إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [16]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأشهر الحرم هي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب الفرد، وسميت حرماً لحرمة القتال فيها وهي معظمة حتى في الجاهلية؛ والعلة في ذلك أنها أشهر حج وعمرة فكان ترك القتال فيها تأميناً لمن يريد الحج أو العمرة. وقد مر القتال في الأشهر الحرم بمراحل: الأولى: مرحلة التحريم والتشديد فيه، الثانية: مرحلة تخصيص القتال بدفع المعتدي، الثالثة: جواز القتال مطلقاً لقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم).

    1.   

    قوله تعالى: (الشهر الحرام بالشهر الحرام)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    تكلمنا في المجلس السابق على بعض الآي من كلام الله سبحانه وتعالى، مما يتعلق بأحكام القتال في سبيل الله, وتوقفنا عند قول الله جل وعلا: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193]، ثم أول آي هذا اليوم هو قول الله جل وعلا: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [البقرة:194]، النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد العمرة وقصدها في عام ست للهجرة في شهر ذي القعدة؛ قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة, فصده المشركون على مشارفها ومنعوه من دخولها, ثم تدافع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المشركين على دخولها, ثم تصالحوا على أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام القابل في ذات الشهر، ويدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ثلاثة أيام ولا يقيم فيها زيادة عن ذلك, وألا يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من السلاح إلا سلاح الراكب، ومعلوم أن سلاح الراكب هي النبال والسيوف، وأما بالنسبة للرماح فإنها تكون غالباً للماشي, ولهذا قيدوا السلاح بالنسبة للراكب؛ لأنه أمر يحمله الإنسان في مسيره, بخلاف الماشي فإنه قد أعد العدة للقتال، ولهذا جاء في بعض النصوص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعد العدة لما خشي من المشركين نقض العهد، وأذن الله عز وجل له بقتالهم حال نقض المشركين لذلك العهد, وقد تقدم معنا الكلام على هذه الآية.

    معنى قوله تعالى: ( الشهر الحرام بالشهر الحرام )

    وأما قول الله عز وجل هنا: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ [البقرة:194]، لما تصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المشركين على عدم الحج في عام ست للهجرة في شهر ذي القعدة وهو شهر محرم وقدر الله عز وجل لنبيه الحج من الشهر القابل من ذات الشهر, فكان الأمر مكافأة في قوله جل وعلا: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ [البقرة:194]، والباء هنا في قوله: بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ [البقرة:194], باء تعويض, أي: أن الله عوض نبيه بدلاً من الشهر الحرام الذي قصد العمرة فيه بشهر حرام آخر، وهذا قد جاء تفسيره عن غير واحد من السلف من المفسرين، كما روى ابن جرير الطبري في كتابه التفسير من حديث ابن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر ، قال: ( قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة للحج عام ست للهجرة في شهر ذي القعدة، ثم منع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يأتي من قابل, فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فاعتمروا في شهر ذي القعدة، فأنزل الله عز وجل قوله: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ [البقرة:194] )، وقد جاء هذا المعنى عن غير واحد كما جاء عن عبد الله بن عباس فيما رواه عطية العوفي عنه وجاء عن قتادة كما رواه ابن جرير و ابن أبي حاتم من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحو ما جاء عن مجاهد بن جبر.

    وهذا فيه إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى إنما أراد برسول الله صلى الله عليه وسلم تخفيفاً ورحمة، وظهرت الحكمة في ذلك أنه كما ظن المشركون أنهم دفعوا رسول الله عن الإتيان إلى المسجد الحرام في عام ست للهجرة، وظنوا أنهم انتصروا عليه بذلك المنع، أن الله عز وجل مكَّن له من العام القابل بأكثر من ذلك العدد مرافقة ومصاحبة وأظهر قوة، فاعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام القابل، فكان للمسلمين في ذلك تمكين، وكانت القوة التي ظهر فيها المسلمون في عام سبع للهجرة أكثر من القوة التي جاءوا فيها في عام ست، فكان ذلك فتّاً لعضد المشركين، وإزالة للعظمة والقوة التي يظنونها أو يجدونها في قلوبهم، والله عز وجل غرس في قلوبهم الهيبة لرسوله في عام سبع أكثر من لو كان في عام ست، ولهذا كان ذلك بوابة لفتح مكة.

    وتقدم الكلام معنا أيضاً على معنى الشهر, وأن الشهر إنما سمي شهراً؛ لأن الناس يرفعون أصواتهم عند رؤية الهلال فيشتهر بينهم, فسمي شهراً لاشتهار دخوله، ويشتهر خروجه بدخول الذي يليه، فإنه لا يختم إلا بظهور هلال الشهر الآتي؛ ولهذا سمي شهراً لأجل هذا.

    المراد بالشهر الحرام

    كذلك أيضاً فإن شهر ذي القعدة إنما سمي بذي القعدة لأن المشركين يقعدون فيه عن الحرب والقتال، وهو الذي قصده الله عز وجل هنا في هذه الآية بقوله: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ [البقرة:194]، وإنما أراد الله عز وجل هنا الخصوص بلفظ العموم، ومعلوم أن الأشهر الحرم إنما هي أربعة أشهر, ثلاثة متتابعة وواحد منفرد، وأما الفرد فهو رجب, وكانت العرب تحرمه, وخاصة مضر، ولهذا يسمى برجب مضر؛ وذلك أنهم يشددون فيه ولا يستثنيه أحد منهم، وإنما جعل الله عز وجل الأشهر الحرم أشهراً يحرم القتال فيها لأنها موضع لأداء مناسك الحج, فحرم الله عز وجل على جميع العرب أن يقصدوها بقتل، وذلك إما أن يكون الناس قد قدموا إلى المسجد الحرام فكان ذلك طريقاً إليهم في هذه الأشهر، أو كانوا آيبين إلى أهليهم، حتى لا ينقطع البيت الحرام عن قُصَّاده, فمنع الله عز وجل القتال في الأشهر الحرم، وأصبح الأمر باقياً إلى هذه الآية, ثم نسخها الله عز وجل بعد ذلك، وإنما حرم الله عز وجل رجب أيضاً وذلك؛ لأن الناس يقصدون العمرة فيه.

    العمرة في الأشهر الحرم

    ولهذا جاء عن بعض السلف استحباب العمرة في رجب, فحرم الله عز وجل القتال فيه لأن الناس تقصد المسجد الحرام؛ لأجل الإتيان بالعمرة, وهذا روي عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله، والقول بسنية ذلك يحتاج إلى نص مرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولكننا نقول: إن العمرة في الأشهر الحرم أفضل من غيرها فلا نخص رجب عن غيره, وإنما نقول إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما اعتمر في الأشهر الحرم قصداً, وهذا دليل على تفضيل العمرة في هذه الأشهر على غيرها، فالنبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر، عمرته عليه الصلاة والسلام في الحديبية التي صد عنها عليه الصلاة والسلام، واعتمر النبي عليه الصلاة والسلام عمرة القضاء بعد ذلك، واعتمر النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً عمرته التي كانت مع حجه عليه الصلاة والسلام، واعتمر رسول الله صلى الله عيه وسلم عام الفتح، فاعتمر النبي عليه الصلاة والسلام هذه العمر الأربع، وكلها في الأشهر الحرم, ولهذا نقول: إن العمرة في الأشهر الحرم أفضل من العمرة في رمضان على الأرجح؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تواطأ عمله وتتابع على الاعتمار في هذه الأشهر، ولو كان مرة واحدة لقيل: إن الاعتمار في رمضان أفضل، وأما ما يستدركه البعض من قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل العمرة في رمضان تعدل حجة، فنقول: هذا فضل وليس تفضيلا, ومعلوم أنه ثمة فرق بين الفضل والتفضيل، فالفضل للشيء بعينه لا تفضيلاً له عن غيره، فحينما تذكر منقبة أحد من الناس بعينه، كأن تقول: هو رجل صالح, دين, مستقيم, عاقل، حكيم، أمين, وغير ذلك، فهذا فضل له بذاته لا تفضيلاً له على غيره، ولكن إن قلت: فلان أفضل من كذا فهذا تفضيل له على غيره، فالنبي صلى الله عليه وسلم بين فضل العمرة في رمضان ولم يبين تفضيلها على غيرها؛ ولهذا نقول: إن تتبع النبي صلى الله عليه وسلم لقصد العمرة في هذه الأشهر أربع مرات دليل على فضلها على غيرها, ومثل هذا التتبع لا يقع مصادفة إلا لقصد ذلك، وأما بالنسبة لمن يقول: إن الأمر آكد من الفعل نقول: إن الأمر آكد من الفعل إذا كان الفعل مجرداً, وجاء فرداً, ولكن إذا جاء متتابعاً على سبيل القصد والديمومة فإنه آكد من القول الذي لا يعمل به, ولهذا نقول: إن الأمر إذا اقترن مع فعل آكد من القول بلا فعل, ثم يأتي بعد ذلك الفعل المتكرر بلا أمر، ثم يليه بعد ذلك الحث على شيء بلا فعله, ولهذا نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم حينما استدام مع أصحابه الإتيان بالعمرة في أشهر الحج دليل على فضلها على غيرها, وهذا له شيء من التفصيل فيما يتعلق بالعمرة.

    وهل ثمة أزمنة فاضلة ومفضولة, من العلماء من قال: إن مشروعية العمرة تكون في سائر السنة, وهذا قول جماهير العلماء, وبعض الفقهاء وهو قول أهل الرأي ومروي عن الأوزاعي وغيرهم أن العمرة تكره في يوم عرفة؛ لأنه موضع وقوف، والوقوف بعرفة أعظم من الإتيان بها, وهذا قول قال به بعض الفقهاء، وله حظ من النظر.

    العُمَر التي صُد عنها النبي صلى الله عليه وسلم

    النبي صلى الله عليه وسلم لما تعاهد مع المشركين على الإتيان في العام القابل، ولم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام ست وهو عام الحديبية وتصالح معهم على ذلك، ويقال عام الحديبية بالتخفيف ويقال عام الحديبيَّة بالتشديد وكلها صحيحة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم اعتبر ذلك إحصاراً, وذلك أن المشركين قد صدوه عن القتال, ونحر النبي صلى الله عليه وسلم هديه وحلقوا أيضاً رءوسهم فكان ذلك في حكم العمرة فكانت معدودة في عُمَر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا نقول: إن الإنسان إذا أُحصر فتلك عمرة له, وهل تجزئه عن عمرة الإسلام وحجة الإسلام إذا كان قاصداً للحج؟ نقول: لا تجزئه عن حجة الإسلام ولا عن عمرة الإسلام, وأما من جهة الأجر فهي متحققة, وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قضاها في العام الذي يليها، وهذا من القرائن في قول العلماء: إن الإنسان إذا أحصر عن الإتيان بالحج أو أفسد حجه بجماع ونحو ذلك أنه يحج من قابل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج في عمرة الحديبية بعدها بسنة, يعني: من العام الذي يليه, فسميت: عمرة القضاء والعهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين كان عهداً معلقاً ببعض القيود، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم تعاهد مع المشركين على عدم القتال وعلى صفة معلومة يأتون إليها في ذلك العام, وهو العام السابع من الهجرة فكان من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تهيأ لقتالهم خشية أن يمنعوه من دخول المسجد الحرام, فمكن الله عز وجل له ثم أظهر قوته على المشركين, فكان ذلك إضعافاً لهيبة المشركين كما تقدم, وإظهاراً لقوة أهل الإيمان.

    وفي هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كونه قاصداً للمسجد الحرام لم يخل نفسه وكذلك أمته وأصحابه من إظهار القوة والحث على ذلك, فقد تهيئوا أيضاً لقتال المشركين وأنهم لو نقضوا العهد فيكون ذلك من أمور الاحتياط، فاحتاط رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة لقتال المشركين, وهذا من الحكمة.

    وكذلك أيضاً فيه دلاله على أهمية الجهاد وفضله, وكذلك أن به تحصل قوة هذه الأمة وتمكينها.

    حكم القتال في الأشهر الحرم

    وكما تقدم من جهة تعليل التحريم إن الله عز وجل إنما منع من القتال في هذه الأشهر الحرم حتى لا يقطع الناس السبيل إلى المسجد الحرام, وهل بقي بذلك الأمر مستديماً؟ بمعنى أن الأشهر الحرم يحرم فيها القتال على الإطلاق؟ نقول: إن العلماء اتفقوا وحكى الاتفاق على ذلك غير واحد على أن القتال في الأشهر الحرم جائز, وأن الأمر نسخه الله عز وجل بالكلية، وذلك لانتفاء العلة, والسبب الذي منع الله عز وجل لأجله القتال في الأشهر الحرم, وذلك أن الله عز وجل منع من القتال فيه حتى لا ينقطع السبيل، وذلك أن المشركين في مكة، وكانت مكة حينئذ في قبضة المشركين، فلما كانت في قبضة المؤمنين ونادى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرسل أصحابه أن ينادوا كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ( فنادوا ألا يحج بعد هذا العام مشرك, وألا يطوف بالبيت عريان )، فامتنع المشركون من دخول مكة, وأصبحت مكة بلداً للإسلام بالكلية ولا يدخلها حينئذ مشرك, فتعذر حينئذ المنع, فكان أصل التحريم من القتال في هذه الأشهر؛ خشية أن يصد أحد عن المسجد الحرام, فلما كان الأمر للمسلمين أصبح القتال خارج حدود مكة في أطراف جزيرة العرب, فكانت الحكمة في ذلك عكسية؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل ثقيفاً في الأشهر الحرم بعد فتحه مكة عليه الصلاة والسلام, وأرسل أبا عامر عليه رضوان الله تعالى أيضاً عام أوطاس في الشهر الحرام, فقاتل فيه, ولهذا حكى الاتفاق غير واحد من العلماء على أن القتال في الأشهر الحرم نسخه الله سبحانه وتعالى.

    المراحل التي مر بها القتال في الأشهر الحرم

    ولهذا نقول: إن القتال في الأشهر الحرم قد مر بمراحل:

    المرحلة الأولى: مرحلة التحريم والتشديد فيه، وهذا في ابتداء الأمر.

    المرحلة الثانية: مرحلة التخصيص، أن الله عز وجل خصص القتال في الأشهر الحرم في حال عدوان المشركين على المؤمنين ومقاتلتهم لهم فكان ذلك بالمثل, أي: أن المؤمنين إذا صدهم المشركون عن المسجد الحرام وقاتلوهم فيجب عليهم أن يقاتلوا انتقاماً وانتصاراً لأنفسهم, وأن لا يكونوا في موضع الذلة، فكان ذلك مشروطاً ومقيداً ومخصصاً بقتال المشركين, كما قيد الله عز وجل القتال عند المسجد الحرام بقتال المشركين فيه, ولهذا نقول: إن العلماء قد أجمعوا على نسخ القتال في الأشهر الحرم، ولم يجمعوا على منع القتال في الحرم وهما مسألتان:

    فمسألة القتال في الحرم هي من مواضع الخلاف, على ما تقدم الكلام عليه في مسألة إقامة الحدود فيها، وبقاء التحريم في ذلك, وهل من لاذ بها يخرج ويقام عليه الحد خارجاً أم يقتل ولو كان فيها؟ وقد تقدمت الإشارة إلى هذه المسألة.

    أما ما يتعلق بالأشهر الحرم فنقول: لما انتفت العلة وانتفى السبب الذي منع لأجله، وأصبحت مكة في أيدي المسلمين فإنه لا يدخلها إلا مؤمن، وذلك أيضاً لو قلنا بتحريم القتال في الأشهر الحرم لأصبح المشركون يحتجون بذلك ويأتون مكة ويظهرون فيها الشرك ويحتجون بمنع القتال فيها, فأصبح ذلك بحاجة إلى المقاتلة؛ ولهذا نقول: إنه قد يجب على المسلمين أن يقاتلوا في الأشهر الحرم إذا قصد المشركون الإتيان إليها، على خلاف الحالة الأولى: وهي أن المؤمنين إذا قصدوا المسجد الحرام فلا يقاتلوا إلا من قاتلهم, فثبت الحكم حتى لدى المشركين, وأما حينما كان أهل الإيمان فيها وخرج منها أهل الشرك وجب على المؤمنين أن يقاتلوهم وأن يطلبوهم, ولهذا استقر الأمر على جواز القتال في الأشهر الحرم، ولهذا قال الله عز وجل: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5]، يعني: في كل موضع, وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد أنزل آي الجهاد بالإطلاق في سورة براءة, فأصبح القتال محكماً في كل يوم وفي كل شهر من أشهر السنة.

    الحالة الثالثة: وهي النسخ, فجاز القتال حينئذ بكل حال, وذلك لقوله سبحانه وتعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5]، يعني: في كل موضع, وحكى الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء؛ كابن جرير الطبري و ابن المنذر , وكذلك ابن القيم و ابن تيمية , وغيرهم من الأئمة, ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينما اعتمر في العام السابع من الهجرة في شهر ذي القعدة وامتن الله عز وجل عليه بذلك فهنا ظهر النصر المعنوي على المشركين.

    وفي هذا إشارة إلى أن النصر المعنوي ينبغي أن يتمكن من القلوب، وأن يغرس في قلوب الخصوم قبل الانتصار الحسي، وهذا ما يجهله كثير من الناس, ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الله عز وجل الرعب في قلوب خصومه من المشركين مسيرة شهر كامل قبل أن يباشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال؛ فمن وجوه النصر المعنوي إظهار القوة، وإظهار الشدة وإعداد العدة؛ حتى يرى المشركون ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    معنى قوله تعالى: ( والحرمات قصاص )

    وقول الله جل وعلا هنا: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [البقرة:194]، هذا كما تقدمت الإشارة إليه أن الله عز وجل حينما امتن على نبيه عليه الصلاة والسلام بالاعتمار في العام السابع بين أن ذلك قصاص للعام السابق, وحمل بعض العلماء هذه الآية وهي قوله جل وعلا: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [البقرة:194]، أي: أنه كما يحرم على المشركين القتال فيحرم على المؤمنين أيضاً, فإذ استباحوا القتال في الأشهر الحرم فإن المسلمين يجب عليهم أن يقاتلوا؛ لأن القتال قد وقع، فإذا وقع القتال من أمة واحدة فإن النقض في ذلك واقع، فحينئذ إذا دافع المؤمنون عن أنفسهم لم يكن ذلك نقضاً لكلام الله؛ لأنهم قد استباحوا هذه الأشهر فجعل الله عز وجل تلك الحرمات قصاصاً أيضاً, فإذا استحلوا شيئاً من حرمات الله وجب على المؤمنين أن يعتدوا بمثل ما اعتدي عليهم, ويبين هذا قول الله سبحانه وتعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة:194]، أي: جعل الله عز وجل العدوان الذي يكون من المؤمنين بنفس ذلك العدوان الذي اعتدى به المشركون على المؤمنين، وهنا المثلية فيها إشارة إلى عدم جواز البغي, وهل هذا مطلق أم هو مقيد بمثل هذا الحال؟ نقول: هو مقيد, وذلك بتلك المرحلة, وهي مرحلة أنه لا يجوز للمؤمنين أن يقاتلوا إلا من قاتلهم في الأشهر الحرم؛ وذلك حفاظاً على هذا الشهر وحرمته, حتى لا تنتقص هيبة المسجد الحرام فيتقاتل الناس على أطرافه.

    من الأسباب التي هيأها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم لفتح مكة

    ولهذا الله عز وجل مكن لنبيه عليه الصلاة والسلام جملة من الأسباب الحسية التي تهيئ له فتح مكة بلا قتال ظاهر, فكان ذلك فيه جملة من التهييئات:

    منها: أنه لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام ابتداء في شهر ذي القعدة في عام ستة, فلم يدخلها النبي عليه الصلاة والسلام فرأى المشركون النبي عليه الصلاة والسلام وما أعد من عدة، ورأى المشركون أيضاً أتباعه صفوفاً فكان ذلك فيه إذابة لنفوسهم أنهم إذا أتوا من العام القادم فيكون ذلك ألين، والله عز وجل قادر أن يأمر نبيه بالقتال في العام السادس؛ ولهذا جعل الله عز وجل بينه وبين المشركين في العام القابل فجاء النبي صلى الله عليه وسلم أكثر عدداً, وقد جاء أقوام أيضاً قد أسلموا بين العامين فتوافد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك العام, فدخلوا المسجد الحرام وكانوا متماسكين وأظهر في القوة فكان ذلك فيه إلانة حينما جاءوا في عام الفتح فدخلوا مكة بلا قتال ظاهر, فكان ذلك تمكيناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وفي هذا إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم هيأ الله عز وجل له الأسباب ألا تظهر معالم القتل في مكة, وهذا لحكم جليلة منها: حفظ المسجد الحرام, كذلك أيضاً حتى لا يتذرع بأفعال كثير من الصحابة إذا كانت مقتلة عريضة في مكة بحجج أو صور مغايرة لتلك الأحوال، فحمى الله عز وجل نبيه وأصحابه من أن يقتدى بهم بصورة باطلة وهم فعلوها على وجه الحق.

    فضيق دائرة القتال في مثل هذا الموضع حفاظاً لهيبته, وكذلك إعلاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإظهاراً لنصرة الله له.

    وأما بالنسبة للعدوان إذا كان من غير مقابلة في غير الأشهر الحرم في غير هذه الحالة, كذلك أيضاً بعد نسخ ذلك الأمر فيجوز لأهل الإيمان إذا وجدوا قوة ولم يكن بينهم وبين المشركين عهد ولا ميثاق أن يبادروا المشركين بالقتال, وهذه الآية إنما قيدت ذلك بالمقابلة, والقرينة على ذلك قوله جل وعلا هنا بباء التبعيض في قوله: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ [البقرة:194]، يعني: أن الله عز وجل عوضه بشهر حرام عن الشهر الحرام الذي صد فيه؛ ولهذا جاء بعد ذلك في قوله: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [البقرة:194]، يعني: تكون بالمقابلة, وتقدم معنى كلمة القصاص؛ وهو: أن الإنسان يتبع الشيء بمثله؛ كالذي يقص الأثر, فإنه إنما سمي قصاصاً؛ لأنه تواطأ على مثل هذه الأثر بمثلها وتبعها على نحوها, ولهذا قال: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [البقرة:194]، يعني: على ذلك النحو، وذلك أن الله عز وجل حرم الاعتداء على الإنسان بنفسه ودمه، فالعين والسن والأذن والأنف, حرم الله عز وجل الاعتداء عليها إلا ما كان بالمثل, فجعل الله عز وجل الجروح قصاص، وهنا: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة:194], وبعض العلماء يجعل العدوان على نوعين: عدوان محرم, وذلك أن يبادر الإنسان بالاعتداء على غيره بلا حق، وعدوان مباح وهو أن يرد الإنسان على الاعتداء عليه بالمثل, وذلك في حال قتال المؤمنين المشركين على ذلك النحو كما في هذه الآية.

    كذلك أيضاً فيما يتعلق بالقصاص في أمور الدماء ونحو ذلك فإن الله عز وجل جعل لصاحب الحق سلطاناً يقتص ممن ظلمه.

    استحضار تقوى الله عز وجل في كل حال

    وفي قوله جل وعلا: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة:194]، أمر الله عز وجل بتقواه بعد ذلك لمناسبة الحال؛ لأن الله نهى عن الاعتداء.

    وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للمؤمن أن يستحضر تقوى الله في كل حال ولو في تعامله مع المشركين؛ ولهذا قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:194], بعد نهيه عن العدوان, إلا على عدوان يشابه ويماثل عدوان المشركين، فأمر الله عز وجل بتقواه, وأن التقوى ينبغي أن تكون حاضرة.

    كذلك أيضاً فيه دفع لشهوات النفوس, فإن الشهوة قد تدفع الإنسان إلى الانتصار لنفسه, خاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخرجه المشركون من مكة ومعه جملة من أصحابه, فقد يوجد في نفوس بعض أصحابه وهم بشر ما يمتزج ببعض الحق ويتدثر ببعض الحق فيكون في ذلك شيء من الانتصار للنفس, فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتدي المسلمون على المشركين, وأن يستحضروا تقوى الله؛ ولهذا قال الله جل وعلا: وَاتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:194]، يعني: أنه يجب عليكم أن تستحضروا ما حرم الله عز وجل عليكم اقترافه ولو كان ذلك مع المشركين.

    وفي قول الله جل وعلا: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة:194]، هنا أمر بالعلم أن الله عز وجل مع المتقين, وذلك أن ذلك لا يمكن فيه العمل, أن الإنسان إذا علم أن الله عز وجل معه إن اتقى فإنه يعمل بتلك التقوى، فالعمل حينئذ بالتقوى, وأما بالنسبة لمعية الله عز وجل هنا في هذه الآية فهي تسديد الله عز وجل وإعانته ورعايته ونظره سبحانه وتعالى لعباده وكفايته لهم؛ ولهذا الله عز وجل يقول في كتابه العظيم: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر:36]، وكفاية الله لعبده هو أن يسدد قوله وفعله, كلما زاد في التقوى زاد الله في كفايته وتسديده، ولهذا يقول الله جل وعلا كما جاء في الخبر القدسي كما في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: ( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه )، وهنا أشار إلى زيادة التقوى، ( فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها, ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه )، وفي هذا نعلم أن الإنسان كلما زاد في جانب التقوى كفاه الله عز وجل, وليس المراد من ذلك أن الله يكفيه الأذى, ولكن الله عز وجل يكفيه الأمر ظاهراً وباطناَ، ومعنى ظاهراً وباطناً: أي: أن الله عز وجل قد ينزل الأذى بالإنسان ويرزقه يقيناً وصبراً وثباتاً، فيكون صبره وثباته على الألم الشديد أشد من صبر الإنسان على الألم اليسير؛ كالشوكة التي يشاكها الإنسان, فالأمر حينئذ في كفاية الله للثبات الباطن ليس لوقوع الأمر الظاهر.

    ولهذا يختلف الناس في مسألة كفاية الله لهم, فمن لم يكن الله عز وجل معه يتضجر من الشيء اليسير ولو كانت شوكة, ويتألم كحال ضربة السيف التي تقع على من كان الله عز وجل معه؛ لأن الأمر بالباطن, وهو: ما يجده الإنسان من طمأنينة وراحة وثبات على ما هو عليه؛ ولهذا كثير من المنتكسين عن الحق نقصت معية الله لهم بحسب نقصان تقربهم لله عز وجل باطناً وظاهراً، فقصروا في جانب تقوى الله سبحانه وتعالى بالتقرب إليه في جانب النوافل والإكثار منها بالإتيان بما أمر الله عز وجل به من أمور الفرائض, فلما كانوا كذلك قصر الله عز وجل في كفايته لهم ولم يتمها، فأتمها الله عز وجل لنبيه؛ ولهذا كان الأنبياء أشد الناس بلاء وأشدهم ثباتاً، فكان ثبات النبي صلى الله عليه وسلم على شدة البلاء أعظم من ثبات الإنسان المعرض عن الله في حال ورود شوكة إليه؛ ولهذا نقول: إن أمور الباطن من أعظم ما يتقرب إلى الله عز وجل بها المتقربون، ولهذا حينما قدم الله الأمر بتقواه بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة:194]، أي: أنه ينبغي أن يصاحب العمل احتساب أن الله عز وجل يكفيك هم ما يعترضك من بلاء، ولهذا نرى كثيراً من المتساقطين عن طريق الحق استحضروا العمل وما استحضروا كفاية الله, وأنهم ربما عملوا من غير عبادة وتقرب إلى الله, فلم يكن ثمة حماية لقلوبهم من ذلك, وكثير من الناس يربطون بين كفاية الله لعبده بعدم نزول البلاء عليه وبين كفاية الله في الثبات, فكافية الله عز وجل بتثبيت عباده, لا بعدم نزول البلاء عليه؛ ولهذا وجد من الأنبياء من يقتل؛ كحال زكريا و يحيى , ووجد منهم من يسجن ويحبس؛ كحال يوسف ومحمد عليه الصلاة والسلام، ووجد منهم من يطرد ويؤذى ويسب كعامتهم عليهم الصلاة والسلام فوقع فيهم أصناف الأذى، فهذه ليست الكفاية التي قصدها الله, وإنما هي راحة القلب وطمأنينة النفس, فيطمئن الإنسان على البلاء الشديد أعظم من طمأنينة الإنسان المعرض مع النعيم في الدنيا، ولهذا ينبغي للمتصدر للحق أن يكثر من العبادة حتى يكون الله عز وجل معه؛ لأنه يصنع سياجاً من الثبات بينه وبين الانتكاسة, ومن كان الله عز وجل معه ثبته، ولهذا جاء في بعض الروايات في حديث أبي هريرة ( قال الله عز وجل: فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي, ولئن سألني لأعطينه )، إلى آخر الخبر, ومعنى ذلك أن الله عز وجل يسدده في قوله وفعله, فقلما يكون مخطئاً, ثم أيضاً إن وقع بلاء فيقع على حق أراده الله عز وجل فيه؛ ولهذا البلاء الذي ينزل على الإنسان في الحق أعظم قربى عند الله عز وجل من البلاء الذي ينزل على الإنسان بباطل, فإذا اقترف الإنسان سيئة تخالف أمر الله سبحانه وتعالى فعوقب عليها أشد منها كان ذلك بلاءً زاد عن حده فذلك البلاء دون البلاء الذي يصاب الإنسان به وهو على حق, ولهذا الله سبحانه وتعالى حينما ذكر أحكام القتال في قوله: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة:194]، لما علم الله أنهم بحاجة إلى الثبات قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة:194]، فناسب ذلك التثبيت أن يكون عقب التعرض للبلاء, فالذين يواجهون البلاء سواء في القتال في سبيل الله, أو أمور الإصلاح والدعوة, أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, أو غير ذلك هم أحوج ما يكونون إلى التعرض لأسباب الوقاية وكفاية الله بالإكثار من تقوى الله, ولهذا لا يمكن لأحد أن ينتكس عن الحق إلا بسبب ذنوب لديه وتقصير في جانب العبادة، فإذا انتكس الإنسان عن الحق ببلاء وقع فيه فنقول: هذا بسبب ذنب, ثم إن الله سبحانه وتعالى عدل, إذا أنزل بعبده بلاءً كان ذلك البلاء سبباً لتغير الإنسان عن الحق الذي هو عليه، ذلك التغير الذي حصل للإنسان هو نسبة زيادة كانت لغير الله قبل ذلك, فنفضها الله وأزالها وأبقاها على ما هو عليه؛ لأن الله لا يجمع على الإنسان مصيبتين وبلائين:

    المصيبة الأولى: أن ينزل عليه البلاء وهو على حق تام وإخلاص لله عز وجل, ثم ينزل عليه العقاب.

    المصيبة الثانية: أن يبتليه بالحرمان من الحق الذي هو عليه، والله عز وجل أعدل من ذلك, فإذا أنزل على عبد من عباده بلاءً وكان على حق تام وتقوى تامة فإن الله يثبته على الحق الذي هو عليه, فإذا كان على حق ظاهر وتقصير باطن فنزل به البلاء وتغير بعد البلاء فما أنقصه الله من عمله كان لغير الله أزاله الله عنه, فبقي على الأمر الذي هو لله, ولهذا كثير من المتغيرين عن منهج الحق إنما أزال الله عنهم بذلك البلاء ما كان لغير الله ولو كان حقاً, ولهذا يعجب البعض لماذا تغير الإنسان وكان على حق بعد ما نزل به البلاء؟ نقول: لأن ما كان بين مرحلة التغير وما كان عليه كان ذلك لغير الله فأزاله الله بذلك البلاء, فأراد به خيراً في ذلك, والخير كله أن يبقى الإنسان خالصاً لله عز وجل مع شيء من العمل ولو كان يسيراً مع عدم اقتراف الباطل, وإذا ابتلى الله عز وجل وأبدل الإنسان الخير الذي كان عليه بِشَر آخر فليعلم أنه لم يكن مخلصاً قبل ذلك، فعاقبه الله عز وجل ببلاء وبسيئة أخرى يبقى عليها, ولهذا ينبغي للإنسان أن يكثر من عبادة الله, والتعرض لتقوى الله سبحانه وتعالى فإن ذلك من أسباب كفاية الله عز وجل لعبده ووقايته له.

    1.   

    قوله تعالى: ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة )

    الحكمة من تسمية الجهاد سبيل الله

    الآية الثانية: في قول الله عز وجل: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:195]، بعد أن ذكر الله عز وجل أحكام القتال أمر بالإنفاق في سبيل الله.

    والإنفاق: هو ما يبذله الإنسان من مال، وقيده هنا ( في سبيل الله ), و ( في ) هنا ظرفيه, أي: أن الإنسان يضع المال في حياض سبيل الله، وسبيل الله المراد به الجهاد في سبيل الله بالاتفاق, مع عمومها من جهة المعنى إلا أن كلمة: في سبيل الله, إذا ذكرت في الكتاب والسنة فإنها أول ما تنصرف إلى الجهاد في سبيل الله, وثمة معنى لطيف هنا أن الله عز وجل سمى الجهاد: في سبيل الله أي: أنه لا تتحقق سبل الأمة كلها في الخير إلا عبر هذا الطريق.

    سبب النزاعات بين البلدان الإسلامية

    ولهذا الأمة إذا عطلت هذا الطريق فسدت ظاهراً وباطناً, ولهذا أمر الله عز وجل بقتال المشركين وأن تنشغل الأمة بقتال عدوها؛ حتى تنصرف عن الانشغال بخصومة نفسها، والخصومة والخلاف أمر جعله الله سنة في الحياة، فمن انشغل عن خصمه الأعلى انشغل بالأدنى، ولهذا كلما ضعف هذا الأمر بالأمة زادت الخصومات, وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( فإن تركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً )، وهذا الذل الذي جعله الله عز وجل على هذه الأمة أن جعلها أوزاعاً, وإذا لم يختلفوا مع عدوهم الأعلى نظروا إلى الأدنى, فإذا لم يختلفوا ما دونه اختلفوا فيما بينهم, حتى يقع الخلاف لأهل البلدة الواحدة أو البلدتين فيما بينهما, أو أهل الحي الواحد يتخاصم شرقيه مع غربيه، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء في سنن أبي داود: ( من لم يغز )، فأمر بأن ينشغل الإنسان ولو بالتفكير بعدوه الأعلى، ( من لم يغز أو يجهز غازياً أو يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق )، وجاء في رواية: ( أصابه الله بقارعة قبل قيام الساعة ), ولله سنة أنه ما من دولة عطلت الجهاد إلا كانت نهايتها بقارع، فإذا كانت هذه قارعة الأفراد فقارعة الدول أعظم، وما من أمة ترفع رايات الجهاد إلا جعل الله عز وجل لها تمكيناً, ودلالة المفهوم ودلالة الخطاب في هذا الحديث أن الله عز وجل يصيب عدوها بقارعة لا يصيبها هي؛ لأنها تمسكت بأمر الله سبحانه وتعالى، وفي قول الله عز وجل: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:195]، جعل الله عز وجل الجهاد سبيلاً لله وهو سبيل الإسلام، وأن الأمة لا يمكن أن يتحقق أمرها وهيبتها إلا بهذا الأمر, ولهذا جعل الله عز وجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم التمكين في الأرض بعد ما أشهر السيف, فيقول حسان بن ثابت:

    دعا المصطفى دهراً بمكة لم يجب وقد لان منه جانب وخطاب

    فلما دعا والسيف صلت بكفه له أسلموا واستسلموا وأنابوا

    لأن القلوب عليها غشاوة, تحتاج جلداً, ولهذا البساط ما ينتفض الغبار عليه ويظهر أنه جديد بعد التراكم إلا بنفضه وضربه, فكثير من الناس الإيمان في قلبه موجود ولا يؤمن إلا إذا رفعت الصوط عليه قال: آمنت, وإذا تُرك طمع في الدنيا, وكثير من الشهوات والشبهات إنما تزول من القلوب بالهيبة, وهذه الهيبة على مراتب, ما يتعلق بأمر الإيمان بأمر السلطان, ولهذا يقول عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان كما روى ابن عساكر في تاريخ دمشق قال: إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن, مع كون الحجة مهمة إلا أن أمر القتال مهم, والحجة أحياناً تصل إلى القلب فيكابر, ولهذا نُصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرعب مسيرة شهر كامل, وذلك لما جعله الله عز وجل له من قوة وبأس, وتداعى الناس إليه, ونحن نرى في هذه الأمة حينما عطلت الجهاد في سبيل الله انشغلت بالصراعات فيما بينها، لأنه لا يوجد عدو أعلى، فانشغلوا فيما بينهم، عرقيات، أهل البلد الفلاني يتكلمون في البلاد الفلاني، يتكلمون في جانب الاقتصاد، في مخططات الأراضي، في الأسهم، في المنح، في الملابس، في الأحذية, والخصومات, وغيرها, بل تجد أن غالب حديث الناس يتعلق بالألبسة ونحو ذلك, وربما يجتمع الناس في مجلس واحد ما استحضروا عدوهم الأعلى؛ لأنهم انشغلوا بما دونه, وكلما انشغلوا عن عدو أعلى انشغلوا بعدو دونه, حتى تجد الجار يسب جاره؛ لأنه ما عنده عدو في الحي أكثر منه, وهكذا, وهذه حكمة, حتى يصل في البيت إلى أن يعادي زوجته, ولهذا تجد أننا وصلنا في الترف حتى في الخلاف، التنكيت على العرقيات, متفرغين للخلاف فيما بينهم، ينكت أهل البلد الفلاني عن البلد الفلاني، وأهل اللهجة الفلانية على اللهجة الفلانية، وأهل اللون الفلاني على اللون الفلاني؛ لأننا نزلنا في دائرة الخلاف إلى أدنى مستوى, ولو رفعنا سقف جانب الخلاف والصراع لا انشغلنا عن ذلك كله, ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم شرع الله عز وجل له تلك الشريعة حتى تثبت الأمة على هذا، ولهذا يقول العلماء ينبغي للأمير والخليفة أن يغزو كل عام, ومن العلماء من قال: أن يحج عاماً وأن يغزو عاماً واحداً, حتى يستعد الناس وينشغلوا بعدوهم الأعلى, ولهذا كان هارون الرشيد يغزو عاماً ويحج عاماً، ومن المسلمين في الزمن المتأخر من ينام قرناً ويحج يوماً, ويجاهد ساعة هذا إن جاهد, وهذا يدل على تحكم الخلاف والنزاع في الأمة, ولهذا الخلافات التي تكون في الأمة الآن تكون على خلافات اقتصادية، على خطوط طول وعرض في المساحات أخذ شبر وأخذ شبرين, ويتقاتل الناس على هذا, أو على جبل, أو على واد, أو على عملة, أو نحو ذلك, وسبب هذا كله أنه ليس لهم عدو أعلى, وقد أحسن الغرب وأبدع في استعمال هذه القاعدة, فغرس في نفوسنا التسامح معهم, وأبدع في هذا التفنن فنحن معهم متسامحون، وأما معنا فنتقاتل, فيحثنا على القتال فيما بيننا والتسامح معهم, فكان هذا من أسباب الفرقة في الأمة.

    المراد بقوله تعالى: ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة )

    وفي قول الله جل وعلا: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا [البقرة:195]، المراد بذلك هو حبس المال عن النفقة في سبيل الله, واتفق المفسرون على هذا, وبعض الناظرين في أمثال هذه الآية يقول: إن النهي عن الإلقاء بالنفس إلى التهلكة المراد بذلك هو أن يجازف الإنسان بقتل نفسه أو إزهاقها, وهذا من المعاني الخاطئة.

    وقد ثبت من حديث أبي إسحاق عن البراء أنه سأله رجل قال: إني أحمل بنفسي واحداً على المشركين حتى أقتل هل هذا من إلقاء نفسي إلى التهلكة؟ قال: لا، قول الله عز وجل: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا [البقرة:195]، هو عدم النفقة في سبيل الله, وذلك أن عدم الإنفاق هو تعطيل للجهاد في سبيل الله, فتستباح الأعراض, وتسفك الدماء, بسبب أن المقاتلين في سبيل الله لا يجدون مركباً ولا ملبساً، ولا يجدون شيئاً يحملونه ويتقوون به, فتهلك حينئذٍ الأنفس، وتهلك السبل, فسمى الله عز وجل عدم الإنفاق هنا تهلكة, وقد اتفق المفسرون على هذا, نص عليه جماعة منهم كعبد الله بن عباس و مجاهد بن جبر و عكرمة و سعيد بن جبير و السدي و الضحاك وغيرهم من المفسرين, أن المراد بالتهلكة هي عدم النفقة في سبيل الله.

    وهل يؤخذ من ذلك ما له دلالة أخرى؟ نقول: نعم, يؤخذ منها ما له دلالة أخرى, وهو النهي عن التهلكة على سبيل العموم, أن يقتل الإنسان نفسه؛ كالمنتحر, وقد جاء هذا عن عبيدة السلماني كما روى ابن جرير الطبري من حديث ابن سيرين عن عبيدة السلماني أنه استدل بهذا في مسألة الإنسان الذي يذنب, ويقول: لا يغفر الله عز وجل لي, ثم يبقى على ما هو عليه, فقال: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا [البقرة:195].

    ترتيب المأمورات حسب الأولية

    وفي هذا إشارة أيضاً إلى أن أعظم المأمورات ما أمر الله به ونهى عن ضده, ولهذا أمر بالإنفاق فقال: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، فآكد المأمورات هو أن يأمر الله عز وجل بشيء ثم ينهى عن ضده في ذات السياق, فهذا دليل على تأكيده, ثم يليه بعد ذلك ما أمر الله به ولم ينه عن ضده, ثم يليه ما نهى الله عنه ولم يأمر بضده, ثم بعد ذلك ما تركه النبي عليه الصلاة والسلام, ثم يكون ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم على جمع بين الحالين, هذه كما تقدم في مسألة الأقوال, وقد جمع الله عز وجل هنا في مسألة الإنفاق فقال: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، وفي هذا أيضاً معنى أن الأمة إذا أنفقت في سبيل الله كان ذلك عزاً وتمكيناً، كما أن الهلاك في الحبس فإن في الإنفاق العز والتمكين, وإنما ذلت الأمة؛ لأنها عطلت أسباب الجهاد, ولم يكن للأمة طريق بيِّن, ولهذا قال: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:195]، فسبيل الله حينئذ تعطل سلوكه بسبب أن الأمة قد عطلت هذا الباب.

    ثم قال: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195]، والإشارة هنا في قوله: (( وَأَحْسِنُوا )) أي: أنه ينبغي للإنسان أن يستزيد ولو لم يتعطل ذلك الأمر وأن ينفق في هذا الباب زيادة, في هذا الجانب الإحسان, وهذا دليل على فضل النفقة في سبيل الله, ولو زاد ذلك فإنه من أعظم وجوه النفقة, وقوله هنا: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195]، إشارة إلى عظم الجزاء, فالله مع المتقين حينئذ, ويحب المحسنين عند إحسانهم, وهذا عظيم منزلة، وإظهار محبة الله عز وجل لعباده, وكذلك أيضاً أن المحبة الحقيقية من الله عز وجل لعبده ومن العبد لله هو أن يمتثل الإنسان طاعة ربه سبحانه وتعالى.

    كذلك في هذه الآية إشارة إلى أن الأمة لا تهلك إلا بعدم إظهار قوتها؛ لأن الخصومة لا بد منها, فالخصومة بدل أن تجعلها في دائرتك ومحيطك اجعلها في الأبعدين, وهذه سنة كونية, إذا أردت أن يجتمع الناس على أمر فارفع درجة الخلاف مع الأبعدين, وكلما لم تجعل لك عدواً بعيداً انشغل الناس فيما بينهم, وطبيعة بشرية أن الناس يتخاصمون, وإذا رأيت الأمة تختصم في جزئيات فاعلم أن الكليات معطلة, وهذا أمر مشاهد ملموس.

    أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة, إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وبهذا نكتفي ونكمل في الدرس القادم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.