إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [15]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله عز وجل الجهاد على مراحل، فبعد الأمر بالكف أمر بقتال الدفع، ثم أمر بقتال الطلب، ولا يكون قتال الطلب إلا بعد إقامة الحجة، ثم إن من يقاتل إما يكون كتابياً أو وثنياً، فالكتابي يخير بين ثلاثة أمور: الإسلام، أو الجزية، أو القتال، والوثني يخير بين أمرين: الإسلام أو القتال.

    1.   

    قوله تعالى: ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم ... )

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فتقدم معنا الكلام على القتال في سبيل الله في قول الله عز وجل: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا [البقرة:190]، وتقدم الكلام على قتال الدفع، وأشرنا إلى شيء من ذلك، وأرجأنا شيئاً من مسائله إلى ما يأتي من الآي، وآي الجهاد المحكمة جلها جاءت في الآيات المتأخرة فيما أمر الله عز وجل وأنزله من آيات الجهاد، ومعلوم أن سورة البقرة هي من أوائل ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وآيات الجهاد المحكمة وكذلك آيات النفاق في سورة التوبة، وكذلك آيات المقاتلة في سورة الأنفال وغيرها وبعض أحكام القتال في غيرها أظهر في الدلالة وأبين من جهة الإحكام من آي البقرة باعتبار أنها نزلت سابقاً وغيرها نزل بعد ذلك، ولهذا يكثر الكلام عند العلماء في نسخ آي القتال في البقرة ويقل في غيرها، وذلك باعتبار التقدم.

    الفرق بين القتل والمقاتلة

    يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ [البقرة:191]، هذا الأمر من الله سبحانه وتعالى جاء معطوفاً على ما تقدم في قوله جل وعلا: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [البقرة:190]، فأمر الله سبحانه وتعالى بالمقاتلة في الآية السابقة ثم أمر هنا بالقتل، وتقدم معنا أن المقاتلة هي أن تكون بين طرفين، فهي مفاعلة، كالمسامحة تكون بين اثنين، والمقاتلة تكون بين اثنين، والمشاجرة والمخاصمة والمبايعة تكون من طرفين، فالمقاتلة تكون من طرفين، كل واحد منهما حريص على أن يحقق ذلك المعنى، بخلاف القتل فإنه يكون من واحد حريص على قتل الآخر، ولا يلزم من ذلك أن يكون الآخر حريصاً على قتل من يقابله، فإذا كان حريصاً على قتل من يقابله فيسمى مقاتلة ويسمى أيضاً القتال قتالاً، ويسمى أيضاً قتلاً، ولكن إذا كان القتل من واحد على شخص لا يريد القتل لا تسمى مقاتلة وإنما يسمى قتلاً، ولهذا فرق الله جل وعلا بين الأمر في قوله: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:190].

    سبب نزول الأمر بالقتل في قوله تعالى: ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم.. )

    والأمر في هذه الآية بقوله: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191]، الأمر هنا بالقتل، كأن الله عز وجل وجه أهل الإيمان أن يتوجهوا إلى مكة, وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عازماً على قضاء عمرته التي منعوه منها عام الحديبية، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة القضاء بعد ذلك، فكأن المسلمين قد بلغهم أن المشركين قد أعدوا العدة لقتال المؤمنين وسينقضون عهدهم الذي أعطوه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتبوه في الحديبية، فلما كان كذلك أعد النبي صلى الله عليه وسلم لهم العدة فكان في هذه الآية رفعاً للحرج الذي قد يوجد في نفوس المسلمين في عدم نزول شيء من آي القرآن في الجهاد، فأنزل الله عز وجل هذه الآية والتي قبلها في قول الله عز وجل: قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [البقرة:190]، فالآية السابقة أمر بالمقاتلة، أي: قتل من استعد لقتال المؤمنين، وهنا قتل لمن لم يقاتل: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191]، وظاهر العطف هنا في قول الله عز وجل: وَاقْتُلُوهُمْ [البقرة:191]، أن الواو هنا عاطفة للمعنى السابق، والعطف بين حكمين يكون في الغالب أن الآيات تنزل في زمن متقارب إن لم تنزل في موضع واحد، وذلك أن الله سبحانه وتعالى ينزل الأحكام ويعطف بعضها على بعض، فإذا عطف بعضاً على بعض دل على أن الزمن بين الآيتين قليل أو معدوم، وذلك أنه إذا كان ثمة أحكام ونوازل وحوادث حدثت بين الآيتين؛ فإن عطف الآية على الأخرى يقل في كلام الله عز وجل فيكون ذلك حكماً استئنافياً، ولهذا يجعل العلماء ممن يتكلمون في الناسخ والمنسوخ من دلالات نفي النسخ والميل إلى تخصيص العموم أو الجمع بين الآي إذا جاءت آية بعد آية معطوفة على ما قبلها، فإذا عطفت الآية على ما قبلها من الآي وكانت تلك الآية مخصِّصَة لما سبق فإنه يؤخذ على تخصيصها، ولا تحمل على أنها ناسخة للآية السابقة، ولهذا في قول الله عز وجل: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191]، الآية هنا في ظاهرها أنها أمر بالمقاتلة على سبيل العموم، وهل هي ناسخة للحكم السابق أم لا؟

    من العلماء من قال: إن هذه الآية ناسخة للحالة السابقة، وذلك أن الحالة السابقة هي قتال لمن قاتل، وهو دفع لعدوان المعتدي وصولة الصائل، وأما هذه الآية فهي قتل للمشركين على كل حال، أن يتمكن منهم المؤمنون.

    وجوب البيان وإقامة الحجة قبل الشروع بمقاتلة الكفار

    وهذا الأمر في قول الله عز وجل: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191]، المقطوع به أن المقاتلة هنا لا تكون إلا بعد بيان وإقامة حجة، والبيان وإقامة الحجة هنا أن يقيم أهل الإيمان الحجة على المشركين ببيان دين الله عز وجل وحكمه سبحانه وتعالى، فإذا أقاموا حكم الله عز وجل عليهم فأبوا فإنهم يقاتلونهم.

    وحينئذ يكون الكفار على حالين: إما أن يكونوا من أهل الكتاب وإما أن يكونوا من الوثنيين، ويأتي تفصيل ذلك بإذن الله.

    وأما وجوب إقامة الحجة على من كفر قبل قتاله فهذا يتفق عليه العلماء، ولا يجوز للمسلمين أن يباغتوا المشركين ولم يكن ثمة علم سابق بأمر الله بالإسلام.

    ولهذا أمر الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام أن يبلغ أمر الله للمشركين، ثم يجعل بينهم وبينه أمداً للمقاتلة، وذلك في قول الله عز وجل: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6]، يعني: اجعل له أمراً ثم بعد ذلك يكون بينك ويبينه القتال؛ لأن الإنسان حينما يبلغ أحداً في دين الله عز وجل لا بد أن يكون ثمة فصل, وهو فصل الترهيب والتخويف في القتل؛ لأنه ربما إذا كان حاضراً عندك وقبل بلاغه للإسلام ولم يكن ثمة علم لديه بدينك قبل حضوره إليك فأبلغته بهذا الدين أو القتل فربما آمن نفاقاً، والشريعة تدرأ النفاق أولى من درئ الكفر، ولهذا كانت الشريعة مانعة من إظهار المنافق نفاقه، ولهذا جعل الله عز وجل هذه الفترة التي تكون بين البلاغ وبين أهل الشرك هي فترة إنظار, للنظر في حكم الله عز وجل الذي بلغه نبيه عليه الصلاة والسلام للمشركين, ثم يقطعون بعد ذلك في المقاتلة لأهل الإيمان أو عدمها، ولهذا قال: ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6]، حتى يتأمل وينظر ثم بعد ذلك يكون فيه المقاتلة.

    وأما مجرد الكفر فإنه ليس بمسوغ للمسلمين أن يقاتلوا المشركين بلا إنذار وبلا علم، فلا بد من إقامة الحجة.

    الفرق بين إقامة الحجة وفهمها

    وإقامة الحجة ليست هي فهم الحجة، فلا يلزم من إقامة الحجة أن يفهمها الإنسان، وكذلك أيضاً فإن الإنسان إذا قال بلزوم فهم الحجة فإن هذا إحالة إلى عدم، فالله عز وجل أمر بإبلاغ الحجة حتى يسمع كلام الله, وما أمر بأن ينتظر الإنسان حتى يفهمها؛ لأن الفهم أمره باطن، والإحالة إلى الفهم إحالة إلى أمر غيبي، ولو قال الإنسان: إني لم أفهم هذه الحجة ولم يتضح لي الأمر, وبقي سنة وسنتين وثلاثاً وأربعاً وعشراً ونحو ذلك لا يرفع عنه حكم الله, وإنما يكون معانداً، ولهذا كفار قريش تأتيهم بالحجة ويقولون: لا ندري ما تقول، وربما يضعون في آذانهم شيئاً لا يسمعوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربما يستغشون ثيابهم، ولكن عليه أن يبلِّغ دين الله على لغة ووجه يفهمونها لو أرادوا أن يفهموا، فإذا لم يفهموا فإن الحجة حينئذ قامت عليهم، ويقوم الإنسان حينئذ بالمقاتلة، والمقاتلة هنا تكون بعد البيان كما تقدم، وإنما أمر الله عز وجل نبيه أن يقاتل المشركين؛ لأن الحجة قد بلغتهم قبل ذلك، فقاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بناء على الحجة السابقة، فقد وعظهم وذكرهم في مكة، وأرشدهم ودلهم وهداهم ولم يهتدوا ولم يرشدوا إلى طريق الحق، ثم قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك.

    التفريق بين الوثني والكتابي في القتال

    ثم أيضاً نفرق بين المشرك الوثني وبين الكافر الكتابي، وذلك أن المشرك الوثني لا تؤخذ منه الجزية ولا يقبل منه إلا أمرين وثالثٌ ضرورة:

    الأمر الأول: الإسلام, فإن أسلم وإلا فيقتل، وأما الجزية فلا تكون من الوثنيين.

    أما الأمر الثاني وهو: الاضطرار، وهو العهد والسلام.

    وأما الجزية فلا تؤخذ من المشركين.

    الجانب الثالث في هذا: وهو أن المسلمين يجدون ضعفاً في مقاتلة الوثنيين؛ كالذين يعبدون الأصنام أو غير ذلك من البوذيين وغيرهم، فإذا عجز المسلمون عن قتالهم فلهم أن يبرموا معهم سلاماً وعهداً.

    وأما الجزية فلا تكون إلا من أهل الكتاب، ولهذا قال الله عز وجل: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، والمراد بهذا أنه يجب عليه أن يقاتلهم حتى يدخلوا في الإسلام, فإن أبوا الإسلام فالجزية، فإن أبوا الجزية فيقاتَلون، وهذا مما خصص الله عز وجل به السنة، في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة )، الحديث، هذا حديث عام، ( أمرت أن أقاتل الناس ), هل هذا أمر يدخل فيه سائر الكفار من اليهود والنصارى والمشركين أم هو خاص بالمشركين الوثنيين؟

    الجواب: هو خاص بالمشركين الوثنيين؛ لأن الآية خصصت السنة, وهذا من المواضع النادرة الذي يخصص القرآن السنة، وذلك أن الله عز وجل جعل الجزية مستثناة هنا داخلة في الغاية في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله )، في قول الله عز وجل: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، فجاء استثناء أهل الكتاب من المقاتلة هنا بدفع الجزية, أما المشركون فلا تؤخذ منهم الجزية, وسيأتي في سورة التوبة بإذن الله عز وجل الكلام على الجزية وأحكامها ومتى تؤخذ، وهل تؤخذ من المجوس أم لا تؤخذ, وضوابط أخذها أيضاً, وكلام العلماء والأدلة الواردة في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه عليهم رضوان الله.

    وفي قول الله عز وجل: حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191]، دلالة على أن من خرج إلى القتال يقتل ولو لم يرفع السلاح في أي موضع.

    ولهذا قال الله عز وجل: وَاقْتُلُوهُمْ [البقرة:191]، والقتل يكون من طرف واحد، والآية السابقة هي في من تجهز للقتال وقاتل, وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا [البقرة:190]، وفي هذه الآية القتل، ولهذا نقول: إن المسلمين إذا توغلوا في المشركين أو واجهوهم ووجدوهم ولم يقاتلوا المسلمين؛ كأن يكونوا لم يتهيئوا، بل جاءوهم على غرة، أو كانوا مثلاً في حراسة, أو كانوا في تحسس وتجسس لمواضع المسلمين ولم يرفعوا السلاح حينئذ فإن هذا قتل، وهذا هو المقصود بقوله: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191]. أما بالنسبة للمقاتلة فتكون في مكان معلوم، وأما القتل فيكون في قتل أفراد موزعين في مواضع متعددة.

    عدم سقوط بلاد المسلمين ولو تقادم الزمن على إخراجهم منها

    وقول الله جل وعلا: وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ [البقرة:191]، أخرجوا المؤمنين من مكة، وهنا الخطاب يتوجه إلى المهاجرين، فالمهاجرون هم من خرجوا من مكة، ولكن الخطاب توجه هنا إلى عموم المؤمنين؛ لأن المؤمنين يسعى بذمتهم أدناهم، وبلد المؤمنين في أي بقعة من بقاع العالم هو للمسلمين كافة، فإذا أخرج مؤمن من بلده فإن تلك البلد هي بلد للمؤمنين كافة. وفي هذا دلالة أيضاً على أن المسلمين إذا أخرجوا من بلد من بلدانهم أن تلك البلد ولو تقادم عليها الزمن فإنها من بلدان المسلمين؛ وذلك مثلاً كالأندلس، حيث أُخرج المسلمون منها واستقر فيها الكفر واستدام، وهي باقية من بلدان المسلمين، ولهذا الله عز وجل جعل المقاتلة هنا لأسباب منها: في سبيل الله كما تقدم: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:190].

    ومنها: بسبب الإخراج، وأن الأمر ينبغي أن يعود إلى أهله، وذلك لعلتين: العلة الأولى: أن الأرض لله يورثها من يشاء، العلة الثانية: أنها كانت للمسلمين، وإذا كانت الأرض لمسلم ثم اغتصبها كافر ولو تقادم الزمن فلا بد من رجوعها إلى أهل الإيمان، ولهذا جعل الله عز وجل سبب إخراج المشركين من مكة من أسباب ذلك فقال: مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ [البقرة:191]، يعني: من مكة, مع أن سبب المقاتلة الأعظم في ذلك هو كفرهم بالله سبحانه وتعالى.

    المراد بالفتنة في قوله تعالى: ( والفتنة أشد من القتل )

    ثم قال تعالى: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:191]، الفتنة في لغة العرب تطلق على الاضطراب، وكل شيء يضطرب فيه الإنسان وتتغير حاله فهو فتنة على أي حال كان، وتسمى الفتنة بأسبابها، ولهذا جعل الله عز وجل الأموال والأولاد فتنة، والأزواج فتنة, والجاه فتنة، وجعل الله الحروب والفقر والمجاعات فتنة وغير ذلك، فكانت فتنة؛ لأنها تؤثر على حياة الناس وأمنهم، وهذه الأشياء يدفع الناس شرها، فالله عز وجل بين لنبيه عليه الصلاة والسلام الفتنة هنا, فقال: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:191]، والمراد بالفتنة في هذه الآية هي الكفر، وقد أجمع العلماء على ذلك أن المراد بالفتنة في هذه الآية هو الإشراك مع الله عز وجل، جاء ذلك عن عبد الله بن عباس كما رواه ابن جرير و ابن أبي حاتم من حديث الضحاك عن عبد الله بن عباس.

    وجاء أيضاً عن مجاهد بن جبر و سعيد بن جبير و عكرمة و الحسن و قتادة و الربيع بن أنس و الضحاك و مقاتل وغيرهم من أئمة التفسير من السلف, وهي مسألة من مسائل الإجماع؛ على أن الفتنة في هذا الموضع هي: الكفر، وذلك أن الله عز وجل جعلها أعظم من القتل، والقتل هو أعظم الفتن بعد الكفر، وذلك أن الناس إنما كانت أموالهم فتنة لصدها عن مصالحهم، وإنما كانت أزواجهم وأولادهم للصد عن المصالح الدينية، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح لما نزل من منبره ورأى الحسن والحسين جاءا إليه في ثوبين يعثران بهما, نزل النبي عليه الصلاة والسلام من منبره فحملهما فقال: ( صدق الله إنما أموالكم وأولادكم فتنة )، والمراد بهذه الفتنة: هو أن الإنسان يضطرب ويقدم شيئاً حقه التأخير ولو بأمر دقيق، فالنبي صلى الله عليه وسلم لعظم مقام النبوة ودقة البصيرة التي لا يدركها الأولياء جعل اللحظات اليسيرة في تركه الخطبة والإتيان إلى الحسن والحسين وحملهما هذا شيء دقيق من معاني الفتنة، وذلك أن الإنسان ربما لا يتحمل أن ينصرف إلى أمر دينه من أمر العبادة ونحو ذلك، ويجد في قلبه إقبالاً على ابن أو إقبالاً على زوجة أو إقبالاً على مال أو نحو ذلك، فيفوت شيء من المصالح، وهذه معان دقيقة جداً منها ما يدخل في أمور المباحات, ومنها ما يدخل في أمور المكروهات, ومنها ما يدخل في أمور المحرمات، ولما كانت هذه المعاني كلها من أمور الفتنة كان القتل, وهو: إزهاق النفس, فتنة أعظم منها، ولهذا الجوع فتنة؛ لأنه يفضي إلى القتل، فإذا كان الجوع فيه فتنة، فالقتل أعظم منه، والخوف كذلك، فالناس يخافون؛ لأن الخوف قد يفضي إلى إزهاق أنفسهم، ولو كانوا يعلمون أن الخوف يفضي إلى فقد مادة، ما وصل الهلع إلى نفوسهم بمثل هذا المقدار، فدل على أن الخوف مهما بلغ في النفوس فالقتل أعظم منه، لأن الناس لا تخاف من القتل إلا على أعظم أحوالها وهو القتل، وهو إزهاق الأنفس، فلما كان القتل بهذه المرتبة جعل الله عز وجل الفتنة أشد من القتل وأكبر منه، وهو الكفر بالله سبحانه وتعالى، وإنما جاء هذا الأمر في هذه الآية وهي قول الله عز وجل: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:191]، بعد أن أمر الله عز وجل بالمقاتلة؛ وذلك أنه استقر لدى العرب أن القتال في مكة محرم, وهم مقبلون على قتال المشركين في مكة, ولما كانوا يجدون في نفوسهم حرجاً، أزال الله عز وجل ذلك الحرج بقوله: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:191]، يعني: إن كان القتل فتنة، فإن الفتنة العظمى هي الكفر، فإذا حضر الكفر فهو أعظم الفتن، ولهذا نقول: إن الفتن تتعدد فإذا حضر أعلاها سلب الاسم من أدناها، وذلك أن الكفر هو أعظم الفتن، وليس لأحد أن يقول: إني لا أريد أن أدخل الإيمان؛ لأنني أخشى أن أفقد مالي أو أفقد ولدي أو أُخرج من بلدي، نقول: هذه ليست فتن؛ لأن الكفر الذي أنت فيه هو أشد من ذلك كله، ولهذا الله عز وجل في هذه الآية قال: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:191]، فسلب من القتل اسم الفتنة، مع أنه فتنة؛ لوجود الكفر وهو أعظم منه، فجعل الأعظم في ذلك هو الفتنة، وما عداه يخصص باسمه الذي يسمى به بعينه، ولهذا لما كان الناس يخشون الافتتان من قتال وإزهاق النفوس في مكة بيَّن الله عز وجل له أن الذين تقاتلونهم كفاراً، وكفرهم أعظم من الفتنة التي تخشونها، فسلب الله اسم الفتنة عن القتل وجعله في الكفر، ولهذا نعلم إن أعظم التغيرات التي تطرأ على الإنسان وعلى المجتمعات هي إزهاق النفوس, وأعظم من ذلك كله هو الكفر بالله جل وعلا، وبهذا نعلم أيضاً أن انتشار الكفر والإلحاد وإظهار الشرك وكتب الكفر ونشرها أعظم من بيع السلاح في الفتنة، فإذا باع الإنسان كتاب كفر، أو روج لمقال في صحيفة أو في متجر أو نحو ذلك يُكفر به الله جل وعلا، فإن ذلك أعظم من بيع السلاح للقاتل ليقتل، ولهذا جعل الله عز وجل قتال المشركين في مكة جائزاً وجعله جهاداً وهو من أعظم الأعمال؛ لأنه به يتحقق التوحيد ويدرأ الكفر، فأزال الله سبحانه وتعالى ما يجده المسلمون في نفوسهم من القتال في المسجد الحرام ببيان أن ما هم فيه هو كفر بالله سبحانه وتعالى فينبغي أن يزال.

    وفي قول الله عز وجل: وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ [البقرة:191]، بين الله سبحانه وتعالى أن قتال المشركين للمؤمنين عند ذهابهم إلى مكة ينبغي أن يقيد بمواجهتهم بالسلاح، وإذا لم يقاتلوهم فليس لهم أن يقاتلوهم.

    أهمية الجهاد في سبيل الله عز وجل

    وهنا مسألة أن الله عز وجل قال: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:191]، فأمر بقتالهم لوجود الكفر، ثم منع من قتالهم إلا أن يقاتلوا، نقول: إن الله عز وجل منع من قتالهم إلا أن يقاتلوا؛ لأن العهد في العام الماضي أن يأتوا إلى مكة بغير سلاح وبلا قتال، فالمؤمنون يفون بعهودهم التي أعطوها الناس مهما كان، ولهذا جعل الله عز وجل في مثل هذا الموضع للمؤمنين ألا يقاتلوا المشركين إلا بقيد المقاتلة، فإن منعوهم من دخول مكة وقاتلوهم فإنه يجب عليهم أن يقاتلوهم.

    وفي هذا أيضاً أن أهمية الجهاد في سبيل الله ظاهرة في الشريعة، وذلك أن الله سبحانه وتعالى بين للمؤمنين وجوب المقاتلة عند إرادتهم القتال مع أن المؤمنين في ابتداء أمرهم لم تتكون دولة الإسلام تكويناً تاماً، ولم تتسع رقعة الإسلام، وشوكة المشركين ما زالت قوية، فالله عز وجل ما أمر نبيه بالرجوع إلى المدينة إذا رفعوا السلاح عليهم، وأمره بترك العمرة؛ لأن هذه عبادة، ويؤجل ذلك إلى ما بعدها وذلك لعظم أمر الجهاد، وذلك أنه يصنع هيبة للمسلمين، وأن الأمة إذا لم تعد العدة لدين الله عز وجل استضعفها خصومها، ولهذا لما علم المشركون بإتيان النبي صلى الله عليه وسلم وإعداد العدة لقتال المشركين؛ تهيبوا القتال، وكانوا قد أعدوا له، فامتنعوا عن قتال النبي صلى الله عليه وسلم مع أنهم كانوا متسلحين على مشارف مكة، فأذنوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالدخول.

    حرمة المسجد الحرام

    وإنما كان المسجد الحرام حراماً؛ لإضافته لله جل وعلا، وذلك أنه حرم الله وبيت الله، وحرم الله وبيته إذا لم تتحقق فيه حقيقة التحريم وهي العبودية لله فإنه لا معنى لتحقق ذلك الاسم، ولهذا يجمع العلماء على أن الكافر إذا استولى على مكة أنه لو مكن المؤمنين من الدخول إليها عمرة وحجاً وسكناً أن ولايته يجب أن تزول، وأن يقاتلونهم ولو مكن المسلمين من كل شيء، كما مكن المشركون النبي صلى الله عليه وسلم من دخول مكة, وأن ذلك أمراً استثنائياً لأمور عديدة يأتي الإشارة إلى شيء منها، ومنها أن الله سبحانه وتعالى حرم أن تكون مكة دار كفر بعد أن كانت دار إيمان، ولهذا لا هجرة بعد الفتح، ولو تولاها مشرك وأقام فيها أعلام المشركين فإنه حينئذ أصبحت دار كفر، ويجب على المؤمنين أن يهاجروا منها، وهذا لا يمكن أن يكون شرعياً، بل يجب في ذلك المقاتلة، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء؛ فحكاه القرطبي عن جماعة من العلماء؛ كـمنداد من المالكية، وكذلك أيضاً حكاه بعض الفقهاء كـالنووي عليه رحمة الله وغيرهم من أئمة الإسلام، وإذا لم تتحقق العبودية في مكة لله جل وعلا فإن المقاتلة في ذلك واجبة.

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ [البقرة:191]، أمر الله عز وجل بالمقاتلة، يعني: إذا قاتلوكم فقاتلوهم، يعني وجود الصفين، وأما في الآية السابقة فقال: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191]، قيل: إن المراد في أول الآية، المراد بذلك هي على مشارف مكة قبل حدودها، وأما إذا كانوا فيها فإنهم لا يقاتَلون إلا إذا رفعوا السلاح، فإنه يجب على المؤمنين أن يقاتلوهم.

    وفي هذا أيضاً التخصيص الذي ورد في هذه الآيات, يخصص بعضها بعضاً ولا ينسخ بعضها بعضاً، فهذه الآية وهي قول الله عز وجل: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191]، من العلماء من قال: إنها ناسخة للآية السابقة, ومنهم من قال: إنها ليست بناسخة، والصواب في ذلك أنها ليست بناسخة لها.

    في قول الله جل وعلا: جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [البقرة:191]، دليل على أن حكمهم المقاتلة من جهة الأصل، ولكن الله استثناها لوجودهم في المسجد الحرام، وأن الأمر لم يحل للمسلمين إلا للضرورة, وذلك أن الله عز وجل جعل جزاءهم القتل، وعلامة ذلك أن الله عز وجل قال: جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [البقرة:191]، أي: أن الكافر يقاتل، هذا هو الأصل فيه، والاستثناء إنما طرأ عليه لكونه في مكة، فلما كان في مكة استثني الكافر في مكة من المقاتلة.

    قتال الكافر إذا لاذ بالحرم

    وهنا مسألة وهي الكافر إذا لاذ بمكة، إذا كان فرداً هل يقاتل؟ نقول: إن الكافر إذا لاذ بمكة، أولاً لا يجوز له دخولها, والعلماء يتفقون على ذلك، ولا خلاف عندهم فيه، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين، ( بعث جماعة من أصحابه وأمرهم أن ينادوا في مكة: ألا يطوف بالبيت عريان، وألا يحج بعد هذا العام مشرك )، وقال الله عز وجل: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28]، وهذا فيه إشارة إلى أن دخول المشرك من جهة الأصل بعد هذا العام محرم، فدخوله فيه موجب لإخراجه منه، ولو لم يكن لائذاً بجرم، فإذا دخل مسالماً وجب إخراجه، فإذا كان واجباً إخراجه، فهل يجوز للمؤمنين أن يقيموا الحد عليه إذا كان لائذاً بفرية أو لائذاً من حد أن يقيموا عليه الحد في مكة أم لا؟ نقول: اختلف العلماء في ذلك، أولاً ينبغي أن نحرر مسألة النزاع، فنقول: إن العلماء يتفقون على أن المشرك يقاتل في مكة سواء كان فرداً أو جماعة، فإذا كان عصابة من المشركين دخلوا مكة وقاتلوا فإنهم يقاتلون ولا خلاف، والفرد إذا رفع السلاح في مكة فإنه يقاتل ولا خلاف عندهم في ذلك، ولكن إذا كان لائذاً مسالماً، كالذي يلوذ بالكعبة أو يلوذ بالبيت، فهل لوذه بالكعبة يحرم على المؤمنين إقامة الحد عليه؟ نقول: ذهب جمهور العلماء إلى جواز إقامة الحد عليه بمكة، واستدلوا لهذا بما جاء في الصحيح من حديث أنس بن مالك ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر، ثم وضعه، ثم أُخبر عليه الصلاة والسلام أن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله ).

    إقامة الحدود في الحرم

    هنا اختلف العلماء هل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله حداً لأنه كان مسلماً فارتد، أم هو قتال محاربة؟ فإذا كان قتال محاربة فيدخل في مسألة الاتفاق، ولا يلزم من قال بعدم إقامة الحدود في مكة بمثل هذا، والذي يظهر والله أعلم أن هذا الحديث إنما هو إقامة لحد الردة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ما عفا عنه كما عفا عن غيره ممن كان في مكة من المشركين، ولهذا قال: من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل الكعبة فهو آمن ونحو ذلك، ولو كانوا مشركين, فما قتلهم مع أن ابن خطل ما كان حاملاً للسلاح، وإنما أمر بقتله النبي صلى الله عليه وسلم حداً، ولو كان محاربة لعفا عنه كما عفا عن غيره، والدليل على ذلك أيضاً حديث أنس بن مالك ( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه مغفر ثم نزعه, ثم قيل له: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة )، دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قضى حربه، انتهت الحرب، فحينئذ استقر أمر المسلمين وما بقي بعد ذلك فليس محاربة وإنما حدوداً، ولهذا نقول: إن قتل النبي صلى الله عليه وسلم لـابن خطل إنما هو قتل حد للردة، لا محاربة، والساعة التي رخص الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام بالقتال فيها في مكة انقضت بنزع المغفر عن رأسه عليه الصلاة والسلام.

    وذهب بعض العلماء إلى عدم جواز إقامة الحدود, وهو قول أبي حنيفة وغيره.

    وجمهور العلماء ذهبوا إلى جواز إقامة الحدود في مكة وهذا قول الإمام مالك و الشافعي وكذلك الإمام أحمد.

    فالشافعي رحمه الله يقول: إذا أمكن إخراجه وتنفيره من مكة إذا كان لائذاً بها ولم يستطاع الإمساك به ليخرج فإنه يُنفَّر من مكة، ويقام عليه الحد خارجها، وإذا لم يمكن فإنه يقام عليه فيها.

    وأبو حنيفة رحمه الله يجعل ذلك منهياً حتى في إقامة الحدود, ويجعل ما جاء في حديث أنس بن مالك في قتل النبي صلى الله عليه وسلم ابن خطل في أمر المحاربة، قال: وأما أمر المحاربة فهو داخل في أمر القتال الذي رخص الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام بالقتال فيها.

    وفي قول الله جل وعلا: فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:192]، يعني: إن انتهوا عن قتال المؤمنين، ثمة أمر وهو من المسائل المهمة ودقائق معاني كلام الله عز وجل أن الله عز وجل يعلم الأحوال التي ستقابل المؤمنين في مكة، ومع ذلك أنزل الله عز وجل أحكاماً على سبيل التنوع، إن كانوا كذا فافعلوا كذا، وإن كانوا كذا فافعلوا كذا، وإن كانوا كذا فافعلوا كذا؛ لأن الأمر أمر تشريع, وإلا فإن الحكم الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو حكم لنازلة معينة جاء بلفظ عام، والقرآن إنما يأتي غائياً وإن كان ينزل على مسائل معينة، ولهذا الله عز وجل قال: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191]، مع أنهم ما واجهوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بمقاتلتهم إذا قاتلوا، فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:192]، هذه الخيارات متعددة تشريعاً للأمة في أحكام قتال المشركين، وفي هذا أعظم دلالة على أن المؤمنين إذا جاز لهم قتال المشركين في مكة فإنه يجوز لهم أن يقاتلوا في غيرها إن اعتدوا عليهم من باب أولى، مع حرمة مكة التي من لاذ بها فإن له حرمة، ولهذا الله عز وجل أوجب على المؤمنين أن يقاتلوا المشركين إذا قاتلوهم ومنعوهم من حقهم، فإذا منع المؤمنون من حقهم في بلد غير مكة فإن الحرمة في ذلك معدومة، أو ناقصة، ولهذا نقول: إن الله عز وجل يوجب في ذلك إيجاباً أظهر مما لو كان الإنسان يقاتل المشركين في مكة.

    وهذه الآية تتضمن معنى من معاني الدفع؛ لأن الأرض ما زالت باسم المسلمين وهي مكة، ولهذا الله عز وجل يقول: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ [البقرة:191]، أي: الأرض التي أخرجوكم هي بلد من بلدانكم.

    إذاً: هذا القتال يتضمن قتال الدفع، أي: أني أدخل داري فإن دفعتني عن داري فسأقاتلك، فإذا كان قتال الدفع مع حرمة مكة جعله الله عز وجل مأموراً به فإن ما عدا ذلك من باب أولى، وهذا مما لا خلاف عند العلماء في تقريره.

    الحكمة من ختم آية القتال بقوله تعالى: ( فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم )

    ثم أيضاً في قول الله عز وجل: فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:192]، أنه يجب على المؤمن ألا يعمل بهواه، وذلك أن المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملون على المشركين في مكة حملا ً عظيماً؛ لأنهم أخرجوهم من أهليهم, وأخرجوهم من أموالهم، وأولادهم, وأراضيهم, وعيروهم, وأنشدوا فيهم الأشعار وغير ذلك، وأساءوا إليهم عند الناس، ولكن الله عز وجل دفع ذلك ليبين أن المقاتلة إنما هي لدين الله, ليست لانتقام النفس، ولهذا قال الله عز وجل: إن انتهوا عن المقاتلة، المسألة ليست تصفية حسابات ماضية، إن قاتلوكم الآن فقاتلوهم وإن انتهوا فإن الله غفور رحيم، أي: يغفر لهم إن وضعوا السلاح ودخلوا الإيمان، فإن الإسلام يجب ما قبله، ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ألا تعلم يا عمرو إن الإسلام يهدم ما قبله، وإن الهجرة تهدم ما قبلها، وإن الحج يهدم ما قبله )، وبهذا ينبغي للإنسان إذا آمن من آمن ولو كان له أمر سابق وجريرة في حق المؤمنين ينبغي ألا يتعلق ذلك بالمؤمنين في نفوسهم انتقام منه، ولهذا من أعظم المصائب التي جاءت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هي مصيبته في قتل عمه حمزة ، حتى ذكر أهل السير كـابن إسحاق وغيره ( أن النبي عليه الصلاة والسلام لما جاء إلى جثته ووجد بطنه مبقورة وقد أخذت أحشاؤها؛ وقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما أصاب بمصيبة بعدك )، يعني: لشدة وقع ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلما جاء من قتل عم رسول الله وهو وحشي كما جاء في صحيح البخاري , قال النبي صلى الله عليه وسلم لما يجد في قلبه لما أسلم قال: ( إن استطعت ألا تريني وجهك فافعل )، وفيه إشارة إلى ذلك الهم الذي في قلب النبي صلى الله عليه وسلم أن يرى من قتل عمه أمامه، ولكن ما انتقم منه بكلمة واحدة، وإنما لا يريد أن يعرض الأمر أمامه بعينه كل مرة يأتي فيتذكر عمه.

    الابتعاد عن منغصات الحياة

    وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للقائد وينبغي للإنسان في الأمور التي يتعلق بها في نفسه هم أو نحو ذلك ينبغي أن يصرفها؛ عنه حتى لا تتعطل الرسالة، والأمور التي قضاها الله عز وجل وانقضت ينبغي أن يتناساها، ولهذا مع دخوله في الإسلام وحسن إسلامه بعد ذلك وقاتل وناضل وبقي من الخيرة بعد ذلك، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن استطعت ألا تريني وجهك فافعل )، يريد بذلك ألا يذكره ذلك همه ومصيبته السابقة، وأن تذكر المصائب والأشياء التي يضعها الناس تذكاراً مثلاً للموتى أو تذكاراً لآبائهم ونحو ذلك، هذا من الأمور الخاطئة؛ لأن هذه الأمور لا تعيد شيئاً للإنسان, وإنما تورثه أوهاماً وأحزاناً وتصرفه عن أموره ومهامه، فإن الإنسان مأمور بأن يأتي وأن يستقبل حياته ولَّاءً, لا أن يتفكر في الماضي فيزداد حزناً، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأحزان كثيرة من قتل أناس من أنفس أصحابه عليهم رضوان الله تعالى من قرابته ومن حوله ونحو ذلك، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يستقبل أمر الله عز وجل له, وما قضاه الله عز وجل هو خير لمن اختاره الله عز وجل له.

    وفي قوله جل وعلا: فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:192]، أي: يغفر للعبد ويستر له ما مضى منه وإن كان مقاتلة للمسلمين.

    فالمقاتلة لمحمد صلى الله عليه وسلم هي من أعظم الجرم، ومع ذلك كان ذلك ذنباً مغفوراً، ولهذا الذي يقاتل أحداً أو يعاديه أو يقتل نفساً لن يبلغ قتله كقتله لـحمزة، أو قتله لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقاتلته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك قبل النبي صلى الله عليه وسلم، توبة من تاب، وجعل الله عز وجل ذلك تحت مغفرته ورحمته سبحانه وتعالى.

    من الأدلة على وجوب جهاد الطلب

    ثم قال الله عز وجل: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة:193]، تقدم معنا الفتنة هنا في الآية السابقة وقال هنا فِتْنَةٌ [البقرة:193]، فجعلها في الآية السابقة معرفة بالألف واللام وهنا جعلها منكرة، والألف واللام في الفتنة الأولى هي للجنس للدلالة على الاستغراق أي: الأعظم أنواع الفتن المستوعبة لما عداها وكل ما عداها فهو داخل في دائرتها وهو الإشراك مع الله عز وجل على ما تقدم بيانه، وهنا قال: فِتْنَةٌ [البقرة:193], لما تقدم من معرفة بيانها وأن هذه الفتنة المنكرة هنا هي عامة كعموم الفتنة السابقة, فيدخل ما دونها من باب أولى لهوانه بالنسبة لها, ولكن الله سبحانه وتعالى جعل ذلك من جهة إعمال الحكم هو خاص بالكفر، وأمر الله عز وجل بالمقاتلة؛ حتى لا تكون فتنة، وهنا استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب جهاد الطلب، وذلك أن الله سبحانه وتعالى أمر بمقاتلة المشركين في الآية السابقة عند دخول المسجد الحرام، ونهى عن قتالهم إذا لم يقاتلوا، وهنا أمر بالمقاتلة لأجل الدين فقط، وهناك لأجل المقاتلة، فقال: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193]، إذاً: لمجرد وجود الكفر يقاتلون، هذا المعنى في وجوب مقاتلة المشركين.

    حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193], حمل بعض السلف الفتنة في هذه الآية قال: إذا كان أهل الإيمان في حال ضعف ويخشون من تنامي قوة المشركين عليهم أنه يجب عليهم أن يقوموا بقتال المشركين حتى يضعف المشركون، جاء هذا عن عبد الله بن عمر كما جاء في البخاري وذلك أنه سئل عن قول الله عز وجل: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193]، قال: ذلك كنا زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن قليل نخشى المشركين, ونحن حينئذ كثير، يعني: لا نخشى فتنة المشركين.

    وبعض العلماء قال: إن هذه الآية ناسخة للآيات السابقة، وذلك في قول الله عز وجل: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا [البقرة:190]، قيد الله عز وجل المقاتلة هنا بالذين يقاتلون، ولكن هذه الآية جعلت القتال لمجرد الكفر، فقال بالنسخ بعض العلماء كـقتادة كما رواه ابن جرير و ابن أبي حاتم وغيره من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أنه قال في قول الله عز وجل: وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [البقرة:190]، وقول الله جل وعلا: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191]، قال: نسخها قول الله عز وجل: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193]، فجعل هذه الآية ناسخة للأمر السابق، وأنه يجب على المؤمنين إذا وجدوا قوة أن يقاتلوا المشركين، وهنا في قوله: حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193]، أمر بالقتال لدفع الفتنة فقط وما أمر بغيره، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا المشركين إلى الإيمان وكاتبهم فلو كانوا يريدون قبول الدعوة لدخلوا الإيمان, ولكنهم بقوا على ما هم عليه، فبقي أمران: الجزية؛ وهي منتفية عن المشركين، وبقي القتال؛ لهذا أمر الله عز وجل بالمقاتلة.

    الأشياء التي تدفع بها الفتنة

    والفتنة تدفع بثلاثة أشياء: الأمر الأول: بقتل المشركين وإبادتهم، فلا يكون حينئذ فتنة.

    بيان كون دفع الجزية يدرأ الفتنة

    الأمر الثاني: بالجزية، وذلك درئاً للفتنة، وذلك أن الله عز وجل قال: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193]، فلا يكون فتنة في المؤمنين فيتسلل المؤمنون إلى الأقوياء المشركين الواحد تلو الآخر، وإنما يجب عليكم أن تضعفوهم، ولهذا لم يأمر الله عز وجل نبيه أن يقتل كل كافر، وإنما إن قبل الإسلام فهو أفضل للمسلمين، وإن لم يقبل الإسلام فيجب عليه الجزية ولو بقي على كفره، فإن المؤمنين يرعون شأنه، فالجزية كانت دفعاً للفتنة؛ لأن الله عز وجل قال: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، لأنهم بإعطاء الجزية يصبحون صاغرين، فلا يمكن لأحد من أهل الإيمان أن ينضوي تحتهم فيصبح صاغراً، لأن الأمم إنما تقلد الأعظم، فإذا كانت العظمة للمشركين ولم يكن ثمة إذلال لهم من قبل المؤمنين انساق الناس إليه اقتداء بهم؛ ولهذا أمر الله عز وجل بدرء الفتنة بهذه الأحوال.

    الأمر الثالث: أن يدعوا إلى الإسلام ويدخلوا فيه، فهذه الثلاثة هي التي تدرأ بها الفتنة.

    ويقدم أولها وهو الدعوة إلى الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما أمر المشركين من كل فئة ومن كل جنس أمرهم بالدخول في الإسلام، ومن لم يدخل فإنه يفرض عليه بعد ذلك الجزية، وقدمت الجزية هنا؛ لأن قتال المشركين إنما جعله الله عز وجل متأخراً؛ لأن القتال يفتح باباً على المسلمين متسعاً، فإذا لم يكن ثمة جزية فإن المشركين أكثر من أهل الكتاب وأكثر من المؤمنين، فجعل الله عز وجل لنبيه أموراً وأحوالاً يدرأ بها الشر، لأن المؤمنين لا يطيقون مواجهة الكل، وفي هذا إشارة إلى معنى أنه ينبغي لأهل الإيمان ألا يعادوا الأمم كلها بالمحاربة، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو من هو فقد أيده الله عز وجل ووعده بالنصر كان يسالم هذا ويقاتل هذا، يسالم بني النضير ويقاتل بني قريظة، وهذا مع كونهم من أهل ملة واحدة، وأما استعداء الأمم جميعاً فإن هذا ليس من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بنصر الله، وإنما يتوجه إلى فئة فإذا انقضى منها توجه إلى فئة أخرى، ويعطي غيرهم من أمور العهد والأمان؛ حتى يقضي أمرهم تباعاً، وهذا من الحكمة في الجهاد في سبيل الله، والتعامل مع الفتنة.

    معنى قوله تعالى: ( ويكون الدين لله )

    ثم قال تعالى: حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة:193]، هل المراد بذلك أن يكون الدين في الأرض كلها لله فيزول في ذلك الشرك؟ نقول: الله عز وجل يعلم أن الشرك والمشركين لن يزولوا من الأرض حتى قيام الساعة، بل تقوم الساعة على شرار الخلق، ولكن المراد بذلك حتى تكون الغلبة، فالله عز وجل متم نوره ولو كره الكافرون، فالمراد بذلك هو تمام النور، والإتيان بكامل القوة للمؤمنين على غيرهم.

    المراد بالانتهاء في قوله تعالى: ( فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين )

    ثم قال تعالى: فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة:193]، قال بعض العلماء: إن هذه الآية متضمنة للمعنى السابق، وهو أن هذه الآية ليست لقتال الطلب وإنما هي لقتال الدفع، قالوا: والدلالة على ذلك، أن الله عز وجل قال: فَإِنِ انتَهَوْا [البقرة:192]، يعني: من انتهى؟ فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة:193]، يعني: إن انتهوا عن المقاتلة فلا تعتدي إلا على ظالم إن اعتدى عليك.

    والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه, فإذا وضعوا رماحهم في أعناقكم وجب عليكم أن تقاتلوا، وهذا استدل به بعض العلماء على أن هذه الآية ليست من قتال الطلب، وإنما قتال الطلب ذكره الله عز وجل في قوله تعالى وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [النساء:89]، وأن هذه الآيات إنما هي آيات دفع، ولكن نقول: إن الله سبحانه وتعالى ذكر الانتهاء هنا فقال: فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة:193]، نقول: إن الانتهاء لا ينبغي أن يحمل على معنى واحد، وهو امتناعهم عن القتال، ولكن نقول: إن انتهوا عن معاندتهم فأعطوا الجزية فإنهم ليسوا بمعتدين، ويكون حينئذ أمر القتال محكم في هذه الآية على أنه من قتال الطلب لا من قتال الدفع، ومن حمل الانتهاء هنا على المعنى السابق في قول الله عز وجل: فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:192]، فإنه يجعله في قتال الدفع لا في قتال الطلب.

    والذي يظهر والله أعلم أن هذه الآية إنما هي في قتال الطلب لا في قتال الدفع.

    بعض العلماء قال: إن هذه الآيات معطوفة على بعضها بالواو، فإن الله عز وجل قال في أول الأمر قال: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [البقرة:190]، ثم قال: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191]، ثم قال: فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:192]، ثم قال: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193]، فجعلها معطوفة على بعضها، أي: كأنها جاءت في سياق واحد وليس بينها فترة زمنية، ولكن نقول: إن عطف الواو في ذلك لا يعني أن الآية جاءت في سياق تام، وإن كان هذا من القرائن، ولهذا جاء عن غير واحد من السلف أن قول الله عز وجل: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193]، كانت ناسخة ولو جاءت بالعطف؛ كما جاء ذلك عن قتادة في ما رواه ابن جرير من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193]، إنها ناسخة لما سبق من الآيات من التقييد بالقتال لمن اعتدى، والعدوان هنا: أن يعتدي الإنسان أو أن يأخذ حقاً من غير حق له، وهذا هو الظلم، والله عز وجل إنما جعل المعتدي ظالماً لبقائه على ما هو عليه.

    ومن القرائن أيضاً على أن المراد بالظلم هنا في قوله: فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة:193]، المراد به الشرك، فهؤلاء بقوا على ما هم عليه ولم ينتهوا، فكانوا على الشرك الذي هم عليه فما أعطوا الجزية, وما اندفعوا عن قتال المؤمنين فإنهم يقاتلون، وكذلك أيضاً فإنهم ما زالوا مشركين فلا عدوان إلا عليهم، فإذا بقوا على شركهم الذي هم عليه ولم يدفعوا الجزية فإنهم يقاتلون بظاهر هذه الآية.

    عظم خطر الكفر وأسبابه

    وفي هذه الآيات دلالة أيضاً على عظم الكفر وأسبابه، وأن تهيئة أسباب الكفر أعظم من تهيئة أسباب القتل, وأن الكفر أعظم من قتل الإنسان، ولهذا قد روى ابن جرير الطبري من حديث ابن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أنه قال: خروج الإنسان من الإسلام إلى الكفر أعظم عليه من قتله، يعني: أنه قد وقع في أعظم الفتنة، وقتله درئاً للفتنة في ذلك، وإنما شرع الله عز وجل قتل المرتد وجعله حداً كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عباس قال: ( من بدل دينه فاقتلوه )، لأن الردة إذا لم تُدرأ بالقتل انتشرت في المسلمين، فارتد واحد ثم آخر ثم آخر ثم تسللت الردة في المسلمين إذا لم يكن ثمة قتل, ولهذا جعل الله عز وجل أعظم الفتنة الكفر فيجب أن تدرأ ولو بقتل النفوس، ولهذا شرع الله عز وجل الجهاد.

    ومن عظم دفع الكفر أن الله سبحانه وتعالى جعل قتل النفوس في دفع الكفر من أعظم الأعمال، وذلك أن قتل النفس هو من أعظم الذنوب، ويأتي بعد الإشراك بالله عز وجل وهي من أوبق الموبقات, أيضاً من أكبر الكبائر أن يزهق الإنسان نفساً بغير حق، إذا كان هذا الجرم العظيم جعله الله من أعظم الأعمال أن يقتل الإنسان في سبيل الله، ويدل عليه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم: ما تمنى شيئاً أن يكون عليه إلا أن يتمنى أن يقتل في سبيل الله، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح قال: ( لودت أن أقاتل في سبيل الله حتى أقتل, ثم أحيا ثم أقتل, ثم أحيا ثم أقتل )، وهذا دليل على فضل منزلة القتل في سبيل الله؛ لتحقيق التوحيد، فإذا كان لتحقيق التوحيد دل على أن كل الأمور من الذنوب والمعاصي التي لو فعلها الإنسان غير تحت مظلة التوحيد فهي من الموبقات, لكن على عتبة التوحيد كلها درجات توصل إلى الله عز وجل، فلهذا انقلبت معايير الذنوب والمعاصي ومعايير الموبقات وهي القتل فجعلها الله عز وجل شهادة وهي من أعظم الأعمال، ولهذا ( يقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله، قيل: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيله )، وهذا يدل على عظم منزلة القتال في سبيل الله.

    كذلك أيضاً ينبغي أن نبين أن ما يتعلق بتحريم القتال في الآية السابقة والتي تليها أن ثمة أمرين: الأمر الأول: حرمة القتال في مكة وفي الأشهر الحرم هما مسألتان من المسائل المنفكة، تكلمنا على مسألة القتال في مكة وإقامة الحدود، وسنتكلم بإذن الله عز وجل على مسألة القتال في الأشهر الحرم في وقت لاحق بإذن الله تعالى.

    أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة إنه ولي ذلك والقادر عليه.