إسلام ويب

تفسير آيات الأحكام [10]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله الإيمان قبل أن تنزل الأحكام والحدود؛ وذلك أن الحدود لا يمكن تطبيقها إلا على قوم مؤمنين. ومن أعظم الحدود التي شرعها الله: حد القصاص, وقد بين الله تعالى أحكام القصاص في كتابه الكريم, واستنبط العلماء منها أحكاماً ومسائل كثيرة, والتي منها: أنواع القصاص, وحكم القصاص بين الأب وابنه, والحر والعبد والذكر والأنثى.

    1.   

    قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص ...)

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فتكلمنا في الدرس الماضي على قول الله جل وعلا: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة:177]، ويلي هذه الآية قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ [البقرة:178] وهذه الآية تقدم الإشارة إلى شيء من الحديث عن بعض المسائل التي نود أن نتكلم عليها في هذا المجلس.

    الحكمة من تأخير تشريع الحدود إلى أن قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة

    مما ينبغي أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى أرجأ بيان الحدود على نبيه عليه الصلاة والسلام حتى يصل المدينة وتتهيأ دولة الإسلام، وذلك أن الحدود متعلقة بمنظومة الآمر والمأمور، وكذلك الأرض التي يستقر عليها الإنسان، ولهذا أخر الله سبحانه وتعالى الحدود إلى المدينة؛ حتى يكتمل ذلك النظام، فإذا اكتمل ذلك النظام أوجب على هذه الأمة إقامة الحدود والحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى على عباده، وهذه الآية من أوائل ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسائل الحدود، ونتكلم ابتداءً على شيء من معناها على سبيل الإجمال.

    وجه كون النداء بصفة الإيمان في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا)

    الله سبحانه وتعالى نادى أهل الإيمان بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:178]، إشارة إلى أن الخطاب يتوجه إلى من تحقق في قلبه الإيمان؛ لأنه لا يمكن لمن ليس من أهل الإيمان أن يقيم حدود الله وهو لم يؤمن بها أصلاً، وذلك أن الله سبحانه وتعالى جعل الخطاب يتوجه هنا إلى الحاكم والمحكوم، الحاكم يتوجه إليه الخطاب في الحكم بما أنزل الله، والمحكوم يتوجه إليه الخطاب بالتحاكم إلى ما أنزل الله، وإذا كان الإنسان لا يؤمن بهذه الشريعة، فكيف يتوجه إليه الخطاب بتطبيق الإلزام بذلك، يعني: أنه يقيم الحد على من خالف أمر الله وهو لا يرى أنه خالف أمر الله، ولهذا ناسب أن يكون النداء في هذه الآية إلى أهل الإيمان في قوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ [البقرة:178].

    معنى لفظة: (كتب) في قوله تعالى: (كتب عليكم القصاص)

    ومعنى (كتب) في هذه الآية: فرض عليكم، والكتب: هو الجمع, ويسمى الكتاب كتاباً لجمع أوراقه والتصاق بعضها مع بعض، وكذلك المكتوب يسمى مكتوباً لاجتماع الحروف فيه، والكتيبة تسمى كتيبة لاجتماع أعداد الناس فيها، ولذلك قيل للكاتب: كاتب؛ لأنه خبير بنظم الحروف على وجه يعرف معناه، ثم أطلق ذلك على كل كاتب سواء كتب شيئاً يعرف معناه أو كان ما يكتبه لا يعرف معناه.

    المراد بالقصاص وفيما يكون وبما يكون

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة:178]، المراد بالقصاص هو إقامة الحد على الجاني بمثل ما جنى, وذلك على حد سواء في ما كان في النفس وما كان دونها في ما يمكن معه الاستيفاء، وما كان في النفس فإنه يمكن فيه الاستيفاء بإزهاق النفس، وما لا يمكن معه الاستيفاء فلا يجوز معه القصاص، وذلك أن ما لا يمكن معه الاستيفاء حتى لو كان في إزهاق النفس إما أن يكون بصورة لا تجوز؛ وذلك كالإنسان الذي قتل شخصاً بصفة محرمة أو تنفر الطباع منها، وذلك كالإنسان الذي يقوم بتقطيع أجزاء الإنسان جزءاً جزءاً, أو أن يقوم باستدخال آلة في جوفه أو في دبره أو نحو ذلك, فإن القصاص في ذلك مما يستبشع, فيكون حينئذ القصاص في هذا هو أن تزهق نفسه بسيف، وهذا هو الأصل، ويأتي الكلام على مسألة الآلة التي يحد فيها في غير هذا الموضع.

    وأما ما يتعلق بما يمكن القصاص معه وذلك كالإنسان الذي يقتل شخصاً إما برصاص أو بسيف ونحو ذلك، فحقه إزهاق النفس، وأما من قتل شخصاً على سبيل التدرج، يعني: أنه قطع يده ثم بقي الجرح ينزف حتى مات بعد أيام، فهل يفعل بالقاتل والجاني مثل ذلك أم لا؟ هذا محل خلاف عند العلماء، منهم من قال: إنه يمكن الاستيفاء معه, ولكن مثل هذا يصعب أيضاً الحكم عليه بالاستيفاء باعتبار أن الإنسان لو قطع يد غيره وقطعت يده ربما لا يموت بعد ذلك ويبرأ، فيكون موته حينئذ ظنياً، فهل يقتل بعد ذلك برصاص أو بسيف أم لا؟ هذا موضع خلاف عند العلماء، والذي عليه عامة العلماء, بل ينبغي أن يكون عليه إجماع السلف أن القصاص في ذلك لا بد منه وهو إزهاق نفسه.

    وأما الاحتمال الذي يطرأ على ذلك أن الإنسان يحتمل أن يكون تسبب بإزهاق نفسه، يعني: أنه لم يضمد جرحه، أو لم يذهب إلى طبيب؛ كالذي قطعت يده أو أصبعه وتركها تنزف حتى مات، فاحتمال تسببه في ذلك ضعيف وضئيل.

    وفي قول الله سبحانه وتعالى: الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة:178]، هنا ذكر القصاص في القتل، يعني: في النفس, وأما ما دون ذلك فذكره في قوله: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة:45] يعني: ينبغي أن تكون الجراحات كذلك أيضاً, فإذا قطع الإنسان يد غيره فتقطع يده، وكذلك أيضاً الأصبع والأذن والعين والسن وأمثالها من أعضاء الإنسان, وهذا مما لا خلاف فيه عند العلماء، وفي هذا إشارة إلى شيء من التدرج, وذلك أن الله سبحانه وتعالى أوجب أول ما أوجب ما يتعلق بالذنب الأعظم في مسألة الجراحات وما يتعلق بالأنفس، فأوجب الله جل وعلا الحد في قتل النفس، ثم فصله الله سبحانه وتعالى بعد ذلك بجملة من الآي ببيان القصاص في ما دون ذلك فيما يتعلق بالجراحات.

    القصاص بين الذكور والإناث

    وقول الله سبحانه وتعالى هنا: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178]، اعتادت العرب على عدم المساواة في الدماء فيما يتعلق في أمر الرجل والمرأة، وكذلك الحر والعبد، ولهذا جاءت الآية على هذا الانتظام في قوله سبحانه وتعالى: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178]، يعني: أن الحدود يجب أن تشمل هؤلاء سواء كانوا أحراراً أو كانوا عبيداً أو كانوا ذكوراً أو إناثاً، فإن حكم الله سبحانه وتعالى يجري على الجميع على حد سواء، وأما بالنسبة لإقامة الحدود بين الأحرار فإن ما يتعلق بالعبد والعبد في هذه الآية هل المقصود بذلك هو اختصاص العبيد بالحكم في القصاص فيما بينهم أم أن الله عز وجل أراد أن الحدود شاملة لجميع الطبقات؟ الأظهر أن يكون ذلك شاملاً لجميع الطبقات؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال هنا: الْحُرُّ بِالْحُرِّ [البقرة:178]، ثم قال: الأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178]، والأنثى تكون حرة، فلا يقال: إن ما يتعلق بقوله: (الحر بالحر) يشمل في ذلك الذكور ويخرج من ذلك الإناث مما يدل على أن الله سبحانه وتعالى إنما أراد بذكر هذا السياق أن حكم الله في القصاص شامل لجميع الأوصاف ما تحقق في ذلك شرط القصاص، فالأحرار فيما بينهم سواء كانوا ذكوراً وإناثاً يجب فيما بينهم القصاص, وهذا محل اتفاق عند العلماء ولا خلاف عندهم في ذلك، أن القصاص بين الذكر والأنثى على حد سواء، فإذا قتل الرجل امرأة وقتلت المرأة رجلاً فإذا وجب القصاص في ذلك ولم يكن ثمة عفو وتحقق في ذلك العمد فإنه حينئذ يقام القصاص على حد سواء, ولم يخالف في ذلك أحد من العلماء، وثمة قول ينسب للحسن البصري، ولا أعلم له إسناداً، وهو قول شاذ لا يعول عليه، كما نص على ذلك ابن رشد رحمه الله, وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء؛ أن الحر من الذكور والإناث القصاص فيما بينهم على السواء، وممن حكى الإجماع ابن المنذر و ابن عبد البر وكذلك ابن رشد والقرطبي وغيرهم, ولا يعلم في ذلك مخالف يثبت عنه الخلاف.

    العلة في كون دية المرأة نصف دية الرجل مع أنهما في حد القصاص سواء

    وأما ما يتعلق بأمر الديات فالمرأة في ديتها تتساوى مع الرجل إلى الثلث، ثم بعد ذلك تكون على النصف من دية الرجل، وهذه من المسائل التي تثار كثيراً وهي: أن المرأة على النصف من دية الرجل، وهذه المسألة ليس موضعها هنا ولكن نتكلم عليها على سبيل العجلة، وهي أن الله سبحانه وتعالى جعل الدماء متساوية، مما يدل على أن الديات ليست مقايضة على النفس، فلو اجتمع مائة رجل على قتل امرأة واحدة قتلوا بها، ولا خلاف عند العلماء إذا تواطئوا على ذلك تواطؤاً متساوياً فإنهم يقتلون بذلك، ولا يفرق العلماء بين تواطؤ جمع من الرجال على قتل امرأة أو جمع من النساء على قتل رجل، فإنهم لا يفرقون في ذلك إلا في تحقيق نوع المواطأة في ذلك، وتحقق القتل بهم جميعاً، وهذا موضع خلاف عند العلماء في معرفة التقدير، مما يدل على أن الدية من جهة ذاتها ليست مكافأة للنفس، وإنما هي عوض لمن يرث الميت، وذلك أن الميت لا يمكن أن يقبض ذلك المال، مما يدل على أن المنتفع بذلك هم الورثة، فالأمور المالية تتعلق بالوارث لا تتعلق بالمورث، وحينما تتعلق بالوارث فثمة منظومة مالية في الإسلام ينبغي أن ينظر إليها على التمام، فإن المرأة لا تنفق على غيرها، فالضرر المادي الذي يلحق الورثة أقل من الضرر المادي الذي يلحق ورثة الرجل، فإن الرجل إذا قتل فإنه يطرأ على ذلك من الضرر على أهله وذريته أكثر مما يطرأ على الأنثى، ولهذا نقول: إن الشريعة نظرت إلى نظام تام فيما يتعلق بأمر الرجل فإنه يقوم بالنفقة على زوجه، ويقوم بدفع مالها وبتوفير السكنى والكسوة وغير ذلك من أمر وشأن الزوجة والأولاد، مما يدل على أن المراد بذلك هو عوض مالي للورثة وليس مبادلة أو تقييم للنفس المقتولة، وذلك أن هذا لا يمكن أن يكون إلا في حال العفو، أي: أن الإنسان أسقط حقه في إراقة الدماء فانتقل عن مسألة المساواة الحقيقية إلى مسألة العوض المادي، فينظر حينئذ إلى موضوع وباب آخر، ليس من هذه المباحث، وهذه من مسألة المساواة والقدر في ذلك والخلاف عند العلماء لعل له موضعاً يأتي الكلام عليه بإذن الله تعالى.

    القصاص بين الحر والعبد

    وأما بالنسبة للحر والعبد، فذهب جمهور العلماء إلى أن الحر لا يقاد بالعبد.

    ومن العلماء من قال: إنه يقاد به، وهذا ذهب إليه بعض الفقهاء كـابن أبي ليلى وداود الظاهري.

    وهذه المسألة من المسائل التي لا دليل فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يأخذ بعض العلماء ببعض القرائن وعمل جماعة من السلف من الصحابة وغيرهم, وأما بالنسبة للعبد مع الحر إذا قام بقتله أو بجراحه، فهذا عند عامة العلماء أنه يقاد به، بل حكي الإجماع على ذلك.

    القصاص بين الأب والابن

    وأما بالنسبة للأب مع ابنه إذا قام الأب بقتل ابنه هل يقاد به أم لا؟

    ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يقاد به، وبعضهم قيده بأنه إذا قتله غيلة، بمعنى قتله قتلة بشعة، مثل: أن يذبحه بسكين أو يجعل ابنه منصوباً فقام بضربه ضرباً متتالياً حتى قتله، قالوا: فهذا يقتل به، وأما ما عداه كأن يكون رمى عليه شيئاً ونحو ذلك فإنه لا يقاد به، وذهب إلى هذا جماعة من العلماء, وهو قول الجمهور.

    ما يحصل به العفو عن القصاص

    وفي قوله سبحانه وتعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [البقرة:178]، العفو المراد بذلك أن ولي الدم إذا أسقط حقه في ذلك، فإنه يسمى عافياً، يعني: عفا عن حقه، والعفو هنا يتحقق من أحد الورثة، فإذا تحقق من واحد سقط بذلك القصاص؛ لأن الدم لا يتجزأ، فإذا كان له ورثة إخوة وله ورثة أبناء أو أب وأم ونحو ذلك، فينظر إلى هؤلاء الورثة، فإذا عفا واحد منهم سقط الدم؛ لأن الدم لا يتبعض، ولهذا نقول: إن العفو في ذلك يتحقق من واحد، والقصاص لا بد أن يكون من الجميع، فإذا عفا واحد تحول ذلك من القصاص إلى أمر الدية.

    أنواع القتل

    ولدينا في مسألة القتل ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: هو قتل العمد. والثاني: قتل شبه العمد. والثالث: قتل الخطأ. ذهب جمهور العلماء إلى هذا التقسيم, وهو قول أبي حنيفة و الشافعي و الإمام أحمد ورواية عن الإمام مالك.

    وذهب الإمام مالك إلى أن القتل على نوعين: قتل عمد, وقتل خطأ، وأن شبه العمد يندرج في قتل العمد، ومن نظر إلى النصوص في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد أن قتل شبه العمد لا دليل عليه, وإنما هو عمل بعض السلف، وقد روي هذا عن علي بن أبي طالب وغيره، فيخففون في أمر شبه العمد، فيدفعون عنه القصاص للشبهة، لقوله صلى الله عليه وسلم: ( ادرؤوا الحدود بالشبهات )، فيتحول عن قتل العمد إلى قتل شبه العمد، فيأخذ الخطأ حكماً ويلحق فيمن يعزر بفعله لظهور شيء من قصد الجناية، فيحكم عليه حكماً لأجل تأديبه في ذلك، وأما بالنسبة لباب الدية فيكون حكمه كحكم الخطأ، وما يتعلق في هذه الصورة في شبه العمد يخرج منها باب المصالحة، يعني: أنه ليس لأحد أن يتصالح مع القاتل في شبه العمد والخطأ، فإذا ذكرنا شبه العمد وأدخلناه مع الخطأ فإنه حينئذ ليس للورثة أن يتصالحوا مع الجاني، وإنما الدية في ذلك ثابتة بخلاف دية العمد، فدية العمد إذا قتل الإنسان فتصالحوا على قيمة فلهم أن يتصالحوا على ما شاءوا من مال, وإن زاد ذلك عن الدية، فالدية فيما هو مقدر شرعاً، فإذا تصالحوا أن يزاد عليها ضعفاً أو ضعفين أو ثلاثة، فيسمى هذا صلحاً، وهذا في حال العفو في قتل العمد، وأما بالنسبة لقتل الخطأ وشبه العمد إذا ألحقناه به فإنه لا يكون فيه صلح.

    وشبه العمد على مراتب: منه ما يسوغ للحاكم أن يلحقه بالعمد، ومنه ما يسوغ للحاكم أن يحلقه بالخطأ, وذلك بحسب القرائن المحتفة به.

    وفي قوله سبحانه وتعالى: مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [البقرة:178]، يعني: أن الحق في ذلك يتحقق ولو بأدنى عفو، إذا عفا عن أصل القتل أو بعضه أو نحو ذلك فإنه حينئذ يتحقق، وذلك كحال الورثة على ما تقدم.

    السلطان الذي جعله الله لولي الدم

    وفي قوله جل وعلا: فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [البقرة:178]، ينبغي أن يعلم أن الله جل وعلا قد جعل لولي الدم سلطاناً فلا يسرف في القتل، والسلطان الذي جعله الله له هو تصرفه بعنق الجاني، وهذا ما تقدمت الإشارة إليه في إقامة أولياء المقتول الحد بأيديهم: هل يقيمونه بأيديهم أم أن ذلك إلى الوالي؟ تقدمت الإشارة إلى هذه المسألة وهو السلطان الذي جعله الله عز وجل بيد أولياء المقتول، فإذا عفي عن القاتل حرم على أولياء المقتول أن يعتدوا عليه، وإن اعتدوا عليه لولي الأمر أن يقوم بقتلهم غيلة، باعتبار أنهم فعلوا ذلك إفساداً في الأرض، فيكون ذلك في حكم الغيلة، فيكون قتلهم حينئذ في حكم الحرابة؛ لأن هذا من عمل الجاهلية، ولا يطلب من أولياء الجاني الأول العفو، باعتبار أن هذا اعتداء على نظام الإسلام وحكمه, وعلى حق ولي الأمر بالإتيان بحدود الله سبحانه وتعالى كما شرع.

    والله سبحانه وتعالى قد امتن على هذه الأمة بذلك التيسير والتخفيف في طلب العفو، ولم يجعل الحكم ماضياً بلا عفو، ولهذا وصف الله عز وجل تقريره ذلك بأنه تخفيف، أي: تيسير من الله وعدم تشديد على هذه الأمة، وهذا من الأمور التي رفعها الله عز وجل عن هذه الأمة مما كان على الأمم السابقة، والتخفيف إذا ذكر في كلام الله سبحانه وتعالى فإنه يراد به تيسيراً عما كان محكماً قبل ذلك على من سبق، فخفف الله عز وجل على هذه الأمة، فقال: تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:178]، الاعتداء بعد ذلك يعني: بعد ذلك العفو اعتدى أولياء المقتول على الجاني الأول فتوعده الله سبحانه وتعالى بالعذاب الأليم، والعذاب الأليم يكون في الآخرة ويكون في الدنيا، قيل: إن المراد بمعناه مع تحقق عذاب الآخرة إن لم يتب هو أن يقتله ولي الأمر من باب الفساد في الأرض؛ لأنه ليس له حق في إقامة الحدود، وهذا نوع من الافتئات, فيكون له حق في إقامة حكم الله سبحانه وتعالى.

    تقرير الإيمان قبل إقامة الحدود

    ما يتعلق بهذه الآية من جهة كونها نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوائل قدومه إلى المدينة، وتأخر إنزال أحكام الحدود على النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة ولم تنزل بمكة؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له دولة في مكة، ولم يكن له أمة عليه الصلاة والسلام تتبعه، وإنما كانوا أفراداً معدودين، منهم من كان حوله، ومنهم من كان بعيداً عنه، وهذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي للحاكم وكذلك الأمير إذا استولى على بلد من البلدان ولم يكونوا من أهل الإيمان والإسلام أن يقوم بتقرير الإيمان فيهم ودعوتهم إلى الإسلام قبل إقامة حكم الله عليهم، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل الله حكمه على الناس بإقامة الحدود إلى المدينة؛ حتى تنتظم دولة الإسلام، فإذا كان للوالي دولة، وانتظم له الأمر فإنه يجب عليه أن يقيم الإسلام وأن يقيم الحدود، ولهذا نقول" إن الأصل في النصوص لما تقررت وثبت الحكم بما أمر الله عز وجل به في قوله: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [يوسف:40]، وجب على الإنسان أن يأتي بحكم الله جل وعلا وألا يخالفه.

    وأما الاستدلال بالتدرج في هذا، فنقول: إن التدرج في ذلك إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان في بلد كفر, قبل أن يستقر له نظام، وبهذا نعلم أن المسلمين إذا كانوا في دار حرب أو في دار كفر فإنهم لا يقيمون الحدود على من خالف منهم؛ كحال الذين يجاهدون في الثغور، أو الذين يستولون على بعض البلدان التي لا تعرف من الإسلام شيئاً، أو يعرف آحادهم الإسلام، فنقول حينئذ: ليس لهم أن يقيموا حدود الله فيها حتى يعلموا الناس حكم الله في هذه الأفعال، وذلك أنه لا يناسب أن الإنسان يقيم حكم الله عز وجل على أناس لا يعلمون أن القذف محرم، أو الزنا محرم، أو أن شرب الخمر محرم، حتى يبين لهم الإنسان ذلك، ثم إذا بين لهم ذلك أقام عليهم الحدود، فالتدرج حينئذ هو بفعل الحاكم والنص لديه محكم، فلم يكن ثمة تبديل، وذلك يختلف عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بمكة لم يكن لديه الحكم تاماً من ربه، ولم يؤجله، ولو كان لديه الحكم تاماً لم يسع النبي صلى الله عليه وسلم إلا الحكم بما أمر الله عز وجل به، ولكن الله أجله بعد ذلك حتى تستقر دولة الإسلام، فيكون الخليفة والوالي خليفة لله سبحانه وتعالى في الأرض، فإذا ولي بلداً أو كان في بلد لا تقر بشريعة الله سبحانه وتعالى جملة وتفصيلا، فإنه لا يقيم فيهم الحدود حتى يعلمهم حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا يتشبث به ويقيمه من عمل بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقيام بالدعوة، لا أن يستولي أحد من المسلمين على بلد من البلدان فيعطل دعوة المسلمين بعد دعوة المشركين إلى الإسلام، وبيان حكم الله لهم، ويعطل حكم الشريعة أيضاً بحجة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم على بلد، فعطل الأمرين معاً، فهذا قرينة على اتباع الهوى لا التدرج في أحكام دين الله، ولهذا نقول: إن التدرج الذي كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه في إنزال الوحي ينبغي أن يكون على تلك الحال بعيداً عن هوى النفس في عجلة أو تهاون، ولهذا نستطيع أن نقول: إن أحوال دولة الإسلام في أبواب الحدود لا تخرج عن حالين:

    الحالة الأولى: في حال قيام دولة الإسلام واستقرارها فهذا يجب فيها إقامة الحدود ولا خلاف عند العلماء في ذلك لا من متقدم ولا من متأخر؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى جعل حكمه عبادة، فقال سبحانه وتعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، وقال الله جل وعلا: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، والخطاب في ذلك يتوجه إلى السلطان والحاكم، وأنه يجب عليه أن يحكم في حال استقرار الأمر له.

    والنبي صلى الله عليه وسلم من نظر إلى حاله في المدينة يعرف وصف الاستقرار، فالنبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ثم قام بإقامة الحدود وفي المدينة يهود، فأقام عليه الصلاة والسلام الحد على المسلم وغيره، ولهذا نقول: إن إقامة الحدود هي أن يكون لدى الحاكم أرض يملك فيها الأمر، وأن يكون له رعية تفقه أحكام الشريعة من جهة الذنوب التي يقترفونها، فلا يقيم الحد في مجتمع لا يعلمون أن شرب الخمر محرم، حتى يبين أن الخمر محرم، ثم بعد ذلك يقيم الحدود عليهم، وهذا يتباين بحسب الحد الذي يجهله الناس أو لا يجهلونه، ومن نظر إلى أحوال المسلمين في الزمن المتأخر يجد أنه لا يكاد بلد من بلدان المسلمين إلا ويعلمون حكم الله عز وجل في الدماء, وحكم الله في الخمر, وحكم الله في الزنا, وحكم الله في القذف، فيعلمون أن هذه من الأمور المحرمة، ولكن ما يتعلق هنا هو في بيان تلك المراتب على سبيل التفصيل، فربما احتاج المسلمون في بلد ناء أو نحو ذلك إلى شيء من ذلك فيبين هذا الأمر، ولهذا في حال استقرار دولة الإسلام، وأن يكون الحاكم قد وضع يده عليها وجب عليه أن يقيم الحدود مباشرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فنزلت عليه الآيات في إقامة الحدود والقصاص فكان أول دم أقامه النبي صلى الله عليه وسلم وهو في سفره إلى تبوك، كما جاء ذلك ويأتي الإشارة إليه بإذن الله تعالى.

    الحالة الثانية: في حال عدم وجود دولة للإسلام أو عدم الاستقرار، وذلك كأن يكون المسلمون في دار الحرب يقاتلون، أو أن يكونوا في غربة وليسوا في دار حرب وليسوا في دار إسلام، وذلك كحال النبي صلى الله عليه وسلم حينما طرد من مكة، وذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ثم ذهب النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك من مكة إلى المدينة، فهذه الحال هل تقام فيها الحدود أم لا؟

    بعض العلماء يفرق بين وجود دولة للإسلام يُرجع إليها عند الحاجة لمن كان مسافراً أو نائياً أو طريداً عنها، فقالوا: يجب إقامة الحدود ما استقرت للمسلمين دولة، ولكن التحقيق في ذلك أن يقال: إن المسلمين إذا كانوا في دار حرب، أو كانوا مطرودين فإنه ليس لهم أن يقيموا الحدود فيما بينهم إذا كان ذلك في حق الله عز وجل المحض إذا خشي على من يقام عليه الحد أن يلحق بالمشركين.

    إقامة الحدود في حال الحرب ونحوه

    إن المسلمين في حال عدم استقرار دولتهم أو كانوا في دار حرب، نقول: إن أمر الحدود في دار الحرب لا تخلو من نوعين:

    النوع الأول: حدودٌ الحق فيها للإنسان، فإذا كان الحق للإنسان وجب أن يقام في ذلك الحد، وذلك كحال القتل، وهذا محل اتفاق عند العلماء، ولا أعلم فيه مخالفاً، فإذا قتل مسلم مسلماً في الغزو فإنه يقتل به إذا كان عمداً ولم يعفوا الورثة، والدليل على ذلك ما رواه ابن إسحاق في كتابه السيرة عن عمرو بن شعيب قال: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان في مسيره إلى الطائف في غزوة الطائف وحصارها، قتل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من المسلمين، وهذا أول دم قيد به في الإسلام )، وهذا وإن كان أخرجه ابن إسحاق وكذلك ابن جرير الطبري في كتابه التاريخ من حديث عمرو بن شعيب مرسلاً إلا أنه جاء من وجه آخر موصولاً، رواه الواقدي في كتابه المغازي، وهذه القصة مشهورة في كتب السير، وهذا أول قصاص أقامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في حال الغزو؛ لأنه في حق الآدميين.

    النوع الثاني: الحدود التي يكون الحق فيها لله سبحانه وتعالى؛ وذلك كحد شرب الخمر والزنا، فإن هذا من حق الله سبحانه وتعالى الخالص، فهل يقام الحد في دار الحرب أم لا؟ هذا مما اختلف فيه العلماء على قولين:

    القول الأول: وهو قول الأوزاعي و الإمام أحمد و أبي حنيفة و أبي يوسف و إسحاق بن راهويه أنه لا تقام الحدود في دار الحرب، واستدلوا لذلك بجملة من الآثار المروية عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله، وكذلك أيضاً مما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم, ولا تخلو أسانيدها من إعلال، ما روى الإمام أحمد في كتابه المسند و أبي داود و الترمذي من حديث جنادة بن أبي أمية عن بسر بن أرطاة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تقطع الأيدي في السفر )، وجاء في بعض المرويات: ( لا تقطع الأيدي في الحرب )، وهذا الحديث قد أعله غير واحد من العلماء واستغربه الترمذي؛ وذلك أن بسراً لا يعرف له سماع من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نص على عدم سماعه منه غير واحد من العلماء؛ كابن معين و أحمد بن حنبل والشافعي رحمه الله كما في كتابه الأم، وأشار إلى هذا البيهقي عليه رحمة الله، وحكاه ابن عبد البر رحمه الله في كتابه الاستذكار.

    وجاء عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله أنه كتب إلى الأجناد ألا يقيموا حداً حتى لا تأتيه حمية الشيطان فيلحق بالمشركين، وأن يؤجلوا القصاص حتى رجوعهم، يعني: إلى بلد المسلين، فهذا الأثر جاء عن عمر بن الخطاب من طرق متعددة، فجاء من حديث حكيم بن عمير عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله، ورواه عن حكيم جماعة، فرواه الأحوص بن حكيم عن أبيه، و الأحوص قد ضعفه بعض الأئمة, ولكن تابعه عليه ثور بن يزيد، وقد جاء من وجه آخر أيضاً عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله من حديث حسان عن حصين عن عمر بن الخطاب، وجاء من وجوه أخرى وفي أسانيدها مجاهيل، ولكن مجموعها يدل على أن لها أصلاً عن عمر بن الخطاب أنه كان يكتب بعدم إقامة الحد في دار الحرب، وجاء هذا أيضاً بإسناد فيه جهالة عن أبي الدرداء عليه رضوان الله, وهذا ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة وقول الأوزاعي، وقال الترمذي رحمه الله: ذهب إليه بعض أهل العلم, يعني: في عدم إقامة الحد في دار الحرب، ويعللون بذلك بجملة من التعليلات: وهي: إن دار الحرب تكون فيها النفوس ضعيفة وقلقة فتخشى الموت, وربما كان إقامة الحد دافعاً لبعض النفوس أن تهرب من مواجهة المشركين فتلحق بهم، فيكون ذلك مدخلاً لحمية الشيطان عليه.

    وهؤلاء الذين قالوا بهذا القول منهم من فصل وقال: إن الحد يسقط بالكلية, وهذا ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله, ومنهم من قال: إن الحد لا يسقط بالكلية ولكن يسقط في دار الحرب، فإذا رجع إلى بلدان المسلمين يقام عليه الحد، وهذا قول الإمام أحمد وهو ظاهر مذهب الحنابلة.

    والذي يظهر -والله أعلم- أن عدم إقامة الحدود في دار الحرب هو الأرجح؛ وذلك لمجموع ما جاء عن عمر بن الخطاب، كذلك للتعليل القوي في ذلك، وذلك أن الإنسان إذا كان في دار الإقامة وكان حاكماً فرأى مصلحة بتأجيل الحد جاز له ذلك، وذلك كالمرأة التي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي حامل فأجل الحد عليها، ثم جاءت بعد ذلك وهي مرضع فأجل الحد عليها، وهذا في حال الإقامة لمصلحة المرأة وابنها، مع أنه يمكن أن يوجد للمولود مرضع.

    ولهذا نقول إن مصلحة الإسلام في ذلك أعظم إذا كان الإنسان في جبهة القتال، فإذا خيف على الجاني أن يلحق بالمشركين لضعف إيمانه وهذا هو الغالب أن الإنسان لا يقع في أمور الحدود بشرب الخمر أو يقع في الزنا في حال الحرب ونحو ذلك إلا وفيه ضعف في إيمانه، ووجوده مع المسلمين في ذلك ينبغي أن يُتألف, خاصة إذا كان من اقترف ذلك في ذهابه كسر لشوكة المسلمين؛ كأن يكون قائداً أو خبيراً أو دليلاً خريتاً عارفاً بالطرق ونحو ذلك فربما كان في إقامة الحد عليه ولحاقه بالمشركين أذية بأهل الإسلام، فنقول حينئذ: إنه يؤجل أمره في ذلك، وقد كتب أبو عبيدة بن الجراح عليه رضوان الله في جماعة شربوا الخمر في غزوة, وممن شرب الخمر ضرار بن الأزور عليه رضوان الله وقال له: لا تقم علي الحد حتى أرجع فربما ألقى الله، يعني: ربما يكون وجودي في هذه الجبهة موضع للقتل, فلم يحده عليه رضوان الله، وقتل ضرار، ثم أقام الحد بعد ذلك على رجلين شربا الخمر، وهذا يرجع فيه إلى مصلحة قائد الجيش وقائد المسلمين، ومصلحته في ذلك ينظر إذا كان الإنسان من أهل الإيمان والثبات في هذا فإنه حينئذ يقام عليه الحد, وإذا كان ممن تضعف حاله ونحو ذلك فإنه يؤجل عليه الحد، على قول جماعة من العلماء, وهو قول الإمام أحمد و إسحاق.

    وأما أبو حنيفة رحمه الله فيرى سقوط الحد على الإطلاق في دار الحرب وأنه لا تقام الحدود على الإطلاق؛ وذلك لأن المسلمين في مهمة أعظم، في صراع بين الكفر والإيمان، ويستثني أبو حنيفة رحمه الله حالة واحدة؛ قال: إذا كان الإمام الأعظم حاضراً لا أمير الجيش والجند، قال: فإذا كان حاضراً فإنه هو الذي يقيم الحد.

    القول الثاني: قالوا بوجوب إقامة الحد في الحل والسفر، في الحرب وغيرها، وهذا هو قول الإمام مالك رحمه الله و الليث بن سعد والإمام الشافعي، وشدد الشافعي أيضاً في هذه المسألة فقال بالإقامة على كل حال، واستدلوا لهذا بما جاء في حديث مكحول عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أقيموا الحدود في الحضر والسفر، وعلى القريب والبعيد، ولا تأخذكم بالله لومة لائم )، وهذا الحديث لا يصح إسناده؛ فإن مكحولاً لم يسمعه من عبادة بن الصامت كما نص على ذلك غير واحد من الحفاظ، واستدلوا أيضاً بأن ( النبي صلى الله عليه وسلم أقام الحد على من قتل رجلاً حينما كان في مسيره إلى تبوك )، كما تقدمت الإشارة إليه.

    ولكن نقول: هذا هو خارج عن مبحثنا، وذلك إن إقامة الحد في مثل هذه المسألة ليست من هذه المباحث على ما تقدم تأصيله، وذلك أن الحق للآدمي، وذلك أن المصلحة التي يدفع فيها إقامة الحد في دار الحرب هو خشية أن يلحق الإنسان بالمشركين، ولكن إذا قتل نفساً ثم لم يقم الحد عليه فإن للمقتول أصحاباً وله ورثة, فربما قاموا بقتله فكان الخلاف والفرقة حاصلة ومتحققة وسط المسلمين، وربما لحق أيضاً بالمشركين قبل أن يقام عليه الحد، ثم أيضاً إن إقامة الحد على القاتل تضعف فيها العلة أو تنعدم من جهة لحاقه باعتبار أننا إذا أقمنا عليه حد القتل، وهو القصاص أنه يقتل بذلك وتنتفي المفسدة، فإنه ليس بحي, بخلاف الإنسان الذي يقام عليه مثلاً حد شرب الخمر أو حد الزنا إذا لم يكن محصناً، فإنه ربما بعد حده يذهب أو تأخذه حمية الجاهلية، فيقول: أقمت مع المسلمين لنصرتهم فقاموا بإقامة الحد علي، فيلحق بالمشركين وهذا يكون عند الإنسان إذا لحقته حمية مع جهل متحقق فيه، وبهذا نعلم أن المسلمين الذين يجاهدون في سبيل الله في كثير من الثغور ينبغي لهم في حال عدم استقرار الدولة ألا يقيموا الحدود تنظيماً، يعني: ألا يجعلوها نظاماً على الناس حتى يستقر لهم الأمر؛ خشية أن تأخذ الحمية الضعفاء أو من يرغب أن يلحق بلوائهم، ومن رأوا منه قوة الإيمان فيقيمون الحد عليه.

    ولهذا نقول: إن إقامة الحد مرتبطة برأي أمير الجيش, فإذا رأى أن من أصاب حداً لا يلحق بالمشركين إذا أقيم عليه الحد؛ لقوة إيمانه أو لحميته في ذاته ضد المشركين، فإنه حينئذ يجب عليه أن يقيم الحد، ولكن لا بد أن يكون في المسلمين من إذا أصاب حداً فأقيم عليه الحد مع ضعف إيمانه خاصة في الأزمنة المتأخرة حيث إن كثيراً من المسلمين فيه يقاتلون ربما لأجل الحمية الوطنية أو ربما لأجل حمية القبيلة أو العرق أو البلد أو ربما لأجل المال ونحو ذلك، فيكون في المسلمين من ينضوي تحت لوائهم ونيته مشوبة بشيء، ولهذا نقول: إنه في حال عدم استقرار دولة الإسلام, وعدم وجود أرض يستقر فيها الناس، وعدم وجود استقرار منظومة الإسلام من جهة السمع والطاعة، فتوفر في ذلك الحاكم والمحكوم, فإن الأولى في ذلك ألا يقام الحد على الجميع وإنما ينظر بحسب الحال.

    وأما في حال استقرار الأمر فإنه تقام الحدود ولا خلاف عند العلماء في ذلك.

    إقامة الأحزاب الإسلامية الحدود إذا تولت الحكم

    وهنا مسألة يتكلم عليها كثيراً خاصة في هذه الأيام؛ وهي ما يتعلق بالبلدان الإسلامية التي جاءت فيها الثورات, وزال فيها حكام كثر متعددون, فاستقر أمر أحزاب إسلامية عليها، فهل يجب عليهم وجوباً أن يقيموا حدود الله فيها أم لا؟ وهل يعذرون في عدم إقامة الحدود فيها أم لا؟ هل يلحقون بحال النبي صلى الله عليه وسلم في مكة أم لا يلحقون؟ نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وفيها اليهود، وفيها منافقون، والناس يتربصون أيضاً برسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم ممن حوله، ومع ذلك كان يقيم الحدود، ولهذا نقول: إن الأحزاب الإسلامية التي تسيطر على دول إسلامية من أعظم ذنبها في حق الله سبحانه وتعالى أن تعلن أنها لا تريد تحكيم الشريعة، فهذا لا يجوز حتى على القول بخلاف العلماء, فالعلماء حينما يقولون هو إسقاط حد في نازلة أو في حال, لا إسقاط التشريع وإعلان عدم تحكيم شريعة الله في الأرض، فهذا محادة لله ولرسوله.

    ولهذا الواجب عليهم في ذلك إذا استقر لهم الأمر أن يحكموا أمر الله سبحانه وتعالى, ولا حرج عليهم أن يسقطوا الحد عن نازلة بعينها أو عن فرد بعينه، وهذا لا يعني تعطيلاً لأصل الحكم، إذا تحققت مفسدة يرونها متيقنة، وحكم في ذلك أهل العقل والديانة؛ أنه إذا أقيم الحد في تلك النازلة ونحو ذلك، فإنه ربما لحق أولئك بالمشركين، أو ثارت ثائرة عدو عليهم، فإنهم حينئذ لا حرج عليهم أن يسقطوا الحد عن نازلة لا عن مجموع حكم الله، وما يجب في حكم الله سبحانه وتعالى هو في حال توفر حاكم ومحكوم، أما الحاكم فهو في قول الله جل وعلا: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وأما بالنسبة للمحكوم وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65].

    وأما ما يتعلق بأمر الإعلان الذي نسمعه بين فينة وأخرى ممن يرشح من بعض الأحزاب يقول: لن أفعل كذا، ولن أفعل كذا، ولن أفعل كذا فهذا من الوهن، ممن يقول: إننا لا نقيم الحدود أو لا نقيم الشريعة أو لا نريد أن نواجه من يشربون الخمر أو الزناة أو العراة أو نحو ذلك، فهذا من الخطأ في دين الله سبحانه وتعالى، ولا حرج على الحاكم إذا كان في زمن فتنة أو في زمن ضعف أن يسكت عن إقامة الدين لا أن يبدي تبديلاً لدين الله، وفرق بين هاتين الحالتين، والحالة التي يكون فيها الإنسان في حال ضعف لا حرج عليه أن يسكت عما يريد أن يبيته من حكم على الناس، من بيان حالهم وكذلك تسيير نظامهم، خاصة في الأنظمة الوضعية التي استحكمت على بلدان لعقود طويلة كما يحدث في زمننا هذا في تونس, وكذلك في مصر وفي ليبيا وفي المغرب ونحو ذلك، فاستغرقت في الناس، وكذلك تأصلت وتجذرت فيهم تلك المفاهيم، وكانت تلك الأنظمة لدول غربية وتقوم بحمايتها، فنقول: إن الإنسان في ذلك ليس له أن يعلن شيئاً، وإنما يجب عليه وجوباً عند كل أحد أن يسكت عن مخالفة أمر الله، لا أن يتودد للناس بمخالفة أمر الله سبحانه وتعالى، ولا حرج عليه إذا عرف ما يريده الناس من دين الله سبحانه وتعالى ومن إقامة الحدود أن يحيل الأمر إلى ما يريده الناس إذا كان يعلم أنهم يريدون الإسلام، فيقول: إن الأمر ما يقضي به الناس، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاءه اليهود أرادوا أن يحكم فيهم بأمر الله عز وجل فأحالهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما في كتابهم؛ لعلمه أن ما في كتابهم يوافق أمر الله سبحانه وتعالى، ولهذا إذا تيقن الإنسان أن أمر العامة على هذا الأمر فلا حرج عليه أن يحيل الأمر إليهم, وهذا ما يسميه البعض بالنظام الديمقراطي، وهو نظام إذا نظر الإنسان إليه بمجموعه يجد أنه ينطوي على كثير من أصول الفساد، وأظهر أصول الفساد فيه أن النظام الديمقراطي في ذاته لا يمكن أن يتحقق إلا بإقامة هذا النظام على ذلك النظام، وذلك أن أي نظام في الأرض يبطل نفسه لا يمكن أن يكون صحيحاً، فالنظام الديمقراطي: هو حكم الأغلبية، فإذا اختارت الأغلبية عدم حكم الأغلبية، فهذا النظام ليس بصحيح، فإذا قلنا: إن هذا دستور وهو نظام الديمقراطية وحكم الأغلبية, ثم أتينا إلى بلد من البلدان وقلنا في هذا البلد: ما رأيكم بنظام الديمقراطية؟ فذهب الأغلبية إلى عدم الحكم بالديمقراطية، فهل تنتقض الديمقراطية أو لا تنتقض على الديمقراطية؟ نقول: نقضت الديمقراطية الديمقراطية، فهذه ديمقراطية تنقض بعضها، والنظام إذا نقض بعضه بناء نفسه بنفسه فليس بنظام صحيح، ولهذا الديمقراطية لو أخذت في بلدان المسلمين على أنها دستور، هل يراد أن يحكم بها قبل أن تفتح، لاختارت الشعوب عدم القبول بها، ولكنهم يفرضون النظام، ولا يجعلون لأحد عليه حكماً، وهذا من جهة الفرض؛ كفرض المسلمين لحكم الله ولا يقبلون فيه مساومة, ويوجبون على الناس أن يفتح، وأما من يقول: إنكم تستبدون بفرض حكم الله عز وجل على الناس وأنه لا يقبل الشورى، كذلك تستبدون بفرض الديمقراطية قبل مشاورة الناس على تطبيق الديمقراطية، فإذا وضعت للديمقراطية دستور، ووضع كذلك أيضاً للإسلام دستور واستفتى الناس على ذلك، فهذا يمكن أن يقال: إنه يجري على نظام الديمقراطية، ولكنهم يستبدون ويأمرون بها الشعوب، ويأمرون الدول بوجوب إقامتها فيهم، وهذا إذا نظر إليه الإنسان يجد أنه استبداد ظاهر يتهمون فيه الإسلام وهم يقعون فيه، ولهذا يحاربون الشعوب ويقتلون الأنفس بطائرات وصواريخ ويحتلون بلدان لأجل تطبيق الديمقراطية، وحينما يجاهد المسلمون في سبيل الله؛ لإقامة دين الله يقولون: هذا من الاستبداد، وهذا من الإرهاب، فما الذي أجاز إرهاب الديمقراطية وحرم إرهاب الإسلام؟!! والله جل وعلا يقول في كتابه العظيم: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ [الأنفال:60]، فعلى هذا نقول إن الإرهاب على نوعين: إرهاب محمود وهو في هذه الآية, وإرهاب مذموم, وهو ما ذمه الله عز وجل من إخافة الآمن وترويعه وقتله بغير حق.

    ومن أعظم ما يجعل الصلة قوية بين الحاكم والمحكوم، ويضبط أحوال الناس هو إقامة شريعة الله وحكمه في الأرض، ولهذا جاءت شريعة الإسلام، وهو حكم الله سبحانه وتعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام لما جاء في المدينة، فإن الحاكم الذي ليس له نظام في الناس يربطه بينهم من جهة العقوبة ومن جهة الحدود ونحو ذلك، لا يمكن أن يكون له هيبة ولا شوكة، فأراد الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام استقرار الأمر بإقامة شريعته على الناس؛ حتى يُهاب عليه الصلاة والسلام، ولهذا الدولة التي لا نظام فيها لا ترهب، والدولة التي لا تقيم حكم الله سبحانه وتعالى لا يهابها أحد، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم نصره الله بالرعب مسيرة شهر كامل، وهذه المسيرة ما كانت لتحدث لولا ما قذفه الله عز وجل في قلوب خصومه من شدته عليه الصلاة والسلام في أمر دين الله سبحانه وتعالى، وأنه كان عليه الصلاة والسلام في إقامة الحدود، لا تأخذه في الله لومة لائم، وأما ما عدا ذلك فيما يتعلق بالتعامل مع الناس واللين معهم، كذلك أيضاً في إسقاط بعض العقوبات على بعض الأفراد الذين يخشى من ذلك مفسدة على نظام الإسلام تام، فإن هذا ربما فعله النبي صلى الله عليه وسلم كما فعل في قضية عبد الله بن أبي وغيره؛ خشية أن يتحدث الناس أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، فهذا التعليل فيه إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك ذلك إلا سياسة شرعية، فهو ترك لنازلة عينية لا لنظام تام، فنظام الأمر كامل وهو على أمر الله سبحانه وتعالى، والله جل وعلا من نصر دينه نصره، ومن أعزه مكن له في الأرض، ومن ترك دين الله وجعله تلقاء ظهره أذله الله سبحانه وتعالى وهذا أمر مشاهد.

    نكتفي بهذا, والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.