إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [13]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن ذكر الله عز وجل الصيام ذكر الدعاء، وفيه إشارة إلى أنه يستحب الدعاء عند الفطر، والدعاء قسمان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، فإجابة النوع الأول هي القبول، وإجابة النوع الثاني لا تخرج عن ثلاث حالات: إما أن تجاب بعينها، أو أن يدفع الله عن صاحبها من الشر بقدرها، أو أن تدخر لصاحبها عند الله إلى يوم القيامة.

    1.   

    قوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني ...)

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    ثمرة الصيام

    قال الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186], الآية, بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى أحكام الصيام, ووجه الخطاب جل وعلا إلى عموم المؤمنين في قوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183], ثم ذكر الله عز وجل من خطاب المتوجه إلى الجماعة في قوله جل وعلا: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ [البقرة:185]، وَمَنْ كَانَ [البقرة:185]، وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ [البقرة:184], توجه الله عز وجل بخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بقوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي [البقرة:186], وهذا فيه إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل وإنما جاء ذلك قبل أن يسأل عليه الصلاة والسلام, وذلك أن الله عز وجل يستوي عنده السر والعلن وما في نفوس الناس, فجعل الله ما في نفوس الناس سؤالاً, يعني: أنهم إذا بيتوا السؤال وعزموا على إيراده على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان عند الله عز وجل يحتاج إلى جواب, فكما لا يخفى أن الأمر عند الله سبحانه وتعالى على حد سواء, ولما بين الله عز وجل الأحكام الشرعية من جهة فرض الصيام, وكذلك ما جاء فيه من وجوب الإمساك, وبعض أحكام أهل الأعذار من المسافرين والمرضى, وما يلحق في ذلك من أحكام الصيام, أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين ثوابه لمن امتثل أمره, وذلك أن الإنسان إذا أمر بأمر فإنه يتبادر إلى ذهنه ما ثمرته من ذلك الفعل, فإذا أمر بقول أو أمر بفعل ينتظر جزاءه والثمرة من ذلك, سواء كانت الثمرة له بعينه أو الثمرة لغيره, فجعل الله جل وعلا ما في نفوس أولئك الناس من سؤال يحتاج إلى جواب, فبينه الله عز وجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186], يعني: أن أولئك الناس الذين فرض الله عز وجل عليهم الصيام سيسألونك عن الله جل وعلا وإجابته لعباده, من جهة هل هذا الأمر تعبداً لله سبحانه وتعالى محضاً من غير بيان ثواب مقدر من الله جل وعلا أم أن ثمة ثواباً مقدراً؟ وإن كان ثمة ثواب مقدر فما هو؟ فالله عز وجل بين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما في نفوسهم من استفهام, بين وجوده ثم بين جوابه, وذلك الجواب في قول الله عز وجل: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي [البقرة:186], وفي قوله جل وعلا: عِبَادِي [البقرة:186], إشارة إلى أن من لا يتحقق فيه وصف العبودية لله سبحانه وتعالى لا يرد عليه الأمر هنا.

    وهذا قد يستدل به في مسألة خطاب المشركين بفروع الشريعة, وذلك أن هذا الأمر إنما جاء في سياق المخاطبين بفروع الشريعة وهم أهل الإسلام, فقال الله جل وعلا: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي [البقرة:186], والمراد بالعبودية هنا هي عبودية الامتثال والاتباع وليست عبودية التصيير, وما جعله الله عز وجل من قهر على عباده, وأمارة ذلك أنهم يسألون عن إجابتهم لله عز وجل وعن ثمرتها, وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي [البقرة:186], وهنا في قوله: (عني), ليس المراد بذلك هو السؤال عن ذات الله سبحانه وتعالى وعن أسمائه وصفاته, وإنما المراد بذلك ما كان حقاً للعباد جعله الله عز وجل من إجابته لسؤالهم.

    سبب نزول قوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني ...)

    وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186], في سبب نزول هذه الآية جاء جملة من الأحاديث ولكن معلولة, من ذلك ما رواه ابن جرير الطبري من حديث الصلت عن أبيه عن جده ( أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, الله قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله عز وجل: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] ), وجاء ما يعضد هذا أيضاً من المراسيل, جاء من حديث عطاء بن أبي رباح، وجاء أيضاً من حديث الحسن، وكلها مرسلة لا تصح.

    والذي يظهر والله أعلم أن هذا الجواب هو على ما تقدم كلامه, أنه يوجد في نفوس المخاطبين سؤال في ثواب المكلف, فأراد الله سبحانه وتعالى أن يبين ذلك للعباد.

    وهذا يؤخذ منه معنى أنه ينبغي للإنسان إذا أمر أمراً أن يبين العلة في ذلك إن استطاع, وكذلك أيضاً أن يبين ثواب الفاعل, فإن الله سبحانه وتعالى قال هنا: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186], فذكر الله عز وجل هنا الدعاء وذكر الإجابة, وجعل الدعاء رديفاً للسؤال, فقال: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ [البقرة:186], فجعل السؤال دعاء وجعل الدعاء سؤالاً, ولهذا نقول: إن السؤال والدعاء بمعنى واحد في مثل هذا الموضع.

    أنواع إجابة الدعاء

    وأما بالنسبة للإجابة وتنوعها فنقول: إن الإجابة على نوعين:

    النوع الأول: هي إجابة إعطاء, وذلك يكون على سؤال ودعاء المسألة.

    وأما بالنسبة لقبول العمل, وقبول العمل هذا يتعلق بدعاء العبادة, فالإجابة على دعاء العبادة هو قبول العمل, وقبول العمل لا بد أن يكون فيه الامتثال, ولهذا نقول: إن ظاهر الآية فيها دلالة على وجوب الاتباع والتعبد بما أمر الله عز وجل به, ولهذا قال: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ [البقرة:186], هل هو لكل داع يدعو بما شاء؟ بأي عبادة يتعبد بها؟ لا, إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي [البقرة:186], والاستجابة لله سبحانه وتعالى هي: طاعته بما أمر, جاء تفسير ذلك عن غير واحد من المفسرين أن المراد بقول الله عز وجل: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي [البقرة:186], أي: بما أمرتهم به فليطيعوني كما أردت, فسره بذلك عبد الله بن عباس، وكذلك مجاهد بن جبر، وجاء أيضاً عن الربيع، وابن جريج وغيرهم من السلف, أي: أن إجابة الله عز وجل مشروطة بالاستجابة لله كما أراد الله سبحانه وتعالى, ولهذا نقول: إن من شروط قبول العبادة من الله عز وجل لعبده: أن تكون موافقة لما شرعه الله.

    كذلك أيضاً الإخلاص, وذلك يظهر أيضاً في قوله عز وجل: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي [البقرة:186], فالاستجابة لله لا لغيره, فمن تعبد لغير الله فأدى صلاة أو صياماً أو ذكراً لغير الله لم يكن مستجيباً لله وإنما استجاب لغيره, فعلى هذا نقول: إن هذه الآية فيها دلالة على وجوب المتابعة, وكذلك وجوب إخلاص النية لله سبحانه وتعالى في العمل.

    أنواع الدعاء

    والدعاء في الشريعة على نوعين: دعاء مسألة, ودعاء عبادة, وهذه الآية تشمل هذين المعنيين:

    المعنى الأول: هو دعاء العبادة, والمراد بذلك أن الإنسان إذا تعبد لله عز وجل بعبادة على أي نحو كان فهو داع, فالمصلي داع, والصائم, والمزكي, وقارئ القرآن يدعو الله عز وجل, ودعاؤه ذلك له إجابة, وتلك الإجابة إذا توفرت شروط ذلك الدعاء تكون بقبول العمل, فإذا قبل العمل فللقبول أثر؛ وهو: الإثابة عليه, ولهذا جاء في حديث النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الدعاء هو العبادة ), كما جاء في المسند وعند الترمذي وغيرهم.

    ولهذا نقول: إن ذات الفعل هو عبادة, وعلى هذا فالمراد بالتعبد هنا والاستجابة لله هو الإتيان بما شرعه الله سبحانه وتعالى من أحكام الصيام على هذه الأمة, فمن تعبد لله ودعاه كما شرع فهو مستحق للإثابة.

    النوع الثاني من أنواع الدعاء: دعاء المسألة, وهو: أن يسأل الإنسان الله عز وجل حاجة من حاجات الدنيا والآخرة, وإجابتها هو أن يعطى الإنسان ذلك السؤال.

    وهل الإجابة حتمية؟

    نقول: الإجابة حتمية من جهة العموم, وذلك أن الله عز وجل قال: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186], وهذا على الإطلاق, ولكن نقول: إن الإجابة من الله عز وجل لسؤال عبده تكون إما عيناً؛ بعين ما سأل, وإما أن تكون عوضاً عما سأل, والعوض في ذلك إما أن يعطى خيراً أو يكفى شراً, والعوض في ذلك إما أن يكون عاجلاً في الدنيا أو آجلاً في الآخرة فهو يدور في دائرة الإجابة, ولهذا نقول: إن إجابة الله عز وجل لعبده في دعائه قطعية.

    وأما بالنسبة لكونها عينية كما سأل فهي مقيدة بمشيئة الله سبحانه وتعالى, وذلك لأمر.

    الحكمة من عدم استجابة الله دعوة المشركين بتعجيل العذاب

    وثمة أمر لطيف في هذا؛ وهو أن الله سبحانه وتعالى لا يجيب المشركين إذا سألوا الشر استعجالاً, فإذا سألوه أن يخسف بهم أو أن ينزل عليهم كسفاً من السماء, وذلك أن الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده حتى على الظالمين, أي: لا يعجل الله عز وجل عليهم الهلاك, فإذا كان هلاكاً فلا يعجله الله؛ فكيف بِشَر يدعوه الإنسان على نفسه بالخير؟ كحال الإنسان يسأل الله عز وجل مالاً, والله عز وجل يعلم أن خلقته في تركيبه مما أعطاه الله من مواهب عقلية ودينية أن هذا المال سيكون وبالاً عليه, وما يكون وبالاً عليه هو قد يكون خيراً لغيره, فإذا كان الخير يؤول إلى شر لم يعطه الله عز وجل إياه, فإذا كان ذلك الأول للمشرك لم يعجله الله له فهو كذلك أيضاً لعبده المؤمن من باب أولى, ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى إذا سأله العبد حاجة من حاجات الدنيا وهو يعلم أن الأمر يؤول بعد عام أو عامين أو ثلاثة إلى أمر يسوء ذلك العبد فإن الله عز وجل لا يعطيه إياه, ولهذا ينبغي للإنسان أن يرضى بما يعطيه الله عز وجل إياه من خير وما يحبسه عنه مما يظنه خيراً, وليعلم أن الله عز وجل قد أعطاه سؤله, والله عز وجل بصير خبير, ولهذا كثير من الناس يتمنى خيراً ويسعى في خير ويحبه ثم إذا تحقق تمنى زوال ذلك الخير؛ لأنه آل إليه بِشر, وذلك يتعلق في أمور الأنعام, والأموال من الذهب والفضة, والزوجة, والمساكن, والأصحاب, فيتمنى قرباً من أحد أو نحو ذلك ثم يكون وبالاً عليه, وهذا إذا أدركه الإنسان بالتجربة علمه الله عز وجل من حال الإنسان من دون أن يقع فيه, فالله عز وجل يرفع بعض الخير عن الإنسان العاجل؛ لأنه يؤدي إلى شر آجل مستديم, وهذا من مواضع عدم إجابة الله لعبده عيناً, وأما الإجابة في ما هو نافع للعبد فهو من الأمور القطعية, ولهذا نقول: إن هذا الإطلاق إنما هو مستثنى بما جاء في حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله بأن الله سبحانه وتعالى إما أن يعجل لعباده، وإما أن يدفع عنه شراً وإما أن يدخرها له يوم القيامة, وهي على ما تقدم تفصيله معنا.

    الدعاء عند الفطر

    وعلى هذين النوعين يدخل في هذا الباب ما يتعلق بأحكام الصيام, ودعاء العبادة فيدخل في ذلك الصيام وغيره, وأما دعاء المسألة فما محله من أمر الصيام هنا؟ وذلك أن الله عز وجل بعد أن ذكر أمر الصيام قال: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186], فهل يشرع دعاء للصيام؟ قد ذكر بعض العلماء أن هذه الآية فيها دلالة على مشروعية الدعاء بعد الصيام, يعني: عند الفطر, وقد جاء في ذلك أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمفردها ضعيفة ولكن بمجموعها يدل على أن لها أصلاً.

    ومن القرائن التي تؤكد ذلك: هذه الآية أنها جاءت بعد مشروعية الصيام ذكر أمر الدعاء.

    ومن ذلك أيضاً: أن الله جل وعلا ما ذكر عبادة من العبادات العظيمة إلا وجعل بعدها ذكراً, من ذلك الصلاة, وهي الركن الثاني من أركان الإسلام, وذلك فجعل الله بعدها الاستغفار ثلاثاً, وكذلك التهليل, وغير ذلك من الأذكار المعلومة.

    وكذلك الحج, في قول الله عز وجل: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ [البقرة:200], فجعل الله عز وجل بعد انقضاء المناسك من مواضع شكر المنعم سبحانه وتعالى, وفي هذا الموضع وقد اقترن بمجموعة من الأدلة التي جاءت في المسند والسنن في أن للصائم عند فطره دعوة لا ترد, وهذه الأحاديث هي بمجوعها تدل على أن لها أصلاً, وكذلك أن العبادة في ذاتها تحتاج إلى سؤال القبول من الله سبحانه وتعالى, فيحتاج الإنسان إلى الدعاء.

    أحوال الدعاء مع العبادة

    والدعاء بالنسبة للعبادة على ثلاثة أحوال: سابق, ومصاحب, ولاحق.

    أما الدعاء السابق فهو: أن يسأل الإنسان ربه عز وجل التسديد والإعانة على أداء هذه العبادة, وهذا يشرع في كثير من العبادات, أن يسأل الله عز وجل الإنسان الهداية والإعانة والتثبيت وغير ذلك, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول لـعلي بن أبي طالب : ( قل اللهم اهدني وسددني, وتذكر بالسداد سداد السهم وبالهداية هداية الطريق ), أي: يسأل الله عز وجل أن يعينه ويسأله الثبات, وغير ذلك من الأحاديث كدعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على دينك ).

    وأما الدعاء المصاحب للعبادة فهو أن يصاحبها الدعاء بالإعانة عليها وإتمامها, ولهذا شرع الله عز وجل في كثير من مواضع العبادة كالصلاة والمناسك في كثير من المواضع أن يسأل الله عز وجل من واسع فضله, وأن يذكره تكبيراً وتهليلاً.

    وأما اللاحق فكما تقدمت الإشارة إليه, ولهذا نقول: إنه يستحب للصائم أن يدعو عند فطره لما تقدم من قرائن.

    ما ثبت عن النبي من الدعاء عند الفطر

    وأما الدعاء بعينه عن النبي صلى الله عليه وسلم وصفته فإنه لم ثبت, بمعنى أنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم دعاء معروف ولا صفة معروفة, بمعنى استقبال القبلة أو رفع اليدين أو إطالة بقدر محدود أو نحو ذلك لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء, وإنما هي مجموع الأدلة الواردة في هذا, ولهذا نقول: إن الدعاء عند الفطر مشروع, وإن رفع الإنسان يديه أو استقبل القبلة فالأمر في ذلك على السعة, والأولى أن يأخذ الدعاء على سبيل العموم, وذلك أنه لو اقترن مع الدعاء رفع اليدين والتزمه النبي صلى الله عليه وسلم واستقبل القبلة في هذا من ظهور التكلف من الدعاء أظهر من الدعاء الذي يدعو به الإنسان ارتجالاً, ولو كان كالحالة الأولى فيه نوع من التكلف لنقل؛ كدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في التكلف في عرفة وسؤال الله عز وجل, مع أنه موضع واحد وأطال إلا أنه نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم مما يستديم به ولو كان سراً كدعائه في سجوده عليه الصلاة والسلام وما أرشد إليه عليه الصلاة والسلام في قيام الليل, وفي استفتاح الصلاة وغير ذلك, نقل في ذلك, وشهود الصيام والنقل في ذلك ينبغي أن يكون أشهر, وذلك لأن الإنسان إذا كان على موضع طعام فإنه يشاهد وينقل عنه, وجاء في ذلك أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعاء عند الفطر بأدعية معلومة ولا يصح منها شيء؛ من ذلك ما رواه الطبراني في كتابه الدعاء من حديث ثابت عن أنس بن مالك عليه رضوان الله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند فطره: اللهم لك صمت, وعلى رزقك أفطرت ), وهذا الحديث لا يصح؛ لأنه جاء من حديث داود بن الزبرقان عن شعبة وقد تفرد به، وحديثه منكر, وجاء حديث آخر من حديث عبد الله بن عباس.

    وقد رواه ابن السني وكذلك الطبراني في الدعاء من حديث عبد الملك بن عنترة عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عباس ( اللهم على رزقك أفطرنا ولك صمنا ), وهذا الحديث أيضاً ضعيف؛ لأن في إسناده عبد الملك بن عنترة وهو متروك الحديث.

    وقد جاء في مراسيل أبي داود بنحوه أيضاً, ورواه البيهقي عنه من حديث حصين عن معاذ بن زهرة مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا حديث مرسل, جاء عند أبي داود في كتابه السنن من حديث الحسين بن واقد عن مروان بن مقفى عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله أنه ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاءه عند الفطر ( ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله ), وهذا أمثل شيء جاء في هذا الباب, مع أن هذا الحديث من مفاريد مروان بن مقفى عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله, وإن دعا الإنسان بهذا الدعاء أو دعا بغيره فنقول: إن الدعاء عند الفطر من الأمور المستفيضة, وقد صح عن جماعة من السلف من التابعين وغيرهم, فإن دعا بهذا النص فالأمر في ذلك حسن, وإن دعا بغيره فهو قد أتى بالمشروع.

    المراد بالإيمان في قوله تعالى: (وليؤمنوا بي)

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: وَلْيُؤْمِنُوا بِي [البقرة:186], الإنسان لا يمكن أن يأتي بالعبادة إلا وهو مؤمن على هذا النحو في قوله: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي [البقرة:186], لأن الاستجابة لله لا بد أن تكون عن إيمان, ولكن المراد بالإيمان هنا في قوله: وَلْيُؤْمِنُوا بِي [البقرة:186], المراد بذلك هو احتساب الأجر عند الله؛ كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما, قال: ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً ), أي: تصديقاً بأمر الله عز وجل عازماً مع يقين تام, وهذا فيه إشارة أيضاً إلى مسألة الثبات على العمل, وأنه ينبغي على الإنسان أن يستديم الدعاء.

    والإيمان إذا تحقق في الإنسان فإنه يؤدي إلى استدامة الدعاء, واستدامة الدعاء من أعظم أنواع العبادة, وهذا في مقام الربوبية والألوهية فقط؛ وذلك أن الخلق إذا سئلوا ملوا وكرهوا, والله عز وجل إنما سمى نفسه بخير الرازقين؛ لأنه يحب أن يُسأل ليعطي, وسمى نفسه بخير الرازقين سبحانه وتعالى؛ لأنه يعطي الكافر والمؤمن؛ وثمة علة وهي: أن بعض الناس يسأل ويقول: لماذا الله عز وجل يرزق الكفرة وهم يحاربون دينه ويبقي الناس أحياء ولو كانوا يستهزئون بدينه؟ نقول: إنما ينتقم من يتأذى, وأما من لا يتأذى فالأمر على السواء عنده, فالله عز وجل المحسن والمسيء عنده من جهة ذاته سواء, لا يرفع إليه الخير من المتعبد ولا يصله سوء المسيء, ولهذا الإنسان إذا بلغه أن أحداً أساء إليه وهو لا يتضرر به ولا يأبه به لا ينزل به عقوبة؛ كحال الإنسان مثلاً إذا كان خارجاً من المسجد, ثم مر به صبي عمره سنتين وثلاث, ورمى عليه من الكلام الفاحش, فإنه لا يغضب بل يمضي؛ لأن مثل هذا الصبي لا يؤذيه, لكن لو جاءه جاره وهو رجل كبير وعاقل, ثم رمى عليه كلاماً, فإنه يأتيه دافع بالانتقام الحمية, ومحاولة الانتصار، وإن كان له يد خير عليه قطعها؛ لأنه لو لم يتأذ حساً تأذى معنوياً, ولهذا الله عز وجل خير الرازقين يعطي الكافر ويعطي المؤمن, ولهذا الشر لا يصل إلى الله سبحانه وتعالى حتى تطلب من الله الانتقام من أولئك.

    والله عز وجل ينتقم من الكافر نصرة للمؤمن بإيمانه, ولهذا لو كان الكافر بذاته يعاقب لعاقب الله عز وجل الكفرة بذاتهم من غير بلاغ, وذلك للاستدلال على ذلك بأمر الفطرة, فإن الله عز وجل قد أخذ العهد والميثاق على عباده قبل أن يخلقهم.

    المراد بالرشاد في قوله تعالى: (لعلهم يرشدون)

    وقوله جل وعلا: لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186], المراد بالرشاد هو الهداية, وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان كلما استكثر من العبادة وُفِّق إلى التسديد والهداية، فالعبادة تجر عبادة أخرى, والإنسان كلما استكثر عبادة استكثر من الصواب في القول والعمل, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في البخاري من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: ( قال الله جل وعلا: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ), وهذا هو الرشاد والتسديد, ( وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها, ولئن سألني لأعطينه ), ذكر هنا إجابة الدعاء, وهي مقترنة بهذا, فكلما كان الإنسان أكثر تعبداً كان أقرب إجابة, ولهذا الله عز وجل قطع حبل الإجابة بينه وبين المشركين إلا في أبواب ضيقة كحال ركوبهم في الفلك حينما يدعون الله مخلصين له الدين يجيبهم جل وعلا في مثل هذه الأحوال, وإلا ما عدا ذلك فإن الأبواب منقطعة بينهم وبين ربهم, فالله عز وجل يجري عليهم العقاب والحساب، ولا يجري عليهم الثواب, وذلك لأنهم كفروا بالله سبحانه وتعالى.

    ويؤيد هذا أيضاً ما جاء في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من لم يسأل الله يغضب عليه ), أي: كلما أكثر الإنسان من التعبد لله سبحانه وتعالى تعبداً مجرداً من غير سؤال فإن هذا نقص في العبودية, وإذا أكثر الإنسان سؤال الله عز وجل ولو شيئاً قليلاً فيه إظهار الافتقار من الإنسان لربه سبحانه وتعالى, فأنت حينما تعتمد على غيرك بما قل أو كثر ففيه إشارة إلى اعتمادك عليه؛ وأن لا غنى لك عنه؛ كحال الإنسان المقعد فإنه يعتمد على غيره في الشراب والإيواء والطعام والذهاب والمجيء وقضاء الحاجة, فهو في كل شيء يسأل.

    فالإنسان إذا سأل الله عز وجل كل شيء فهو يقر بأن الله عز وجل بيده كل شيء, وأنه ضعيف لا يقدر على شيء إلا بحول الله عز وجل وقدرته, ومن لا يسأل الله عز وجل ويكثر من السؤال فإن فيه إشارة إلى استغناء القلب بالأسباب عن مسببها سبحانه وتعالى, ولهذا حتى لو تحقق الخير في يد الإنسان فإنه يسأل الله عز وجل خيراً, ولو شرب الماء يسأل الله عز وجل رزقاً؛ لأن في هذا عبودية لله سبحانه وتعالى، وإظهار الافتقار, ومن أعرض عن الله عز وجل فلا يسأله ولا يدعوه بأي نوع من أنواع الدعاء فإن هذا من أسباب غضب الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث ...)

    الآية الثانية قول الله عز وجل: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187].

    رفث الصائم إلى زوجته قبل نزول قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام)

    هذه الآية ذكرها الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر أحكام الصيام، ومسألة إجابة الدعاء لعباده عند سؤالهم, وذلك أن الأمر في السابق يتعلق بالإمساك نهاراً, وهذا الأمر يتعلق بالحكم ليلاً, فجاء الأمر في بيان أحكام الفطر بعد أن بين الله سبحانه وتعالى أحكام الإمساك؛ لأن الإمساك أولى, فالنهار أعظم من الليل؛ لأنه موضع الإمساك, لأن رمضان إنما عظم لأجل الصيام, فجعل الله عز وجل فيه عبادة, فالذي يتعبد بالقيام ولا يصوم النهار وليس من أهل الأعذار كان آثماً وظالماً, وبعد أن بين الله عز وجل أمور الإمساك وأهل الأعذار وختمه بأمر الدعاء؛ ذكر الله عز وجل ما أحله لعبده ليلاً, فقال الله جل وعلا: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187].

    وهنا ذكر الله عز وجل: (( أُحِلَّ )), هل يعني أن ذلك كان محرماً قبل هذا؟ جمهور العلماء يرون أنه كان محرماً قبل ذلك, ولا أعلم نصاً صريحاً بخصوص الليل بعينه أنه تحرم المجامعة إلا ببعض اللوازم؛ كما في قوله هنا: (( أُحِلَّ )), يعني: أنه قد كان حرم قبل ذلك, أو بعض الأحاديث في أسباب النزول كما جاء في حديث عمر بن الخطاب، وكذلك في حديث قيس حينما ( جامع امرأته ليلاً فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: (( أُحِلَّ لَكُمْ )) ), فمن العلماء من قال: إن ذلك كان محرماً, استناداً إلى مثل هذه الدلائل, وذلك أن عمر لم يجد في نفسه مشقة حينما جامع امرأته ليلاً وكذلك قيس رضي الله عنهما إلا وقد استقر في نفوسهم أن الأمر محرم بالنص.

    وأما وجود النص فقد يكون حكماً جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم الجماع ليلاً يقيناً ثم طوي لاستقراره في النفوس ولم ينقل لاشتهاره.

    ومن العلماء من قال: إن شريعة الإسلام لم تحرمه بعينه وإنما كان محرماً في الأمم السابقة في شريعة النصارى ثم ظنوا أن الأمر على ذلك, أو أن الشريعة قد أقرته, كما ذكر ذلك بعض العلماء, وجمهور العلماء على أنه محرم في هذه الشريعة, وأما من قال: إنه ليس محرماً ذهب إلى هذا بعض المفسرين؛ كـالسدي وكذلك أيضاً بعض الفقهاء من المتأخرين.

    جمهور العلماء على تحريمه, للقرائن السابقة.

    سبب نزول قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث ...)

    وسبب النزول هو ما في قصة عمر، وكذلك أيضاً في حديث قيس، والحديث في الصحيح, حينما جامع امرأته ليلاً, فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأنزل الله عز وجل هذه الآية, والحال من جهة حكم الليل في ابتداء الأمر كان الناس يفطرون بعد غروب الشمس إلى صلاة العشاء, فإذا صلوا العشاء أمسكوا إلى السحر, ومن نام عن فطره إلى صلاة العشاء فإنه يمسك إلى الفطر الآخر, قالوا: فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن قال: إنه كان محرماً ثم خفف, فالعلة في التحريم ليست منصوصة, ولكن الذي يظهر لي والله أعلم أن من دقائق التشريع مخاطبة النفوس مما يتعلق بما فيها مرض من المنافقين, وكذلك أيضاً النفوس البشرية مجبولة على حب التيسير, فشرع الله عز وجل الأشد حتى تجربه النفوس ولو مرة أو مرتين ثم يرجعه الله عز وجل على ما يريد الدوام عليه؛ حتى تتوطن عليه؛ لأن أمر الصيام ثلاثين يوماً جاء بعد صيام يوم واحد فرضاً, فالله عز وجل أول ما شرع الصيام فرض صيام يوم عاشوراء, ثم بعد ذلك شرع الله صيام رمضان وجعله على التخيير, والذين لا يصومون ويطعمون هم من أهل الضعف, إما أن يكون من ضعف القدرة في بدن الإنسان أو أنهم يرون أن ذلك على مسألة الاستواء أو ضعف الإيمان, وكل ذلك بحاجة إلى شيء من المعالجة, فأمر الله عز وجل بالصيام جملة واحدة ليلاً ونهاراً, وعدم إتيان النساء ليلاً, وذلك إذا جربته النفوس ما في قلبها مرض مما يصم الإسلام مثلاً بالشدة أنه إذا شرع ذلك الله عز وجل ثم ينزله إلى ما تتوطن عليه النفوس؛ وذلك أن النفس في ذاتها الأمر الوسط إذا رفعت إليه استثقلته, ولكنها إذا نزلت إليه استروحته؛ فالإنسان حينما تأتيه بماء معتل تريد أن يشربه لا يستسيغه؛ لأنه ليس ببارد, خاصة ممن اعتاد على البرودة والترف, ولكن إذا أطعمته حاراً ثم أتيته بالمعتدل فإنه يستلذه, وهذا من السياسة في التشريع, وسياسة الحكام مع الرعية, إذا أرادوا أمراً تصلح به الرعية ويرون أنهم ربما يرون ذلك تشدداً عليهم؛ يأمرونهم بالأشد يوماً ويومين حتى إذا صاحوا أنزلوا إلى الوسط, وحينئذ يقولون: أحسن الله إليك! لقد يسرت على الرعية, ولو أمرهم بالوسط ابتداءً لقالوا: شددت علينا, ويريدون ما دونه, وهذا أمر فطري في النفوس, والله عز وجل يعلم دواخل النفوس, فشرع الله ذلك الأمر شيئاً يسيراً ثم أرجعه على ما يريده الله سبحانه وتعالى, خاصة إذا نظرنا أن الانتقال في مسألة صيام يوم واحد فرضاً ثم يكون ثلاثين يوماً أن هذا فيه انتقال كبير, ولهذا أو أجاز الله عز وجل الجماع ليلاً بعد أن كان محرماً.

    المراد بالرفث في قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث)

    وفي قوله جل وعلا: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187], الرفث المراد بذلك هو الكلام الذي يكون بين الرجل والمرأة بشأن اللذة, ثم استعمل كناية عن الجماع, وفسره بالجماع غير واحد من السلف, وهم يجمعون على أن المقصود بالرفث هنا الجماع, فقد روى ابن أبي حاتم في كتابه التفسير من حديث أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس قال: الرفث: الجماع.

    وجاء من حديث بكر المزني كما هو عند ابن جرير الطبري أيضاً عن عبد الله بن عباس قال: الرفث: الجماع, إلا أن الله كريم يكني, يعني: يكني بالعبارة ولا يصرح سبحانه وتعالى, وذلك إكراماً للَّفظ, وكذلك أيضاً للمخاطَب؛ حتى لا يعتاد الناس على فحش القول, فبين الله سبحانه وتعالى الحكم بما تستقر به النفوس بأدنى عبارة وأصلحها وأتمها.

    قال: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187], الصيام هنا يدخل في ذلك الفرض ويدخل في ذلك النفل, إلا أن المراد بذلك هنا بداهة هو مسألة الفرض.

    ومن القرائن التي يذكر فيها بعض العلماء أن الجماع ليلة رمضان لم يكن محرماً بالنص وإنما هو توهم, ظنوا أنه محرم, قالوا: أنه لم يكن معلوماً قبل ذلك في شريعة الصيام, في صيام عاشوراء, وصيام النوافل أنه يحرم عليه أن يجامع ليلاً, فلما كان الانتقال إلى الفرض في أيام معدودة ينبغي أن يتضح ذلك أكثر, فلما لم يتضح دل على أنه أمر ظنوه؛ لأن الله حرم عليهم الجماع نهاراً فظنوا أنه ينسحب على أمر الليل, ولكن هذا يدفع أن مسألة النهي عن الجماع في يوم واحد يختلف عن النهي في شهر كامل, فالشهر في ذلك يظهر أكثر من غيره.

    وفي قوله جل وعلا: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187], اللباس المراد بذلك هو: الستر, إشارة إلى شدة القرب والدنو والامتزاج, وجاء تفسير ذلك عن غير واحد من المفسرين أن المراد بذلك هو المعاشرة, ولهذا نقول: إن من الدلالات على أن المراد بالرفث الجماع هو قوله جل وعلا: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187], أي: أن الله عز وجل أراد شدة القرب في ذلك كحال قرب اللباس من الإنسان وقربه من لباسه.

    قال: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:187], هذا فيه إشارة إلى أن الحكم الشرعي إنما جاء بعد استقرار أمر التحريم, وذلك أن الله عز وجل خاطب عموم الناس بما في نفوسهم, وقوله جل وعلا: تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:187], إشارة إلى أصل اللفظ وهو: خان, والخائن في ذلك يستريب, وهو أنه يتقدم ويتأخر, وذلك لدوافع النفس, إما للأكل والشرب وإما للجماع, وذلك أن الله سبحانه وتعالى إنما حرم الجماع نهاراً والنفوس تستطيع الإمساك عنه نهاراً؛ لأن موضع النهار هو موضع المعاش ومفارقة النساء والضرب في الأرض, من التجارة والرعي والسفر وغير ذلك, بخلاف الليل فهو موضع السكن والقرب, فتحريم ذلك فيه مشقة, وهو أقرب إلى فكر الإنسان؛ كحال الإنسان الذي يدنو من الطعام, أو يحبس مع طعام وهو صائم على سبيل الدوام, ففي ذلك ثقل عليه, أما إذا كان يملك المفارقة أو يغطي الطعام أو يستره أو يبتعد عنه أو نحو ذلك فإن ذلك أيسر, ومسألة الخيانة أخذت من أن الإنسان الخائن يريد أن يتقدم ويتأخر عزماً على شيء؛ كحال الإنسان الذي يريد أن يتلصص على زوجته بالجماع, يتقدم ويتأخر, يعزم ثم يتذكر الحكم الشرعي ثم يرجع, ولهذا شبه ذلك بما يجده الإنسان في قلبه, فكان ذلك تيسيراً ورحمة من الله سبحانه وتعالى.

    والذي يظهر والله أعلم أن هذه السياقات في قوله: أُحِلَّ [البقرة:187], وفي قوله: تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:187], أن هذه إشارات إلى أن التحريم ثابت, ولو كانت توهماً لأزاله الله عز وجل وبين أن هذا الأمر ليس محرماً, كما تقدم معنا في آية السعي بين الصفا والمروة, وذلك أن الله عز وجل رفع الحرج وما بين أنه أباح دفعاً للمشقة.

    فقوله: أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:187], يعني: أن الله عز وجل عفا عمن فعل وخالف أمر الله عز وجل بذلك, وهذا فيه قرينة على ما تقدمت الإشارة إليه من أنه يحتمل من النهي هنا أن الله عز وجل أراد به توطيناً للنفوس على الرضا بصيام شهر تام بعد التشديد, ولهذا الله عز وجل عفا عما مضى من مخالفة أمره.

    المراد بالعفو في قوله: (فتاب عليكم وعفا عنكم)

    وقوله: فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ [البقرة:187], والمراد بالعفو هنا التجاوز والتخفيف والرحمة، والعفو هو نوع من رفع الآصار التي تكون على الأمم السابقة, ويحتمل أيضاً أن في هذا قرينة أيضاً في قوله: وَعَفَا عَنْكُمْ [البقرة:187], على أن ذلك كان على الأمم السابقين فعلمه الصحابة فبقوا على ما هم عليه مما علموه مما مضى, وذلك أنه تقدم معنا في آية القصاص في قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178], بعد أن ذكر هذه التكاليف اقترن ذلك بحال الأمم السابقين, والأمم السابقة كتب الله عز وجل عليهم القصاص بلا ديات, ولما ذكر الله عز وجل العفو ذكر أن ذلك تخفيف من ربكم ورحمة, أي: هذا التخفيف المراد بذلك هو الدية والعفو, فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [البقرة:178], من ذلك القصاص, إما أن يسقط القصاص ويقبل الدية, وإما أن يسقط القصاص ويسقط كذلك الدية فهذا تخفيف من الله عز وجل ورحمة بهذه الأمة, وذلك أن الأمم السابقة أوجب الله عليهم القصاص فوراً، وأنه ليس لأولياء المقتول صلة في ذلك, لأن الأمر كما يسمى يتعلق بحق عام, بالشريعة, فيجب في ذلك القتل, ولهذا نقول: إن الشريعة في مثل هذا كان تخفيفاً من الله, ونقول: إن في مثل هذا قرينة لمن قال: إن هذا مصاحبة للحكم السابق في قول الله عز وجل: فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ [البقرة:187], أي: خفف عما كان في الأمم السابقة, وهذا احتمال, ولكن أيضاً العفو يطلق على رفع الله عز وجل الحرج عن عباده فيما يظنون أنهم ويؤاخذون به, كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم؛ ( عفي عن أمتي الخطأ والنسيان ), وذلك أيضاً في قول الله عز وجل: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286], فالمؤاخذة مرفوعة ولم تكن موجودة قبل ذلك على الناس, وكذلك أيضاً من فعل ذلك من غير قصد.

    فائدة الأمر بعد الحضر في قوله تعالى: (باشروهن)

    ثم قال: فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [البقرة:187], الأمر بالمباشرة هنا إشارة إلى الإذن, وأن الأمر يبقى على ما هو عليه من جهة بقاء الحكم في سائر الليالي, ولهذا نقول: إن الأمر بعد الحضر يبقى على ما كان عليه سابقاً, ولهذا نقول: إنك إذا منعت شخصاً ثم توجهت إليه بخطاب الترخيص بعد الحظر فالأصل أنه يبقى على ما كان عليه حكماً قبل ذلك؛ كحال الإنسان حينما يقول مثلاً: أريد أن أذهب فتقول اذهب, هل أنت تأمره إذا لم يذهب تعاقبه؟ الجواب: لا, لكن هو طلب فأجبته, لأنه ما طلب إلا والأمر محظور, وإلا لذهب من غير استئذان, فيبقى الأمر قبل ذلك يرجع إلى الخيار.

    مفاد الأمر بالأكل في قوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين ...)

    ثم قال: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187].

    أمر الله عز وجل بابتغاء الأجر بالامتثال فيما يتعلق بأمر الإباحة وما يتعلق بأمر العبادة, ثم أمر الله عز وجل بالأكل والشرب, وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187], والأمر بالأكل هنا نقول: يرجع إلى حكمه السابق, والحكم السابق منه ما هو متأكد وهو الفطر والسحر, وأكلة السحر والفطر هي آكد أكل الليل, وأما ما عداه فيبقى على أمر الإباحة؛ للأدلة الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, منها ما يتعلق ببركة أكلة السحر كقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح: ( تسحروا فإن في السحور بركة ), وفي الفطر في حديث سهل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر ), فنقول: إن الفطر والسحر هو آكد أكل الليل, فيأكل الإنسان في فطره، ويأكل في سحره, والسحر هو آكد من الفطر؛ لأن السحر يعين على الصيام, والمتسحر يستقبل نهاراً, والبركة في النهار للصائم أفضل من الليل؛ لأنه لا يمكن أن يكون الإنسان متعبداً على الوجه الصحيح إلا بالإتيان بالصيام نهاراً, وأما من لم يصم النهار وتعبد لله ليلاً فإنه ليس متعبداً كما شرع الله عز وجل, ولهذا إنما فضل رمضان لأجل الصيام، والصيام موضعه النهار, فالإنسان يأتي بأفضل العبادة، والعبادة أفضلها في هذا الموضع؛ لكون الصيام ركن من أركان الإسلام, فنقول: إن النهار في ذلك أفضل, والإنسان الذي يستعين على بركة النهار بأكلة أفضل مما يستعين به على المستحب, وهو قيام الليل.

    المرجع في معرفة معاني القرآن

    وفي قوله جل وعلا: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187], الخيط الأبيض من الخيط الأسود المراد بذلك هو سواد الليل وبياض النهار, وفي هذا معنى وهو أن معاني القرآن يرجع فيها إلى كلام السلف, ولا يرجع فيها إلى معاني اللغة المجردة إلا إذا تعذر وقوف عن معناه؛ فمن يقول: أنا أريد أن آخذ معاني القرآن بما أفهمه من لغة العرب دون الرجوع إلى الصحابة وغيرهم؛ لأني عربي نقول له: خذ هذه الآية وفسرها بلغة العرب, أيهم أقرب إلى معنى الخيط الأسود والأبيض, سواد الليل وبياض النهار أو الحبال والعقال؟ الجواب: الحبال والعقال, ولهذا نقول: إن معاني كلام الله عز وجل إنما تفسر أولاً بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بكلام الصحابة والتابعين، ثم بكلام العرب في أشعارهم ونحو ذلك, ولهذا كثير ممن ضل بجهله بكلام السلف في التفسير فحمل بعض المعاني على ما يرى ربما بحسن قصد, ولهذا جاء في التفسير المخالفة للإجماع في كثير من المعاني لكلام الله سبحانه وتعالى؛ لأن بعض المفسرين وإن كان متبحراً في اللغة فسرها بلغة العرب؛ لأنه ليس لديه أثر في ذلك, فخالف الدليل المتقرر في هذا, وقد جاء في الصحيح من حديث عدي بن حاتم عليه رضوان الله ( أنه عمد إلى عقالين: أسود, وأبيض, فوضعهما تحت وسادته, فجعل يخرجهما قبل الفجر ويرى هل يميز بين الأسود والأبيض حتى جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله, فقال: إن ليلك لطويل ), يعني: أن الناس يصلون الفجر وأنت تنظر إلى الأسود والأبيض؛ لأن الإنسان خاصة في غير الليالي المقمرة لا يستطيع أن يميز بين الاثنين إذا كانت أمامه مطروحة حتى يدنيها, فنقول: إن المراد بذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنه سواد الليل وبياض النهار ), ولهذا نقول: الذي يجهل المواضعة في زمن السلف في استعمالاتهم للمصطلحات يخطئ في كثير من الأحكام.

    فالصواب والدقة في فهم كلام الله وكلام رسول الله هو أن يرجع الإنسان في تفسير النص إلى فقه السلف, سواء كان كتاباً أو سنة, فيرجع إلى الصحابة ثم التابعين ثم أتباعهم ثم بعد ذلك يأخذ ما شاء ويستوعب ما شاء من المعاني, سيجد نفسه أنه تشرب بالقول الصواب ويضعف عنده غير هذا القول.

    وفي هذا إشارة إلى إباحة الأكل في سائر الليل في قوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187], وأن الأكل من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر لا يحرم على الإنسان, فالإنسان يبقى آكلاً ولا حرج عليه, بخلاف ما كان قبل ذلك, وهو تحريم الأكل من بعد صلاة العشاء إلى أكلة السحر, أو من لم يأكل حتى صلاة العشاء أنه يحرم عليه إلى ما بعد ذلك, فبين الله عز وجل ذلك ببيان محكم في قوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187], يعني: كل الليل هو موضع للأكل والشرب.

    ما يفيده حرف العطف ثم في قوله: (ثم أتموا الصيام إلى الليل)

    قال: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187], ثم في لغة العرب تفيد الترتيب, وإفادتها الترتيب إما ترتيب للجمل أو ترتيب للفعل, وهي غالبة في النوعين, ولكن قد يأتي ترتيب الجمل لا ترتيب الوقوف, ولهذا يقول الشاعر:

    قل من ساد ثم ساد أبوه ثم ساد بعد ذلك جده

    فالجد يسود قبل الأب, ثم يأتي بعد ذلك الحفيد.

    وهذا أيضاً ظاهر في قول الله عز وجل: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ [الأنعام:151], ثم ذكر بعد ذلك قال الله عز وجل: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى [الأنعام:154], فإتيان موسى قبل محمد صلى الله عليه وسلم, ولهذا نقول: إن ترتيب الفصل بين المعاني بثم معلوم, وبعض الفقهاء من الحنفية أخذ المعنى هنا ببعض معاني ثم على أنها تفيد التراخي في الترتيب, فقال: إنه يجوز للصائم أن يؤخر النية إلى النهار في صيام الفرض.

    في قول الله سبحانه وتعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187], يعني: أن مسألة النية في النهار الأمر في ذلك سهل ما دمت لم تطعم, فنقول: هذا قول تفرد به الحنفية وقال به أبو بكر الخباز السمرقندي مستدلاً به على مذهب الإمام أبي حنيفة، و أبو حنيفة قد خالف في ذلك عامة السلف وخالف في ذلك جماهير الفقهاء من الأئمة من أنه لا بد من تبييت نية الصيام من الليل؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث ابن عمر: ( لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل ), واختلف في رفعه ووقفه وتقدم الكلام عليه في الأحاديث المعلة في الصيام في موضع آخر.

    ما يؤخذ به من الأسماء من حيث أعلاها وأدناها

    وقوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187], فيه إشارة إلى مشروعية المبادرة بالفطر؛ لأن أول الليل هو الذي يتحقق به الوصف, والأسماء في اللغة وكذلك في الشريعة لها أدنى ولها أعلى, لها أول ولها آخر, فالشريعة تعتني بأدنى الأسماء؛ ليتحقق في ذلك الوصف والتكليف, فإذا قال: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187], لا أن يستغرق الليل كاملاً وإنما لأدنى ما يتحقق عليه الوصف, وهذا شامل حتى في مسألة الشرب, حينما ينهى الشارع عن الشرب؛ الشرب ولو قليلاً, تحقق فيه الشرب, وإن كان مثلاً ناس يقولون: الشرب المعروف هو أن يشرب الإنسان كأساً أو يأكل طعاماً, نقول: الأسماء إنما يؤخذ بأدناها, البعض يقول: العبرة بأعلى الأسماء, ولهذا بعض أهل الرأي يتجوزون في بعض المأكول, فيقول: إذا كان على قدر الحمصاء أو كان شيئاً يسيراً فإن هذا لا يؤثر, وهذا من مواضع الأغلاط في سحب بعض القواعد اللغوية في غير موضعها لمخالفتها للوضع الشرعي.

    وقوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187], تقدمت مسألة الإمساك معنا قبل ذلك وأحكامه, في قوله كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183], وأن المراد بذلك النهار, ويبينه في ذلك وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187], أنه دلالة ذلك أنه يجب عليهم أن يمسكوا.

    مباشرة المرأة للمعتكف

    ثم قال: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187], ومباشرة المرأة للمعتكف محرم بالاتفاق, والمراد بالمباشرة الجماع, التي اتفق العلماء عليها واختلفوا فيما عدا الجماع.

    الاعتكاف خارج المساجد

    وقوله هنا: فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187], إشارة إلى أنه لا اعتكاف إلا في المساجد, ولا أعلم أحداً من السلف قال بجواز الاعتكاف في غير المساجد؛ كأن تعتكف المرأة مثلاً في مصلاها, أو يعتكف الرجل في سوقه أو نحو ذلك, فنقول: هذا قول لا يعرف وإنما جاء عن بعض فقهاء المالكية والمتأخرين وهو قول شاذ لا يعول عليه.

    من علامات أهمية العبادة

    ثم قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ [البقرة:187], هذه الحدود بينها الله سبحانه وتعالى إشارة إلى عددها, وكلما كان الأمر مهماً كثرت حدوده, ولهذا نعلم أنه من القرائن التي يعرف فيها أفضلية عبادة على غيرها كثرة شروطها وواجباتها وأركانها, فإذا كثرت الشروط والواجبات والأركان وتعددت المبطلات دل على أن هذه الشريعة أعظم من غيرها, ولهذا كانت شروط الصلاة وواجباتها وأركانها ومبطلاتها أكثر من الصيام والزكاة والحج, لهذا نقول: إنه كلما احتاط الإنسان لشيء بشروط وقيود دل على أهميته عنده؛ كحال الإنسان في المال, الإنسان في ماله إذا وضع له حرزاً شديداً دل على أهميته عنده.

    كذلك أيضاً في مسألة الإثابة, حينما تريد أن تثيب أحداً على فعل, فإذا أكثرت من الضوابط لشروط العالمين دل على عظم الثواب عندك لكثرة المقبلين على ذلك, هذا هو الأغلب.

    ثم بين الله سبحانه وتعالى أن هذا غاية البيان لمن أراد البيان, كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة:187], وأن الامتثال لأمر الله عز وجل مربوط بالتقوى, وأنه يمكن لصاحب الهوى ومن في قلبه مرض إذا تجرد من التقوى أن يتحايل على هذه الحدود, ولكن إذا تجرد من التقوى, وأما التقوى إذا وقعت في قلب الإنسان فإنه يعرف مراد الله عز وجل كما يريده سبحانه وتعالى, وكذلك أيضاً فإن العبادة مما تجلب التقوى للإنسان وتزيد من خشيته لله سبحانه وتعالى, فالعبادة لها أثر على الإنسان, وذلك بتكفير الذنوب كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الصلوات الخمس كفارة لما بينها, والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينها, ورمضان إلى رمضان, والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ), فنقول: إن الأعمال الصالحة لها أثر على الإنسان, فتزيد من تقواه وإقلاعه عن الذنب, فإن الإنسان إذا جاء بعبادة غرست في نفسه البعد عن المعصية، ومخالفة أمر الله سبحانه وتعالى, وهكذا يبقى الإنسان في مصارعة بين أعمال الباطل وأعمال الحق, أعمال الخير وأعمال الشر.

    وفقني الله وإياكم لمرضاته, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    المقصود بالعزم في المسألة

    السؤال: [ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليعزم المسألة )؟]

    الجواب: بمعنى أنه لا يقول إن شاء الله, إذا دعا يعزم؛ لماذا؟ لأن قول المشيئة, تقييد المشيئة, فيه إشارة إلى الاستغناء عن العطاء؛ أنت تأتي إلى شخص وتقول: إن شئت أعطني كذا, إن كنت تريد أعطني وإن كنت لا تريد لا تعطيني, فهذا ليس حرصاً, وإنما تقول: أعطني, حتى يعطيك, ولهذا إذا سألت الله عز جل فاسأله وأنت عازم, اللهم ارزقني, اللهم اعف عني, اللهم اغفر لي, اللهم اهدني, اللهم سددني, مثل هذه الأدعية من غير أن تقول إن شاء الله؛ لأنك في قلبك موقن أن الأمر مرده إلى الله, ولو لم يكن مرده إلى الله ما سألت الله عز وجل ووحدته بالدعاء, ولهذا نقول: إن الأمر في تقييد المشيئة هنا يضعف جانب الرغبة والإلحاح من العبد.

    الدعاء على العصاة

    السؤال: [هل الدعاء على العصاة من التعدي؟]

    الجواب: هو يدعو للمؤمنين, إن كان يدعو الإنسان مثلاً بالمغفرة اللهم اهد المسلمين, اللهم اهد شباب المسلمين ونحو ذلك, نقول: مثل هذا الدعاء يأتي على العموم؛ كالدعاء على الكفرة, وليس المراد بذلك هو أعيانهم, وإنما يريد بذلك مواضع الفساد فيهم, فهذا ليس من التعدي, ولكن الإنسان يدعو بالإجمال بالهداية للناس, ويقصد بذلك ما تستقيم به أمر الأمة.

    حكم الاعتكاف وحكم قطعه دون حاجة

    السؤال: [ما حكم الاعتكاف والاستمرار فيه؟]

    الجواب: يقول: أصل الاعتكاف سنة, والمباشرة محرمة.

    فيبنى على السنة محرم؛ كحال الإنسان حينما يدخل ويريد أن يصلي ركعتي المسجد, فإذا قام يصلي فليس له أن يقطع؛ لأنه دخل في صلاة لا يجوز له أن يقطعها, لأن القطع فيه عدم مبالاة واستهزاء بالصلاة بلا سبب, إذا كان هناك سبب فيجوز له أن يقطع, ولهذا نقول: إن الأمور المستحبة يبنى عليها محظور, وهذا أمر معلوم كثيراً؛ كحال الإنسان مثلاً في نافلة الحج, أو نافلة العمرة, فالعمرة في ذاتها إذا أداها الإنسان أو أدى حجاً سقط عنه الواجب, لكنه إذا تلبس بإحرام فهل يجوز له أن يحلق شعره وهو في حال الإحرام؟ ما يجوز له, ولو فعل ذلك وهو غير محتاج يأثم ولا يجوز له ذلك ونحو ذلك كثير.

    التبرك بريق الراقي

    السؤال: [هل يجوز التبرك بريق المرقي لكون النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث؟]

    الجواب: النفث من النبي صلى الله عليه وسلم يختلف عن النفث من غيره, لأن ذات ريق النبي صلى الله عليه وسلم ونَسَمه مبارك, ويزيده بركة قراءة القرآن, وأما بالنسبة لغيره فإنه يقرأ القرآن ثم ينفث, والذي يريد أن يتبرك الناس بريقه بلا قرآن هذا بدعة, أما النبي صلى الله عليه وسلم فذلك له لأنه كما جاء في الصحيح الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يكادون أن يقتتلوا على بصاقه عليه الصلاة والسلام, وهو بصاق مجرد, وعلى وضوئه عليه الصلاة والسلام, مع أن الوضوء ليس منفكاً منه, وإنما مر عليه ثم مضى, فهو مبارك في ذاته, ولهذا نقول: حال النبي صلى الله عليه وسلم يختلف عن غيره.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.