفة مراتبهم، والصبر والتجلد في ذلك وأن ينزل كل واحد منزلته، فكل واحد منهم يخصه بحديث، ولهذا كان العالم يتغافل، ويبدي شيئاً ويكتم شيئاً، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كانت سياسته التغافل حتى مع أقرب الناس إليه، وهم أزواجه كما في قوله جل وعلا: عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ [التحريم:3]، يعني: عرف شيئاً وأعرض عن بعض، وهذا نوع من أنواع التغافل، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [البقرة:267]، قال غير واحد من العلماء: أن تغمضوا أبصاركم عن ذلك الذي قدم إليكم تغافلاً وعدم تدقيق فيه، ولهذا يقال: إن الصحيح إذا رمدت عيناه فإنه يغمضهما حتى لا يسري الرمد في عينيه فيؤذيها، فإن من الحكمة أن يغمض عينيه، وإغماض العينين لمن أصابه الرمد خير من الإبصار، وهذا نوع من التغافل في صحة البدن، كذلك فإن التغافل في صحة القلب والجسد والدين من الأمور المحمودة التي ينبغي للإنسان أن يصونها، وأن يتعامل فيها بقدر الأمور التي يضعها العالم في نصابها.

    ينبغي للعالم أن يعرف ما يدور فيه أهل العصر بمعرفة مراتب طوائفهم، ومعرفة الفرق وأهل الظلال، ومعرفة أحوالهم، فلا يليق بالعالم أن يعيش في زمن ولا يعرف مراتب الناس فيه، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف مراتب الناس، وكذلك يعرف أحوال المخاطبين، ويوجه إليهم الخطاب بحسب مراتبهم، ومن قال: إن الخطاب يتوجه إلى الناس على حد سواء فهذا نوع من أنواع الجهل كما تقدم الكلام عليه في قصة فرعون، فإذا كان الرجل في ذاته يتنوع معه الخطاب في ابتداء البلاغ وفي آخره، فكيف في أمم مختلفة من جهة المشارب، ومن جهة العقائد، ومن جهة الذنوب التي يقترفونها، فإذاً معرفة العالم لأحوال الفرق والمذاهب في زمنه من المسائل المهمة، لهذا وجب على العالم أن يعرف الفرق، فلا يليق بعالم أن يعرف الطوائف المندثرة، ولا يعرف الطوائف الحالية التي تخوض في الأمة في زمنه، كذلك ينبغي على العالم أن يعرف دقائق الطوائف التي تزيد نكاية في الدين، وعداوة لدين الله سبحانه وتعالى، ويجعل لها من العناية والاهتمام بمعرفة أحوالها ومكائدها وطرائقها في محاربة الدين، بل تقدم المعرفة بها على غيرها من الفرق التي لا ضرر فيها يشابه ضرر تلك الطائفة، لهذا لا يليق بالعالم أن يعرف الطوائف المندثرة، أو التي توجد في بعض مشارق الأرض أو مغاربها، ولا يعرف الطوائف التي تغزو الإسلام، لهذا يجد العالم من الطوائف المعاصرة طوائف من الخوارج، ويجد طوائف من المعتزلة، والزيدية، والأشاعرة، وكذلك العلمانية، واللبرالية ونحو ذلك، فلا يليق بعالم يشار إليه بالبنان أن يعرف أحوال المعتزلة والزيدية وقد انقرض كثير منهم، ولا يعرف حقائق اللبرالية والعلمانية وطوائف الأشاعرة وحقيقتهم، أو يعرف بعض الطوائف المندثرة كالزيدية وغيرها، ويعرف طبقاتهم وأصولهم ومشاربهم، وعلمائهم، وأعلامهم، ويجهل الطوائف المعاصرة التي لها نكاية في الإسلام، فهذا نوع من أنواع القصور، وينبغي أن يعلم أن العالم قد يوجه الخطاب للناس ويريد به ما هو أبعد من الخطاب، وهذا من السياسة في تبليغ العلم والدين لله سبحانه وتعالى، لهذا تبليغ الخطاب للناس ليس المراد به أن يتذكر المخاطب، وأن يتذكر المأمور والمنهي في شيء مما يقع فيه أو ما يتركه مما أمر الله جل وعلا به أو نهى عنه، فقد يتوجه الخطاب لأحد من الناس ويراد به غيره، أو يراد به الأتباع، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يأمر أبا لهب والله جل وعلا قد أنزل فيه سورة المسد وهي سورة مكية، فالله جل وعلا لما أنزل عليه قوله سبحانه وتعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]، كما جاء في البخاري و مسلم من حديث سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، قال: ( لما أنزل الله جل وعلا على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] صعد على الصفا، فقال: يا بني فهر! يا بني عدي! فذكر بطون قريش بطناً بطناً، فاجتمعوا إليه، ومن لم يأت منهم أرسل رسولاً إليهم لعظم الخطب، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: واصباحاه، إن أبلغتكم أو أخبرتكم أن ثمة جيشاً يريد أن يصبحكم أو يمسيكم، أتكذبوني؟ قالوا: ما عهدنا عليك كذباً. قال: إني رسول الله إليكم بين يدي عذاب أليم فكذبه من كذبه، وقال أبو لهب : تباً لك، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله جل وعلا فيه سورة تتلى إلى يوم القيامة )، والشاهد من ذلك أن الله جل وعلا قال فيه سبحانه وتعالى: سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ [المسد:3]، ختم الله جل وعلا عليه خاتمة سابقة لأجله، والأصل في البشر أنه لا يحكم لأحد بجنة ولا نار حتى يختم عليه بذلك ويتيقن الإنسان من ذلك، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين وغيرهما: ( إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها )، أما أبو لهب فسبق عليه الكتاب قبل حضوره الأجل، وقبل ذلك الذراع لهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يوجه إليه الخطاب، ويأمره بالتوبة، ويأمره بالرجوع والمخاطب كفار قريش، وقاتل النبي عليه الصلاة والسلام أبا لهب ويعلم أن مصيره النار، وهذا ليس من التكليف بما لا يطاق، وإنما المراد ما هو أبعد من ذلك، ولهذا ما يقوله بعض أهل الأصول وأهل الكلام أن هذا نوع من أنواع المخاطبة بما لا يطاق، أو التكليف بما لا يطاق، فهذا نوع من أنواع الجهالات، بل هو تكليف بما يطيقه غيره، والمخاطب به غيره، لهذا العالم قد يوجه خطاباً لشخص ويريد به الأتباع، أو يوجه خطاباً لشخص بعينه ويريد به من حوله.

    ولهذا القاعدة التي تقول: إن الإنسان لا يذكر إلا من يتذكر، فيها نوع قصور، فقد يذكر من لا يتذكر لحكمة بالغة ويعلم المخاطب أنه يريد غيره، لهذا وجب على العالم أن يعرف أحوال الناس ومراتبهم من جهة القدوة فإن القدوة يخاطبون بخطاب يخالف غيرهم.

    التماس العذر للمخالف

    كذلك من الأمور المهمة: أنه ينبغي للعالم أن يلتمس العذر للمخالفين من أهل العلم، ما وجد لهم في ذلك سبيلاً، وأن يعرف مراتب الخلاف مع أهل العلم، وأن يعرف أن للحق دوائر تتباين كبراً من جهة الحجم، فالعالم يكون معه في حياض العلم طائفة، ويكون معه من أهل العلم طائفة أخرى في دائرة أبعد من تلك الدائرة حتى يستحكم الشر في الناس شيئاً فشيئاً حتى يكون هنالك الشر المحض، فوجب على الإنسان أن يعرف مواضع الخيرية في الناس، فيقدر للناس قدرهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف للناس قدرهم، ولم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يعنف المقربين من أصحابه كـأبي بكر و عمر و عثمان و علي عند من فيه شر من المنافقين وغيرهم، وإنما كان النبي عليه الصلاة والسلام يخصهم بعتاب، ويخصهم بإعراض بنوع من أنواع التخصيص، كذلك ينبغي للإنسان أن يدرك مواضع الزمان، ومواضع المكان، ومواضع الأشخاص، ومواضع المسائل، فهذه أمور أربعة لابد أن تتوفر للعالم من جهة الإدراك، وفي كل باب درجات متباينة كما بين أبواب العلم من تباين، فالأزمنة تتفاوت من جهة الشر المستحكم فيها، كذلك المسائل المنظورة تتفاوت من جهة إلزام الشارع بها، وكذلك أيضاً الأشخاص يتباينون من جهة قبولهم للحق وعدمه، وكذلك بمقامهم من جهة الناس، كذلك توجيه الخطاب والمكان يتفاوتون من حال إلى حال، فيجب على الإنسان أن يقدر لهذه الأمور مراتبها حتى لا يحيف في البلاغ، وأن يحترز لذلك، وأما من يرمي بالحق كيفما اتفق، ولا ينظر لمراتب الناس وأحوالهم، ومراتب المخاطبين، فإن هذا نوع من أنواع القصور في السياسة، وربما كثير من أهل القصور في الفهم يظنون أن كل من حمل نصاً من النصوص الشرعية أصاب حقاً أينما أنزله، وأن من ادعى الرجوع إلى شيء من المقاصد الشرعية أصاب حقاً أينما أنزله، هذا الأخذ به على الأغلب نقص كما تقدم الإشارة إليه، الأصل الأخذ بالنصوص وإنزالها على الناس إلا في المسائل التي يتمحض فيها المصلحة، والأصل في ذلك أن المصالح تدور مع النصوص وجوداً وعدماً، والمصالح شرعية مرئية فيما لم يرد فيه نص، والأمور تقدر بقدرها، والعالم في ذلك ينبغي عليه أن يصون نفسه من دنس الدنيا وحظوظها.

    ينبغي للعالم في أبواب المخالطة ألا يلزم نفسه بمخالطة طائفة بعينها، وإنما يخالط الناس جميعاً، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يخالط سواد الناس؛ لأن أكثر الناس هم البسطاء والمتوسطون من سواد الناس، وإن نقده العلية من كبراء قريش بأن الذي اتبع النبي عليه الصلاة والسلام هم الأرذلون، وإن زعموه عيباً فليس بعيب، فينبغي للعالم وإن كان من أهل العلية في النسب كحال النبي عليه الصلاة والسلام وإن كان من أهل العلية في العلم كمقام النبوة عليه الصلاة والسلام ينبغي ألا يأنف من مخالطة سواد الناس، كذلك أن يكون لأهل الدنيا نصيب فيخالطهم بتذكيرهم بالله جل وعلا، وأن يعلم أن الإنسان يتأثر بالمخالطة كسائر المخاطبين وسائر الناس، وأن الإنسان إذا خالط أرباب الدنيا وجعل لهم نصيباً من مجالسه أكثر من أهل الدين والمعرفة وأكثر من سواد الناس الذين ليس للدنيا نصيب في نفوسهم أن هذا يؤثر في دينه شيئاً فشيئاً، وذلك أن الإنسان إذا تكلم في شيء من مسائل الدين يستحضر المخاطبين، فإذا كان يكثر الخوض مع أهل الدنيا أو أهل الجاه، أو أهل السلطان، أو أهل الفقر، أو أهل التوسط من الناس فإنه يستحضرهم أمامه، فيحيف بحسب إدراكه للمخالطين أمامه؛ لأن للإنسان بصراً وله بصيرة، والبصر له أثر على البصيرة، فتحيف بالإنسان يمنة ويسرة من حيث لا يشعر الإنسان.

    لهذا وجب على الإنسان أن يزن هذه الأمور بميزان قسط حتى ينصف مع الله جل وعلا، وينصف مع نفسه، وينصف مع المخاطبين، والمفاصلة في توجيه الخطاب بعدم توجيه الخطاب للناس عامة نوع من القصور، فينبغي للعالم أن يخوض في مجالس الباطل بالحق، وكذلك أن يشهد أنواع مجالس أهل الدنيا ببيان الحق، والتقلل من الضرر اللاحق لدينه، وأن يخوض مع سواد الناس على الأغلب؛ لأنهم الأكثر من الناس، وهم المخاطبون لأن الأمر يتعلق بنجاة الناس يوم القيامة، وهذا يتعلق بسواد الناس لا بالأفراد، لهذا النبي عليه الصلاة والسلام قاتل سادات قريش وحظي بكثير من سواد قريش فدخلوا معه الإسلام، ولهذا ينبغي للإنسان أن يوازن في هذا الأمر باللين في الخطاب مع أهل السيادة والرفعة طلباً لتأليف قلوبهم ودخولهم في الإسلام واتباع الحق، فربما كان التعنيف في مخاطبة العلية مجلبة للتكبر عن الحق وعدم اتباعه، واتباع الباطل وسلوكه، والحيدة عن طريق الحق، وهذا من المفاسد العظيمة التي لا يدركها الإنسان.

    التجرد من حظ النفس

    كذلك من المسائل المهمة التي ينبغي للعالم أن يسوسها في نفسه، وكذلك أن يسوسها مع غيره أن يدرك أنه ربما امتزج حظ نفسه مع إرضاء الله ودينه، وينبغي للعالم في أمثال هذه الأمور أن يتجرد من حظ النفس فلا ينتقم لها، وذلك أن العالم يحمل دين الله جل وعلا، وخصومه ربما يبغون عليه بالوقيعة في عرضه، بالطعن فيه وسبه، أو الوقيعة في شيء من دنياه، أو تعييره، أو القدح فيه، أو في أهله ونحو ذلك، فربما يمتزج حظه لدينه مع حظه لدنياه، فيريد أن ينتصر لدينه فينتصر لدنياه، وربما يريد أن ينتصر لدين الله جل وعلا فيتكئ على قاعدة من انتصاره لدنياه، ويتلفظ بألفاظ النصرة للدين، لهذا ينبغي للعالم أن يتزن في هذا، لهذا ينبغي في الخطاب اللين والرفق، وأن ينحي الإنسان حظ الدنيا وحظ الذات وأن يريد أن ينقاد الناس لدين الله جل وعلا.

    يوسف عليه السلام بغي عليه بغياً عظيماً، وابتلي بلاءً عظيماً، وأودع السجن من غير جريرة عليه الصلاة والسلام، فلما لبث في السجن بضع سنين، فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ [يوسف:50]، ابتلي هذا البلاء، ووقع الضرر عليه في نفسه، وحرم من حريته التامة، وامتزج هذا مع الضرر الواقع على النفس، والضرر الواقع على الدين من عدم التمكين بالبلاغ بأمر رب العالمين، وتصديق حق الله سبحانه وتعالى، وإذا كان الإنسان في مثل هذا الموقف فربما حاد ولم يلن، ولهذا قال يوسف عليه السلام متجرداً لحق الله جل وعلا، قال: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ [يوسف:50]، ما سب العزيز، وما وقع في امرأته التي هي السبب في أذيته، وإنما ألمح من بعيد؛ لأنه يريد نصرة الحق، قال: مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ [يوسف:50]، وهؤلاء النسوة هن مدفوعات مكرهات، وقد جلبن من أرجاء المدينة، حتى يرين يوسف عليه السلام، فلما رأينه أكبرنه عليه السلام والدافع لذلك هي امرأة العزيز، وما قال: اسأله عن امرأة العزيز، وإنما سأله عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن؛ لأن ذلك كافٍ في معرفة الحق؛ لأن الوقيعة في امرأة العزيز يأنف منها الملك، فأنصف يوسف عليه السلام، لينتصر دين الله جل وعلا، فلم ينتقم لنفسه ممن بغى عليه؛ لأنه يحمل دين الله جل وعلا كما يحمل بين جنبيه نفسه، ولا يعيش لنفسه، فالعالم يعيش لدين الله سبحانه وتعالى.

    لهذا ينبغي للعالم أن يعرف مراتب الخصوم، ومراتب المخالفين له، والمخالفين لدين الله، وألا يمزج بين هذا وهذا، وألا يطيش في الرد، وأنه إذا رد أن يتحرى الدقة والصواب، والانقياد والاتباع، وأن يلين في مواضع اللين، وأن يشد في مواضع الشدة، وأن يأخذ بأسباب ذلك وأن يأخذ بالالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى أن يلهمه ذلك الصواب، لهذا كثير ممن يذب عن دين الله جل وعلا يظهر في قوله الحدة على من بغي عليه في ذاته، فيظن أنه ذب عن دين الله، وهو قد تشفى لنفسه من حيث لا يشعر، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام طعن فيه طعناً عظيماً، والله جل وعلا ما ذكر في كتابه العظيم إلا شيئاً من الطعن اليسير كأعلام تدل على ما دونها، وإلا فكفار قريش قد أنشدوا الأشعار في النبي عليه الصلاة والسلام، وأجلبوا على النبي عليه الصلاة والسلام بخيلهم ورجلهم، فكتبوا الأشعار والمعلقات والقصائد، ونشروها في الآفاق وفي أطراف المدينة وأطراف مكة حتى يحفظها الناس ويحفظها الصبيان والجواري والغلمان، حتى يسيئوا بذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن العرب تحفظ الأشعار أكثر من المنثور، يريدون بذلك أن يوغلوا في الأذية برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن هذه الأشعار اندثرت ولم تحفظ؛ لأن العلماء شددوا فيها، وقالوا: إن من حفظ في صدره بيتاً فيه قدح برسول الله صلى الله عليه وسلم مما قاله كفار قريش فهو كافر مرتد، ولهذا لم يحفظ شيء من أشعار سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما حفظ إلا من العناوين الظاهرة مما أبقاه القرآن من اتهام النبي عليه الصلاة والسلام بالسحر والجنون والكذب، وغيرها من أقوال البهتان، وهذه تحتها من البلايا والقدح برسول الله صلى الله عليه وسلم ما تحمله عليه الصلاة والسلام، ولهذا ينبغي للعالم أن يتجرد لدين الله، والنبي عليه الصلاة والسلام مع هذا كان خطابه اللين والحكمة والانتصار لله، يشد في موضع الشدة بحسب أصول الدين وقوتها، وكذلك يلين في مواضع اللين بحسب المقاصد؛ لأن نظره للدين وليس النظر للحظ، ولا يمكن للإنسان أن يصيب في هذا النظر كإصابة محمد صلى الله عليه وسلم إذا جرد نفسه من الدنيا وشبهاتها، وشهواتها، فإن الإنسان إذا ركن إلى الدنيا وركن إلى المال، وركن إلى الجاه، فإنه قلما يصيب في المواضع الممتزجة، فإنه يميل إلى الشبهات والشهوات وحظ النفس من حيث لا يشعر، ويظن أنه انتصر لدين الله جل وعلا، وما انتصر لنفسه، وهذه أبواب يدركها عند الوقوف بين يدي الله، فقد كان يظن أنه تعلم العلم لله، ولكنه تعلم العلم في الحقيقة ليقال عالم، فتزول عنه الغشاوة بين يدي الله سبحانه وتعالى، فيسحب ويلقى في النار، والعياذ بالله، وذلك أنه تعلم العلم لغير الله جل وعلا، لهذا وجب على العالم أن يحذر من مكامن النفس، وأن يحذر كذلك أيضاً ممن حوله ممن يريد أن يأخذه عن طريق الحق إلى طريق الباطل، سواء كان من أهل الصدق، أو من أهل البغي، فعلى العالم أن ينظر بنور الله ويهتدي بهدي الله، وينظر إلى الكتاب والسنة ويعملهما، وألا يتأثر، وأن يلتجئ إلى الله جل وعلا في حال الوقوع في عرضه، والاتهام له، وليعلم أنه إن تجرد لله جل وعلا وازن في ذلك، وإن خالفه أكثر أهل الأرض، وإن كانوا من الخلص من أهل العلم والمعرفة، فليثبت على دين الله، ولهذا أبو بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى خالفه جمهور الصحابة في قتال المرتدين، فثبت على ما لديه من علم، وقد خالفه العلية من الصحابة كـعمر وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآبوا إلى الحق لما بلغهم الدليل أوبة الصديقين العارفين المتبعين للحق، وأما من خالف في ذلك ونكس على عقبيه فحكمه حكم من قاتله أبو بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى من المرتدين وغيرهم.

    وفي زمننا هذا وجب على العالم أن يحتاط في هذا الأمر أشد حيطة، وذلك أننا في زمن يمكن أن يجير فيه العالم تجييراً عظيماً وفق ما يريده أفراد، ووفق ما يريده أعيان من أهل الجاه والمال ونحو ذلك، وربما يصور للشعوب والمجتمعات أن هذا هو الرأي الحق، بينما تجد في الحقيقة أن خلفه رجل واحد ممن يريد أن يجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، كذلك أيضاً ينبغي أن ينتبه العالم ممن يريد أن يشتري عهده وميثاقه، ولو كان من بعيد بوسائل الإعلام بأنواعها مرئية أو مسموعة أو مقروءة بمدحه في بعض الأمور التي يقع فيها، التي توافق أهواء المادحين، وعدم ذمه في بعض المواضع التي تخالفهم وهم يريدون بذلك أن يستمر على هذا النوع الذي يوافقونه عليه حتى يخشى من الذم في مواضع الذم، فيلتزم نوعاً من مواضع المدائح، فإذا تكلم في موضع من مواضع الكلام يستحضر المادحين أمامه، ولا يستحضر أمر الله سبحانه وتعالى، لهذا وجب على الإنسان أن يوازن في ذلك موازنة عظيمة بين أمر الله سبحانه وتعالى بمعرفة الأدلة وبمعرفة المصالح والمفاسد ومآلات الأمور خصوصاً في المسائل النازلة، كذلك معرفة ما يقال على الإنسان، بأن يجعل ما يقال مقوياً له ومثبتاً عند ورود أمثاله في بعض الأزمنة وألا يصده ذلك، كذلك أن يعلم أن هذه الأمور التي تصل إلى الإنسان من الطعن في عرضه أو مدحه في مواضع الحق، ويراد بها باطل، أن هذه ربما تحيد بالإنسان إلى الخير، وربما تحيد به إلى طريق الشر، والإنسان يوازن في ذلك موازنة عظيمة، والمنصف الموفق الذي أخذ بأسباب الحق، ومن نظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام وجد أنه يحجم تارة خشية أن يقال الناس، ووجد تارة أنه لا يعتد بقول أحد وإن قيل ويمضي على الحق، ويقول: (ابتلي موسى عليه السلام بأكثر مما ابتليت فصبر عليه السلام)، وأنه يصبر ويجعل ذلك مثبتاً له، وتارة عليه الصلاة والسلام يجعل ذلك من أبواب الاقتصاد في البلاغ، وهذه أمور مرئية بحسب المسائل المنظورة، وبحسب الأزمنة، وبحسب الغايات.

    التفريق بين المنكرات المقننة والمنكرات العارضة

    كذلك ينبغي للعالم أن ينظر إلى المسائل الواقعة في أزمنة الناس، وأن يفرق بين المنكرات العارضة ولو عظمت، وبين المنكرات المقننة الدائمة، وذلك أن المنكر الدائم المقنن ولو كان يسيراً أعظم عند الله من المنكر العارض إلا الإشراك مع الله جل وعلا، وذلك أن المنكر العارض يزول بزوال اعتراضه وسببه، وأما المنكر الدائم فإنه يدوم، فربما يتمعر وجه العالم لمنكر دائم صغير ولا يتمعر لمنكر عارض، ويتهمه بعض الجهلة بالقصور وعدم الإدراك في أبواب الموازنات، وإنما هو يدرك ما لا يدركون؛ لأن المنكر العارض ولو كان كبيراً يزول بزوال سببه، ويصبح ذكرى، وأما المنكر الدائم المقنن، فإنه يجلب منكرات أخرى، فيجب إنكاره ولو كان قليلاً، ولهذا الصغيرة تكون كبيرة بالدوام عليها، والصغيرة تبنى عليها الكبائر فيجب إنكارها ولو قلت، وما استدام عليها الإنسان، فإنها من الكبائر كما لا يخفى.

    العالم في سياسته للحق، ومعرفته للصواب مع عالم الناس له طرائق ومراتب، لا تكون على نسق واحد، والإنسان يعرف الصواب إن التجأ إلى الله، وتجرد في أبواب الحق، وصدق مع نفسه، وصدق مع الله، وعرف الدين ومراتبه، وعرف أحكام الشريعة وتضرع لله، وأكثر من العبادة، وقلل من الدنيا، ولم يلتجئ إليها، فالدنيا وتلبس العالم بها باب دقيق لا يحسنه إلا من وفقه الله جل وعلا، ومن نظر إلى النصوص من كلام الله جل وعلا وجد أن الله جل وعلا لم يقدح ولم يذم الدنيا لأجل الدنيا، وإنما يذم الدنيا إذا كانت سبباً في زوال حظ الآخرة، والأصل في ذلك أن حظ الدنيا يؤثر على حظ الآخرة إلا عند الخلص من خلق الله ممن يدركون مواضع النقص والقصور في الدين وفي الدنيا، لهذا وجب على العالم ألا يأكل بعلمه شيئاً من الدنيا، وأن يتعامل مع الناس بذاته ونفسه، وألا يتعامل بعلمه لا في البيع ولا في الشراء، ونحو ذلك، وأن العالم كلما تنزل في هذا النوع فتعامل مع الناس بعلمه، فقال: أنا العالم الفلاني، أو الموظف الفلاني، فإن هذا يورث شيئاً في قلبه لا يدركه وهو أن الناس يقدرونه لأجل هذا الأمر، فيرغب من ذلك حظوة دائمة عند كل تعامل ولو في بيع وشراء، فتجد الإنسان إذا تعامل بالبيع أحب أن يماكس، وأن ينزل له في سعر البيع؛ لأنه العالم الفلاني، فهذا شراء بالعلم ونقصان في حقه، لهذا وجب على العالم المتصدر للناس أن يتنبه لهذا الجانب، وأن يعتني به عناية تامة، فينبغي له في هذا أن يتعامل مع من لا يعرفه في البيع والشراء، حتى لا يؤثر ذلك على علمه.

    النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في البخاري من حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى، قالت: ( مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير )، كثير من الناس ينظر إلى هذا الباب من أبواب تقشف رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعراضه عن الدنيا، ولا ينظر إليه من باب آخر، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام تعامل مع اليهود مع وجود التجار والعلية وأهل الغنى واليسار من أصحابه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام إن تعامل مع أصحابه عليهم رضوان الله تعالى ربما نقصوا من حقهم لأجله، فبخسهم حقهم مع عصمته عليه الصلاة والسلام بسبب مجاملتهم في دين الله، والعالم في هذا يصون نفسه ويصون غيره، يصون نفسه من أن يتعامل الناس معه لأجل علمه فيبخسوا أنفسهم، فيقصر بذلك في حقوقهم، كذلك أيضاً يجاملونه لأجل علمه، فيأكل ذلك من علمه شيئاً فشيئاً، فإن تعامل في البيع لأجل علمه نقص من حقه، لهذا على العالم إن أراد حفظ العلم ينبغي له أن يتعامل مع من لا يعرفه بعلم، فيتعامل معه كسواد الناس حتى لا يؤثر هذا على العلم، وثمة مقدار عظيم جداً ينقص من قلب الإنسان تارة يدركهه الإنسان، وتارة لا يدركه، يفت من إيمان الإنسان وعلمه شيئاً فشيئاً في هذا الباب بقدر أكله من الدنيا لأجل العلم، فإن الإنسان إذا أخذ من هذا العلم جاهاً ونصيباً في الدنيا، وأتبعه قلبه فإن هذا يؤثر فيه حتى يحيد الإنسان عن طريق الحق، فيجد نفسه قد انصرف إلى الدنيا وعن وجه الله إلى وجه عباده، وهذا من أعظم الموبقات التي توبق الإنسان عن بيان الحق، فكم أحجم العالم عن بيان الحق لأجل حظ من الدنيا يخشى أن يفوت ببيان الحق، وكم من الناس من بيّن الحق لله جل وعلا وأنكر عليه غيره من أهل العلم؛ لأن النفوس والصدور تختلف، صدور متجردة، وصدور مشوبة، فتجد صدوراً متزعزعة قد شابها شيء من شائبة من الدنيا مضطربة في هذا الباب، تارة مع أهل الحق وتارة تحيد، وقلوباً مالت إلى أرباب الدنيا وإن كانت متصفة بالعلم، وقلوباً متجردة مالت إلى الحق، وهذا مقدار لطيف طفيف لا يدركه الإنسان وإن كان أثره على الإنسان عظيماً، لهذا وجب على الإنسان أن يعتني بقلبه، خاصة أهل العلم أن يصونوا العلم حتى يصونهم.

    الكلام على مسائل العلم وعلاقة العالم بالناس، وتعامل العالم مع أفراد الناس ومجتمعاتهم وأعيانهم مما يطول جداً، ولكن الخوض في هذا مرده إلى النظر والتأمل في دقائق ما جاء في الوحيين في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، الله جل وعلا قد جعل القرآن بلاغاً وهدىً وشفاءً للناس، وجعل هدي النبي عليه الصلاة والسلام هدياً لمن أراد أن يهتدي، ( عليكم بسنتي )، ولذلك العلية من الخلص من أتباع محمد من الصحابة والتابعين أولئك الذين هدى الله، فبهداهم اقتده.

    كذلك من أمر الله جل وعلا بالتأسي به، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فهو خير الخلق، وهو هادي الناس إلى الحق والرشد، من اهتدى بهديه نجا، ومن زاغ عن طريقه هلك، هذه المسألة هي مسألة متشعبة ولها ذيول طويلة، والخوض في ذلك أيضاً طويل، وخاصة ما يتعلق بالنوازل المعاصرة من سياسة الناس وسياسة النفوس، وسياسة القلوب مما يحتاج معه الإنسان إلى مجالس طويلة وعريضة في هذا الباب، ولكن في هذا القدر كفاية وأسأل الله جل وعلا أن يوفقني وإياكم لمرضاته، وأن يأخذ بي وبكم صراطاً مستقيماً، ومنهجاً قويماً؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    وجود الحدة في بعض السلف كالأعمش وغيره

    السؤال: بعض العلماء يذكرون في ترجمة الأعمش أنه كان فيه حدة، وبعضهم يقول: إن شيخ الإسلام ابن تيمية فيه شيء من الحدة؟

    الجواب: أولاً: الحدة على نوعين: حدة مكتسبة وحدة فطرية، هناك شيء من الأمور المكتسبة التي يكتسبها الإنسان، وهذا يكون مع الإنسان الذي يجالد أهل الباطل ويكثر من الخوض معهم، فيكون فيه نوع من الحدة، يمسك الإنسان فيها نفسه حتى لا تؤثر على دينه وكذلك بلاغه للناس، وثمة حدة فطرية مغروسة في الإنسان، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في سنن أبي داود وغيره قوله عليه الصلاة والسلام: ( الحدة تعتري خيار أمتي )، والحدة التي ترد على الإنسان ينبغي ألا تؤثر في قوله وفعله، فإنها تفسد على الناس دينهم وعلمهم، ولهذا من نظر إلى الأئمة الذين جالدوا أهل الباطل كالإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية عليهم رحمة الله لم يظهر فيهم الحدة التي يذكرها بعض من عاشر هؤلاء الأئمة على سبيل المعاينة، وذلك أن الأئمة هؤلاء سجنوا وطردوا وأبعدوا وسلب من دنياهم ما سلب، منهم من سجن بضع سنين، ومنهم دون ذلك إلا أن الإنسان يقرأ كلامهم، ويقرأ المنقول عنهم، ويجد أن هؤلاء يتكلمون بنفس طيبة، وراكدة وراكنة، بخلاف كثير من الناس من المتأخرين الذي لم يلق في سبيل الله ما لقي هؤلاء فتجد فيه الطيش والحدة، وسب المخالفين بأقذر الأوصاف ونحو ذلك، مما لا يليق، وربما ينفر الناس خاصة في زماننا الذي يتصيد فيه أهل الدعوة والحق، من نظر إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ، ومن نظر إلى كلام الإمام أحمد عليه رحمة الله قبل ذلك، وغيرهم من الأئمة الذين صارعوا الباطل لم يجد ذلك، انظروا إلى مصنفاتهم لا تكاد تجد وصفاً بالسب والبغي والتعيير ونحو ذلك، وإنما يوصلون الحق للناس بالأدلة، ومن الكتاب والسنة وكذلك القواعد الشرعية؛ لأن المراد هؤلاء والمراد غيرهم.

    ترك مخالطة السلطان إذا أدى إلى مخالطة أهل النفاق له

    السؤال: ما موقف العالم من مخالطة السلطان الذي إذا ترك خالطه أهل النفاق والشر؟ فهل يخالط السلطان؛ لكي يسد على أهل الباطل طريقهم؟

    الجواب: أولاً: مخالطة السلطان من الأمور المهمة، ومن الأمور الواجبة بالنصح وبيان الحق، والشفقة عليه باللين والرفق، والاهتداء في هذا بهدي النبي عليه الصلاة والسلام وهدي أئمة الإسلام، والمفاصلة في هذا على الإطلاق غلط، والمخالطة على الإطلاق غلط، بل الإنسان يسايس في ذلك، كما أن السلاطين يختلفون منهم الصالح، ومنهم من هو خلاف ذلك، والمخالطة بالنصح والتوجيه وبيان الحق لهم من الأمور المطلوبة بل من الأمور الواجبة، ولهذا أمر الله جل وعلا موسى وهارون أن يأتيا فرعون، ولم يأمرهم الله جل وعلا أن يكتبا إليه، بل أن يأتيا إليه؛ لأن المشاهدة والمعاينة تختلف عن حال الإنسان عن بعد فيلين مع الإنسان بالخطاب، والتوجيه بالرفق واللين؛ لأن هداية أمثال هؤلاء فيها هداية للناس.

    كذلك ينبغي للعالم ألا يسول لنفسه أنه يهتدي بهدي الله وهدي السالفين في ذلك، ويخالط الناس المخالطة التي تزيد عن القدر، فيخالطهم في دنياهم ويعافسهم ونحو ذلك، فيسمع من المنكر ولا ينكر ونحو ذلك، هذا نوع من أنواع المخالطة السيئة التي تؤثر على العالم وتأخذ من دينه ولا تصلح غيره.

    الرد على من تكلم بغير علم بحجة أن الدين ليس حكراً على طائفة معينة

    السؤال: بعض الناس إذا قيل له: لا تتكلم في المسائل الشرعية وأنت لا تعلم، أو لا علم لك فيها؛ لأن تخصصه ليس بالشرع، ردد قائلاً: وهل الدين خاص بطائفة معينة، فكيف الرد عليه؟

    الجواب: أولاً: العلم والفقه هو وصف لا يتحقق حتى في من عرف الأدلة أو حفظ القرآن، أو حفظ السنة، بل هو نوع أعظم من هذا إنه بفهم المعاني وإدراكها ونحو ذلك، فينبغي أن يبين له مراتب العلم على الحقيقة، وبعض الناس قد يكون جاهلاً، ويتجرأ على شيء من مسائل الدين بجهله، فيبين له ويرق معه في التعامل، ويعرفه مراتب الناس، من المعاندين وأهل البغي يفرق بينهم وبين من يطلب الحق، وهو جاهل، وببيان الحق واللين.

    كذلك أيضاً ينبغي للإنسان ألا يسترسل مع أهل البغي حتى لا يجرهم بغيهم إلى ما هو أعظم من ذلك، فيزيدهم بغياً بالحدة معهم، وكذلك الإغلاظ عليهم، كذلك ينبغي للعالم أن يعلم سياسة الرد على المخالفين، فمن الناس من لا يليق الرد عليه لسقوط قوله وعدم الاعتداد به، فتتبع كل قول ساقط هذا ربما يسقط العالم، كذلك الإغفال، إغفال أقوال أهل الزيغ والضلال على سبيل العموم، هذا مما يجعل لهم أتباعاً من حيث لا يشعر الشخص.

    كيفية الدفاع عن العلماء في هذا العصر

    السؤال: كيف ندافع عن العلماء في هذا العصر؟

    الجواب: أولاً: المدافعة عن العلماء هي مدافعة عن الحق؛ لأن العالم الحق هو الذي لا يعيش لنفسه، وهؤلاء على مراتب، هناك علماء يوصفون بالعلم، عاشوا لدنياهم، هؤلاء خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وهناك من العلماء من تفرغوا لدين الله وللعلم والمعرفة ونشر الحق، هؤلاء هم الذين يمثلون الدين في الأغلب، فهؤلاء يذاد عنهم ولو وقع منهم شيء من الزلل والخطأ والوهم ونحو ذلك، يذاد عنهم بعدم الخوض فيهم، والتعرض لهم، وعدم الخوض في تلك المسائل التي ربما زلوا فيها، فلا تثار عند العامة.

    أما ما يتلبس به بعض الناس فيقال: إنهم قد أخطأوا فيجب بيان خطئهم وأنه من الجهل، والأخطاء تبين بقدرها، وبقدر القائلين، وخاصة أيضاً في الأزمنة المتأخرة، في الزمن الذي يتصيد فيه زلات العلماء، وتضخم، وتجعل زلة للدين، وتسحب على سائر العلماء، أو يراد بها منقصة لدعوة فلان كلها، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ونشره للخير ونحو ذلك، فسياسة العامة قد تغفل أمثال هذه المدركات، لكن ينبغي لطالب العلم والعارف أن يتفطن لأمثال هذه الأمور.

    الإقدام على طلب العلم لأجل الرزق

    السؤال: من تشجع في طلب العلم لأجل المال والرزق، هل يأثم أم يؤجر؟

    الجواب: أولاً: إذا كان يطلب العلم لأجل المال فهو طلب لأجل الدنيا، لكن أن يطلب العلم لأجل الله، ثم تحصل له شيء من الدنيا على سبيل الاعتراض من غير أن يؤثر في دينه فلا بأس، وهذا يقيمه الإنسان بحسب حاله، إذا كان ذلك المال يأخذه ممن له أثر في إبلاغه الحق فلا ينبغي، بل لا يجوز أن يأخذه؛ لأن هذا يأكل من دينه، والإنسان إذا كان يقبل مالاً من جاره عندما يعطيه هبة لا يستطيع أن ينكر عليه أنه لا يصلي الفجر ونحو ذلك؛ لأنه له فضل عليه، فكيف إذا أخذ من يقتدى به من أهل الأموال الذين يقعون في المنكرات، لهذا ينبغي للإنسان أن يحترز في هذا الأمر، وأن يعرف أمور الأموال ويقدرها بقدرها.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.