إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [14]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان المشركون يتعمدون سؤال النبي صلى الله عليه وسلم بأسئلة تعجيز وتعنت، لظنهم أن ذلك ينقص من قدره ويبطل نبوته، ومع ذلك فقد كان الوحي يأتيه بالجواب، فسألوه عن الأهلة كون القمر يتزايد حتى يكتمل ثم يبدأ بالنقصان، فأجاب الرسول صلى الله عليه وسلم على طريق أسلوب الحكيم بفائدة هذه الأهلة، وأنها مواقيت للناس، فهم بحاجة إليها في الدين والدنيا، وذكر الحج لأنه لا يأتي إلا مرة في السنة فهو جدير بالنسيان ولأنهم سألوا عن الأهلة ولم يسألوا عن الشمس ومعرفة الحج مرتبطة بمعرفة الهلال بخلاف الصلاة فإنها مرتبطة بالشمس.

    1.   

    قوله تعالى: ( ويسألونك عن الأهلة... )

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    المقصود بالأهلة ووجه السؤال عنها

    توقفنا عند قول الله عز وجل: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ [البقرة:189]، المشركون من كفار قريش وكذلك نسب هذا إلى اليهود أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، وإنما استشكلوا الأهلة زيادة ونقصاناً، أي أنها تبتدئ صغيرة ثم تكبر، ثم تنتهي بالصغر على نحو ابتدائها، كذلك أيضاً فإن القمر يختلف عن الشمس، وذلك أن القمر ينقص، وأما بالنسبة للشمس فهي على هيئتها، وذلك في طلوعها وغروبها، فاستغربوا واستنكروا وتحيروا في حال القمر واستشكلوا التباين الذي يكون بين النيرين، وذلك أن الشمس على حال تختلف عن حال القمر، فسألوا عن المتغير ولم يسألوا عن الثابت، وذلك أن الأهلة ثابتة، وقد يكون ذلك السؤال فيه شيء من التنطع أو التحيير أو التغليط لرسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أجابهم بما بيَّن الله عز وجل له ذلك في الحكمة منها، وفي هذا إشارة إلى ضعف عقل الإنسان ونقصان أهليته أن المعالم التي يراها وتعاقبت عليها الأجيال لا يدرك مراد الله سبحانه وتعالى من إيجادها، وهي ظاهرة بينة، فيعرفون شيئاً ويجهلون شيئاً آخر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة.

    والأهلة: جمع هلال، وإنما سمي هلالاً لأن الناس يهلون عند رؤيته، ويطلق في الغالب الهلال على ما خرج من القمر أول الشهر، في أول ليلة منه وثاني ليلة، وبعضهم جعل الهلال أيضاً في الليلة الثالثة إلى الليلة السابعة، والمشهور عند العرب أن الهلال إنما يسمى هلالاً في ليلته الأولى وفي ليلته الثانية, ثم يختلف بعد ذلك قدر إقماره، ومنهم من سحب ذلك أيضاً حتى على آخر الشهر، فجعل الهلال كما أنه في ابتداء الشهر كذلك أيضاً فإنه يكون في آخره، وذلك لجانب التغليب، فإن الشهر إنما سمي شهراً أن الناس إذا دخل هلال ذلك الشهر أشهروا دخوله فسمي شهراً من أوله إلى آخره، كذلك أيضاً بالنسبة للهلال فيتجوز كثير من الناس فيسمون القمر والهلال مهما تعددت لياليه، ولكن في استعمال العرب من الصدر الأول لا يسمون الهلال إلا في ليلته الأولى والثانية، ثم بدأ يتسع هذا الأمر حتى أطلق على كثير من الليالي، ولما كان آخر الشهر يشابه أوله جعلوا ذلك الاسم على السواء، والشهر كذلك أيضاً إنما سمي شهراً؛ لأن الناس تشهره، والهلال كذلك فإن الناس يرفعون أصواتهم بطلوع الهلال، ولهذا يقول الله عز وجل: وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ [البقرة:173]، والمراد بذلك أن الإنسان إذا أراد أن يذبح أو ينحر شيئاً من بهائم الأنعام فإنه يذكر معبوده، فمن كان يهل لله فإنه يذكر الله ومن كان يهل لغير الله فيذكر غير الله، ولهذا يقال: أهل فلان بكذا أي: جهر، وتسمى أيضاً الجهر بالتلبية، وكذلك أيضاً الجهر بالنسك يمسى إهلالاً, يقال: أهل فلان بكذا، باعتبار أنه قد جهر بقوله ذلك، والأهلة المراد بذلك هي: المطالع التي يقدرها الله عز وجل للقمر، سواء كان في الشهر الواحد أو في الأشهر كلها فتسمى أهلة، هذا بالنسبة لمطالعها، وأما بالنسبة لها في ذاتها فهو هلال واحد يجعله الله عز وجل يتعدد على صور متباينة، فسأل اليهود النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك غيرهم من المشركين عن الأهلة.

    حال العالم عند مسائل الأغلوطات

    وفي هذا فائدة أن الإنسان قد يسأل على وجه التعجيز والتغليط فينبغي له أن يبين حكم الله عز وجل أو يبين الجواب، وذلك أن مثل هذه الأجوبة إذا كان الإنسان على بينة من أمره أن يبين ذلك فيزيل الوهم الموجود في أذهان الناس، وإذا كانوا على سبيل التنطع أو الأغلوطات ونحو ذلك أن يأخذ الإنسان الناس بعلمه ووقاره بعيداً عن أن يقابلهم بمثل ما ابتدئوه من السخرية أو التنطع أو التغليط في الأسئلة، وهذا وإن كان الناس ينهون عنه من أهل الإيمان إلا أنه ينبغي للإنسان في مسألة الرد أن يختلف عن جانب السؤال، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في المسند وكذلك أيضاً في السنن من حديث معاوية قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأغلوطات )، وفي رواية: ( عن الغلوطات )، والمراد بذلك هي المسائل التي استقر جوابها في ذهن الإنسان ولكن يسأل غيره استخباراً وتغليطاً، أي: التماساً لمواضع الخطأ عنده, وهذا منهي عنه، ولكن بالنسبة للعالم إذا سئل بشيء من مثل هذه الأسئلة أن يجيب، وكفار قريش كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً من الأسئلة، وكذلك المنافقون واليهود يسألون النبي عليه الصلاة والسلام كنوع اختبار، فيجيبهم بذلك؛ لأن الإنسان إذا انتصب للخير فإن الناس يتوجهون إليه على اختلافهم, وهو واحد وخصومه متعددون, فلو قابل كل واحد باستهزاء وسخرية لخرج منه الأمر متعدداً، وخرج منهم ذلك أفراداً، وهذا يلحق الإساءة بدعوته، فينبغي للإنسان أن يستمسك بوقار الإجابة والعلم ولو سئل على سبيل الاستهزاء.

    حاجة الناس الدينية والدنيوية إلى معرفة المواقيت

    ثم قال تعالى: قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189]، أجاب النبي صلى الله عليه وسلم بجواب ربه جل وعلا لمن سأله عن الأهلة فقال: هي مواقيت للناس، أي: أن هذه الأهلة تتباين مواقيت للناس حتى يعرفوا أحوالهم فالعبادات وكذلك المعاملات مركبة من أمرين: فعل وزمن، والفعل المجرد بذات الإنسان لا بد أن يركب على زمن، وهذا الزمن يتسع ويضيق، ولهذا جاءت الشريعة بضبط وصف الأعمال وضبط الأزمنة وتضييقها، فجاءت المواقيت للصلوات, وجاءت المواقيت للصيام، وكذلك أيضاً للحج والزكاة وغير ذلك، ولهذا نجد الشريعة جاءت على هذا النحو، إما ضبطاً لوصف العبادة، وإما ضبطاً لزمنها، فما من عبادة من العبادات إلا وأصلها منضبط وصفاً وزمناً, وقد تتسع في بعض صورها فترتبط بالفعل ولا ترتبط بالزمن؛ وذلك كعموم الاستغفار والتهليل ضبطه الله عز وجل بوصف على صيغة معينه، وضبطه الله عز وجل أيضاً بزمن، وجعله في صور أخرى مفتوحاً، أي: يستغفر الإنسان ربه جل وعلا ويهلله سبحانه وتعالى كيفما شاء, وإلا فأصله منضبط في أحوال، إما في أبواب الصلوات كأدبارها, أو تسبيح وتهليل على صور, فما من عبادة جاءت في الشريعة إلا وهي منضبطة بهذين الضابطين، ولهذا جعل الله عز وجل أمور الناس لا تنضبط حتى في أمور دنياهم إلا على هذا النحو، فالناس يضبطون الأفعال بوصفها ويضبطونها أيضاً بحدها بالزمن، ولا تنضبط أحوال الناس إلا على هذا الأمر، ولهذا قال الله عز وجل: هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189]، يعني: أن هذه الأهلة ضبطاً لمواقيت الناس في عباداتهم ومعاملاتهم وعاداتهم، فالناس في أعمالهم في البيع والشراء والإجارة وكذلك النذور، وعدد الطلاق, والمتوفى عنها زوجها, وكذلك أيضاً أمور النكاح، والمواعيد فيما بينهم, فإن هذا لا يعرف إلا بدائرة الزمن وعجلته، فجعل الله عز وجل ذلك أمراً منضبطاً للناس بتنوع الأهلة؛ حتى يعرف الناس مواقيت الأفعال، وكذلك أيضاً في جانب العبادات, وهذا وإن كان أمراً مستقراً في نفوس الناس إلا أن هذه الآية فيها إشارة إلى أن الإنسان ربما يسأل بأمر بين، فعليه أن يسع الناس بلطفه, وإما أن الإنسان يجهل شيئاً ظاهراً بيناً وذلك لضعف أهليته من جهة الإدراك، فكثير من الأمور يجهلها الإنسان وهي من الأمور البينة والعلل الظاهرة وذلك لقصور عقل الإنسان، وقد جاء عن غير واحد من المفسرين في أن هذا إنما كان سؤالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس عن الأهلة، وجاء ذلك عند ابن جرير الطبري من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة , وجاء أيضاً من حديث العوفي عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى ( أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك, فقال: هي مواقيت للناس في أعمالهم ومناسكهم )، وقول الله جل وعلا: هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ [البقرة:189]، في هذا إشارة إلى أن الأفلاك يجعلها الله عز وجل للبشر, وأنها مهما عظمت قدراً إلا أن أفعال الناس منزلة عند الله عز وجل أولى بأن تضبط، ولهذا جعل الله عز وجل هذين النيرين: الشمس والقمر لضبط الأعمال، ودليل على أن العمل الصادر من الإنسان أعظم عند الله عز وجل من جهة الامتثال, وأعظم جرماً عند المخالفة والعصيان من خلق الشمس والقمر، فمعلوم أن الإنسان إنما دار في عجلة الزمن ليضبط وقته، فخلق الله له ذلك لينضبط بهذه الأعمال.

    وفي هذا إشارة إلى أهمية الزمن في حياة الناس وأهمية الزمن في حياة البشر، وأنه ينبغي للإنسان أن يضبط أقواله وأفعاله انضباطاً يليق بدقة الوقت الذي جعله الله عز وجل له منضبطاً، وجعل الله عز وجل مسير الشمس والقمر منضبطاً على مسلك لا يختل, منذ أن أنشأ الله عز وجل وفطر هذه الكواكب فبقيت على نحو مستقيم، وأن اختلال الزمن عند الناس من أعظم العقوبة، وأن الإنسان إذا فرط في الزمن كان ذلك من فتنته في نفسه، ومن فتنته أيضاً في دينه، وكلما تمسك الإنسان بالوقت ضبطاً كان من أهل العقل والحصافة, وهذا يليق بقيمة ما خلق الله عز وجل للناس من ذلك، فمعلوم أن الشمس بالنسبة للأرض التي يسكن عليها الإنسان وما يدور عليها من أفلاك وكواكب, وكذلك أيضاً بالنسبة للقمر وإنارتها لغير الأرض، وجعلها الله عز وجل مع ذلك ضبطاً لمواقيت الناس, وهذا فيه إشارة إلى أهمية الزمن على ما تقدم.

    الحكمة من تخصيص الناس بالذكر مع أن المواقيت للإنس والجن

    وفي قوله: (( لِلنَّاسِ )), هل هذا يخرج غيرهم؟ ومعلوم أن المراد بذلك هم البشر، وهم أبناء آدم و حواء من الذكور والإناث، فهل يخرج من هذا غير الناس فتكون الأهلة ليست مواقيت لهم، وذلك كالجان، مع كونهم مخاطبين بقول الله عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وهذا نقول: إن الله عز وجل ما أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بعبادة من العبادات إلا والخطاب يتوجه إلى الثقلين، من الإنس وكذلك الجن، ولكن هنا ذكر ذلك؛ لأن السائلين إنما كانوا من البشر، فكان الجواب يتوجه إليهم، وقد يقال: إن الله سبحانه وتعالى أمر عباده من الثقلين بأوامر, وهي الإتيان بالصلوات ونحوها, ولكن الله عز وجل قد جعل للبشر علامات وجعل لغيرهم علامات, ولكن في ذات العبادة واحدة، وهي تنضبط على وقت واحد، وهذا أمر محتمل، وبحث ذلك هو من أمور الغيب والله أعلم بذلك، ولكن الذي يجب أن يقطع به، أن الله عز وجل إنما أمر الثقلين الإنس والجن بامتثال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن امتثاله الإتيان بالصلوات في مواقيتها كما قال الله عز وجل: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، فيجب عليهم أن يأتوا بذلك، وكذلك قول الله عز وجل في الحج: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ [البقرة:197]، يعني: يجب أن يكون الحج من جهة الفرض في هذه الأشهر وسيأتي الكلام عليه، وكذلك أيضاً بالنسبة لصيام رمضان، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر قال: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته )، أي: أن الأمر يتعلق بزمن، فنقول: إن الخطاب يتوجه إلى الناس كافة، ويدخل في ذلك الجن من جهة العمل، وأما من جهة المواقيت فظاهر ذلك أنهم يدخلون في خطاب الإنس، ولو احتمل القول بخلاف ذلك فإن هذا لا يخرجهم عن دائرة العبودية على النحو الذي يتعبد به البشر.

    منزلة الإنسان عند الله عز وجل

    وفي هذه الآية دليل على عظمة الناس عند الله سبحانه وتعالى وأن الله سير الأفلاك لضبط وقتهم لا لضبط ذواتهم، فإن ضبط الذوات وتحصين الإنسان في دمه وفي عرضه أمر منفك، فلما كانت هذه بمنزلتها من كواكب ونحو ذلك جعلها الله عز وجل لضبط وقت الإنسان، دل هذا على عظمة بني آدم, وقد كرمهم الله سبحانه وتعالى بجملة من الكرامات، وإذا كرم الإنسان دل على أن مخالفته عند الله أعظم؛ لأن العقوبة على المكلف لا على غير المكلف، والتكليف يتباين بحسب إدراك الإنسان، فكلما كان الإنسان أظهر في الإدراك وأكثر استيعاباً كان أظهر في العقوبة والتشديد فيها، وقد تقدمت الإشارة معنا إلى مسألة تباين الناس في الخطاب، والخلاف بين أهل السنة والمعتزلة في هذا.

    الحكمة من تخصيص الحج في قوله: ( هي مواقيت للناس والحج )

    ثم قال: هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189]، أي: أن الله سبحانه وتعالى جعل الأهلة أيضاً ضبطاً لنسك الناس في حجهم.

    وهنا سؤال وهو أن الله عز وجل جعل من حكم خلق الأهلة وجعلها على هذا النحو للحج، ومعلوم أن الأهلة تخرج على مدار العام، فجعلها الله عز وجل لضبط ذلك الزمن، وبهذا نعلم أن الإنسان لا يمكن أن يضبط آخر زمنه إلا بضبط أوله، فلا يمكن أن يضبط الإنسان آخر زمنه ومعلوم أن الحج إنما هو في آخر العام - إلا بضبط زمنه على سبيل التدرج، وأن من لم يعتد على ضبط أول الزمن لم يعتد على ضبط آخره، هذا أمر.

    الأمر الآخر أن الحج هو أظهر في عدم الإدراك لزمنه من غيره من أركان الإسلام، وليس هذا لفضل الحج على غيره من أركان الإسلام، ويتفق العلماء على أن الصلاة أعظم من جهة الفرض على الناس، ولكن لم يذكر الله عز وجل الصلاة؛ لأن الصلاة إنما تعرف مواقيتها بالشمس، لا تعرف بالقمر، فذكر الله عز وجل هنا الحج؛ لأنه أظهر في معرفة دخوله ولم يذكر الصلاة؛ لأن الصلاة إنما تعرف بالشمس طلوعاً وغروباً.

    الأمر الآخر أن مواقيت الفرائض كلما تباعدت كان الإنسان أبعد في إدراكها من جهة العمل، ولهذا تجد الناس يضبطون أحكام الصلاة ولا يضبطون أحكام الحج؛ لأن الحج من جهة الفرض في العمر مرة، فجعل الله عز وجل الصلاة يومية، فالناس يعرفونها ولكن ما كان متباعداً فإن الناس يجهلون زمنه، وكلما كان الإنسان أقرب إليه وأدوم من جهة العمل كان أكثر، فتجد الناس يعرفون مواقيت الصلوات وكذلك الواجبات والأركان والشروط والسنن في الصلاة؛ لأنها يومية، أكثر من الحولية، كرمضان والحج، والحوليات أظهر من معرفة أحكام المناسك, ولهذا تجد العامة يدركون من أحكام الصيام والزكاة ما لا يدركون من أحكام الحج؛ لأنه في الغالب لا يحجون إلا في العمر مرة، ولما كان ذلك الأمر بعيداً كان لأهميته أن يتناول بالتأكيد والضبط، ولهذا نقول: إن قول الله عز وجل: هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189]، وهذا من عطف الخاص على العام، وعطف الخاص على العام لا يعني تفضيل الخاص على غيره من المخصصات التي تدخل في العام، وإنما هو لمزيد تأكيد في ذلك العمل؛ لأنه أقرب إلى الانفلات من غيره، فلما كان الناس ربما يتناسون فريضة الحج لبعدها ولا يعلمون المواسم، خاصة الذين يعيشون في بلدان تبعد عن مواضع الحج، فربما لا يعلم ما هي أشهر الحج، التي جعل الله عز وجل فيها المناسك، فجهل شيئاً من تلك الأحكام، فجعل الله عز وجل الأمر ذلك على سبيل التأكيد.

    وبهذا نعلم أن مسائل الدين من جهة تنبيهها للناس ينبغي للعالم والداعية إلى الله أنه كلما كان الأمر أقرب إلى الانفلات من أمر الناس أن يؤكد عليه، بعض الناس -إذا كان الأمر مستقر لدى الناس مسائل العقيدة- يقول: لماذا يهتم فلان بقضية كذا ويدع التوحيد؟ أو يهتم مثلاً بالحج ويدع الصلاة؟ أو نحو ذلك، وهذا من جهة المنطق صحيح ولكن تنزيله في مثل هذه الحال خطأ؛ لأن العقيدة أولى من غيرها والصلاة أولى من الحج ولكن لما كان الحج يشوبه شيء من انفلات عدم معرفة الأزمنة استوجب تأكيداً أن يعتني الإنسان به، لهذا جاء ذكر الحج وتركت الصلاة، وترك الصيام، وتركت الزكاة، وعامة العلماء على أن هذه الأركان أعظم عند الله عز وجل من جهة الفرض من الحج؛ وذلك لأنها أقرب إلى جهل الناس بها وبعدها عنهم.

    ولهذا العالم الحكيم العاقل الذي يدرك مآلات الأمور، ويعيش في أحوال الناس يعلم المتفلت من دين الله وغير المتفلت، فيحاول أن يعطي ذلك اهتماماً حتى يحافظ على دين الله سبحانه وتعالى ألا يضيع منه، وألا ينشغل بالأهم على الإطلاق ولو كان مستقراً في أذهان الناس، فلا يهمل الأهم ولا يغيب المهم لأجل اهتمامه بالأهم لكونه محفوظاً عندهم.

    اهتمام بتعلم المسائل وإن لم يمكن العمل بها

    وهذه الآية ذكر بعض العلماء أنها من أوائل ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، ومعلوم أن الحج إنما فرض على النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك، وفي هذا أيضاً إشارة مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستطيع الذهاب إلى مكة لقوة شوكة المشركين، ومع ذلك أنزل الله عز وجل على النبي عليه الصلاة والسلام هذه الآية وأمثالها؛ حتى يضبط حكم الدين ولا يضيع لعجز الناس في ذلك الزمن عنه، وذلك كأحكام الجهاد مثلاً، فأحكام الجهاد يعجز في زمن من الأزمنة المسلمون عن مقاتلة المشركين لقوة شوكتهم، فتغييب ذلك العلم من الخطأ، ولهذا بعض الفقهاء صنف كتاباً في الفقه وأزال منه أحكام الرق، وهذا من الخطأ، وذلك أن حفظ أحكام الدين مطلب، فالعلم شيء والعمل شيء، فالعلم شيء فهو حفظ الدين، وأن يكون حاضراً في أذهان الناس، ولهذا الله سبحانه وتعالى، لا ينزل عقوبته على الناس في آخر الزمن إلا برفع العلم لا بزوال العمل، فالعمل يزول قبل ذلك ولكن العمل يبقى حاضراً، فإذا كان العلم حاضراً رفع الله العلم وأنزل العقوبة، ولهذا الله عز وجل يقبض العلم بقبض العلماء، وتأتي ريح تأخذ أهل الإيمان ثم تقوم الساعة على شرار الخلق، وجاء في بعض الآثار ( أن الله عز وجل يرفع المصاحف من الأرض )، ولهذا نقول: إذا وجدت رسوم العلم في الأمة وهي ظاهرة ولو تعطل العمل فالأمة مرحومة، فينبغي على الأمة إذا لم تستطع عملاً من الأعمال أن تحافظ على بيان أحكام الشريعة؛ حتى لا يأتي جيل بعد ذلك يجهل تلك الأحكام، فإذا أظهرت في زمانها تنكروا لها، ولهذا أحكام الشريعة ينبغي أن تكون باقية ولو تعطل العمل لسبب من الأسباب، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يستطع الحج، ولم يفرض عليه على الصحيح بعد، ومع ذلك الله عز وجل يقول: هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189]، يعني: ينبغي أن يكون ذلك الحكم حاضراً للمسلمين، والحج المراد به القصد, وهو قصد البيت الحرام بالعبادة على فعل مخصوص في زمن مخصوص.

    سبب نزول قوله تعالى: ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها... )

    وفي قول الله جل وعلا: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ [البقرة:189]، البر هنا نفاه الله عز وجل؛ لأن الناس في الجاهلية على نوعين في أفعال المناسك: حمس وهم أهل مكة ممن كان من عمارها وفي حرم الله وهؤلاء يجعلون لهم أحكام خاصة، والحمس هم كفار قريش, وكنانة, ومدلج, وكذلك بنو عاصم, وبنو عدن, وخثعم, وغيرهم ممن كان يعمر مكة, هؤلاء يجعلون أنفسهم أهل حرم الله، ويشددون على أنفسهم ما لا يشدد على غيرهم, يعني: في أعمال الحج لا يخرجون، ولهم أحكام تختلف عن غيرهم، وغيرهم من العرب يجعلون لأنفسهم أحكاماً إذا أرادوا الحج، ومن الأحكام تلك التي يجعلونها على أنفسهم أن الواحد منهم إذا أراد أن يحرم يحرم من بيته، أما المواقيت فجاءت حادثة بعد ذلك شرعها الله عز وجل للناس، فكانوا يحرمون من بيوتهم، فجاء الله عز وجل بالمواقيت المكانية، وكانت المواقيت في الزمان ثم أضيف إليها المكان، كانوا يحرمون من بيوتهم، وأهل مكة من مكة فلا ينطبق عليهم أحكام الإحرام من بيوتهم, فإذا أحرموا من بيوتهم جعلوا لأنفسهم أحكاماً وهو أن الإنسان إذا أحرم من بيته وخرج فلا يجوز له أن يدخل إلى بيته من بابه، وإنما يدخلون من ظهور البيوت، إذا نسوا شيئاً أو كانوا يهيئون الأمتعة ونحو ذلك فإنه لا يجوز له أن يدخل بيته حتى يرجع، ولهذا يدخلون إما من الكوة، أو ربما من النوافذ ونحو ذلك، أو يتسورون الأسوار هذا لمن كان في بيوت ومن كان في خيام ونحو ذلك فإنما يدخلون من خلفها، لا يدخلون من الأبواب، وبعضهم ربما يشدد على نفسه فلا يجعل بينه وبين السماء حائل، فلا يدخل تحت سقف، ويجعلون ذلك من الحفاظ على شعائر الله, وهذا مما أحدثته الجاهلية، وكان الأنصار في المدينة على هذا الأمر، وكان هذا الأمر مشتهراً، وقد ذكر ذلك غير واحد من السلف, وقد جاء من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وجاء أيضاً من حديث أبي نجيح عن مجاهد، وجاء أيضاً من حديث معمر عن ابن شهاب الزهري , وروي أيضاً من غير وجه عن عبد الله بن عباس عليهم رضوان الله تعالى أن الأنصار كانوا إذا أحرموا وأرادوا الرجوع إلى بيوتهم لا يدخلون من أبوابها، وإنما يدخلون من ظهورها، ويجعلون ذلك من البر، فالله عز وجل نفى أن يكون ذلك من البر لظاهر السياق، فالله عز وجل حينما تكلم عن المواقيت جاء بالحج ثم جاء بمسألة نفي البر في دخول البيوت من ظهورها، وأن هذا من الأمور المحدثة.

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى [البقرة:189]، إشارة إلى أن مجرد الاحتساب، إذا احتسب الإنسان في عمل من الأعمال أنه لا يثاب عليه حتى يكون موافقاً لله، ولهذا الله عز وجل قال: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة:189]، فنفى الله عز وجل أن يكون دخول البيوت من ظهورها براً، وجعل البر الحقيقي هو أن تؤتى البيوت من أبوابها، وأن يكون ذلك بشرط التقوى.

    الحالة التي تصبح العادة فيها عبادة

    وفي قول الله عز وجل: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة:189]، هل دخول البيوت من أبوابها بر؟ يعني: يؤجر عليه الإنسان أم هذا من العادات؟ ظاهر الآية هنا أنه جعله من البر الحقيقي قدم بالتقوى: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى [البقرة:189]، أي: من اتقى الله عز وجل، والمراد بالتقوى كما لا يخفى هو: أن يجعل الإنسان بينه وبين عقوبة الله حائلاً, فيتقي كما يتقي الإنسان البرد، أو يتقي ربما حر الأرض بالنعال والخف ونحو ذلك, فهو يتقي الأذى بما يضعه على نفسه من حائل، ولكن الله سبحانه وتعالى أيضاً قال: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة:189]، هل هنا الواو للاستئناف؟ أي: أن الإنسان ينبغي له أن يدخل ويدع ذلك الأمر أم أن هذا من العبادة؟ نقول: إن العادة لا تكون عبادة إلا إذا كانت مخالفة لبدعة, وهذا ظاهر الآية؛ لأن الله عز وجل قال: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة:189]، أي: دخول الأبواب فعل العادات المخالفة لبدع هذا من الشريعة؛ لأنه يبطل إحداثاً في دين الله، ولهذا ينبغي للإنسان أن يظهر عادة تخالف بدعة, وإظهاره لتلك العادة التي تهدم البدعة إذا اتقى الله بذلك الفعل كانت من أمور العبادات؛ كالذين مثلاً يتقون بعض الأفعال التي يحدثونها في مجالسهم أو طرائقهم في الأكل ويتحاشون منها ونحو ذلك فالإنسان يخالفها؛ لأن ذلك فيها إحياء للعمل الصحيح وهدم لتلك البدعة، ولهذا ظاهر السياق سواءً قلنا: إن الأمر معطوف: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى [البقرة:189]، وأتوا أيضاً من البر أن تأتوا البيوت من أبوابها مخالفين ما عليه أهل الجاهلية، ولهذا في الملبوسات, والمطعومات, والمشروبات، والمركوبات, في أحوال الإنسان وعاداته، إذا وجد الناس على فعل من الجاهلية يتدينون به لله فإنه ينبغي له أن يظهر الفعل الصحيح، أو بعض العبارات التي يتحاشى العامة منها، أو يتطيرون بها ينبغي أن يجهر بها, وهي من البر, ولو كانت عادة يؤجر عليها، كما أن دخول البيوت من أبوابها بعد الإحرام من البر وهي عادة، ولكن شريطة أن يكون ذلك مقترناً بتقوى الله سبحانه وتعالى، ولهذا قال الله عز وجل: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى [البقرة:189]، أي: أن دخول الإنسان بيته مجرداً ليس من البر ولا من العبادة ولو كان من بابه إلا إذا اتقى الله واحتسب أن يكون ذلك مخالفاً لما كان عليه أهل الجاهلية في دخولهم البيوت من ظهورها.

    أهمية الاتصاف بالتقوى

    ثم قال تعالى: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [البقرة:189]، أعظم ما يثاب عليه الإنسان في هذه الدنيا وهو جماع الطاعات، وجماع الطاعات هو تقوى الله سبحانه وتعالى، فإن الإنسان لا يمتثل أمراً من أوامر الله إلا بتقواه، ولا يجتنب شيئاً من محارمه إلا بتقواه، فهو دثار يلبسه الإنسان للعمل ويلبسه للترك، ولهذا يقول: النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أبي هريرة : ( أعظم ما يدخل الناس به الجنة تقوى الله، وحسن الخلق )، وذلك أن تقوى الله هو الشيء الذي يصاحب الإنسان في كل حين، وهو الذي يقلب العادة عبادة، ولا يجعل العبادة عبادة إلا بوجود التقوى والاحتساب، فهو مؤثر على العادات والعبادات، فإذا فعل عبادة من غير احتساب دخل في رياء، ولو فعل عادة يجعلها احتساباً كان ابتداعاً، ولا بد أن يكون ذلك حاضراً في قلب الإنسان وهو الإخلاص لله عز وجل، واحتساب تلك الأعمال، وكرر الله عز وجل التقوى في قوله جل وعلا: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [البقرة:189]، أي: أمر الله سبحانه وتعالى بتقواه بعد تقواه على وجه الخصوص في مخالفة ذلك الأمر، وأمر بتقواه على سبيل العموم فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [البقرة:189]، أي: أن الإنسان لا يمكن أن يتحقق له الفلاح إلا بتقوى الله سبحانه وتعالى، وتقوى الله ينبغي للإنسان أن يستكثر منها, وأن تكون حاضرة في ذهنه في كل زمان ومكان، ولهذا يقول: النبي صلى الله عليه وسلم:( اتق الله حيثما كنت )، يعني: في كل موضع, وفي هذا إشارة إلى أن تقوى الله ليست في موضع دون موضع, في المساجد أو في مواضع العبادة بل تكن حاضرة، فدين الله عز وجل مرعي في كل حال، والمحرمات تحرم أيضاً في كل موضع فيحرم عليه أن يصدر منه ذلك، وفي هذا أيضاً أن شرط الفلاح تقوى الله، ومعنى: تفلحون، أي: تفوزون برضا الله عز وجل ورحمته الحقيقية، وكذلك تنتصرون بتناول ذلك البر الذي أراده الله سبحانه وتعالى لكم، لا كما تريدون أن تتقوا الله عز وجل بخلاف ما شرعه الله عز وجل لكم.

    1.   

    قوله تعالى: ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم.. )

    الآية الثانية قول الله سبحانه وتعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190].

    أول آيات الجهاد نزولاً

    أمر الله سبحانه وتعالى بالمقاتلة في سبيله، وهذه أول آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال في المدينة، وقيل إن آية: أُذِنَ لِلَّذِينَ [الحج:39]، نزلت قبل ذلك في مكة، وهذه الآية أول آية في الجهاد نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وفيها التخيير, وأن المقاتلة جائزة لمن قاتل المسلمين، فيجب عليهم أن يدفعوا عن أنفسهم من قاتلهم, وأما من لم يقاتلهم فإنهم بالخيار.

    جاء عن غير واحد من العلماء أن هذه الآية أول آية نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، فقد روى ذلك ابن جرير الطبري , وكذلك ابن أبي حاتم من حديث عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه عن أبي العالية رفيع بن مهران أن قول الله عز وجل: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190]، أول آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة.

    وجاء هذا أيضاً عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كما رواه ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد قال: هي أول آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم, يعني: في المدينة في أمر الجهاد.

    أقوال العلماء في نسخ قوله تعالى: ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم.. ) وإحكامه

    وهل هذه الآية مما نسخ أم لا؟ هذا من مواضع الخلاف، من العلماء من قال: نسخ التخيير، وهو في قول الله عز وجل: وَلا تَعْتَدُوا [البقرة:190]، وبعض العلماء ممن حمل هذا المعنى في قوله: وَلا تَعْتَدُوا [البقرة:190]، أنه لا تبتدئوا قتالاً، قال: إنها منسوخة.

    ومن العلماء من قال: إنها محكمة، وقال: إن قول الله عز وجل: وَلا تَعْتَدُوا [البقرة:190]، أي: لا تعتدوا في المقاتلة فتظلموا حال القتال؛ بقتل الشيوخ والنساء والصبيان وغير ذلك, فإن هذا من مواضع الاعتداء التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها، فعلى هذا القول تكون محكمة, ذهب إلى هذا بعض العلماء, وهذا مروي عن عمر بن عبد العزيز , وكذلك جاء عن عبد الله بن عباس كما رواه ابن جرير الطبري من حديث علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس أن قول الله عز وجل: وَلا تَعْتَدُوا [البقرة:190]، قال: لا تعتدوا بقتل الشيوخ والصبيان والنساء, وهذا فيه إشارة إلى أن الآية محكمة؛ لأن النهي عن قتل الشيوخ والنساء والصبيان محكم ولم ينسخ بعد ذلك، وأما تقييد في قول الله عز وجل: (( قَاتِلُوا ))، بقوله: الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [البقرة:190]، فهذا باق وليس بمنسوخ، وأن المسلمين إذا قاتلهم عدو يجب عليهم أن يقاتلوا، وأما أمر الابتداء فنقول: إنه مسكوت عنه في هذه الآية، ولهذا نقول: إن هذه الآية على الصحيح: ليست بمنسوخة، ومن العلماء من قال: إنها منسوخة بآيات سورة التوبة، والذي يظهر والله أعلم أن هذه الآية محكمة, وهي أنه يجب على المسلمين أن يقاتلوا من أظهر قتالهم.

    الفرق بين القتل والمقاتلة

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [البقرة:190]، أمر بوجوب المقاتلة، والمقاتلة تكون من طرفين, بخلاف القتل, فإنه يكون من طرف واحد، فإذا كان كل واحد مستعداً للآخر فيقال: تقاتل الفريقان، وهي المقاتلة, أما القتل فيكون من طرف واحد، قالوا: قاتل فلان كذا فلاناً، وقتل فلان فلاناً أي: هو الذي يريد قتله وذاك لا يريد قتله, وأما المقاتلة فكل حريص على قتل الآخر, وهذا فيه إشارة إلى أن الأمر مقابلة ومجازاة على ذلك القتل, ولكن الله عز وجل أكده بقوله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [البقرة:190]، مع ظهور هذا في قوله: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190].

    حكم جهاد الدفع

    وفي هذا أيضاً إشارة إلى أن جهاد الدفع واجب، وهو من فروض الأعيان وهذه الآية دليل عليه، ووجه الدلالة في ذلك ظاهر الأمر, ووجه الدلالة الآخر أن هذه الآية نزلت على المؤمنين في أوائل ما نزل في المدينة، وقوة المشركين ظاهرة، وضعف المؤمنين أيضاً مقارنة بالمشركين ظاهر، فإنه لم يأت إيمان الناس إلا عام الوفود, فلم يتكاثر الناس أيضاً ولم يبعث النبي عليه والصلاة والسلام بعد الناس إلى كثير من الآفاق كاليمن ونحو ذلك، فوضع المسلمين مع كونه أفضل وأحسن حالاً مما كانوا عليه في مكة ومع ذلك أمرهم الله عز وجل بمقاتلة من قاتلهم؛ حتى يتهيب أعداء الدين أهل الإسلام، ولا يظنون أنهم من أهل الجبن والضعف.

    أهمية معرفة أحكام الجهاد

    وكذلك أيضاً في قوله: وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190]، هذه فيها جملة من المسائل إذا أمر الإنسان بجهاد في حال الضعف، وهو أول قتال يؤمر به الإنسان مثلاً مع قوة المشركين، فالإنسان في ظاهر الأمر أنه لا يتشوف لضبط أحكام المقاتلة؛ لأنه يحتاج إلى مدافعة، ولكن ينبغي للإنسان أن يعلم أحكامه حتى في حال الغلبة عليهم؛ وذلك لعظم حرمة الضعفاء وما يستحق وصف الاعتداء عليه من الصبيان أو الشيوخ الركع أو النساء الذين لا يقاتلن، مع أن هذه الآية في جهاد الدفع، ولهذا قال الله عز وجل: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [البقرة:190]، فنحن ندفع، يعني: لا نغزوهم في قعر دارهم، أي: أن أحكام الجهاد في سبيل الله ينبغي للإنسان أن يكون بصيراً بها على أي حال مهما كان ضعفه ومهما كان تسلط العدو عليه, وأن يكون أيضاً منصفاً في دين الله سبحانه وتعالى وقائماً بالعدل لا معتدياً, وهذا مما جعله الله عز وجل في الإسلام رحمة على هذه الأمة، ورحمة كذلك على غيرهم من الشعوب، وكذلك أيضاً ألا تزر وازرة وزر أخرى.

    ومع بيان هذا الحكم فيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان ألا يخلي الأوامر الواردة على سبيل الإجمال من بيان وتفصيل، ولهذا بين واستثنى في أمر المقاتلة ما استثناه الله عز وجل في النهي عن الاعتداء في قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190]، ففيه إشارة بالتشديد في هذا الأمر, أي: أن الله عز وجل لا يحب ذلك العمل, وأن الإنسان إذا تشوف إلى شيء لا يعني أن تشوفه إلى ذلك على حق، فذلك أمرٌ أمرَ الله سبحانه وتعالى به، وأمر بالانضباط عليه والتزامه مهما كان المسلمون في ضعف، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد طرده المشركون من مكة, وآذوه قبل ذلك, وكذلك أيضاً ما جعل الله عز وجل له من أذية في مكة, فحوصر في شعب مكة, وكذلك طرد عليه الصلاة والسلام وأوذي حتى في ذريته عليه الصلاة والسلام من بناته عليهن رضوان الله تعالى, وكذلك صودر ماله عليه الصلاة والسلام في مكة, ومع ذلك الإنصاف والعدل في هذا ألا تزر وازرة وزر أخرى ولو كان ذلك في خلال المشركين, فإن هذا من أمور العدل وألا يأخذ الاضطهاد أهل الإسلام على الظلم والبغي فإن هذا من العدل، فإن الإنسان إنما يقاتل لحق الله عز وجل وحظه لا لحق نفسه وحضها.

    أنواع الجهاد وبيان حكمه

    والجهاد ماض إلى قيام الساعة، وإنما يختلف العلماء في مقدار الزمن الذي لا يغزو فيه الإنسان.

    والجهاد كما لا يخفى هو جهاد طلب وجهاد دفع، أما جهاد الدفع فيجب على المؤمنين بكل حال، وأما بالنسبة لجهاد الطلب فاختلف العلماء في الحد الذي يقف فيه المسلمون عن جهاد الطلب، ما هي المدة؟ فمنهم من حددها بستة أشهر، فقالوا: لا يجوز لكل إمام أن ينتظر أكثر من ستة أشهر.

    ومنهم من قال بسنة، على خلاف عند العلماء في هذا.

    ولا يجيز العلماء لكل حاكم أن يبقى سنين بلا مجاهدة، وهذا يتفق عليه العلماء، ولكن يختلفون في أمر المدد، ومن قال: إن جهاد الطلب منسوخ وليس بباق، فهذا من الأقوال الحادثة التي جلبها الوهن، وربما بعضهم أخذ يلتمس بعض الأقوال العامة في كلام بعض العلماء وبعض الشراح؛ حتى يدرأ عن الأمة جهاد الطلب؛ حتى لا توصم بأنها أمة إرهابية، حتى ألبست الأمة بلباس الذل والهوان، وتسمي ذلك اللباس بغير اسمه، ومن عجب أن أمة الإسلام ألبسها عدوها لباس الذل فأخذت تسميه التسامح، وترفع تلك الراية أننا متسامحون، والعدو يجلد في المسلمين ويسفك الدماء عن يمين وشمال، وهي ما زالت تنادي بالتسامح وأننا أمة متسامحة, خدروا العقول ومسخوا كثيراً من أفكار الناس، وبدلوا كثيراً من أحكام الدين, ووجدوا أيضاً أيدي من المسلمين من بدلوا أحكام الله عز وجل.

    نقول: إن ضعف المسلمين في زمن لا يسوغ لهم أن يبدلوا دينهم، فالدين يبقى، ولكن قل: لا يوجد جهاد في مثل هذه الفترة أو نحو ذلك, لكن أن تقول: جهاد الطلب لا يوجد, هذا من الظلم، ويأتي بإذن الله عز وجل بيان ذلك في مواضع عديدة، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في عدة أخبار التهديد بالقول أنه لا جهاد في الأمة, ويكفي في ذلك ما جاء في الصحيح من حديث معاوية , وكذلك أيضاً من حديث عبد الله بن عمرو قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين يقاتلون في سبيل الله إلى قيام الساعة )، يعني: أن الأمر متصل إلى قيام الساعة ( لا يضرهم من خذلهم ), وقد جاء أيضاً عند ابن عساكر في تاريخ دمشق وعند أبي عمرو الداني في الفتن من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( لا يزال الجهاد حلواً خضراً ما نزل القطر من السماء وإنه يأتي أقواماً يقولون: لا جهاد, أولئك شرار الخلق )، وكذلك أيضاً جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث عباد بن كثير عن زيد عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك المعنى, وجاء من طرق متعددة.

    فضعف المسلمين في موضع وإمساكهم ينبغي ألا يغيب شريعتهم، نعم يمسكون حال الضعف، وينشغلون بنصرة الدين والملة في جهات أخرى، إما بالدعوة وبالتعليم ونحو ذلك, ولكن أن يغيبوا شريعة الله سبحانه وتعالى وما أحكمه الله عز وجل في دينه ثابتاً إلى قيام الساعة، هذا من الجناية على الشريعة، ومن ظلم النفس، وهو نوع من تبديل الدين الذي ابتلي به الأحبار والرهبان من بني إسرائيل فغيروا دين الله عز وجل بحسب الظروف، فالظروف تأتي وتزول, ولكن حكم الله ينبغي أن يكون باقياً إلى قيام الساعة, إن عجز عنه قوم أو جيل فلا يعني أن تعجز عنه أقوام وجيل بعد ذلك، علينا أن نحفظ هذا الدين في هذه الدواوين, وإن أخذ الله عز وجل منا ودائعه في الأرض نسلم ذلك الدين لمن جاء بعدنا محفوظاً, فيعذرنا الله عز وجل بعجزنا, ولا يعذرنا بعدم حفظنا للدين, ولكن نحفظه لمن جاء بعدنا, ثم بعد ذلك يتولى الله عز وجل أمرهم.

    أسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة, وبهذا القدر كفاية وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.